همسة في التزكية و التغيير

همسة في التزكية و التغيير

التزكية

التزكية هي تلك الرحلة  الطويلة و الشاقة لإقامة النفس على الحق و فطامتها عن الهوى و الباطل, حتى تكون رهن إشارة الوحي و التنزيل بكل رضاً و إذعان.

و هي الخطوة الأولى للسير على طريق التغيير. فهي بمثابة بناء ذلك الإنسان المؤهل لإجراء التغيير. فيفجّر الطاقات الكامنة. و يوظفها في إنشاء الحياة الطيبة و الحضارة الشامخة. بعد أن انتصر على معركته الأولى مع نفسه, و أصلح تلك المضغة التي إن صلحت فقد صلح الجسد كله, ألا و هي القلب.

فالتزكية تعني أن أسلُك السبيل الذي يخلصني من كبريائي. و يخلصني من أنانيتي, و من الأحقاد و الضغائن, و من تعشق الدنيا التي وصفها الله بأنها فانية و بأنها عرض زائل. و أن أجعل من قلبي مرآة لحب خالد باقٍ, بعد مسح حب عَرَض الحياة الدنيا الفاني.

و يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:

“إن تغيير النفس و إصلاحها ينبغي أن ينطلق من تصحيح معتقداتها على أساس توحيد الخالق, و تصحيح قناعاتها و مفاهيمها عن الكون و الإنسان و التاريخ و الفرد و المجتمع, و المرأة و الرجل, و الدين و الحكم”.

و من هنا وجدنا أن الاستخراب (الاستعمار) حين دخل بلاد المسلمين, جعل همه الأكبر في تغيير مفاهيمها و أفكارها عن طريق التعليم و الثقافة و الإعلام. فيغرس في الأذهان:

  • أن الدين لا علاقة له بالسياسة.
  • و أن الاقتصاد لا علاقة له بالأخلاق.
  • و أن الحرية فوق القيم.
  • و أن المرأة مساوية للرجل.
  • و أن الازياء و ما يتعلق بها من أمور خاضعة للعرف و التقاليد لا للشرع.

فإذا وثق النفس أنها بدأت تستوي على الطريق الصحيح, فإنها تكون مهيئة حينئذ للإصلاح و دعوة غيرها إنطلاقاً من قاعدة: “أصلح نفسك و ادع غيرك”.

كن قدوة لأهلك و جيرانك و أصحابك, فقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم المثل الأعلى و القدوة الحسنة لأمته في كل شيء.

و كذلك تجسدت القدوة الصالحة في صحابته أجمعين و من تبعهم بإحسان, و بتلك القدوة انتشر الإسلام شرقاً و غرباً.

و وصل الإسلام إلى كثير من البقاع على أيدي تجار مسلمين, و دعاة صادقين, جعلوا من أنفسهم القدوة و الصورة الحسنة للإسلام.

فهل نحن صورة صادقة للإسلام؟!

هل نعطي الآخرين من غير المسلمين الذين يفدون إلى بلادنا, صورة المسلم الصادق الأمين, الذي لا يكذب و لا يغش و لا يخدع, و لا يأكل أموال المسلمين, و يحافظ على أعراضهم و عهودهم. يفي بالوعد و لا يقول: “سآتي في الموعد إن شاء الله” و هو يعلم في حقيقة نفسه أنه سيخلف بهذا الموعد, و لن يأتي أبداً, حتى جعلنا للأسف هذه الكلمة مثار تهكم و استهزاء من الأجانب في بلادنا.

و رحم الله الشاعر الذي يوبخ أولئك الذين يعلّمون غيرهم بما لا يفعلونه فيقول:

فيا أيهــــــا الــــرجـل المعلــم غيــــره                 هلّا لنفســـك كـــان ذلك التعليــــم
تصف الدواء لذي السقام و ذي الضنا                 كيمـــا يصـــح بـــه و أنــت سقيم
إبـــدأ بنفســــك فانههــــا عــن غيهـــا                 فـــإذا انتـــهت عنـــه فانـــت حكيم
فهنـــاك يُقبــل مـا وعظت به و يقتدى                بالعلـــــم منــــك و ينفــــع التعليــم

روى الجاحظ أن عقبة بن أبي سفيان لما دفع ولده غلى المؤدب قال له:

“ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح بنيك إصلاح نفسك…
فإن أعينهم معقودة بعينيك…
فالحسن عندهم ما استحسنت…
و القبيح عندهم ما استقبحت…
و علمهم سير الحكماء و أخلاق الأدباء…
و كن لهم كالطبيب الذي لا يعمل بالدواء حتى يعلم الداء…”.

و يقول سفيان الثوري في وصاياه لعلي بن الحسن:

“يا أخي! عليك بتقوى الله, و لسان صادق, و نية خالصة, و أعمال صالحة, ليس فيها غش و لا خدعة, فإن الله و إن لم تكن تراه فهو يراك, و هو معك أينما كنت, و لا يخفى عليه شيء من أمرك”.

لا تخدع الله فيخدعك و يخلع منك الإيمان و أنت لا تشعر, و لا تمكرن بأحد من المسلمين المكر السيّء, فإنه لا يحيق المكر السيّء إلا بأهله.

و لا تبغيّن على أحد من المسلمين, فإن الله تعالى يقول:

{يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم}

و أحسن سريرتك يحسن الله علانيتك.

و أصلح بينك و بين الله, يصلح الله فيما بينك و بين الناس.

و اعمل لآخرتك, يكفك الله أمر دنياك.

بِعْ الدنيا بآخرتك تربحهما معاً, و لا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعاً.

عليك بالصدق في المواطن كلها, و إياك و الكذب و الخيانة و مجالسة أصحابها, فإنها وزر كلها.

و إياك و العُجب, فإن العمل الصالح لا يٌرفع و فيه عُجب.

و لا تأخذن دينك إلا ممن هو مشفق على دينه, كمثل طبيب به داء لا يستطيع أن يعالج نفسه و ينصح لنفسه, فكيف يعالج داء الناس و ينصح لهم؟!.

يقول أحد الصالحين:

غلطت بالابتداء مع الله تعالى في أربعة أشياء:

1.       عندما ظننتُ أني أحبه فإذا هو أحبني, بقوله تعالى: {يحبهم و يحبونه}.

2.       عندما ظننت أني أرضى عنه, فإذا هو قد رضي عني, بقوله تعالى: {رضي الله عنهم و رضوا عن}.

3.       عندما ظننت أني أذكره فإذا هو يذكرني, بقوله تعالى: {و لذكر الله أكبر و الله يعلم ما تصنعون}.

4.       عندما ظنت أني أتوب فإذا هو تاب عليّ, بقوله تعالى: {ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم}.

سنن التغيير في الكون

تذكر يا أخي أن هناك سنناً كونية في التغيير لا تتبادل على مر العصور لأنها السنن الإلهية. و من هذه السنن:

1.       التغيير ضروري حتى تستقيم الحياة و تطهر الارض من الظالمين:
قال تعالى: {ألم تر أن الله خلق السموات و الأرض بالحق إن يشأ يذهبكم و يأت بخلق جديد}.

2.       التغير مرهون بسلوكيات البشر:
قال تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.

3.       التغيير إلى الأسوأ مرتبط بظلم العباد:
قال تعالى: {و كم قصمنا من قرية كانت ظالمة و أنشأنا بعدها قوماً آخرين}.

4.       التغيير إلى الأحسن مرهون بعمل الصالحات (الإحسان):
قال تعالى: {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى و هو مؤمن فلنحيينه حيوة طيبة و لنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}.

5.       أن الإحسان و الإساءة يدوران في خلل الهوى و الضلال:
قال تعالى: {فمن اتبع هداي فلا يضل و لا يشقى – و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً و نحشره يوم القيامة أعمى}.
و قال تعالى: {فأما من طغى – و ءاثر الحياة الدنيا – فإن الجحيم هي المأوى – و أما من خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى – فإن الجنة هي المأوى}.

6.       التغير أداة تمحيص و ابتلاء لتمييز الصالحين من عباده:
قال تعالى: {الم – أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون}.
و قال تعالى: {وتلك الأيام نداولها بين الناس و ليعلم الله الذين ءامنوا و يتخذ منكم شهداء}.

مفهوم التغيير

يقول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في شرح مفهوم التغيير:

“إنهما اثنان لا ثالث لهما:

أحدهما: يتعلق بالمادة التي من حولنا. و قد تكفل الله عز و جل به, و حمّل ذاته العلية هذا التغيير.

التغيير الثاني: يتعلق بالنفس الإنسانية, من حيث تعلق هذه النفس بالله عز و جل. و هذا هو التغيير الذي حمل الله تعالى الإنسان مسؤوليته”.

فكأن الله عز و جل يقول:

يابن آدم عليك أن تعود إلى نفسك, فتقيم علاقتك معي على النهج الذي تقتضيه فطرتك, و على النهج الذي تقتضيه ربوبيتي, أضمن لك أن أغير الدنيا من حولك, و أخضعها لسلطانك و حكمك.

ألم تسمعوا إلى قوله تعالى: {و قال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين – و لنسكننكم الأرض من بعدهم}.

هذا هو قرار الله في إخضاع المادة لهؤلاء المؤمنين, ثم أعطانا القانون فقال تعالى: {ذلك لمن خاف مقامي و خاف وعيد}.

أنا سأخضع الدنيا لهؤلاء الناس, و لسوف أجعل أنظمة الكون تدور على رغائبهم طبق قانون كلما تكرر, تكرر هذا العطاء. و عبر عن هذا القانون بكلمة أخاذة جامعة فقال {ذلك} أي هذا القانون يتكرر و ليس حالة عابرة {لمن خاف مقامي و خاف وعيد}.

من الشباب من يريد استعجال النتائج, يقول: عملنا… و عملنا, و لم نر النتيجة بعد!!.

فكأنه يريد أن يعمل اليوم و يحصد نتائج عمله في الغد.

و لكن سنن الله في الكون غير ذلك. فقد أرسى الله تعالى الحياة على الارتقاء و التدرج. فلا الشمس تشرق فجأة و لا النبتة تنبت فجأة, و كذلك حال الدين (و كذلك حالك).

و لقد استعجل بعض الصحابة النتائج. فماذا أجابهم رسول الله صلى الله عله و سلم:

قال: {و الذي نفسي بيده ليتمنّ الله هذ الأمر حتى يسير الراكب من حضرموت إلى اليمن… أو من اليمن إلى حضر موت… لا يخشى إلا الله و الذب على غنمه… و لكنكم تستعجلون}!!.

فهذه الحياة… صعود تارة… و نكسة تارة أخرى… عقبات و عراقيل… و هضاب و سفوح… إلى أت تصل إ‘لى غايتك في هذه الحياة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s