وَمَن لا يُكَرِّم نَفسَهُ لا يُكَرَّمِ

زُهَير بن أبي سُلمَى
? – 13 ق. هـ / ? – 609 م
زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رباح المزني، من مُضَر.
حكيم الشعراء في الجاهلية وفي أئمة الأدب من يفضّله على شعراء العرب كافة.
قال ابن الأعرابي: كان لزهير من الشعر ما لم يكن لغيره: كان أبوه شاعراً، وخاله شاعراً، وأخته سلمى شاعرة، وابناه كعب وبجير شاعرين، وأخته الخنساء شاعرة.
ولد في بلاد مُزَينة بنواحي المدينة وكان يقيم في الحاجر (من ديار نجد)، واستمر بنوه فيه بعد الإسلام.
قيل: كان ينظم القصيدة في شهر وينقحها ويهذبها في سنة فكانت قصائده تسمّى (الحوليات)، أشهر شعره معلقته التي مطلعها:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم
ويقال : إن أبياته في آخرها تشبه كلام الأنبياء

أَمِن أُمِّ أَوفى دِمنَةٌ لَم تَكَلَّمِ

بِحَومانَةِ الدُرّاجِ فَالمُتَثَلَّمِ

وَدارٌ لَها بِالرَقمَتَينِ كَأَنَّها

مَراجِعُ وَشمٍ في نَواشِرِ مِعصَمِ

بِها العَينُ وَالأَرآمُ يَمشينَ خِلفَةً

وَأَطلاؤُها يَنهَضنَ مِن كُلِّ مَجثِمِ

وَقَفتُ بِها مِن بَعدِ عِشرينَ حِجَّةً

فَلَأياً عَرَفتُ الدارَ بَعدَ التَوَهُّمِ

أَثافِيَّ سُفعاً في مُعَرَّسِ مِرجَلٍ

وَنُؤياً كَجِذمِ الحَوضِ لَم يَتَثَلَّمِ

فَلَمّا عَرَفتُ الدارَ قُلتُ لِرَبعِها

أَلا عِم صَباحاً أَيُّها الرَبعُ وَاِسلَمِ

تَبَصَّر خَليلي هَل تَرى مِن ظَعائِنٍ

تَحَمَّلنَ بِالعَلياءِ مِن فَوقِ جُرثُمِ

عَلَونَ بِأَنماطٍ عِتاقٍ وَكِلَّةٍ

وِرادٍ حَواشيها مُشاكِهَةِ الدَمِ

وَفيهِنَّ مَلهىً لِلصَديقِ وَمَنظَرٌ

أَنيقٌ لِعَينِ الناظِرِ المُتَوَسِّمِ

بَكَرنَ بُكوراً وَاِستَحَرنَ بِسُحرَةٍ

فَهُنَّ لِوادي الرَسِّ كَاليَدِ لِلفَمِ

جَعَلنَ القَنانَ عَن يَمينٍ وَحَزنَهُ

وَمَن بِالقَنانِ مِن مُحِلٍّ وَمُحرِمِ

ظَهَرنَ مِنَ السوبانِ ثُمَّ جَزَعنَهُ

عَلى كُلِّ قَينِيٍّ قَشيبٍ مُفَأَّمِ

كَأَنَّ فُتاتَ العِهنِ في كُلِّ مَنزِلٍ

نَزَلنَ بِهِ حَبُّ الفَنا لَم يُحَطَّمِ

فَلَمّا وَرَدنَ الماءَ زُرقاً جِمامُهُ

وَضَعنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيِّمِ

سَعى ساعِيا غَيظِ بنِ مُرَّةَ بَعدَما

تَبَزَّلَ ما بَينَ العَشيرَةِ بِالدَمِ

فَأَقسَمتُ بِالبَيتِ الَّذي طافَ حَولَهُ

رِجالٌ بَنَوهُ مِن قُرَيشٍ وَجُرهُمِ

يَميناً لَنِعمَ السَيِّدانِ وُجِدتُما

عَلى كُلِّ حالٍ مِن سَحيلٍ وَمُبرَمِ

تَدارَكتُما عَبساً وَذُبيانَ بَعدَما

تَفانوا وَدَقّوا بَينَهُم عِطرَ مَنشِمِ

وَقَد قُلتُما إِن نُدرِكِ السِلمَ واسِعاً

بِمالٍ وَمَعروفٍ مِنَ الأَمرِ نَسلَمِ

فَأَصبَحتُما مِنها عَلى خَيرِ مَوطِنٍ

بَعيدَينِ فيها مِن عُقوقٍ وَمَأثَمِ

عَظيمَينِ في عُليا مَعَدٍّ وَغَيرِها

وَمَن يَستَبِح كَنزاً مِنَ المَجدِ يَعظُمِ

فَأَصبَحَ يَجري فيهُمُ مِن تِلادِكُم

مَغانِمُ شَتّى مِن إِفالِ المُزَنَّمِ

تُعَفّى الكُلومُ بِالمِئينَ فَأَصبَحَت

يُنَجِّمُها مَن لَيسَ فيها بِمُجرِمِ

يُنَجِّمُها قَومٌ لِقَومٍ غَرامَةً

وَلَم يُهَريقوا بَينَهُم مِلءَ مِحجَمِ

فَمِن مُبلِغُ الأَحلافِ عَنّي رِسالَةً

وَذُبيانَ هَل أَقسَمتُمُ كُلَّ مُقسَمِ

فَلا تَكتُمُنَّ اللَهَ ما في نُفوسِكُم

لِيَخفى وَمَهما يُكتَمِ اللَهُ يَعلَمِ

يُؤَخَّر فَيوضَع في كِتابٍ فَيُدَّخَر

لِيَومِ الحِسابِ أَو يُعَجَّل فَيُنقَمِ

وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ

وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ

مَتى تَبعَثوها تَبعَثوها ذَميمَةً

وَتَضرَ إِذا ضَرَّيتُموها فَتَضرَمِ

فَتَعرُكُّمُ عَركَ الرَحى بِثِفالِها

وَتَلقَح كِشافاً ثُمَّ تَحمِل فَتُتئِمِ

فَتُنتَج لَكُم غِلمانَ أَشأَمَ كُلُّهُم

كَأَحمَرِ عادٍ ثُمَّ تُرضِع فَتَفطِمِ

فَتُغلِل لَكُم ما لا تُغِلُّ لِأَهلِها

قُرىً بِالعِراقِ مِن قَفيزٍ وَدِرهَمِ

لَعَمري لَنِعمَ الحَيُّ جَرَّ عَلَيهِمُ

بِما لا يُواتيهِم حُصَينُ بنُ ضَمضَمِ

وَكانَ طَوى كَشحاً عَلى مُستَكِنَّةٍ

فَلا هُوَ أَبداها وَلَم يَتَجَمجَمِ

وَقالَ سَأَقضي حاجَتي ثُمَّ أَتَّقي

عَدُوّي بِأَلفٍ مِن وَرائِيَ مُلجَمِ

فَشَدَّ وَلَم تَفزَع بُيوتٌ كَثيرَةٌ

لَدى حَيثُ أَلقَت رَحلَها أُمُّ قَشعَمِ

لَدى أَسَدٍ شاكي السِلاحِ مُقَذَّفٍ

لَهُ لِبَدٌ أَظفارُهُ لَم تُقَلَّمِ

جَريءٍ مَتى يُظلَم يُعاقِب بِظُلمِهِ

سَريعاً وَإِلّا يُبدَ بِالظُلمِ يَظلِمِ

رَعَوا ما رَعَوا مِن ظِمئِهِم ثُمَّ أَورَدوا

غِماراً تَسيلُ بِالرِماحِ وَبِالدَمِ

فَقَضَّوا مَنايا بَينَهُم ثُمَّ أَصدَروا

إِلى كَلَأٍ مُستَوبِلٍ مُتَوَخَّمِ

لَعَمرُكَ ما جَرَّت عَلَيهِم رِماحُهُم

دَمَ اِبنِ نَهيكٍ أَو قَتيلِ المُثَلَّمِ

وَلا شارَكوا في القَومِ في دَمِ نَوفَلٍ

وَلا وَهَبٍ مِنهُم وَلا اِبنِ المُحَزَّمِ

فَكُلّاً أَراهُم أَصبَحوا يَعقِلونَهُم

عُلالَةَ أَلفٍ بَعدَ أَلفٍ مُصَتَّمِ

تُساقُ إِلى قَومٍ لِقَومٍ غَرامَةً

صَحيحاتِ مالٍ طالِعاتٍ بِمَخرِمِ

لِحَيٍّ حِلالٍ يَعصِمُ الناسَ أَمرُهُم

إِذا طَلَعَت إِحدى اللَيالي بِمُعظَمِ

كِرامٍ فَلا ذو الوِترِ يُدرِكُ وِترَهُ

لَدَيهِم وَلا الجاني عَلَيهِم بِمُسلَمِ

سَئِمتُ تَكاليفَ الحَياةِ وَمَن يَعِش

ثَمانينَ حَولاً لا أَبا لَكَ يَسأَمِ

رَأَيتُ المَنايا خَبطَ عَشواءَ مَن تُصِب

تُمِتهُ وَمَن تُخطِئ يُعَمَّر فَيَهرَمِ

وَأَعلَمُ عِلمَ اليَومِ وَالأَمسِ قَبلَهُ

وَلَكِنَّني عَن عِلمِ ما في غَدٍ عَم

وَمَن لا يُصانِع في أُمورٍ كَثيرَةٍ

يُضَرَّس بِأَنيابٍ وَيوطَأ بِمَنسِمِ

وَمَن يَكُ ذا فَضلٍ فَيَبخَل بِفَضلِهِ

عَلى قَومِهِ يُستَغنَ عَنهُ وَيُذمَمِ

وَمَن يَجعَلِ المَعروفَ مِن دونِ عِرضِهِ

يَفِرهُ وَمَن لا يَتَّقِ الشَتمَ يُشتَمِ

ومن لا يزد عن حوضه بنفسه

يهدم ومن يخالق الناس يعلم

وَمَن هابَ أَسبابَ المَنِيَّةِ يَلقَها

وَإن يرق أَسبابَ السَماءِ بِسُلَّمِ

وَمَن يَعصِ أَطرافَ الزُجاجِ ينلنهُ

يُطيعُ العَوالي رُكِّبَت كُلَّ لَهذَمِ

وَمَن يوفِ لا يُذمَم وَمَن يُفضِ قَلبُهُ

إِلى مُطمَئِنِّ البِرِّ لا يَتَجَمجَمِ

وَمَن يَغتَرِب يَحسِب عَدُوّاً صَديقَهُ

وَمَن لا يُكَرِّم نَفسَهُ لا يُكَرَّمِ

وَمَهما تَكُن عِندَ اِمرِئٍ مِن خَليقَةٍ

وَإِن خالَها تَخفى عَلى الناسِ تُعلَمِ

وَمَن يزل حاملاً على الناسَ نَفسَهُ

وَلا يُغنِها يَوماً مِنَ الدَهرِ يُسأَمِ

 

زُهَير بن أبي سُلمَى
? – 13 ق. هـ / ? – 609 م
زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رباح المزني، من مُضَر.
حكيم الشعراء في الجاهلية وفي أئمة الأدب من يفضّله على شعراء العرب كافة.
قال ابن الأعرابي: كان لزهير من الشعر ما لم يكن لغيره: كان أبوه شاعراً، وخاله شاعراً، وأخته سلمى شاعرة، وابناه كعب وبجير شاعرين، وأخته الخنساء شاعرة.
ولد في بلاد مُزَينة بنواحي المدينة وكان يقيم في الحاجر (من ديار نجد)، واستمر بنوه فيه بعد الإسلام.
قيل: كان ينظم القصيدة في شهر وينقحها ويهذبها في سنة فكانت قصائده تسمّى (الحوليات)، أشهر شعره معلقته التي مطلعها:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم
ويقال : إن أبياته في آخرها تشبه كلام الأنبياء.

قلتُ لنفسي, و قالت لي

بسم الله الرحمن الرحيم

كثيراً ما تمر بنا تلك الأوقات التي نشعر فيها بالضعف, تبرد فينا الهمم, و نفقد الاهتمام بتلك الروح التي تسكن بين أضلعنا. تمر علينا أوقات نتكلم مع من حولنا و ننسى أن نتكلم مع أنفسنا, نصدق مع الجميع و لا نصدق مع أنفسنا!.

و حري بنا – قبل أن نحاور الآخرين و نحاول معهم الوصول للحقائق – أن نحاور أنفسنا و نصل معها لحقيقة بسيطة جداً و هي مالذي نريده من حياتنا القصير هذه. عندما نحاور الآخرين ترانا نبذل قصار جهدنا في استجلاء الحقائق و البحث عنها و محاولة إثباتها, و عندما ننجح تعترينا تلك الثقة القوية التي تثبت أن الحق لا بد و أن يظهر.

و لكن هل نحن مع أنفسنا و الحوار معها بتلك الجدية, هل نحاورها, أو نصغي لها على الأقل؟
هل جلست يوماً تسأل نفسك ما خطبها؟ أو ماذا أصابها و ما الذي يحزنها؟ القليل منا من يفعل ذلك و لا شك. و النفس التي أقصدها ليست النفس الأمارة بالسوء التي تحدث عنها كتاب الله و التي هي موجودة في كل إنسان و هذه هي طبيعتها – التراب. و لكنني أتحدث عن تلك الروح التي جعلها الله بين جنبيك و بثها في أضلعك, تلك التي نعتني بنظافة أجسادنا الترابية و نتركها لأدرانها, نهتم بغذائنا الذي سيخرج كما دخل و ننسى أن نطعم تلك الروح و التي تحفظ كل ما تعطيها و تبقيه لك. رحم الله الرافعي حين قال: “من كان همه ما دخل إلى بطنه, كانت قيمته ما خرج منها”. تذكر أن روحك تجوع كما يجوع جسدك, و تمرض كما تمرض, و لها مشاكلها كما لك مشاكلك, و إن كان أصل مشاكلك مشاكلها.

لذلك هذه دعوة لأن تصغي لروحك أولاً, ثم تتعلم كيف تحاورها و تستفيد منها. فروحك في شوق دائم للرقي بك للأعلى, فتلك هي طبيعتها – النور, كما التراب طبيعة النفس الأمارة بالسوء. و حاول أن تجعل روحك عالية الهمة, وثّابة للمجد و تحقيق الأحلام فهي مستعدة لذلك و قادرة على الأعظم. فهي تحمل في طياتها طاقات لا حدود لها, و لا يسعك أن تستعملها كلها, و لكن حاول أن تستفيد منها ما استطعت, و ترقى بنفسك في مدارج الفائزين. و لا شك أن روحك الطيبة الطاهرة خير زاذ لك في ذلك.

و ها هنا حوار بين الرافعي و نفسه يبثه لنا في كتابه “من وحي القلم”

قلت لنفسي… و قالت لي

(كتبت في ساعة ضجر، من هذه الساعات الطارئة على الروح، يخيل فيها للمرء أنه وحده، و العالم كله وحده؛ ذاك في وجود نفسه خاصة، والآخر في وجود الطبيعة كلها).

قلت لنفسي: ويحك يا نفس! ما لي أتحامل عليك؛ فإذا وفيت بما في وسعك أردت منك ما فوقه وكلفتك أن تسعي؛ فلا أزال أعنتك من بعد كمال فيما هو أكمل منه، وبعد الحسن فيما هو الأحسن؛ وما أنفك أجهدك كلما راجعك النشاط، وأضنيك كلما ثابت القوة؛ فإن تكن لك هموم فأنا أكبرها، وإذا ساورتك الأحزان فأكثرها مما أجلب عليك.

أنت يا نفس سائرة على النهج، وأنا أعتسف بك أريد الطيران لا السير، وأبتغي عمل الأعمار في عمر، وأستحثك من كل هجعة راحة بفجر تعب جديد، وكأني لك زمن يماد بعضه بعضا، فما يبرح ينبثق عليك من ظلام بنور ومن نور بظلام؛ ليهيئ لك القوة التي تمتد بك في التاريخ، من بعد، فتذهبين حين تذهبين ويعيش قلبك في العالم ساريا بكلمات أفراحه وأحزانه.

وقالت لي النفس: أما أنا فإني معك دأبا كالحبيبة الوفية لمن تحبه؛ ترى خضوعها أحيانا هو أحسن المقاومة؛ وأما أنت فإذا لم تكن تتعب ولا تزال تتعب فكيف تريني أنك تتقدم ولا تزال تتقدم؟

ليست دنياك يا صاحبي ما تجده من غيرك، بل ما توجده بنفسك؛ فإن لم تزد شيئا على الدنيا كنت أنت زائدًا على الدنيا؛ وإن لم تدعها أحسن مما وجدتها فقد وجدتها وما وجدتك؛ وفي نفسك أول حدود دنياك وآخر حدودها. وقد تكون دنيا بعض الناس حانوتًا صغيرًا، ودنيا الآخر كالقرية الململمة (أي الصغيرة التي قوامها دور قليلة مجتمعة)، ودنيا بعضهم كالمدينة الكبيرة؛ أما دنيا العظيم فقارة بأكملها، وإذا انفرد امتد في الدنيا فكان هو الدنيا.

والقوة يا صاحبي تغتذي بالتعب والمعاناة؛ فما عانيته اليوم حركة من جسمك، ألفيته غدًا في جسمك قوة من قوى اللحم والدم. وساعة الراحة بعد أيام من التعب، هي في لذتها كأيام من الراحة بعد تعب ساعة. وما أشبه الحي في هذه الدنيا ووشك وانقطاعه منها، بمن خلق ليعيش ثلاثة أيام معدودة عليه ساعتها ودقائقها وثوانيها؛ أفتراه يغفل فيقدرها ثلاثة أعوام، ويذهب يسرف فيها ضروبا من لهوه ولعبه ومجونه، إلا إذا كان أحمق أحمق إلى نهاية الحمق؟

اتعب تعبك يا صاحبي، ففي الناس تعب مخلوق من عمله، فهو لين هين مسوى تسوية؛ وفيهم تعب خالق عمله، فهو جبار متمرد له القهر والغلبة، وأنت إنما تكد لتسمو بروحك إلى هموم الحقيقة العالية، وتسمو بجسمك إلى مشقات الروح العظيمة؛ فذلك يا صاحبي ليس تعبا في حفر الأرض، ولكنه تعب في حفر الكنز.

اتعب يا صاحبي تعبك؛ فإن عناء الروح هو عمرها؛ فأعمالك عمرك الروحاني، كعمر الجسم للجسم؛ وأحد هذين عمر ما يعيش، والآخر عمر ما سيعيش.

قلت لنفسي: فقد مللت أشياء وتبرمت بأشياء. وإن عمل التغيير في الدنيا لهو هدم لها كلما بنيت، ثم بناؤها كلما هدمت؛ فما من شيء إلا هو قائم في الساعة الواحدة بصورتين معا؛ وكم من صديق خلطته بالنفس يذهب فيها ذهاب الماء في الماء، حتى إذا مر يوم، أو عهد كاليوم, رأيت في مكانه إنسانًا خياليا كمسألة من مسائل النحاة فيها قولان…! فهو يحتمل في وقت واحد تأويل ما أظن به من خير، وما أتوقع به من شر! وكم من اسم جميل إذا هجس في خاطري قلت: آه، هذا الذي كان…!

أما – والله – إن ثياب الناس لتجعلهم أكثر تشابها في رأي النفس، مما تجعلهم وجوههم التي لا تختلف في رأي العين, وإني لأرى العالم أحيانا كالقطار السريع منطلقا بركبه وليس في من يقوده، وأرى الغفلة المفرطة قد بلغت من هذا الناس مبلغ من يظن أنه حي في الحياة كالموظف تحت التجربة، فإذا قضى المدة قيل له: ابدأ من الآن. كأنه إذا عاش يتعلم الخير والشر، ويدرك ما يصلح وما لا يصلح، وانتهى من عمره إلى النهاية المحدودة رجع من بعدها يعيش منتظما على استواء واستقامة، وفي إدراك وتمييز. مع أن الخرافة نفسها لم تقبل قط أن يعد منها في أوهام الحياة أن رجلا بلغ الثمانين أو التسعين وحان أجله فأصبحوا لم يجدوه ميتا في فراشه؛ بل وجدوه مولودًا في فراشه…!

وقالت لي النفس: وأنت ما شأنك بالناس والعالم؟ يا هذا ليس لمصباح الطريق أن يقول: “إن الطريق مظلم” إنما قوله إذا أراد كلاما أن يقول: “ها أنذا مضيء”.

والحكيم لا يضجر ولا يضيق ولا يتململ، كما أنه لا يسخف ولا يطيش ولا يسترسل في كذب الوهم؛ فإن هذا كله أثر الحياة البهيمية في هذه البهيمة الإنسانية، لا أثر الروح القوية في إنسانها، والحيوان هو الذي يجوع ويشبع لا النفس, وبين كل شيئين مما يعتور الحيوانية -كالخلو والامتلاء، واللذة والألم- تعمل قوى الحيوان أشياءها الكثيرة التي تتسلط بها على النفس، لتحطها من مرتبة إلى أن تجعلها كنفوس الحيوان؛ ولهذا كان أول الحكمة ضبط الأدوات الحيوانية في الجسم، كما توضع اليد العالمة على مفاتيح القطار المنطلق يتسعر مرجله ويغلي.

إعمل يا صاحبي عملك؛ فإذا رأيت في العاملين من يضجر فلا تضجر مثله، بل خذ اطمئنانه إلى اطمئنانك، ودعه يخلو وتضاعف أنت.

إنه ليوشك أن يكون في الناس “كالبنوك”؛ هذه مستودعات للمال تحفظه وتخرج منه وتثمره، وتلك مستودعات للفضائل تحفظها وتخرج منها وتزيدها، إفلاس رجل من أهل المال، هو إطلاق النكبة مسدسها على رجل تقتله؛ ولكن إفلاس “بنك” هو إطلاق النكبة مدفعها الكبير على مدينة تدمرها.

قلت لنفسي: فما أشد الألم في تحويل هذا الجسد إلى شبه روح مع الروح! تلك هي المعجزة التي لا توجد في غير الأنبياء، ولكن العمل لها يجعلها كأنها موجودة. والأسد المحبوس محبوسة فيه قوته وطباعه؛ فإن زال الوجود الحديدي من حوله أو وهنت ناحية منه، انطلق الوحش، والرجل الفاضل فاضل ما دام في قفصه الفكري, وهو ما دام في هذا القفص فعليه أن يكون دائما نموذجا معروضا للتنقيح الممكن في النفس الإنسانية؛ تصيبه السيئة من الناس لتختبر فيه الحسنة، وتبلوه الخيانة لتجد الوفاء، ويكرثه البغض ليقابله بالحبن وتأتيه اللعنة لتجد المغفرة؛ وله قلب لا يتعب فيبلغ منزلة إلا التعب ليبلغ منزلة أعلى منها، وله فكر كلما جهد فأدرك حقيقة كانت الحقيقة أن يجهد فيدرك غيرها.

وقالت لي النفس: إن من فاق الناس بنفسه الكبيرة كانت عظمته في أن يفوق نفسه الكبيرة؛ إن الشيء النهائي لا يوجد إلا في الصغائر والشر، أما الخير والكمال وعظائم النفس والجمال الأسنى، فهذه حقائق أزلية وجدت لنفسها؛ كالهواء يتنفسه كل الأحياء على هذه الأرض ولا ينتهي، ولا يعرف أين ينتهي؛ وكما ينبعث النور من الشمس والكواكب إلى هذه الأرض يشبه أن تكون تلك الصفات منبعثة إلى النفوس من أنوار الملائكة، وبهذا كان أكبر الناس حظا منهم هم الأنبياء المتصلين بتلك الأنوار.

ومن رحمة الله أن جعل في كل النفوس الإنسانية أصلا صغيرًا يجمع فكرة الخير والكمال وعظائم النفس والجمال الأسنى، وقد تعظم فيه هذه الصفات كلها أو بعضها، وقد تصغر فيه بعضها أو كلها: ألا وهو الحب.

لا بد أن تمر كل حياة إنسانية في نوع من أنواع الحب، من رقة النفس ورحمته، إلى هوى النفس وعشقها.

وإذا بلغ الحب أن يكون عشقا، وضع يده على المفاتيح العصبية للنفس، وفتح للعظائم والمعجزات أبوابها؛ حتى أنه ليجعل الخرافة الفارغة معجزة دقيقة ويملأ الحياة بمعان لم تكن فيها من قبل، ويصبح سر هذا الحب لا ينتهي؛ إذ هو سر لا يدرك ولا يعرف.

اجهد جهدك يا صاحبي، فما هو قفصك الفكري ذلك الشعاع الذي يحبسك، ولكنه صقل النفس لتتلقى الأنوار، ولا بد للمرآة من ظاهر غير ظاهر الحجر لتكون به مرآة.

قلت لنفسي: فما أشده مضضا أعانيه! إن أمري ليذهب فرطًاً (اي مجاوزاً فيه عن الحد)؛ أكلما ابتغيت من الحياة مرحا أطرب له وأهتز، جاءتني الحياة بفكرة أستكد فيها وأدأب؟ أهذا السرور الذي لا يزال يقع بين الناس هو الذي لا يكاد يقع لي؟ وهل أنا شجرة في مغرسها: تنمو صاعدة بفروعها، ونازلة بجذورها, غير أنها لا تبرح مكانها؟ أو أن تمثال على قاعدته: لا يتزحزح عنها إلا ساعة لا يكون تمثالا، ولا يدعها حتى تدعه معاني العظمة التي نصب لها؟

قالت لي النفس: ويحك! لا تطلب في كونك الصغير ما ليس فيه؛ إن الناس لو ارتفعوا إلى السماء وتقلبوا فيها كما يسيح أهل قارة من الأرض في قارة غيرها، وابتغوا أن يحملوا معهم مما هناك تذكارًا صغيرًا إلى الأرض, لوجدوا أصغر ما هنالك أكبر من الأرض كلها؛ فأنت سائح في سماوات.

أنت كالنائم: له أن يرى وليس له أن يأخذ شيئا مما يرى إلا وصفة، وحكمته، والسرور بما التذ منه، والألم بما توجع له.

لن تكون في الأرض شجرة برجلين تذهب هنا وهناك، ولكن الشجرة ترسل أثمارها يتناقلها الناس، وهي تبدع الثمار إبداع المؤلف العبقري ما يؤلفه بأشد الكد وأعظم الجهد، مطلقة ضميرها في الفكرة الصغيرة، تعقدها شيئا شيئا، ثم تعود عليها بالزيادة، ولا تزال كل وقت تعود عليها حتى تستفرغ أقصى القوة؛ ثم يكون سرورها في أن تهب فائدتها، لأنها لذلك وجدت.

إن في الشجرة طبيعية صادقة لا شهوة مكذوبة؛ فالحياة فيها على حقيقتها، وأكثر ما تكون الحياة في الإنسان على مجازها؛ وشرط المجاز الخيال والمبالغة والتلوين؛ ولكن متى اختار الله رجلا فأقر فيه سرا من أسرار الطبيعة الصادقة، ووهب له العاطفة القادرة التي تصنع ثمارها -فقد غرسه شجرة في منبتها لا مفر ولا مندوحة، وقد يخيل له ضعف طبيعته البشرية أحيانا أن نضرة المجد التي تعلوه وتتألق كشعاع الكوكب، هي تعبه وضجره، أو أثر انخذاله وألمه ومسكنته؛ وهذا من شقاء العقل؛ فإنه دائما يضيف شيئا إلى شيء, ويخلط معنى بمعنى، ولا يترك حقيقة على ما هي؛ كأن فيه ما في الطفل من غريزة التقليد؛ والعقل لا يرى أمامه إلا الإلهية، فهو يقلدها في مداخلة الأشياء بعضها في بعض، لإيجاد الأسرار بعضها من بعض.

ومن ثم كانت الحقيقة الصريحة الثابتة مدعاة للملل العقلي في الإنسان، لا يكاد يقيم عليها أو يتقيد بها، فما نال شيئا إلا ليطمع في غيره، وما فاز بلذة إلا ليزهد فيها، وأجل ما أحبه الإنسان أن يناله، فإذا ناله وقع فيه معنى موته، وبدأ في النفس عمرا آخر من حالة أخرى، أو مات لم يبدأ؛ فلا بد لهذا الإنسان مع كل صواب من جزء من الخطأ، فإن هو لم يجد خطأ في شيء ائتفك لنفسه (كذب و اختراع؛ و منه حديث الإفك) الخطأ المضحك في شبه رواية خيالية.

إنه لشعر سخيف بالغ السخافة أن يتخيل الغريق مفكرًا في صيد سمكة رآها… ولكن هذا من أبلغ البلاغة عند العقل الذي يبحث عن وهم يضيفه إلى هذه الحقيقة ليضحك منها، كما يبحث لنفسه أحيانا في أجمل حقائق اللذة عن ألم يتألم به ليعبس فيه!

قلت لنفسي: فهل ينبغي لي أن أحرق دمي لأني أفكر, وهل أظل دائما بهذا التفكير كالذي ينظر في وجه حسناء بمنظار مكبر؛ لا يريه ذلك الوجه المعشوق إلا ثقوبا وتخريما كأنه خشبة نزعت منها مسامير غليظة…! فلا يجد المسكين هذه الحقيقة إلا ليفقد ذلك لجمال؟ وهل بد من الشبه بين بعض الناس وبين ما ارتصد له من عمل يحيا به؛ فلا يكون الحوذي حوذيا إلا لشبه بين نفسه وبين الخيل والبغال والحمير؟

وقالت لي النفس: إن فأس الحطاب لا تكون من أداة الطبيب؛ فخذ لكل شيء أداته، وكن جاهلا أحيانا، ولكن مثل الجهل الذي يصنع لوجه الطفل بشاشته الدائمة، فهذا الجهل هو أكبر علم الشعور الدقيق المرهف، ولولاه لهلك الأنبياء والحكماء والشعراء غما وكمدا، ولكانوا في هذا الوجود، على هذه الأرض، بين هذه الحقائق, كالذي قيد وحبس في رهج تثيره القدم والخف والحافر, لا يتنفس إلا الغبار يثار من حوله إلى أن يقضى عليه.

اجهل جهلك يا صاحبي في هذه الشهوات الخسيسة؛ فإنها العلم الخبيث الذي يفسد الروح، واعرف كيف تقول لروحك الطفلة في ملائكيتها حين تساورك الشهوات, هذا ليس لي؛ هذا لا ينبغي لي.

إن الروح الكبيرة هي في حقيقتها الطفل الملائكي.

وعلم خسائس الحياة يجعل للإنسان في كل خسيسة نفسا تتعلق بها، فيكون المسكين بين نفسين وثلاث وأربع، إلى ثلاثين وأربعين كلهن يتنازعنه، فيضيع بهذه الكثرة, ويصبح بعضه بلاء على بعض، وتشغله الفضول، فيعود لها كالمزبلة لما ألقي فيها، ويمحق في نفسه الطبيعية حس الفرح بجمال الطبيعة، كما يمحق في المزبلة معنى النظافة ومعنى الحس بها.

هذه الأنفس الخيالية في هذا الإنسان المنكود، هي الأرواح التي ينفخها في مصائبه، فتجعلها مصائب حية تعيش في وجوده وتعمل فيه أعمالها، ولولاها لماتت في نفسه مطامع كثيرة، فماتت له مصائب كثيرة.

انظر بالروح الشاعرة، تر الكون كله في سمائه وأرضه انسجاما واحدا ليس فيه إلا الجمال والسحر وفتنة الطرب، وانظر بالعقل العالم, فلن ترى في الكون كله إلا مواد علم الطبيعة والكيمياء.

ومدى الروح جمال الكون كله؛ ومدى العقل قطعة من حجر، أو عظمة من حيوان، أو نسيجة من نبات، أو فلذة من معدن، وما أشبهها.

اجهل جهلك يا صاحبي؛ ففي كل حسن غزل بشرط ألا تكون العاشق الطامع، وإلا أصبت في كل حسن هما ومشغلة!

قلت لنفسي: إلى الآن لم أقل لك ذلك المعنى الذي كتمته عنك.

وقالت لي النفس: وإلى الآن لم أقل لك إلا جواب ذلك الذي كتمته عني.

لحنُ الحياة

 

إذا الشـــعبُ يومًــا أراد الحيــاة فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ
ولا بــــدَّ لليـــل أن ينجـــلي ولا بــــدّ للقيـــد أن ينكســـرْ
ومــن لــم يعانقْـه شـوْقُ الحيـاة تبخَّـــرَ فــي جوِّهــا واندثــرْ
فــويل لمــن لــم تَشُــقهُ الحيـا ة مــن صفْعــة العــدَم المنتصـرْ
كـــذلك قــالت لــيَ الكائنــاتُ وحـــدثني روحُهـــا المســـتترْ
ودمــدمتِ الــرِّيحُ بيــن الفِجـاج وفــوق الجبــال وتحـت الشـجرْ:
إذا مـــا طمحــتُ إلــى غايــةٍ ركــبتُ المُنــى, ونسِـيت الحـذرْ
ولــم أتجــنَّب وعــورَ الشِّـعاب ولا كُبَّـــةَ اللّهَـــب المســـتعرْ
ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبَــدَ الدهــر بيــن الحــفرْ
فعجَّــتْ بقلبــي دمــاءُ الشـباب وضجَّــت بصـدري ريـاحٌ أخَـرْ…
وأطـرقتُ, أصغـي لقصـف الرعـودِ وعــزفِ الريــاحِ, ووقـعِ المطـرْ
وقـالت لـي الأرضُ – لمـا سـألت: أيــا أمُّ هــل تكــرهين البشــرْ?
أُبــارك فـي النـاس أهـلَ الطمـوح ومــن يســتلذُّ ركــوبَ الخــطرْ
وألْعــنُ مــن لا يماشــي الزمـانَ ويقنـــع بــالعيْشِ عيشِ الحجَــرْ
هــو الكــونُ حـيٌّ, يحـبُّ الحيـاة ويحــتقر المَيْــتَ, مهمــا كــبُرْ
فـلا الأفْـق يحـضن ميْـتَ الطيـورِ ولا النحــلُ يلثــم ميْــتَ الزهـرْ
ولــولا أمُومــةُ قلبِــي الــرّؤوم لَمَــا ضمّــتِ الميْـتَ تلـك الحُـفَرْ
فــويلٌ لمــن لــم تشُــقه الحيـا ة, مِــن لعنــة العــدم المنتصِـرْ!
وفــي ليلــة مـن ليـالي الخـريف مثقَّلـــةٍ بالأســـى, والضجـــرْ
ســكرتُ بهـا مـن ضيـاء النجـوم وغنَّيْــتُ للحُــزْن حــتى ســكرْ
سـألتُ الدُّجـى: هـل تُعيـد الحيـاةُ, لمـــا أذبلتــه, ربيــعَ العمــرْ?
فلـــم تتكـــلّم شــفاه الظــلام ولــم تــترنَّمْ عــذارى السَّــحَرْ
وقــال لــيَ الغــابُ فــي رقَّـةٍ مُحَبَّبَـــةٍ مثــل خــفْق الوتــرْ:
يجــئ الشــتاءُ, شــتاء الضبـاب شــتاء الثلــوج, شــتاء المطــرْ
فينطفــئُ السِّـحرُ, سـحرُ الغصـونِ وســحرُ الزهــورِ, وسـحرُ الثمـرْ
وســحرُ السـماءِ, الشـجيُّ, الـوديعُ وســحرُ المـروجِ, الشـهيُّ, العطِـرْ
وتهـــوِي الغصــونُ, وأوراقُهــا وأزهــارُ عهــدٍ حــبيبٍ نضِــرْ
وتلهــو بهـا الـريحُ فـي كـل وادٍ, ويدفنُهَــا الســيلُ, أنَّــى عــبرْ
ويفنــى الجــميعُ كحُــلْمٍ بــديعٍ, تـــألّق فـــي مهجــةٍ واندثــرْ
وتبقــى البــذورُ, التــي حُـمِّلَتْ ذخــيرةَ عُمْــرٍ جــميلٍ, غَــبَرْ
وذكــرى فصــولٍ, ورؤيـا حيـاةٍ, وأشــباحَ دنيــا, تلاشــتْ زُمَـرْ
معانقــةً – وهـي تحـت الضبـابِ, وتحــت الثلـوجِ, وتحـت المَـدَرْ -
لِطَيْــفِ الحيــاةِ الــذي لا يُمَــلُّ وقلــبِ الــربيعِ الشــذيِّ الخـضِرْ
وحالمـــةً بأغـــاني الطيـــورِ وعِطْــرِ الزهــورِ, وطَعـمِ الثمـرْ
ويمشـي الزمـانُ, فتنمـو صـروفٌ, وتــذوِي صــروفٌ, وتحيـا أُخَـرْ
وتُصبِـــحُ أحلامُهـــا يقظَـــةً, مُوَشَّـــحةً بغمـــوضِ السَّــحَرْ
تُســائل: أيــن ضبـابُ الصبـاحِ, وسِــحْرُ المسـاء? وضـوء القمـرْ?
وأســرابُ ذاك الفَــراشِ الأنيــق? ونحــلٌ يغنِّــي, وغيــمٌ يمــرْ?
وأيـــن الأشـــعَّةُ والكائنــاتُ? وأيــن الحيــاةُ التــي أنتظــرْ?
ظمِئـتُ إلـى النـور, فـوق الغصونِ! ظمِئـتُ إلـى الظـلِ تحـت الشـجرْ!
ظمِئـتُ إلـى النَّبْـعِ, بيـن المـروجِ, يغنِّــي, ويــرقص فـوقَ الزّهَـرْ!
ظمِئــتُ إلــى نَغَمــاتِ الطيـورِ, وهَمْسِ النّســيمِ, ولحــنِ المطــرْ
ظمِئـتُ إلـى الكـونِ! أيـن الوجـودُ وأنَّـــى أرى العــالَمَ المنتظــرْ?
هـو الكـونُ, خـلف سُـباتِ الجـمودِ وفـــي أُفــقِ اليقظــاتِ الكُــبَرْ
ومـــا هــو إلا كخــفقِ الجنــا حِ حــتى نمــا شــوقُها وانتصـرْ
فصَـــدّعت الأرضَ مــن فوقهــا وأبْصــرتِ الكـونَ عـذبَ الصُّـوَرْ
وجـــاء الـــربيعُ, بأنغامِـــه, وأحلامِـــه, وصِبـــاه العطِــرْ
وقبَّلهـــا قُبَـــلاً فــي الشــفاهِ تعيــدُ الشــبابَ الــذي قـد غَـبَرْ
وقــال لهــا: قـد مُنِحْـتِ الحيـاةَ وخُــلِّدْتِ فــي نســلكِ المُدّخَــرْ
وبـــاركَكِ النُّـــورُ, فاســتقبلي شــبابَ الحيــاةِ وخِــصْبَ العُمـرْ
ومَــن تعبــدُ النــورَ أحلامُــه, يُبَارِكُـــهُ النّــورُ أنّــى ظهــرْ
إليــكِ الفضــاءَ, إليــكِ الضيـاءَ إليــك الــثرى, الحـالمَ, المزدهـرْ!
إليــكِ الجمــالَ الــذي لا يَبيــدُ! إليــكِ الوجـودَ, الرحـيبَ, النضِـرْ!
فميـدي – كمـا شئتِ – فوق الحقولِ, بحــلوِ الثمــارِ وغــضِّ الزّهَــرْ
ونــاجي النســيمَ, ونـاجي الغيـومَ, ونــاجي النجــومَ, ونـاجي القمـرْ
ونـــاجي الحيـــاةَ وأشــواقَها, وفتنــةَ هــذا الوجــود الأغــرْ
وشـفَّ الدجـى عـن جمـالٍ عميـقٍ, يشُــبُّ الخيــالَ, ويُــذكي الفِكَـرْ
ومُــدّ عـلى الكـون سِـحرٌ غـريبٌ يُصَرّفــــه ســـاحرٌ مقتـــدرْ
وضـاءت شـموعُ النجـومِ الوِضـاءِ, وضــاع البَخُــورُ, بخـورُ الزّهَـرْ
ورفــرف روحٌ, غــريبُ الجمـال بأجنحــةٍ مــن ضيــاء القمــرْ
ورنَّ نشـــيدُ الحيـــاةِ المقـــدّ سُ فــي هيكـلٍ, حـالمٍ, قـد سُـحِرْ
وأعْلِــنَ فــي الكـون: أنّ الطمـوحَ لهيـــبُ الحيــاةِ, ورُوحُ الظفَــرْ
إذا طمحـــتْ للحيـــاةِ النفــوسُ فــلا بــدّ أنْ يســتجيبَ القــدر
إذا الشـــعبُ يومًــا أراد الحيــاة فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ
ولا بــــدَّ لليـــل أن ينجـــلي ولا بــــدّ للقيـــد أن ينكســـرْ
ومــن لــم يعانقْـه شـوْقُ الحيـاة تبخَّـــرَ فــي جوِّهــا واندثــرْ
فــويل لمــن لــم تَشُــقهُ الحيـا ة مــن صفْعــة العــدَم المنتصـرْ
كـــذلك قــالت لــيَ الكائنــاتُ وحـــدثني روحُهـــا المســـتترْ
ودمــدمتِ الــرِّيحُ بيــن الفِجـاج وفــوق الجبــال وتحـت الشـجرْ:
إذا مـــا طمحــتُ إلــى غايــةٍ ركــبتُ المُنــى, ونسِـيت الحـذرْ
ولــم أتجــنَّب وعــورَ الشِّـعاب ولا كُبَّـــةَ اللّهَـــب المســـتعرْ
ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبَــدَ الدهــر بيــن الحــفرْ
فعجَّــتْ بقلبــي دمــاءُ الشـباب وضجَّــت بصـدري ريـاحٌ أخَـرْ…
وأطـرقتُ, أصغـي لقصـف الرعـودِ وعــزفِ الريــاحِ, ووقـعِ المطـرْ
وقـالت لـي الأرضُ – لمـا سـألت: أيــا أمُّ هــل تكــرهين البشــرْ?
أُبــارك فـي النـاس أهـلَ الطمـوح ومــن يســتلذُّ ركــوبَ الخــطرْ
وألْعــنُ مــن لا يماشــي الزمـانَ ويقنـــع بــالعيْشِ عيشِ الحجَــرْ
هــو الكــونُ حـيٌّ, يحـبُّ الحيـاة ويحــتقر المَيْــتَ, مهمــا كــبُرْ
فـلا الأفْـق يحـضن ميْـتَ الطيـورِ ولا النحــلُ يلثــم ميْــتَ الزهـرْ
ولــولا أمُومــةُ قلبِــي الــرّؤوم لَمَــا ضمّــتِ الميْـتَ تلـك الحُـفَرْ
فــويلٌ لمــن لــم تشُــقه الحيـا ة, مِــن لعنــة العــدم المنتصِـرْ!
وفــي ليلــة مـن ليـالي الخـريف مثقَّلـــةٍ بالأســـى, والضجـــرْ
ســكرتُ بهـا مـن ضيـاء النجـوم وغنَّيْــتُ للحُــزْن حــتى ســكرْ
سـألتُ الدُّجـى: هـل تُعيـد الحيـاةُ, لمـــا أذبلتــه, ربيــعَ العمــرْ?
فلـــم تتكـــلّم شــفاه الظــلام ولــم تــترنَّمْ عــذارى السَّــحَرْ
وقــال لــيَ الغــابُ فــي رقَّـةٍ مُحَبَّبَـــةٍ مثــل خــفْق الوتــرْ:
يجــئ الشــتاءُ, شــتاء الضبـاب شــتاء الثلــوج, شــتاء المطــرْ
فينطفــئُ السِّـحرُ, سـحرُ الغصـونِ وســحرُ الزهــورِ, وسـحرُ الثمـرْ
وســحرُ السـماءِ, الشـجيُّ, الـوديعُ وســحرُ المـروجِ, الشـهيُّ, العطِـرْ
وتهـــوِي الغصــونُ, وأوراقُهــا وأزهــارُ عهــدٍ حــبيبٍ نضِــرْ
وتلهــو بهـا الـريحُ فـي كـل وادٍ, ويدفنُهَــا الســيلُ, أنَّــى عــبرْ
ويفنــى الجــميعُ كحُــلْمٍ بــديعٍ, تـــألّق فـــي مهجــةٍ واندثــرْ
وتبقــى البــذورُ, التــي حُـمِّلَتْ ذخــيرةَ عُمْــرٍ جــميلٍ, غَــبَرْ
وذكــرى فصــولٍ, ورؤيـا حيـاةٍ, وأشــباحَ دنيــا, تلاشــتْ زُمَـرْ
معانقــةً – وهـي تحـت الضبـابِ, وتحــت الثلـوجِ, وتحـت المَـدَرْ -
لِطَيْــفِ الحيــاةِ الــذي لا يُمَــلُّ وقلــبِ الــربيعِ الشــذيِّ الخـضِرْ
وحالمـــةً بأغـــاني الطيـــورِ وعِطْــرِ الزهــورِ, وطَعـمِ الثمـرْ
ويمشـي الزمـانُ, فتنمـو صـروفٌ, وتــذوِي صــروفٌ, وتحيـا أُخَـرْ
وتُصبِـــحُ أحلامُهـــا يقظَـــةً, مُوَشَّـــحةً بغمـــوضِ السَّــحَرْ
تُســائل: أيــن ضبـابُ الصبـاحِ, وسِــحْرُ المسـاء? وضـوء القمـرْ?
وأســرابُ ذاك الفَــراشِ الأنيــق? ونحــلٌ يغنِّــي, وغيــمٌ يمــرْ?
وأيـــن الأشـــعَّةُ والكائنــاتُ? وأيــن الحيــاةُ التــي أنتظــرْ?
ظمِئـتُ إلـى النـور, فـوق الغصونِ! ظمِئـتُ إلـى الظـلِ تحـت الشـجرْ!
ظمِئـتُ إلـى النَّبْـعِ, بيـن المـروجِ, يغنِّــي, ويــرقص فـوقَ الزّهَـرْ!
ظمِئــتُ إلــى نَغَمــاتِ الطيـورِ, وهَمْسِ النّســيمِ, ولحــنِ المطــرْ
ظمِئـتُ إلـى الكـونِ! أيـن الوجـودُ وأنَّـــى أرى العــالَمَ المنتظــرْ?
هـو الكـونُ, خـلف سُـباتِ الجـمودِ وفـــي أُفــقِ اليقظــاتِ الكُــبَرْ
ومـــا هــو إلا كخــفقِ الجنــا حِ حــتى نمــا شــوقُها وانتصـرْ
فصَـــدّعت الأرضَ مــن فوقهــا وأبْصــرتِ الكـونَ عـذبَ الصُّـوَرْ
وجـــاء الـــربيعُ, بأنغامِـــه, وأحلامِـــه, وصِبـــاه العطِــرْ
وقبَّلهـــا قُبَـــلاً فــي الشــفاهِ تعيــدُ الشــبابَ الــذي قـد غَـبَرْ
وقــال لهــا: قـد مُنِحْـتِ الحيـاةَ وخُــلِّدْتِ فــي نســلكِ المُدّخَــرْ
وبـــاركَكِ النُّـــورُ, فاســتقبلي شــبابَ الحيــاةِ وخِــصْبَ العُمـرْ
ومَــن تعبــدُ النــورَ أحلامُــه, يُبَارِكُـــهُ النّــورُ أنّــى ظهــرْ
إليــكِ الفضــاءَ, إليــكِ الضيـاءَ إليــك الــثرى, الحـالمَ, المزدهـرْ!
إليــكِ الجمــالَ الــذي لا يَبيــدُ! إليــكِ الوجـودَ, الرحـيبَ, النضِـرْ!
فميـدي – كمـا شئتِ – فوق الحقولِ, بحــلوِ الثمــارِ وغــضِّ الزّهَــرْ
ونــاجي النســيمَ, ونـاجي الغيـومَ, ونــاجي النجــومَ, ونـاجي القمـرْ
ونـــاجي الحيـــاةَ وأشــواقَها, وفتنــةَ هــذا الوجــود الأغــرْ
وشـفَّ الدجـى عـن جمـالٍ عميـقٍ, يشُــبُّ الخيــالَ, ويُــذكي الفِكَـرْ
ومُــدّ عـلى الكـون سِـحرٌ غـريبٌ يُصَرّفــــه ســـاحرٌ مقتـــدرْ
وضـاءت شـموعُ النجـومِ الوِضـاءِ, وضــاع البَخُــورُ, بخـورُ الزّهَـرْ
ورفــرف روحٌ, غــريبُ الجمـال بأجنحــةٍ مــن ضيــاء القمــرْ
ورنَّ نشـــيدُ الحيـــاةِ المقـــدّ سُ فــي هيكـلٍ, حـالمٍ, قـد سُـحِرْ
وأعْلِــنَ فــي الكـون: أنّ الطمـوحَ لهيـــبُ الحيــاةِ, ورُوحُ الظفَــرْ
إذا طمحـــتْ للحيـــاةِ النفــوسُ فــلا بــدّ أنْ يســتجيبَ القــدر

10 حقائق بسيطة ينساها الأذكياء

بسم الله الرحمن الرحيم

10 حقائق بسيطة ينساها الأذكياء

معظم الأذكياء الذين أعرفهم يعانون بشكل مستمر في المضي قدماً لأنهم نسوا بعض الحقائق البسيطة التي تسيطر على جهدنا في التقدم و المضي نحو الأمام. لذلك هذه تذكرة بسيطة بها:

#1 – الثقافة العالية و الذكاء لا يحققان أي شيء من دون العمل.

ليس فرقاً كبيراً أن تملك درجة “نابغة” في اختبارات الذكاء IQ أو أن تحصل على الدكتوراة في ميكانيكا الكم. لن تستطيع أن تصنع أي نوع من التغيير الحقيقي في العالم (إنجازاً ما) بدون العمل. هناك فرق كبير جداً بين أن تعرف كيف تقوم بالعمل, و أن تقوم به حقاً. كما الفرق بين معرفة الطريق و بين السير به. الذكاء و المعرفة يبقيان بلا قيمة من دون العمل. الأمر بتلك البساطة.

و يتحقق 50% من التغيير فقط عندما تبدأ العمل فعلياً. فأول أسباب الفشل و التأخر هو تأخير العمل الحقيقي (اجراءات تتخذها على أرض الواقع) حتى إشعار آخر. فتظل تخطط للعمل دون خطوات ملموسة. و يؤكد لك علماء النفس أنك إن كنت تشعر ببعض الاحباط و الحزن فإن مباشرتك العمل و اتخاذ الخطوة الأولى في العمل سيجلب لك كل السعادة التي تريدها من هذا العمل, فدماغك – لحسن الحظ – لن ينتظر حتى تنهي مشروعك ليشعر بالسعادة, إنما سيعطيك جرعات مستمرة من السعادة طالما بدأت العمل على تحقيق أهدافك.

#2 – السعادة و النجاح أمران مختلفان.

أعرف امرأة أعمال استطاعت أت تحقق أرباحاً هائلة العام الماضي, كما أن كل مقاول أعرفه يعد من الناجين بامتياز. لكن احزر ماذا؟ أخبرتني تلك السيدة منذ فترة بأنها محبطة. لماذا؟ “أنا مجهدة و وحيدة. لم أعد أمضِ وقتاً كافياً حتى مع نفسي”. هذا ما قالته. أمر غريب! شخص من الذين أعدهم ناجين بامتياز ليس سعيداً.

أعرف أيضاً راكب أمواج, أؤكد أن قلبه خالٍ من الهموم, يمارس رياضة التزلج على الأمواج طيلة اليوم و ابتسامته لا تفارق وجهه. و لكنه ينام في مركبة صغيرة هو و متزلج آخر قرب الشاطىء و غالباً ما يستجدي السواح من أجل المال. و في حين أني لا أنكر أن هذا الرجل يبدو سعيداً, لكني لا أتستطيع أن أصنف حياته على أنها قصة ناجحة.

لذلك, مالذي يجعلك سعيداً؟ و ما الذي يجعلك ناجحاً؟ هما سؤالان من أهم الأسئلة التي يمكنك أن تطرحها على نفسك. و لكن تذكر أنهما سؤالان مختلفان تماماً.

#3 – كل يعمل لصالح نفسه.

مهما كنت تجني من المال, و أياً كان منصبك و عملك, فات تعمل لصالح شخص واحد فقط, هو أنت. السؤال الكبير هو: مالذي تبيعه و لصالح من؟. فحتى لو كنت تملك راتباً كاملاً لكل وقتك و تعمل في أضخم الشركات فأنت في الوقاع تبيع وحدة من عمرك و وجودك (ساعة من حياتك) مقابل سعر محدد (جزء من راتبك) لزبون معين (مديرك في العمل).

لذلك كيف تستطيع أن توفر بعض الوقت و تزيد من انتاجيتك باستمرار؟ يبقى الجواب مختلفاً من شخص لآخر. و لكنه جواب يجب أن تبحث عنه.

لذلك يعد العمل “على نفسك” و تطويرها من أهم المشاريع التي قد تعمل فيها يوماً من الأيام.

#4 – امتلاك العديد من الاختيارات يتضارب مع اتخاذ القرار.

في القرن الواحد و العشرين تتسارع المعرفة بسرعةالضوء و تبدو فرص الابتكار الجديدة لا محدودة, و لدينا وفرة في الخيارات عندما نريد أن نقرر كيف ستكون حياتنا و عملنا. و لكن للأسف, كثرة الخيارات تؤدي غالباً إلى الحيرة و الارتباك و قلة العمل.

أظهرت دراسات في التسويق أنه كلما زادت خيارات المنتج أمام المستهلك كلما اشترى أقل. على كل حال اختيار المنتج الأفضل من بين 3 منتجات أسهل كثيراً من اختيار المنتج الأفضل من بحيرة من 300 منتج. فعندما يكون قرار الشراء صعباً جداً فغالبية الناس يتخلون عن الشراء.

لذلك إذا كنت تدير خط انتاج فاجعل منتجك بسيطاً. و إذا كنت تحاول اتخاذ قرار ما حول ناحية من نواحي حياتك فلا تهدر الوقت و أنت تحصي كل التفاصيل و الاختيارات و الاحتمالات التي يمكنك الحصول عليها. اختر شيئاً ما تظنه سينجح معك و حاول. إذا لم ينجح الأمر اختر شيئاً آخر و استمر في التقدم.

بمعنى آخر لا ترهق نفسك في التفكير في الاختيار. فأفضل وسيلة لمعرفة جدوى أمر ما هي تجربته على أرض الواقع.

#5 – كل الناس يمكلون أبعاد النجاح كما يملكون أبعاد الفشل.

محاولة أن تكون كاملاً و سعيك للكمال في أمور حياتك مضيعة للوقت. الكمال لله وحده, و بالنسبة للبشر فهو وهم لا أكثر.

أبعادنا الناجحة غالباً تتمحور حول الأمور التي نمضي معظم وقتنا و نحن نعمل عليها. نحن ننجح في تلك الأمور لالتزامنا المديد بها. هذا هو الجزء لذي نريد من الآخرين أن يروه, الجزء الذي يبقي حياتنا تعمل. إنها عقيدة أن تبذل قصار جهدك للمضي للأمام.

و لكن مهما كنا نرى أبعاداً للنجاح في أنفسنا أو في شخص ما, فهناك لائحة لا تنتهي من أبعاد الفشل. فقد يكون ذلك الشخص الناجح زوجاً فاشلاً أو أباً فاشلاً. لذلك فالبحث عن الكمال في أمور حياتنا يظل مضيعة كبرى للوقت.

#6 – كل خطوة خاطئة تقوم بها, هي خطوة للأمام في حياتك.

الأخطاء تعلمك دروساً مهمة. في كل مرة ترتكب خطأً فأنت تقترب خطوة من تحقيق هدفك. الخطأ الوحيد الذي قد ترتكبه هو أن تكف عن المحاولة و أن تقرر التوقف عن العمل خوفاً من ارتكاب الأخطاء.

لذلك لا تتردد – لا تشك بنفسك. في الحياة ليس الأمر هو الحصول على الفرصة, إنما العمل في تلك الفرصة و قبولها. لن تستطيع أن تجزم 100% بأنك ستنجح في أمر ما.  لكنك تستطيع أن تجزم 100% بأن التوقف عن العمل لن يؤدي لنتائج ناجحة. لديك الكثير من الوقت لتجرب لذلك لا تتردد.

و بغض النظر عما تؤول إليه الأمور, في النهاية لن تنتهي الأمور إلا على الوجه الي ينبغي أن تكون عليه. إما أن تنجح في الأمر أو أن تتعلم شيئاً جديداً. رابح – رابح في كلا الحالتين. تذكر أنك حين لا تعمل فإنك لن تتعلم و ستبقى في نفس النقطة طيلة حياتك.

#7 – يمكنن للناس أن يكونوا عظماء حتى في الأمور التي لا يحبون عملها.

طبعاً لست أقترح عليك أن تختار عملاً أو صفقة لا تحبها, كلنا سمعنا المقولة التي تقول ” لكي تكون عظيماً فيما تعمل, عليك أن تحب ما تعمل” في الحقيقة ذلك ليس صحيحاً تماماً.

أحد أصدقائي يعمل كمحاسب عام. أخبرني مراراً أنه لا يحب عمله و أنه يضجره لحد الموت. و لكنه غالباً ما يحصل على مكافئات و ترفيعات. و هو في سن الـ 28 رُشِّح ليكون واحداً من اثنين من الذين سيحصلون على لقب أفضل محاسب لهذه السنة. لماذا؟ لأنه على الرغم بأنه لا يحب عمله و لكنه خبير فيه و متقن له.

يمكن أن نذكر الكثير من هذه الأمثلة و لكن ما يهمنا هو أن أي شخص عندما يكرّس وقتاً كافياً و تركيزاً كافياً على ما يقوم به – حتى و لم يكن يحبه – فإنه يمكن أن يكون ناجحاً فيه, و بشكل جنوني. و قد يقال عنه إنه موهوب بالفطرة في هذا العمل!.

#8 – مشاكلنا تجاه الآخرين هي مشاكل تجاه أنفسنا.

غالباً ما تكون مشاكلنا مع الآخرين, الزوج, الآباء… و ليس لدينا الكثير لنفعله معهم على الإطلاق. لأن معظم المشاكل التي نظن أنها مشاكل معهم, فإننا و بشكل لا واعٍ نصنعها بأنفسنا. ربما فعلوا شيئاً في الماضي أو قصّروا في شيء ما توقعنا منهم أن يفعلوه. في كل الحالات مشاكل مثل هذه لا تتعلق بالأشخاص حقيقة, إنما تتعلق بأنفسنا.

هذا يعني ببساطة أن هذه المآزق يمكن أن تحل. فنحن على كل حال من يتخذ قراراتنا الخاصة. علينا أن نقرر أن ننسى هذه المشاكل و ندعها تذهب أو أن نظل نفكر فيها و نرهق تفكيرنا بها.

كل ما نحتاجه هو الرغبة للنظر إلى تلك الأمور من منظور آخر – إنسَ المشاكل و “ما كان” كان و “ما حدث” حدث. المهم الذي يجب أن تركز عليه هو “ما سيحدث” و “ما سيكون”.

#9 – القرارات العاطفية نادراً ما تكون جيدة.

القرارات التي تُتَخذ في الحدة العاطفية هي في الواقع ردود فعل غير موجهة أكثر من كونها أحكاماً مدروسة. هذه القرارات هي في الواقع المنتج الجانبي للتركيز القيليل و العاطفة الكثيرة و غالباً ما تُبنى على أساس عواطف سابقة بدلاً من الوعي المتيقظ.

النصيحة الأفضل هنا بسيطة. لا تدع عواطفك تَفُز على ذكائك. تمهل قليلاً و لا تقرر و أنت في حدة عاطفية قرارات قد تغير حياتك.

#10 – لن تكون, أبداً, مستعداً 100% عندما تظهر فرصتك.

الأمر الأول الذي أظنه يبقي أولئك الأذكياء في مكانهم و يمنعهم من المضي قدماً أمام فرصة ما هو أنهم يظنون انهم غير مستعدين بعد لها. بمعنىً آخر, يعتقدون أنه تلزمهم معرفة و خبرة و مهارات أكثر قبل أن يشاركوا بكفاءة في تلك الفرصة. للأسف هذا النوع من التفكير هو الذي يكبح نمو الشخص و يخنقه.

الحقيقة هي أنه لا يوجد شخص مستعد 100% عندما تلوح الفرصة له. لأن معظم الفرص العظيمة في حياتنا تجبرنا على النمو عاطفياً و عقلياً. تجبرنا على أن نوسع أنفسنا و نقلل من فرص الرحة, و هذا سيعني الشعور غير المريح في البداية. و عندما لا نشعر بالراحة نظن أننا غير مستعدين بعد.

فقط تذكر أن تلك اللحظات الهامة التي تجلب لك الفرص في حياتك سوف تأتي و تذهب في حياتك. إذا كنت ترغب في إحداث تغيير إيجابي في حياتك عليك أن تعانق تلك اللحظات التي تنمحك الفرص حتى و لو كنت تشعر أنك غير مستعد 100% بعد, لأنك ببساطة لن تكون.

و أحد الأمثلة التي أحبها على هذا المبدأ هو بيل غيتس مؤسس شركة Microsoft في بداياته. فقد عرضت عليه شركة IBM أن يقوم بإعداد برنامج للتحكم بالحاسب الذي صنعته, و قد وافق على الفور. هل تعتقد أنه كان يملك النظام في جيبه و أنه كان ينتظر أن تعرض عليه الشركة الفكرة ليقدمه لها؟ لا على الإطلاق. لم تكن لديه أية فكرة عما سيفعله, و لكنه وافق على المشروع و من هنا بدأ العمل عليه, و يعد هذا أقوى دافع ليقوم بإيجاد مثل هذا النظام. فقد أصبحت مسؤوليةً في عنقه. و طبعاً في النهاية و بعد العمل الشاق خرج نظام DOS إلى الوجود.

إذاً لا تترد في السير نحو الأمام و صعود الدرجة التالية في حياتك بحجة أنك لست مستعداً. إياك أن تفعل ذلك.

عندما أعطيت الورد لمن حولي!

بسم الله الرحمن الرحيم

عندما أعطيت الورد لمن حولي!

في ذلك الصباح ذهبت متأخرة إلى العمل, لأسباب أعلم جيداً أنها لن تنفع مديري… ماذا أصنع؟ فكرت كثيراً في داخلي و قلت: بالطبع سأعتذر ثم أقول الأسباب, لا. بل سأقول الأسباب ثم أعتذر. و هكذا تضاربت الأفكار المتضادة في عقلي. و في تلك الأثناء كنت أفكر و أنا سائرة بجوار حديقة كبيرة تدب أوصالها في المدينة منذ سنوات كثيرة, و يخرج من بين أسوارها الورد ليطل على المارة و يبشرهم بالخير, عن طريق ألوانه و رائحته الزاهية. قطفت وردة بيضاء, لم تكن كبيرة و لا متوسطة, بل صغيرة, و حملتها أشتم رائحتها الذكية فقد كانت من نوع الياسيمن الجميل. أذهبت رائحتها بعض الخوف من داخلي, جعلتني أثق في أسبابي و أقول في داخلي: سبب استيقاظي المتأخر رغماً عني سيقبله المدير حتماً و نومي متأخراً ليلة أمس نتيجة مرض صديقتي الوفية أيضاً سيقبله مديري حتماً. و هكذا صارت الأمور تتصاعد نحو التفاؤل و في الخط التصاعدي لا التنازلي أبداً.

دلفت إلى العمل و أنا واثقة بدرجة كبيرة مما سأفعل, بل تخطيت مرحلة مقابلة مديري و قمت بتأجيلها بعض الدقائق و ذهبت إلى القسم الذي أعمل به أولاً لألقي تحية الصباح في هدوء على الزملاء الذين ملأت أعينهم شعاعات الدهشة لكوني متأخرة و اسبح في ذلك الهدوء العميق.

و ذهبت إلى المدير غير خائفة, و ما زالت الوردة البيضاء معي لم تفارقني, أشتم رائحتها التي لا تنتهي  و أرتشف منها التفاؤل الجميل. و إلى غرفة المدير دلفت, كان التأخير عن آخره, دخلت إله مبتسمة, و قلت: صباح الخير يا سيدي.

لم يرد, فقد كان منشغلاً حتى النهاية بأوراق أمامه يرتدي لها نظارة القراءة التي يعلم كل العاملين في المستشفى, أنه عندما يرتديها يجب ألا يتحدث معه أحد و كأنها علامة تقول لا للإزعاج من فضلك.

قفزت إلى عقلي الفكرة الأخيرة, لماذا لا أعطيه الوردة, لعل رائحتها تجعله يتفائل هو الآخر و يحدث ما أريد! و وسط زحام الأوراق أمامه, وضعتها أمام عينيه تحت نظارة القراءة بسنتيمترات كي يراها.

نظر إلى ذلك الكائن الغريب كأنما يشاهده لأول مرة, أو بالأحرى لم يعطه طبيب من قبل و لا أحد من ذلك الشيء, أو لم تدلف وردة طبيعية من قبل إلى مكتبه العملي جداً الذي لا يعترف إلا بالجدية المحمودة و الحزم.

نظر إلى الوردة و نظر إليّ, اشتم رائحتها الفواحة و أخذ نفساً عميقاً منها و ارتخى على المقعد و قال: ما أجملها. نظر إليّ, أفاق من عالم الوردة البيضاء ليجدني أمامه مبتسمة, و انتظرت ماذا سيقول, هل أم هل؟!

و لم يتحدث بعد, وضع الوردة بعناية في كوب ماء أمامه و قال: ما أجمل أن تأتي وردة وسط الأوراق و العمل, شكراً جزيلاً. و انصرم اليوم بهدوء بسبب الوردة البيضاء, و من وقتها لم ينسها لي مديري, ليذكرني كل صباح و يقول: أين الوردة؟ و يحكي للزملاء عما فعلته هذه الوردة به و هو منغمس في العمل المكثف.

و منذ ذلك اليوم أعطيت الورد لأصدقائي, لعائلتي, لزملاء العمل, لكل من اريد زيادة المودة و العلاقات الانسانية السامية بيني و بينهم, و كأنهم ينتظرون بعض التغيير وسط ضغط الحياة الذي لا يتوقف. و هم يسيرون في دائرة من صباح لمساء و من مساء لصباح في روتين لا يتغير دوماً, استطاع ذلك الورد أن يفعل ما لم يستطع البشر فعله, كائنات صغيرة ملونة خلقها الله لتعطينا البهجة و السعادة إذا فهمنا معناه, فهي تنظر إلينا و تقول شيئاً لا نعرفه, و اليوم عرفته جيداً. و هكذا سارت الحياة وردية, عندما أعطيت الورد لمن حولي!

د. أسماء الطناني (كاتبة من مصر)

همسة في التزكية و التغيير

همسة في التزكية و التغيير

التزكية

التزكية هي تلك الرحلة  الطويلة و الشاقة لإقامة النفس على الحق و فطامتها عن الهوى و الباطل, حتى تكون رهن إشارة الوحي و التنزيل بكل رضاً و إذعان.

و هي الخطوة الأولى للسير على طريق التغيير. فهي بمثابة بناء ذلك الإنسان المؤهل لإجراء التغيير. فيفجّر الطاقات الكامنة. و يوظفها في إنشاء الحياة الطيبة و الحضارة الشامخة. بعد أن انتصر على معركته الأولى مع نفسه, و أصلح تلك المضغة التي إن صلحت فقد صلح الجسد كله, ألا و هي القلب.

فالتزكية تعني أن أسلُك السبيل الذي يخلصني من كبريائي. و يخلصني من أنانيتي, و من الأحقاد و الضغائن, و من تعشق الدنيا التي وصفها الله بأنها فانية و بأنها عرض زائل. و أن أجعل من قلبي مرآة لحب خالد باقٍ, بعد مسح حب عَرَض الحياة الدنيا الفاني.

و يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:

“إن تغيير النفس و إصلاحها ينبغي أن ينطلق من تصحيح معتقداتها على أساس توحيد الخالق, و تصحيح قناعاتها و مفاهيمها عن الكون و الإنسان و التاريخ و الفرد و المجتمع, و المرأة و الرجل, و الدين و الحكم”.

و من هنا وجدنا أن الاستخراب (الاستعمار) حين دخل بلاد المسلمين, جعل همه الأكبر في تغيير مفاهيمها و أفكارها عن طريق التعليم و الثقافة و الإعلام. فيغرس في الأذهان:

  • أن الدين لا علاقة له بالسياسة.
  • و أن الاقتصاد لا علاقة له بالأخلاق.
  • و أن الحرية فوق القيم.
  • و أن المرأة مساوية للرجل.
  • و أن الازياء و ما يتعلق بها من أمور خاضعة للعرف و التقاليد لا للشرع.

فإذا وثق النفس أنها بدأت تستوي على الطريق الصحيح, فإنها تكون مهيئة حينئذ للإصلاح و دعوة غيرها إنطلاقاً من قاعدة: “أصلح نفسك و ادع غيرك”.

كن قدوة لأهلك و جيرانك و أصحابك, فقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم المثل الأعلى و القدوة الحسنة لأمته في كل شيء.

و كذلك تجسدت القدوة الصالحة في صحابته أجمعين و من تبعهم بإحسان, و بتلك القدوة انتشر الإسلام شرقاً و غرباً.

و وصل الإسلام إلى كثير من البقاع على أيدي تجار مسلمين, و دعاة صادقين, جعلوا من أنفسهم القدوة و الصورة الحسنة للإسلام.

فهل نحن صورة صادقة للإسلام؟!

هل نعطي الآخرين من غير المسلمين الذين يفدون إلى بلادنا, صورة المسلم الصادق الأمين, الذي لا يكذب و لا يغش و لا يخدع, و لا يأكل أموال المسلمين, و يحافظ على أعراضهم و عهودهم. يفي بالوعد و لا يقول: “سآتي في الموعد إن شاء الله” و هو يعلم في حقيقة نفسه أنه سيخلف بهذا الموعد, و لن يأتي أبداً, حتى جعلنا للأسف هذه الكلمة مثار تهكم و استهزاء من الأجانب في بلادنا.

و رحم الله الشاعر الذي يوبخ أولئك الذين يعلّمون غيرهم بما لا يفعلونه فيقول:

فيا أيهــــــا الــــرجـل المعلــم غيــــره                 هلّا لنفســـك كـــان ذلك التعليــــم
تصف الدواء لذي السقام و ذي الضنا                 كيمـــا يصـــح بـــه و أنــت سقيم
إبـــدأ بنفســــك فانههــــا عــن غيهـــا                 فـــإذا انتـــهت عنـــه فانـــت حكيم
فهنـــاك يُقبــل مـا وعظت به و يقتدى                بالعلـــــم منــــك و ينفــــع التعليــم

روى الجاحظ أن عقبة بن أبي سفيان لما دفع ولده غلى المؤدب قال له:

“ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح بنيك إصلاح نفسك…
فإن أعينهم معقودة بعينيك…
فالحسن عندهم ما استحسنت…
و القبيح عندهم ما استقبحت…
و علمهم سير الحكماء و أخلاق الأدباء…
و كن لهم كالطبيب الذي لا يعمل بالدواء حتى يعلم الداء…”.

و يقول سفيان الثوري في وصاياه لعلي بن الحسن:

“يا أخي! عليك بتقوى الله, و لسان صادق, و نية خالصة, و أعمال صالحة, ليس فيها غش و لا خدعة, فإن الله و إن لم تكن تراه فهو يراك, و هو معك أينما كنت, و لا يخفى عليه شيء من أمرك”.

لا تخدع الله فيخدعك و يخلع منك الإيمان و أنت لا تشعر, و لا تمكرن بأحد من المسلمين المكر السيّء, فإنه لا يحيق المكر السيّء إلا بأهله.

و لا تبغيّن على أحد من المسلمين, فإن الله تعالى يقول:

{يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم}

و أحسن سريرتك يحسن الله علانيتك.

و أصلح بينك و بين الله, يصلح الله فيما بينك و بين الناس.

و اعمل لآخرتك, يكفك الله أمر دنياك.

بِعْ الدنيا بآخرتك تربحهما معاً, و لا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعاً.

عليك بالصدق في المواطن كلها, و إياك و الكذب و الخيانة و مجالسة أصحابها, فإنها وزر كلها.

و إياك و العُجب, فإن العمل الصالح لا يٌرفع و فيه عُجب.

و لا تأخذن دينك إلا ممن هو مشفق على دينه, كمثل طبيب به داء لا يستطيع أن يعالج نفسه و ينصح لنفسه, فكيف يعالج داء الناس و ينصح لهم؟!.

يقول أحد الصالحين:

غلطت بالابتداء مع الله تعالى في أربعة أشياء:

1.       عندما ظننتُ أني أحبه فإذا هو أحبني, بقوله تعالى: {يحبهم و يحبونه}.

2.       عندما ظننت أني أرضى عنه, فإذا هو قد رضي عني, بقوله تعالى: {رضي الله عنهم و رضوا عن}.

3.       عندما ظننت أني أذكره فإذا هو يذكرني, بقوله تعالى: {و لذكر الله أكبر و الله يعلم ما تصنعون}.

4.       عندما ظنت أني أتوب فإذا هو تاب عليّ, بقوله تعالى: {ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم}.

سنن التغيير في الكون

تذكر يا أخي أن هناك سنناً كونية في التغيير لا تتبادل على مر العصور لأنها السنن الإلهية. و من هذه السنن:

1.       التغيير ضروري حتى تستقيم الحياة و تطهر الارض من الظالمين:
قال تعالى: {ألم تر أن الله خلق السموات و الأرض بالحق إن يشأ يذهبكم و يأت بخلق جديد}.

2.       التغير مرهون بسلوكيات البشر:
قال تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.

3.       التغيير إلى الأسوأ مرتبط بظلم العباد:
قال تعالى: {و كم قصمنا من قرية كانت ظالمة و أنشأنا بعدها قوماً آخرين}.

4.       التغيير إلى الأحسن مرهون بعمل الصالحات (الإحسان):
قال تعالى: {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى و هو مؤمن فلنحيينه حيوة طيبة و لنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}.

5.       أن الإحسان و الإساءة يدوران في خلل الهوى و الضلال:
قال تعالى: {فمن اتبع هداي فلا يضل و لا يشقى – و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً و نحشره يوم القيامة أعمى}.
و قال تعالى: {فأما من طغى – و ءاثر الحياة الدنيا – فإن الجحيم هي المأوى – و أما من خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى – فإن الجنة هي المأوى}.

6.       التغير أداة تمحيص و ابتلاء لتمييز الصالحين من عباده:
قال تعالى: {الم – أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون}.
و قال تعالى: {وتلك الأيام نداولها بين الناس و ليعلم الله الذين ءامنوا و يتخذ منكم شهداء}.

مفهوم التغيير

يقول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في شرح مفهوم التغيير:

“إنهما اثنان لا ثالث لهما:

أحدهما: يتعلق بالمادة التي من حولنا. و قد تكفل الله عز و جل به, و حمّل ذاته العلية هذا التغيير.

التغيير الثاني: يتعلق بالنفس الإنسانية, من حيث تعلق هذه النفس بالله عز و جل. و هذا هو التغيير الذي حمل الله تعالى الإنسان مسؤوليته”.

فكأن الله عز و جل يقول:

يابن آدم عليك أن تعود إلى نفسك, فتقيم علاقتك معي على النهج الذي تقتضيه فطرتك, و على النهج الذي تقتضيه ربوبيتي, أضمن لك أن أغير الدنيا من حولك, و أخضعها لسلطانك و حكمك.

ألم تسمعوا إلى قوله تعالى: {و قال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين – و لنسكننكم الأرض من بعدهم}.

هذا هو قرار الله في إخضاع المادة لهؤلاء المؤمنين, ثم أعطانا القانون فقال تعالى: {ذلك لمن خاف مقامي و خاف وعيد}.

أنا سأخضع الدنيا لهؤلاء الناس, و لسوف أجعل أنظمة الكون تدور على رغائبهم طبق قانون كلما تكرر, تكرر هذا العطاء. و عبر عن هذا القانون بكلمة أخاذة جامعة فقال {ذلك} أي هذا القانون يتكرر و ليس حالة عابرة {لمن خاف مقامي و خاف وعيد}.

من الشباب من يريد استعجال النتائج, يقول: عملنا… و عملنا, و لم نر النتيجة بعد!!.

فكأنه يريد أن يعمل اليوم و يحصد نتائج عمله في الغد.

و لكن سنن الله في الكون غير ذلك. فقد أرسى الله تعالى الحياة على الارتقاء و التدرج. فلا الشمس تشرق فجأة و لا النبتة تنبت فجأة, و كذلك حال الدين (و كذلك حالك).

و لقد استعجل بعض الصحابة النتائج. فماذا أجابهم رسول الله صلى الله عله و سلم:

قال: {و الذي نفسي بيده ليتمنّ الله هذ الأمر حتى يسير الراكب من حضرموت إلى اليمن… أو من اليمن إلى حضر موت… لا يخشى إلا الله و الذب على غنمه… و لكنكم تستعجلون}!!.

فهذه الحياة… صعود تارة… و نكسة تارة أخرى… عقبات و عراقيل… و هضاب و سفوح… إلى أت تصل إ‘لى غايتك في هذه الحياة.