عندما أعطيت الورد لمن حولي!

بسم الله الرحمن الرحيم

عندما أعطيت الورد لمن حولي!

في ذلك الصباح ذهبت متأخرة إلى العمل, لأسباب أعلم جيداً أنها لن تنفع مديري… ماذا أصنع؟ فكرت كثيراً في داخلي و قلت: بالطبع سأعتذر ثم أقول الأسباب, لا. بل سأقول الأسباب ثم أعتذر. و هكذا تضاربت الأفكار المتضادة في عقلي. و في تلك الأثناء كنت أفكر و أنا سائرة بجوار حديقة كبيرة تدب أوصالها في المدينة منذ سنوات كثيرة, و يخرج من بين أسوارها الورد ليطل على المارة و يبشرهم بالخير, عن طريق ألوانه و رائحته الزاهية. قطفت وردة بيضاء, لم تكن كبيرة و لا متوسطة, بل صغيرة, و حملتها أشتم رائحتها الذكية فقد كانت من نوع الياسيمن الجميل. أذهبت رائحتها بعض الخوف من داخلي, جعلتني أثق في أسبابي و أقول في داخلي: سبب استيقاظي المتأخر رغماً عني سيقبله المدير حتماً و نومي متأخراً ليلة أمس نتيجة مرض صديقتي الوفية أيضاً سيقبله مديري حتماً. و هكذا صارت الأمور تتصاعد نحو التفاؤل و في الخط التصاعدي لا التنازلي أبداً.

دلفت إلى العمل و أنا واثقة بدرجة كبيرة مما سأفعل, بل تخطيت مرحلة مقابلة مديري و قمت بتأجيلها بعض الدقائق و ذهبت إلى القسم الذي أعمل به أولاً لألقي تحية الصباح في هدوء على الزملاء الذين ملأت أعينهم شعاعات الدهشة لكوني متأخرة و اسبح في ذلك الهدوء العميق.

و ذهبت إلى المدير غير خائفة, و ما زالت الوردة البيضاء معي لم تفارقني, أشتم رائحتها التي لا تنتهي  و أرتشف منها التفاؤل الجميل. و إلى غرفة المدير دلفت, كان التأخير عن آخره, دخلت إله مبتسمة, و قلت: صباح الخير يا سيدي.

لم يرد, فقد كان منشغلاً حتى النهاية بأوراق أمامه يرتدي لها نظارة القراءة التي يعلم كل العاملين في المستشفى, أنه عندما يرتديها يجب ألا يتحدث معه أحد و كأنها علامة تقول لا للإزعاج من فضلك.

قفزت إلى عقلي الفكرة الأخيرة, لماذا لا أعطيه الوردة, لعل رائحتها تجعله يتفائل هو الآخر و يحدث ما أريد! و وسط زحام الأوراق أمامه, وضعتها أمام عينيه تحت نظارة القراءة بسنتيمترات كي يراها.

نظر إلى ذلك الكائن الغريب كأنما يشاهده لأول مرة, أو بالأحرى لم يعطه طبيب من قبل و لا أحد من ذلك الشيء, أو لم تدلف وردة طبيعية من قبل إلى مكتبه العملي جداً الذي لا يعترف إلا بالجدية المحمودة و الحزم.

نظر إلى الوردة و نظر إليّ, اشتم رائحتها الفواحة و أخذ نفساً عميقاً منها و ارتخى على المقعد و قال: ما أجملها. نظر إليّ, أفاق من عالم الوردة البيضاء ليجدني أمامه مبتسمة, و انتظرت ماذا سيقول, هل أم هل؟!

و لم يتحدث بعد, وضع الوردة بعناية في كوب ماء أمامه و قال: ما أجمل أن تأتي وردة وسط الأوراق و العمل, شكراً جزيلاً. و انصرم اليوم بهدوء بسبب الوردة البيضاء, و من وقتها لم ينسها لي مديري, ليذكرني كل صباح و يقول: أين الوردة؟ و يحكي للزملاء عما فعلته هذه الوردة به و هو منغمس في العمل المكثف.

و منذ ذلك اليوم أعطيت الورد لأصدقائي, لعائلتي, لزملاء العمل, لكل من اريد زيادة المودة و العلاقات الانسانية السامية بيني و بينهم, و كأنهم ينتظرون بعض التغيير وسط ضغط الحياة الذي لا يتوقف. و هم يسيرون في دائرة من صباح لمساء و من مساء لصباح في روتين لا يتغير دوماً, استطاع ذلك الورد أن يفعل ما لم يستطع البشر فعله, كائنات صغيرة ملونة خلقها الله لتعطينا البهجة و السعادة إذا فهمنا معناه, فهي تنظر إلينا و تقول شيئاً لا نعرفه, و اليوم عرفته جيداً. و هكذا سارت الحياة وردية, عندما أعطيت الورد لمن حولي!

د. أسماء الطناني (كاتبة من مصر)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s