البوصلة القرآنية 2

‘‘هذه المقالات ستكون دمجاً بين قرائتي لكتاب البوصلة الذهبية للدكتور أحمد خيري العمري و المعاني التي تحدث عنها، و بين الأفكار التي اقتحمتني و أنا أقرأ فيه’’.

البوصلة القرآنية 1 – 2

عناصر الخطاب الإسلامي – أساسية، لكن مفقودة

          لا ريب أن الإسلام نقل الجزيرة العربية نقلة نوعية من واقع في الحضيض لقيادة الأمم في فترة زمنية قياسية، الأمر الذي يدعو لكثير من الدهشة، هذه الدهشة يجب أن يتبعها أسئلة مثل: لماذا؟ كيف؟ متى و أين؟

لأن واقعنا اليوم لا يختلف كثيراً عن واقع الجزيرة العربية يومئذ، واقع مرير لكن تكسوه بعض الأقنعة التي تموّهه و تخفي ورائها الجهل والتخلف الفكري الذي لا يمكن وصفه!

الأجوبة جاءت على نوعين:

  • منها من قال بدور القيم و المثل العليا التي جاء بها الإسلام.
  • و منها من قال بدور الزكاة و الغنيمة و الخراج و الجزية.

‘‘لكن الحقيقة تسكن كل ألوان الطيف و لا تستقر أبداً في لون واحد’’.

نزل القرآن على رسولنا الكريم تباعاً و لم ينزل دفعة واحدة، و كان لذلك حِكماً أرادها الله منها أن التدرج في بناء صرح الإسلام تبعاً للمراحل التي كان يمر بها، فالمرحلة المكية كانت مرحلة بناء العقيدة و الإيمان فكانت الآيات التي نزلت في مكة تتحدث عن ذلك. أما المرحلة المدنية فهي مرحلة الاستقرار و أولى بذور الحضارة فجاءت الآيات التشريعية و الأحكام.

أيضاً كان النزول على مراحل مفيداً في تثبيت قلب النبي صلى الله عليه و سلم و غيرها من الحكم التي أرداها الله من نزول القرآن مجزءاً. هذا بالنسية لزمن الصحابة. أما اليوم و قد وجدنا القرآن بين أيدينا دفعة واحدة فماذا يمكن أن يفيدنا الترتيب التاريخي لآيات القرآن و ماذا يمكن أن يفيدنا معرفة أسباب النزول طالما  الآيات القرآنية ليست متعلقة بسبب نزولها فقط و إنما يتعدى حكمها و الغاية منها سبب النزول و زمانه لكل زمان و مكان!

‘‘القرآن يجب ألا يعزل عن الواقعة التاريخية التي أنزل ضمنها، و لا يعني هذا الاكفتاء بالتركيز على أسباب النزول’’. بمعنى أن أسباب النزول ليست المعنى الوحيد الذي يمكن أن نستفيده من الآية، إنما يكون سبب النزول للآية إن كن معروفاً معيناً لنا في فهم الإطار الذي جاءت الآية لتخدمه و الفراغ الذي نزلت لتملأه. دون أن نحصر معنى الآية بهذا السبب.

و يساعدنا الفهم الواعي العلمي لتلك المرحلة التاريخية – البعثة و بداية الرسالة – في عدة أمور: أولاها فهم كيفية نشوء الحضارة الإسلامية و أسس نجاحها، و بالمثل أسباب زوالها و هذا يساعدنا في بناء التغيير الحضاري المنشود. كما أنها تساعدنا في فهم أنفسنا أكثر ‘‘لأن آثار تلك الحضارة و ازدهارها و نتائجها لا تزال مغروسة بعمق في التكوين النفسي و الاجتماعي و الحضاري للمسملين’’.

و ربط القرآن بالمرحلة التاريخية التي نزل فيها في محاولة فهمه – و ربطه بأسباب النزول بالتالي – لا يعني أبداً خروجه و تحييده عن الواقع المعاصر. إنما سيكون ذلك الربط أداة تساعدنا في الولوج أكثر في معاني القرآن، القرآن لكل زمان و مكان هذا أمر مفروغ منه، و لكنه عندما نزل على الرسول في بداية البعثة كان لنزوله مناسبات و حوادث لا يمكن إغفالها في محاولتنا فهم القرآن الكريم. هذا الربط يكون مشكلة و خطأً كبيراً عندما نسقط الفهم القديم على الواقع الجديد، عندما يتحول هذا الربط من أداة مساعدة للفهم إلى منهج وحيد للفهم، نكون بذلك و كأننا أسقطنا تلك المرحلة على هذه المرحلة، و القرآن لم ينزل لأجل تلك المرحلة فقط، إنما جاء لكل الأزمنة، فيكون إسقاط الماضي على الحاضر هو بذاته تقييد للقرآن و تحييده عن الهدف الذي نزل لأجله. اي أن فهم القرآن الكريم يحتاج لقراءة جديدة في كل عصر تختلف عن القراءة السابقة و هذا لا يعني اختلاف تفسيره بين عصر و عصر إنما اختلاف في كيفية النظر إليه و فهمه.

كما أن القرآن الكريم يوجهنا للتقصي التاريخي في كثير من المواضع و هذا التقصي ليس عبثياً، إنما له دور في البناء الحضاري المنشود آنذاك و اليوم.

في هذا البحث علينا أن نستند على شيء ثابت واحد – هو القرآن. القرآن هو المنهج و هو المعجزة في نفس الوقت. في الحضارات السابقة التي كانت تتباهى بمنجزاتها المادية كان الله يؤيد رسله بمعجزات تفوق تلك المعجزات و تتحداها و هذا منطقي لسببين:

  • الأول أن رسالة الرسل قبل رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه و سلم كانت موجهة لزمان معين و مكان معين فيه قوم معينون. و من ثم تكون المعجزة مؤقتة بالفترة التي يقضيها الرسول بينهم.
  • ثانياً أن المعجزة كانت تأتي من جنس ما اشتهر به القوم الذين يرسل الله لهم الرسالة لتكون معجزة لهم.

فلا يمكن التحقق من تلك المعجزة مالم يكن من يريد التحقق موجوداً في نفس المكان و نفس الزمان. فلا يمكن أن ترى أحداً يقول لك أنا أؤمن بموسى عليه السلام و برسالته و من ثم يشير لك إلى معجزته، لأن معجزته اختفت مع انتهاء عصره. أما رسالة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم فجاءت لكل الأزمنة و لكل الناس لذلك كان على معجزته أن تبقى موجودة و تبقى متوقدة في كل زمان خلافاً لمعجزات الأنبياء من قبله و الذين كانت معجزاتهم مثل عود الثقاب يتوقد لمرة واحدة فقط، أما القرآن فهو متوقد إلى يوم القيامة. و في هذا معنىً يجب أن ننتبه إليه و هو أن الله يخاطب عقل الإنسان و ليس حواسه في هذا المرحلة، ففيما سبق كانت المعجزات موجهة لحواس الناس و لا يمكنهم إن يُعملوا عقولهم فيها و أن يفهمومها فهي كانت موجهة للحواس و ليس للعقل دور فيها، أما القرآن فهو موجه للعقل و ليس للحواس و إن كان للحواس نصيب. القرآن يحتوي على معجزاته بين دفتيه، منها البلاغي و منها التشريعي و منها العلمي و الجميل في الأمر أن إعمال العقل في هذا القرآن هو الذي يكشف هذه المعجزات كلما أعمل الإنسان عقله فيه، و هكذا يبقى القرآن مفتوح الأبواب للعقول على مر الأزمنة تُنقّب فيه و تكتشف المزيد من الكنوز التي كانت مخبؤءة فيه إلى أن جاء وقت قطفها.

خلاصة الأمر أن إعجاز القرآن يجب (منطقياً) أن يبقى ما دامت الرسالة قائمة، و رسالة الإسلام باقية إلى يوم القيامة لذلك احتوى القرآن على عناصر الإعجاز التي لا تنتهي صلاحيتها حتى يوم القيامة. من أهم هذه العناصر الإعجازية التي أراد الله لها أن تتكشف تباعاً على مر الأزمنة الآيات الكونية التي بثها الله في القرآن و التي تصف قوانين الكون. هذه الآيات لا يمكن و لن يمكن أن تَنْفَذَ في زمن واحد – لأنه لو أمكن لاختل إعجاز القرآن و توقف. و لا يمكن أيضاً منطقياً كشفها في زمن واحد لأن آيات القرآن الكونية التي تفسر ظواهر كونية أو تتنبأ بها أو تصفها هي في الواقع تخاطب العقل عبر المكتشفات التي اكتشفها في ذاك الزمن، و لأن لكل زمن اكتشافاته التي يتوصل إليها و العلم الذي يبنيه و يخرج به – كان لكل عصر آيات يمكنه أن يفهمها و يفسرها و يرى الإعجاز فيها. أي أن كل زمان له درجة عليمة قادرة على تفسير آيات معينة من آيات القرآن الكونية. و هذا منطقي جداً فالعقل في تطور مستمر و العلم بالتالي في تصاعد مستمر و هذا يعني أننا في فهم متزايد لآيات القرآن العلمية.

كان يمكن لرسولنا الكريم محمد صلى الله عليه و سلم أن يفسر لنا آيات القرآن الكونية و لكنه لو فعل لوقعنا في مشكلتين:

  • الأولى أن عطاء القرآن كان ليتوقف.
  • الثانية أن العقول في تلك المرحلة لم تكن لتستوعب كل هذا الدفق من المعلومات لأنها لم تخض فيها أساساً و لم تتوصل للعلم الذي يمكنها من فهمها.

فالقرآن يحتوي على آيات لا يمكن فهمها بالشكل الصحيح إلا بعد أن تثب العقول وثبات تمكنها من فهم مراد الله في آياته الكونية، و هذا لا يحدث إلى مع تقادم الزمن و تراكم العلم. و بذلك يبقى القرآن منجماً للإعجاز باقياً ما بقيت الرسالة قائمة و هي قائمة إلى أن يرث الله الارض و من عليها.

و كون معجزة القرآن جاءت بالنص لا بالمادة (لأن العرب كانوا مشهورين بالبلاغة و بالتالي بعث الله لهم القرآن متحدياً لغتهم و فصاحتهم) لا يجب أن يُفهم منه أن الإعجاز جاء في القرآن بالنص فقط لأجل هذه الغاية، يجب أن نتذكر دائماً أن الله في هذه المرحلة أراد أن يخاطب عقل الإنسان و فكره و وعيه.

إذاً جاء القرآن ليبني وعياً جديداً لدى الصحابة الذي اختاروا الدخول في هذا الدين بإرادتهم و من دون معجزات حسية.

إذاً كانت المعجزات في السابق تقوم على مبدأ أنها تُعجز العقل و تجعله في حالة و الذهول و غياب التفسير المنطقي لما يحدث أمامه، وهذا يؤدي لانسياق الفرد لما يأتي به هذا الرسول و من ثم التسليم بما جاء به و الذي هو توحيد الله و طاعته. إذاً كان الأمر قائماً على ثلاثية: (التحديالإعجازالتسليم). أي أنها تتحدى العقل و تعجزه و تجعله غير قادر على إعمال التفكير فيها، فهي معجزة و كفى. القرآن جاء معجزاً للعقل عبر طريق آخر، جاء القرآن معجزاً للعقل عبر مخاطبته و حثه على تبني قيم و طرائق تفكير جديدة تثور على المفاهيم الخاطئة المتوارثة جيلاً بعد جيل، ابتداء بالشرك و انتهاء بمظاهر الاستغلال و القهر الاجتماعيين.

و نجد الكفار وقتها طالبوا الرسول بمعجزات تقليدية كالتي كانت من قبل، لكي يجدوا طريقة للالتفاف عليها بعدما أعياهم القرآن و لم يجدوا له حيلة و لا وسيلة، و لكن القرآن ظل معجزة فريدة يصر على مخاطبة العقل في عملية التغيير التي هي هدف كل رسالة.

المعجزات الحسية طبعت الرسالات السابقة بالطابع المادي و الطابع الحسي الذي كان يتناسب مع لغة اللاعقل التي كانت سائدة و التي استطاعت المعجزة خرقها والتعامل معها. أما الإسلام و لأنه الرسالة الموجه لكل الأزمنة و الرسالة الخاتمة فيجب أن يتميز عن ذلك، بتقديم لغة جديدة حية تصلح مقدماتها و نتائجها لكل العصور، لا تصلح فقط لكل العصور بل و تُصلح كل العصور.

القرآن معجزة تشارك أنت فيها شخصياً

في السابق كانت المعجزة تصيب الفرد بسكتة عقلية تتطلب منه الخضوع و الانقياد، كان عجزه عن فهم المعجزة هو المفتاح الأساسي للمهمة الرسولية. لكن آلية إعجاز القرآن كانت مختلفة تماماً، فهنا إعمال العقل كان شرطاً أساسياً لتحسس الإعجاز. لذلك كان القرآن دوماً موجهاً إلى أناس (يعقلون) إذ لا فائدة حقاً من أناس أصيبوا بإبهار أسكت عقولهم.

و لا تظهر معجزة القرآن إلا في تفاعله مع البشر، و يبقى القول بإعجاز ألفاظ القرآن مجردةً قولاً بعيدأ عن إعجاز القرآن الحقيقي.

معجزة الخطاب القرآني لا تكون إلا بالذين يعقلون و لا تكتمل إلا بوجودهم و لا تبلغ ذروتها إلا بكونهم يعقلون. و لو كانوا لا يعقلون لما تحقق هذا الإعجاز و لما صار.

أي أن المعجزة الأولى للقرآن تكون بأثره عليك، تكون بتفاعلك معه و الإنسان الجديد الذي ينتج منك بعد أن تتفاعل مع القرآن. و هذه المعجزة هي التي نقلت الصحابة من الجاهلية (مهما نسبنا له الرقي بالشعر و غيره) إلى قيادة العالم في أقل من 30 سنة، هذه هي المعجزة الحقيقة التي  تولدت من تفاعلهم مع القرآن و الفكر الذي نتج عن هذا التفاعل و الشخص الذي ولد مع هذا الفكر.

إذا في القرآن ألوان من الإعجاز، منها القائم بذاته كاللغوي و النظام الحياتي المتكامل الكامل الذي جاء به و احتواؤه على الآيات الكونية التي لا يمكن الكشف عنها دفعة واحدة إنما تحتاج لوثبات العقول التي تحصل مع تقدم الزمان.

لكن أسماها و أقواها هو أنت عندما تتأثر بالقرآن، أنت و كيف ستكون و كيف ستفكر و ماذا سينتج عن كل ذلك بعد تفاعلك الحقيقي مع القرآن. فإذا نظرت إلى القرآن مجرداً عنك فهو يحتوي كل ألوان الإعجاز التي تبقينا على يقني أنه كتاب الله و رسالته إلينا إلى يوم الدين، و لكن عندما تندمج بالقرآن فستظهر أسرار إعجازه فيك أنت و ستصبح أنت المعجزة التي ستبني الحضارة التي بناها الصحابة يوماً ما عندما كان القرآن جزءاً لا يتجزأ منهم – كانوا معجزةً حقاً.

و إعجاز القرآن هذا تضمن في جوهره و في معناه الإعجاز الحسي الذي جاءت به الرسل السابقة، فكما شفت يد السيد المسيح الأبرص فقد شفى القرآن أمراض التخلف و الجهل و اللاعقل و هي أمراض وبائية أخطر من البرص و بعث بذلك الحياة في إنسان جديد و مجتمع جديد. و كما تحولت العصا في يد موسى عليه السلام إلى حية تسعى تحولت المفاهيم البالية التي كانت سائدة بين عرب الجزيرة إلى مفاهيم جديدة طازجة تنبض بالحيوية و الحركة، مفاهيم تسعى!. و كما انشق البحر أمام عصا موسى انشقت صحراء التخلف و بحر الظلمات أمام الخطاب القرآني لتمهد الطريق أما حضارة جديدة، تبني الإنسان بمفاهيم و رؤى و أفكار جديدة.

و لكن الفرق الجوهري أن ذلك الأبرص الذي شفاه عيسى عليه السلام قد مات و البحر قد عاد و العصا اختفت أما مع الخطاب القرآني فالإعجاز باقٍ مستمر، و جسر التواصل ممدود معه مالم نقفل أنفسنا دونه.

الجهل و التخلف موجود اليوم كما كان سابقاً و لا يزال بمقدور القرآن شق تلك الصحارى من الجهل و تحويل تلك المفاهيم التي تسود اليوم مجتعاتنا إلى مفاهيم جديدة تبني الإنسان من جديد – شرط أن يبقى التفاعل بينك و بين القرآن موجوداً – أن يبقى جسر التواصل مع قوم (يعقلون) موجوداً و مفتوحاً.

طريقة التفكير التي زرعها الخطاب القرآني في المسلمين لا يشترط أن تكون طريقة تفكير الزهاد و الوعاظ الذي يتخيل المرء أنهم ملتصقون بالقرآن أكثر من غيرهم. بل هي طريقة التفكير الناتجة من تفاعل هذا المجتمع مع هذا القرآن و تماهيها معه. هي طريقة التفكير التي تولدت بعد أن ذاب الفرد في هذا القرآن و انطبع به. إنها اتجاهات عامة في التفكير أكثر من كونها علامات مرورية صارمة تُحدد بلغة غير قابلة للنقاش: قف، انتبه، طريق مسدود، خفف السرعة…

فالقرآن عند التفاعل معه لا يولد أفكاراً فحسب، بل يطبع العقل بطريقة تفكير معينة، طريقة تسبر أغوار الكون و النفس و الوجود بطريقة تساهم في تفسير العالم على درب تغييره، طريقة تتفاهم مع الآخر مهما كان و تبني جسوراً للتواصل.

صحيح أننا ننتظر أن يثيرنا القرآن و نبكي بخشوع في تراويح رمضان و في العشر الأخير و قيام لياليها، إلا أن التفاعل مع القرآن لا يتقصر حتماً على تحريك غدد الدمع الذي نتخيله المصدر الأهم للخشوع – على أهميته.

طريقة التفكير هذا مبينة على أُسسٍ عامة و ليس على أفكار محددة سلفاً و هناك فرق كبير بين الحالتين. لو كان طريقة التفكير التي نخرج بها من تفاعلنا مع القرآن مبنية على أفكار محددة سلفاً لا يمكن النقاش فيها لكان القرآن في أحكامه و في الحالات التي يستطيع النظر و الحكم فيها محدوداً بعدد محدد، و هذا لا يتماشى مع كونه جاء لكل الأزمنة، و “كل الأزمنة” سيعتريها عدد لا محدود من المسائل و القضايا و الحالات التي تتطلب من القرآن حكماً و قولاً فصلاً. لذلك كانت طريقة التفكير التي تنتج من التفاعل مع القرآن مبينة على أسس و قواعد عامة تستطيع أنت بالدمج بينها و تحريحكها أن تولد أفكاراً لا حصر لها تستطيع أن تحل أي مشكلة تعترض أي زمان و أي مكان. نستطيع أن نشبه ذلك بأن القرآن جاء بألوان تستطيع بها أنت ترسم أي شيء تريده و من ثم تلونه بتلك الألوان، أما لو جاء القرآن على شكل رسومات صغيرة جاهزة فسيكون عدد اللوحات التي تبينها منها محدوداً مها حاولت، أو ستكون تقليدية لا جمال فيها لأنها مكونة من نفس القطع التي ترصفها قرب بعضها مرة بعد مرة. و هنا لن يكون للعقل دور لأن أجزاء اللوحة جاهزة و ليس عليك إلا رصف القطع قرب بعضها البعض، و ليس هذا شكل القرآن – القرآن جاء كالألوان التي يستطيع العقل أن يرسم أي لوحة شاء في أي زمن و أي مكان و يستطيع القرآن أن يلونها له.

2 comments on “البوصلة القرآنية 2

  1. سلام الله عليك …
    لاحظت أن لمساتك في اسقاط النص على أرض الواقع في هذا المقال أكثر من المقال الاول … أليس كذلك ؟؟؟
    صراحة هناك بعض الأفكار ترسخت لدي أكثر عند شرحك لها .. مثل تشبيه القرآن بالألوان مما يوضح شمولية القرآن وزخم معانيه …
    برآيك هل يتشابه نزول القرآن على رسول الله صلى عليه وسلم بالتدريج , مع توضح الاعجاز العلمي فيه بالتدريج مع تراكم العلم وتطوره ؟؟؟
    ففي الأولى تشكيل وعي الجيل الاول …. وفي الثانية تشكيل وعي الأجيال التي تواكب التطور العلمي …
    مازلت أشكرك على الفائدة …

  2. شكراً لك على تفاعلك مع الموضوع :)
    نزول القرآن على رسولنا الكريم تباعاً (برأيي) يجب أن لا يحتل كثيراً من تفكيرنا، لأنه نزل على مراحل لأسباب واضحة، و حتى لو تجاهلنا هذه الأسباب و لوكان نزول القرآن دفعة واحدة فلن يغير هذا في الأمر كثيراً إلا عند أولئك الذين يمكن أن نقول عنهم أنهم لا يتبعون تفكيراً سليماً في حكمهم على الأمور و يمكن أن نقول عنهم كمن يبحث عن شيء ليكذب به هذا القرآن. بمعنى أن نزول القرآن على التدريج أمر محتوم، فالموضوع نسبي، فتصوري أن القرآن نزل دفعة واحدة، ففهمه كان سيقتضي ردحاً من الزمن و مواقف تتشابه فيما جاء يه هذا القرآن. و يمكن أن نقيس الأمر حتى على قراءة القرآن التي تتطلب زمناً لا بأس به، فما بالك بفهمه.
    تشبيهك جميل جداً، ففعلاً كان النزول التدريجي بناء تدريجياً لعقول الصحابة، و اليوم الفهم الأعمق للقرآن يساهم في تدعيم بناء طريقة تفكيرنا التي نفكر فيها. الاختلاف ينبع من شيئين اثنين:
    الأول – أن المسلم اليوم يولد و القرآن كله موجود بين يديه، لكنه بحاجة لكثير من الزمن حتى يتدبر جزءاً منه لن نقول كله.
    الثاني: أن فهمنا للغة العربية اختلف عن فهم الصحابة (تدهو تدهوراً كبيراً) فاليوم نحن بحاجة لدروس و محاضرات لكي نفهم لماذا قال الله سبحانه و تعالى (هذا ما لم تستطع عليه صبراً) و لم يقل (لم تستطيع)! لأن علاقتنا باللغة العريبة تختلف عن علاقة الصحابة التي كانت أقوى بكثير من علاقتنا بها. فهم لم يسألوا الرسول عن معنى (الم) حتى!
    لذلك نحن اليوم لدينا نقاط ضعف و نقاط قوة و هم كانوا كذلك، و من يأتي من بعدنا سيمون أيضاَ كذلك على الاختلاف بين هذه و تلك.

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s