هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه

بسم الله الرحمن الرحيم

{ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلْ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } صدق الله العظيم

خلق الله تعالى الإنسان, و شرفه بنعمة العقل, التي هي مناط التكليف. هذا العقل بنى ناطحات السحاب و أبحر في الفضاء و سبر أعماق المحيطات, بنى و هدم و اكتشف و أبدع, نظم المعلقات و بنى المفاعلات. و إذا أردنا أن نبحث عن سر هذا العقل الذي به أذهل نفسه, لجاز لنا ان نقول أنه “حب التعلم”, “حب كشف المجهول”, “الفضول” سمه ما شئت فهو في النهاية ما دفع بهذا العقل ليقوم بكل تلك الأمور المذهلة. و لعل Einstein يعبر عن هذه الميزة في العقل البشري بصيغة أفضل:

There exists a passion for comprehension, just as there exists a passion for music. That passion is rather common in children, but gets lost in most people later on. Without this passion, there would be neither mathematics nor natural science.

حب المعرفة كان الدافع و السر وراء تلك الإنجازات العظيمة التي قام بها الإنسان و لولاها لبقينا نعيش في الغابات. و إذا أردنا أن نعبر عن هذه الميزة بعبارة أخرى لاستخدمنا كلمة المنطق, فالعقل لا يتقبل إلا ما هو منطقي. و لا تقل لي كيف نعرف المنطقي من غير المنطقي, يكفي أن نقول بأن ما يرضاه العقل هو المنطقي و ما لا يستسيغه هو اللامنطقي. فالمنطق هو شغف العقل و هو وقوده.

هذا المنطق حين استخدم بطريقة خاطئة و قاصرة أو لخدمة أهداف معينة أدى لبعض المفاهيم المضطربة و الواهية, و أهم هذه المفاهيم الشاذة هو مفهوم الإلحاد. أي ادعاء البعض بأن هذا الكون لا خالق له. يقولون بأن هذا الكون على اتساعه و بديع نظامه لا خالق له و أنه تشكل بالصدفة منذ زمن بعيد و أن الإنسان أيضاً تشكل بالصدفة من خلية تكونت بالصدفة على كوكب كانت ظروفه مناسبة للحياة بالصدفة. هذه الخلية تطورت بالصدفة لتعطي كائناً بحرياً تطور ليعطي كائناً برياً تطور ليصل للقرد الذي تطور بالصدفة ليصل إلى الإنسان. و لعل ما لا يستطيع عقل أن يفهمه كيف يقر بعض أشهر العلماء و كبارهم في أشهر المعاهد العليمة بهذه النظرية العقيمة التي أتا بها دارون. لا بل و يسعون و يلهثون بقوة و حس عميق بالمسؤولية لإثباتها و يفرحون كلما لاح في الأفق دليل قد يقوي بعضاً من ادعائاتهم و سرعان ما يدركون بأنه كان مجرد سراب و الأمثلة على ذلك كثيرة. و الغريب في الأمر أنهم (من هم لست بالتحديد لست أدري) يبثون مفهوم التطور في كل مكان, و كلما سنحت الفرصة, حتى مناهجنا التدريسية تعج بوضوح بهذا المفهوم, رغم كل ما يعتريه من مغالطات و رغم كل البراهين التي تدينه و تبرهن أنه مفهوم لا أساس له من الصحة. فترا كل برنامج وثائقي و كل فلم يحوي في بعض مشاهده شيئاً عن الحياة يضم في ثناياه كلمة “التطور” Evolution في محاولة لترسيخ هذا المفهوم و أن مفهو التطور مسلمة لا نقاش فيها و الامثلة على ذلك لا حصر لها. و المشكلة أن هذا الأمر موجود في بعض من أرقى المعاهد العليمة و القنوات المختصة بالحياة على كوكب الأرض. شاهد قناة National Geographic لمدة نصف ساعة و لا بد و أن تسمع كلمة “التطور” و أن التطور هو الذي ساعد الحيوانات على التأقلم مع الحياة و هو الذي منح الحرباء القدرة على التخفي (حيث لم تكن تملكها من قبل و لكن نظراً لأنها كادت تنقرض بسبب عدم قدرتها على التخفي ظهرت لديها هذه القدرة عن طريق التطور) و هو الذي أعطى الدب القطبي الشحم السميك تحت جلده ليحميه من البرد (حيث كان نحيفاً قبل ذلك! و يعاني من البرد) و غير ذلك كثير. و حتى في الأفلام لا بد و أنك شاهدت فيم X-Men يقول الكاتب لك في نهاية الفلم (عدا عن فكرة الفلم نفسها التي لا نعلق عليها لأنه فلم خيال علمي بالأساس, و لكن الأمر المرفوض هو محاولة بث هذه المفاهيم عبر الأفلام بوعي من الكتاب أم من غير وعي):

التحول هو مفتاح تطورنا والذي يوضح كيف اننا تطورنا من كائن واحد الي فصائل مسيطرة علي هذا الكوكب. وهذه العملية بطيئة وتأخذ غالبا آلاف وآلاف من السنين, ولكن كل بضع مئات من السنين يقفز التطور للأمام.

و لن تمر عليك مدة طويلة بعد قرائتك لهذه المقالة إلا و ستشاهد ذلك و تسمعه بنفسك في وسائط الإعلام.

و قبل الخوض في صلب الموضوع لا بد من توضيح بعض المفاهيم التي ستساعد في بلورة الموضوع الأساسي لاحقاً.

أولى هذه المفاهيم هي نظرية الشواش (الفوضى):

و لاحقاً ستعرف أنها تعني خلاف الفوضى تماماً, و نقلاً عن الموسوعة العالمية ويكيبيديا:

أول من بحث في الشواش كان عالم الأرصاد، المدعو إدوارد لورينتز. ففي عام 1960 م، كان يعمل على مشكلة التنبؤِ بالطقس. على حاسوب مزود بنموذج لمحاكاة تحولات الطقس مؤلف من مجموعة مِنْ اثنتا عشرة معادلة لتشكيل الطقس. يقوم برنامجِ الحاسوبِ هذا بتوقع نظري للطقس.

في أحد أيام 1961 م، أراد رؤية سلسلة معينة من الحسابات مرة ثانية. ولتَوفير الوقتِ، بدأَ من منتصف السلسلة، بدلاً من بدايتها.

لاحظ لورينتز عند عودته، أن السلسلة قد تطورتَ بشكل مختلف. بدل من تكرار نفس النمط السابق, فقد حدث تباعد في النمطِ، يَنتهي بانحراف كبير عن المخطط الأصلي للسلسلة الأصلية.

وفي النهاية استطاع لورينتز تفسير الأمور, فقد قام الحاسوب بتخزين الأعداد بستة منازل عشرية في الذاكرة. لكنه كان يظهر ثلاثة أرقام عشرية فقط. عندما قام لورينتز بإدخال عدد من منتصف السلسلة أعطاه الرقم الظاهر ذو المنازل العشرية الثلاث وهذا أدى لاختلاف بسيط جدا عن الرقم الأصلي الموجود في الحسابات. ورغم أن هذا الخلاف بسيط جدا وضئيل فقد تطور مع تسلسل الحسابات إلى فروق ضخمة تجلت بانحرافات المخططات الواضحة.

كانت الأفكار التقليدية وقتها تعتبر مثل هذا التقريب إلى ثلاثة مراتب عشرية دقيقا جدا ولم يكن الفيزيائيون يلقون بالا إلى الفروقات التي يمكن أن تنتج بعد مدة من هذه الفروقات الضئيلة في الشروط البدئية للتجربة, لكن لورينتز غير هذه الفكرة.

جاءَ هذا التأثيرِ لكي يعرف بتأثيرِ الفراشة. فكمية الاختلاف الضئيلة في نقاط بداية المنحنيين كانت صغيرة جدا لدرجة تشبيهها بخفقان جناح فراشة في الهواء لكن آثارها كانت عظيمة لدرجة التنبؤ بإعصار يضرب منطقة من العالم.

من هذه الفكرة، صرّح لورينتز بأنّه من المستحيل توقع الطقس بدقّة. على أية حال، قادَ هذا الاكتشاف لورينتز إلى تشكيل النظرية التي عرفت لاحقا بنظرية الشواش.

بدأ لورينتز البحث عن نظام (مجموعة معادلات) أسهل من نظامه ذو الاثني عشر معادلة ليدرس حساسيته للشروط البدئية. اعتمد لورينتز نموذجا يصف جملة دولاب مائي مؤلفة من ثلاث معادلات.

حصل لورينتز من جديد على حساسية عالية للشروط البدئية في هذا النموذج, فالنموذج كان يقدم نموذجا شواشيا يتغير مخططه بتغير الشروط البدئية لكن المدهش في الموضوع أن شكل المخططات كان دائما متشابها بشكل لولب مزدوج. تقليديا، كانت توصف الحركات بأنها إما أن تؤدي إلى حالة مستقرة حيث تصل المتغيرات إلى قيم ثابتة لا تتغير أو حركات دورية تقوم بنفس الحركات على نفس المسارات بشكل مستمر, لكن في هذه الحالة حصل لورينتز على حركات ذات شكل متشابه لكنها غير متطابقة وبالتالي غير دورية, وهذا النمط من الحركة هو ما أسماه لورينتز فيما بعد بجاذب لورينتز.

و لتقريب هذا المفهوم أكثر نتذكر فلم الحديقة الجوراسية و كيف قام الدكتور مالكوم بشرح نظرية الشواش:

http://vodpod.com/watch/5699386-jurassic-park-chaos-theory-jeff-goldblum

ثبت يدك بوضعية معينة, و ألق عليها قطرة من الماء, لاحظ المسار الذي ستسلكه القطرة, أعد الكرة من جديد, ستلاحظ أن القطرة ستأخذ مساراً آخر رغم أنك قمت بنفس التجربة. لماذا؟

ضع حجر النرد على الطاولة, ادفعه نحو الأرض بمسطرة, لاحظ الوجه الذي سيسقط عليه, أعد الكرة من جديد بنفس الطريقة, ستلاحظ أنه سيسقط على وجه آخر رغم انك كررت التجربة بنفس الشروط البدئية, فما سبب اختلاف النتائج؟

السبب كما تقول نظرية الشواش هو أنك لم تعد التجربة بنفس الشروط البدئية التي تحكم هذه التجربة. صحيح أنك رميت النرد بنفس الطريقة في المرة الثانية و أسقطت قطرة الماء بنفس الطريقة و لكن هناك أمور كثيرة أخرى تحكم التجربة و لا تستطيع التحكم بها. ففي مثال قطرة الماء هناك المكان الذي سقطتت فيه القطرة على يدك و الاشعار الناعمة التي تحرف القطرة و درجة حرارة جلدك التي تؤثر على مسار القطرة, إذا خضنا في العمق أكثر فهناك يدك التي لا نستطيع ان نقول أنها ثابتة تماماً فقلبك الذي يبنبض يحرك جسمك مع كل نبضة و لو بمقدار صغير جداً (تستطيع تحسسه و أنت مستلق على السرير تريد أن تخلد للنوم و بعد دقائق و بعد ان يهداً جسمك و ترتاح قليلاً توقف عن الحركة تماماً و اجعل عضلاتك تسترخ تماماً و أغمض إحدى عينيك و ثبت الأخرى على حرف أنفك, من هذه الزاوية أنظر إلى المنطقة من غرفتك التي تقع على الامتداد الواصل بين عينك المفتوحة و بين حرف أنفك و اصغ لضربات قلبك و لاحظ كيف أن أنفك و بالتالي جسمك يتحرك مع كل نبضة) و هناك دوران الأرض حول نفسها و دوران القمر حول الأرض الذي يؤثر على كل الكتل على سطح الأرض, كل هذه الأمور و التي تسمى “متحولات” في لغة الرياضيات أو متغيرات لا تستطيع التحكم بها و لا تستطيع تكرارها في التجربة التالية إنما نستطيع التحكم ببعضها و ليس كلها, و لو أنك استطعت الإلمام بها و التحكم بها كلها لحصلت قطعاًعلى نفس النتيجة في المرة التالية.

إذاً نظرية الفوضى تقول لك أن كل ما يحدث أمامك هو نتيجة لعدد كبير من المتغيرات التي تتحكم بكل شيء يحدث أمامك. هذه المتحولات أو المتغيرات تتحكم بالنتيجة التي ستحدث. بمعنى آخر نظرية الفوضى تعني الدقة المتناهية عكس ما يوحي به اسمها للوهلة الأولى. فكل ما يحدث هو نتيجة لأسباب كثيرة جداً, منها الواضح و منها الصغير جداً الذي لا يمكن ملاحظته أو الإحاطة به, و مع  ذلك فهو يؤثر على النتيجة, و محصلة تلك المتغيرات هي التي تقرر النتيجة النهائية.

المفهوم الآخر الذي سيساهم في بلورة الموضوع الأساسي لاحقاً هو “العشوائية” Randomness

العشوائية تعني وقوع نتيجة غير متوقعة, أي نتيجة لا يمكن معرفتها حتى يتم وقوع الحدث. و ستلاحظ ارتباط العشوائية الكبير بمفهوم نظرية الشواش. فكر بمثال يمكن أن نسميه عشوائية حقيقية, أي شيء لا يمكننا التنبؤ به على الإطلاق.

قد تقول لي مثلاً شكل الغيوم في السماء. لكن في الحقيقة شكل الغيوم في السماء يتحدد بعوامل كثيرة منها الرياح و كمية بخار الماء و المناطق التي تمر عليها الغيوم و غير ذلك, إذاً لا يمكننا أن نسمي هذا الحدث عشوائية حقيقية لأنه مرتبط بعوامل معين أحطنا بها أم لم نحط, لكنها هي التي تشكل النتيجة النهائية.

قد تقول لي مثلاً المسار الذي تأخذه زهرة معينة في نموها و شكلها النهائي. أيضاً لا نستطيع أن نقول بأنه هذا الحدث عشوائي صرف, لأن شكل الزهرة يتحدد أولاً بالحمض النووي و يتحدد بالعوامل البيئية التي تحيط بالزهرة و بالمواد الموجودة في التربة و المواد التي تتعرض لها الزهرة أثناء نموها و غير ذلك, فإذاً أيضاً لا يمكن أن يكون هذا الحدث عشوائياً صرفاً أو عشوائياً نقياً, لأنه يمكن التنبؤ به عند الإحاطة بجميع المتغيرات التي تساهم بالمحصلة في رسم الشكل النهائي للزهرة, و لاحظ طيف أنه كلما تقاربت الشروط التي تخضع لها مجموعة من الأزهار كلما تشابهت أكثر, رغم استحالة التطابق التام لاستحالة تطابق المتغيرات التام.

الآن ستستخدم ورقتك الرابح و تقول لي, لدي برنامج على الكومبيوتر يولد لي أرقاماً عشوائية صرفة تماماً. السؤال الذي سيخطر ببالك انت قبل أن أسألك إياه هو كيف يولد الكومبيوتر أرقاماً أو قيماً عشوائية, لا بد من وجود خوارزمية لذلك يعتمدها الكومبيوتر لتوليد تلك القيمة العشوائية انطلاقاً من قيمة مبدئية يأخذها من قيمة متغيرة ما. بالتالي معرفتنا للخوارزمية و القيمة المبدئية التي يتسخدمها و يخضعها للخوارزمية سيمكننا من معرفة القيمة التي سيعطينا إياها, بالتالي لا يمكن القول عن هذه العشوائية أنها نقية تماماً.

السؤال التالي: هل يوجد في هذا الكون عشوائية صرفة؟ الجواب ستتجده بعد المفهوم الثالث.

المفهوم الثالث هو محدودية العقل البشري:

لا ننكر أن قدرة العقل البشري قج أذهلتنا في الآونة الخيرة بإنجازات كنا نعتبرها أحلاماً. و هنا يبرز أمامنا سؤال هام: هل نحن أذكى من أجدادنا؟

قطعاً لا, و لكن هذه الأنجازات التي ننعم بها الآن كانت حصيلة تراكمية لما كان و لا زال العقل البشري ينتجه على مر العصور, فالتقدم العلمي هو نتيجة تراكمية لكل نتاج العقول التي سبقت, ولولا هذا التراكم العلمي لما وصلنا إلى ما وصلنا عليه الآن. إذا الثورة العليمة ليست نتيجة تفوق ذكائنا على أجدادنا إنما لتراكم العلوم يوماً بعد يوم. فضريبة الثورة العلمية هي الزمن.

نخلص من ذلك أن للعقل البشري حدوداً يقف عندها, رغم أنه يتمتع بمقدرة فائقة على فهم المنطقي من غير المنطقي. اي أننا لسنا لا محدودي الذكاء و ما نراه من هذه الانجازات المذهلة هي نتيجة حتمية للتراكم العلمي و ليس لتطور الدماغ البشري. لست أشير إلى أن العقل البشري محدود في قدرته, فالعقل البشري سيظل سر أسرار هذا الكون.

كل ما أريد أن أقوله أن هناك أموراً لا يستطيع العقل تصورها و فهمها على نحو دقيق. و الجميل في الأمر أن العقل البشري يقر بتلك الأمور و يعترف بها رغم عدم فهمه لها. مثلاً مفهوم اللانهاية +∞ و -∞ يقر بها العقل و لكنه لا يستطيع أن يتصورها. هذا يدل على أن هناك حدوداً لهذا العقل البشري المذهل. من هذا المثال يخرج لنا مثال آخر, هل للكون هذا حدود. لو عرضنا هذ السؤال على المنطق العقلي لرفض العقل ذلك كما يرفض أن يكون للأعداد نهاية, فكما يمكن أن نضيف لآخر عدد نزعم انه اللانهاية عدداً آخر فينتج لدينا عدد جديد, فاي حد سنزعم انه الحد الأخير لهذا الكون لا بد و ان يكون هناك شيء ما خلفه. فالعقل يرفض فكرة محدودية الكون لأنك لو قلت لأحد ما أن هذا الجدار هو آخر حدود الكون سيقول لك مباشرة ماذا يوجد خلف هذا الجدار؟ و بالمثل هل هناك حد تصل له المادة و لا تتجزأ بعده؟ سيكون الرد المنطقي بالمثل و ستواجه السؤال ماذا سيحدث لو قصمنا هذا الحد و خضنا في بنيته أكثر؟

إذاً هناك أمور لا يفهما العقل و لكنه يقر بها و يؤمن بأنها حقيقة.

للمزيد من التوضيح حول هذه النقطة, سأقول لك أنه لا يوجد في هذه الدنيا التي نعيش فيها قيمة صحيحة مطلقاً, بمعنى أنه على سبيل المثال لدينا قطعة نقدية. قطر هذه القطعة 5 سم. سأقول لك بأن هذه القيمة تحمل خطأً نسبياً, و لنقل مبدئياً انه +- 0.001 سم. ستقول لي سأحضر لك مسطرة دقيقة كفاية لتفادي هذا الخطأ. الرد سيأتي منك أنت بأن هناك خطأً اصغر مثلا +-0.0000001 ملم. و هكذا. ماذا لو حسبنا القطر بمجهر الكتروني؟ سيظل هناك مجال للخطأ هذا المجال يعتمد على المقياس الذي نقيس فيه, مثلاً عندما مقيس بالمسطرة نستطيع أن نحدد مجالاً يقع فيه هذا الخطأ و لنق [-0.01 – +0.01] و كلما ازدادت دقة الأداة التي نقيس فيها يتقلص هذا المجال و يصبح أصغر أي يصبح مثلاً مجال الخطأ [-0.0001 – +0.0001]. هنا سيخطر ببالك انه لا يوجد قطر حقيقي لهذه القطعة, و لكن الحقيقة أن لها قطراً معينا طالما أنها موجودة أمامنا في لحظة ما, كل ما في الأمر هو أننا لا نستطيع أن نحدده بدقة مطلقة. أي كل ما نفعله هو تصغير مجال الخطأ الذي نرتكبه. و طبعاً الذي نستفيده من تصغير مجال الخطأ هو الحرص على نتائج معينة. مثلاً عندما تشتري مشروباً من الشارع, فالآلة لا تكترث بمجال الخطأ الثاني الذي ذكرناه لأنه لا يؤثر, إنما تعمل ضمن حدود مجال الخطأ الأول الذي يفيدها في كشف العملات المزورة. إذاً النتائج التي نريدها تتعلق بأحد مجالات الخطأ و ليس بها جميعاً. و إلا لما استطعنا مثلاً استخدام نظام تحديد المواقع و لا استطعنا أصلاً اختراع شيء اسمه الكومبيوتر. فالأخطاء النسبية موجودة دائماً و لكن هناك مجالات لا تؤثر على النتيجة طالما أنها صغيرة كفاية.

للآن ناقشنا 3 مفاهيم هي:

  • نظرية الشواش
  • العشوائية
  • حدود العقل

سأسألك الآن: هل عرفت ما هي العشوائية الصرفة؟

الجواب هو أن الشيئ الوحيد في هذا الكون الذي يمكن أن يولد عشوائية صرفة تماماً هو الدماغ البشري. جرب ذلك و أعطني رقماً ما, أي رقم, طبعاً لا حدود للأرقام التي ستعطيني إياها و لا يوجد هناك خوارزمية يتبعها عقلك لتوليد تلك الأرقام. قد تقول لي أن الأرقام التي يولدها العقل البشري نتجت عن سيالات عصبية معينة تداخلت بطريقة معينة و أدت إلى توليد رقم معين. حقيقةً أن الأمر لو اقتصر على السيالات العصبية و تداخلها و العوامل المحيطة بالإنسان و التي تؤثر على نمط تفكيره و غير ذلك لقلنا أن هذه العشوائية ليست نقية تماماً و لكن الأمر كما في +∞ و كما في حدود الكون, فعقلك يؤمن و يقر بأنه يستطيع توليد عشوائية صرفة رغم أنه لا يعرف كيف يفعل ذلك, و هذا دليل على أن في هذا العقل البشري شيئاً ما خارج حدود المادة و خارج حدود السبب و النتيجة, شيئاً أكبر مت السيالات العصبية و أكبر من الخلايا, شيئاً لا يستطيع أن يفهمه مع أنه موجود.

الآن و قبل الخوض في لب الموضوع و لتسهيل الفقرة التالية سنفترض الآتي:

لدينا الشكل التالي:

نقوم بإلقاء الكرات التي تسقط و تواجه مجموعة من العقبات أمامها حتى تستقر في إحدى السلات 1.2.3 و لنفرض أن القطع A, B, C تدور إما لليمين أو لليسار وفق نظام محدد. الآن بمعرفة النظام الذي تدور به هذه القطع يمكننا التنبؤ بالسلة التي ستستقر بها الكرات التي تسقط من الخلف, طالما ان لا عشوائية في الموضوع. و بالعكس يمكننا ان نعرف الطريق الذي سلكته إحدى الكرات من السلة التي استقرت فيها و حتى البداية التي سقطتت منها.

أما لو أن القطع A, B, C أو إحداها على الأقل كانت تعمل بطريق لا نعرفها – أي عشوائية بالنسبة لنا – لصار من المستحيل علينا التنبؤ بالمستقر أو استقراء الطريق الذي ستسكله أو سلكته إحدى الكرات.

إذاً العشوائية تؤدي لنتائج لا يمكن معها التنبؤ الصحيح بما حدث أو سيحدث. و نحن نعلم أن العشوائية الصرفة في كوننا هي الإنسان (بغض النظر عن بقية الكائنات الحية التي لا تملك الوعي فذلك موضوع لن نخوض فيه) فلو وضعت شخصاً في غرفة يستحيل عليك التنبؤ بما سيفعله أو أن تعرف ماذا فعل خلال زمن معين.

هنا نخلص لشيء جديد. طالما ان كل شيء يحدث في هذا الكون يحدث بسبب, أي كل نتيجة او حدث كا لها سبب أدى لحدوثها. و لنعد بالزمن إلى ما قبل ظهور الإنسان على وجه الأرض الذي هو مصدر العشوائية الوحيد. نظرياً يمكننا أن نعيد الزمن للخلف و نعيد الأحداث للوراء إذا عرفنا مالذي سببها و أحطنا بتلك المتغيرات كلها, و نبقى نعود للخلف حتى نصل لبداية تشكل الأرض و نتابع حتى نصل لتشكل المجموعة الشمسية و كأننا نعيد فيلماً سينمائياً للخلف طالما لا توجد عشوائية صرفة تؤدي لتغيير الوقائع و الأحداث و التي هي في حالتنا الإنسان, و بذلك و بغياب الإنسان يمكننا أن نعود إلى لحظة الإنفجار العظيم طالما أن كل ما حدث بعده حدث بتسلسل و وفقاً لقانون السبب و النتيجة. أي نظرياً يمكننا انطلاقاً من شكل الكون قبل ظهور الإنسان و حركته الحالية ,و على افتراض احاطتنا بجميع القوانين الفيزيائية, أن نعود بالزمن للحظة الانفجار العظيم.

بعد أن قارب الموضوع على الانتهاء نبدأ في صلبه:

تقول نظرية دارون أن الإنسان تطور عن القرد, و أن القرد تطور عن حيوانات أخرى و هكذا, فكل الكائنات الحية التي ظهرت على وجه الأرض تطورت عن خلية واحدة. آلية التطور تعود للطفرات التي تصيب الحمض النووي للكائن الحي و لآليات أخرى كالاصطفاء الطبيعي و غيرها و لكن الآلية المحورية هي الطفرة التي تحصل “بالصدفة”, و بالعودة للمصدر الأول لكل أشكال الحياة على الأرض فإن الخلية الأم التي تكونت في البحار تشكلت بالصدفة عبر اجتماع مكونات الخلية مع بعضها البعض “بالصدفة” لتشكل خلية حية, تطورت هذه الخلية عن طريق الطفرات التي حصلت بالصدفة لتعطي كائناً مكوناً من عدة خلايا و استمرت مسيرة التكور “الصدفي” حتى وصلت للإنسان.

و لسنا هنا بصدد تفنيد نظرية التطور و الأدلة التي تبرهن خطأها, و لكننا سنتطرق للمفهوم الذي يعتمدونه في دعم نظرياتهم. و هو الصدفة, أو بلغة الرياضيات “الاحتمال”.

يتم تعريف نظرية الاحتمال “نظرياً” بأنه الفرع من الرياضيات الذي يهتم بدراسة الظواهر العشوائية. و تعرف العشوائية بأنها عدم امتلاك قصد أو هدف واضح و محدد.

لتقريب مفهوم الاحتمال أكثر ناخذ مثال حجر النرد, و لنفترض أنها ظاهرة عشوائية صرفة (أي أننا لا نستطيع التنبؤ بالوجه الذي سيظهر, و لكن في حقيقة الأمر نحن نستطيع). عند رمي الحجر ستظهر إحدى النتائج التالية: {1.2.3.4.5.6} تسمى هذه المجموعة اصطلاحاً “فضاء العينة”. و تسمى النتيجة التي نحصل عليها من رمي حجر النرد “بالحدث” و بالتالي نستطيع القول أن فضاء العينة هو اجتماع كل الأحداث الممكنة الحصول. و بصرف النظر عن التفاصيل الأدق نتابع في تعريف الاحتمال, يحسب احتمال ظهور حدث ما بالقانون التالي: عدد الحالات الممكنة/عدد الحالات ا لكلية

عدد الحالات الكلية هو عدد عناصر فضاء العينة. و عدد الحالات الممكنة هي عدد حالات الحدث التي نريد حساب احتمال وقوعه.

مثال: لنفرض أن الحدث A هو ظهور الوجه 1 بالتالي: احتمال A أي P(A) هو

P (A) = 1/6

و احتمال ظهور الحدث B  الذي هو ظهور وجه زوجي هو

P (B) = 3/6 = 0.5

من هذا التعريف نلاحظ أن قيمة أي احتمال تتراوح بين 0 – 1 لأن البسط أصغر دوماً من المقام أو يساويه و لا يمكن أن يكون أكبر منه لأننا اعتبرنا أن فضاء العينة هو يضم كل الأحداث بالتالي لا يوجد حدث غير محتوى فيه على حسب تعريفنا. فلا يمكن في تجربة حجر النرد أن يظهر وجه عليه الرقم 7.

الآن نعود لمعنى كلمة احتمال. عندما قلنا أن احتمال ظهور عدد زوجي هو نصف 0.5 فماذا يفهم من هذا الكلام.

هل يفهم منه اننا إذا رمينا حجر النرد مرتني فسيظهر رقم زوجي في إحدى المرات (تذكر أننا اعتبرنا جدلاً أن العشوائية هنا حيقية نقية اي لا يمكن التنبؤ بها)

قطعاً لا. لأنك تعرف أنه يمكن أن يظهر رقمان فرديان.

في الحقيقة و على افتراض وجود العشوائية في التجربة فإن عبارة “احتمال ظهور عدد زوجي يساوي 0.5” لا تعني شيئاً أكثر من أن الأعداد الزوجية تشكل نسبة 0.5 فضاء العينة الكلي. و لا يمكن أن تعني أكثر من ذلك. بمعنى أنها لا تخبرك بنسبة ظهور النتائج و لا كيف يمكن أن تظهر. أي لا علاقة للاحتمال بالنتائج. لأن النتائج عشوائية بالتعريف. فالاحتمال فقط يبين لك نسبة عدد عناصر الحدث إلى نسبة عدد عناصر فضائ العينة الكلي. و هذا في الواقع هو قانون الاحتمال الذي سبق و ذكرناه.

P (A) = عدد حالات A     / عدد عناصر فضاء العينة

هذا على فرض وجود العشوائية في التجربة. و لكن نحن نعلم أنه لا توجد عشوائية بالتجربة و يمكننا من خلال حسابات وضعية اليد قبل رمي النرد و طبيعة الأرض و الريح و الجاذبية و غيرها أن نعرف الوجه الذي سيظهر.

و لاحظ هنا أنه رغم وجود عدد كبير من المتغيرات التي تحدد بالنهاية الوجه الذي سيظهر فإننا في الواقع يمكننا أن نحدد الوجه بمعرفتنا لبعض تلك المتغيرات و ليس جميعها, و ذلك لا ينفي دور العوامل البيقة. ذلك لأنه هناك متغيرات تؤثر على الوجه الذي سيظهر و لكن تأثيرها صغير جداً لدرجة أن العوامل الواضحة التي أخذناها بعين الاعتبار تتفوق عليها بذلك يختفي أثر هذه العوامل و لكنها تبقى موجودة. لتوضيح هذه النقطة:

لتكن العوامل التي أخذناها بالحسبان تؤثر على النرد بالقوة الوردية اللون, و بقية المتغيرات التي لم نأخذها بعين الاعتبار بالقوة الخضراء, و لاحظ كيف أن الغلبة في تحديد النتيجة ستكون للمتغيرات الوردية. كما في آلة بيع المشروبات التي تحدثنا عنا سابقاً.

إذا يفقد الاحتمال أي صلة بالنتيجة و لا يدل عليها أبداً و تبقى النتيجة التي ستظهر رهناً بالمتغيرات التي تتحكم في النرد في مثالنا و في أي جملة أخرى في أي مثال آخر. و حتى في وجود العشوائية يبقى الاحتمال مجرد نسبة توضح العلاقة بين عدد الحالات التي نريدها على عدد الحالات الممكنة الكلي الذي هو فضاء العينة و يبق استخدامه محدوداً في التقدير فقط و لا يمكن أن يؤخذ على الإطلاق, أي لا يمكن حين نستخدمه في تقدير أمر ما أن يكون تقديرنا دقيقاً 100%.

نعود لمسألة الخلق التي يدعيها أنصار الدارونية, و بصرف النظر عن الأدلة الكثيرة التي اعترفوا بها هم أنفسهم, يقولون لك أن الخلية تشكلت بالصدفة بسبب تجمع مكوناتها و بشرارة من البرق (طاقة لازمة لتجميع مكونات الخلية). لمناقشة ذلك أولاً نحن ندرك ان لا صدفة في الموضوع, فالمكونات التي ينبغي لها ان تتجمع قد تجمعت بفعل مسبب, أي أن ذرات الكربون التي جاءت لموقع التجمع جاءت بفعل مسبب و ليكن موجة جرفت ببعض الطين الذي يحوي على الكربون اللازم لصناعة الخلية, هذه الموجة من سببها؟ رياح. هذه الرياح من أين جاءت؟ سنبقى نبحث عن السبب, و في سيرنا في البحث عن السبب سنعود مرة أخرى لبداية الكون. و السؤال الذي يطرح نفسه هنا؟ من الذي سبب بداية الكون؟؟؟ أي من الذي بدأ الانفجار العظيم؟

فإذاً الذي يريد أن يعرف كيف تشكلت الخلية على الأرض يجب أن يعرف من الذي بدأ الانفجار العظيم لأن المسبب واحد. و لو ان أحدهم ركب رأسه و قال أن الانفجار العظيم أيضاً حصل من دون مسبب! لقلنا له أنه لا نتيجة من دون مسبب, و هذه من بديهيات العقل. و حتى نتخلص من هذه الحلقة المفرغة التي تظل تبحث عن المسبب يجب أن يقر العقل بأن هناك نقطة بداية (الانفجار العظيم الذي به بدأت نشأة الكون) هي التي حددت منذ البداية مسار الكون الذي نعرفه الآن و الذي أطلقها هو صاحب هذ الكون و خالقه, الله سبحانه و تعالى. بالتالي من لا يقر بذلك سيدخل في حلقة مفرغة و لن يخرج منها أبداً و لا يحق له أن يقول أن الخلية تشكلت بالصدفة حتى يخرج من تلك الحلقة المفرغة. و العقل يقول لك بأنه لن يخرج منها. لأنك طالما أقررت بأن لكل نتيجة سبب فأنت تقر بأنك ستتجه إلى اللانهاية في سعيك عن المسبب الأول. و بالتالي لن تصل مطلقاً لأن العقل يعلم أنه لا يستطيع الوصول للانهاية. و هذا ما يقر به العقل كما و أسلفنا. و هذا من عجز العقل أيضاً. فإذاً هذا العقل يقر بأن له حدوداً يقف عندها و لا يستطيع تجاوزها. و يقر بأن هناك خالقاً للكون خلق الكون و بدأه بالانفجار العظيم الذي كان سبباً لكل ما حدث لاحقاً. أما ما حدث قبل الانفجار العظيم فهو خارج حدود العقل و خارد قدراته المحدودة.

كان هذا الحديث بفرض أننا تجاهلنا كل تلك الأدلة التي تنفي نظرية التطور, و اعتمدنا على المنطق الرياضي لنصل إلى نتيجة مفادها أن هناك خالقاً للكون لا نستطيع أن ننكر خلقه لهذا الكون. و الأدلة التي تنفي التطور لا تعد و لا تحصى.

و نذكر ما له صلة بالموضوع. عندما تريد أن تشكل خلية ’’بالصدفة‘‘ فالأمر يتعدى أن تجمع المكونات في حيز واحد و تبدأ محاولاتك التي لن و لن تنتهي و لن تخرج بأي نتيجة. فلو سألت أحد هؤلاء الذين يدعون هذا الادعاء: هل يمكن أن يتشكل كتاب في الأخلاق من رمينا لصندوق مليء بحروف الطباعة؟ سيقول لك لا فوراً. و لكن نحن بداية سنقول له أن ذلك الأمر ممكن. كون الاحتمال لا يساوي الصفر. و لكن من قال لك أن الأمر يمكن ان يخضع للاحتمال؟؟؟؟

تذكر أن أهم شروط الاحتمال أن يكون هناك فضاء للعينة. و فضاء العينة هذا محدود العناصر. إذاً حتى يكون هناك احتمال يجب أن يكون فضاء العينة محدداً. لنبحث الآن في فضاء العينة لهذا المثال.

أولاً لا يمكن لأحد أن يحدد لك عدد صفحات الكتاب. أي أن عدد صفحات الكتاب يمكن أن يتراوح من جملة إلى اي عدد تشاء من الصفحات. و لا يمكن حصر تعريف الكتاب بأنه ذوو عدد محدد من الصفحات. هذا بداية.

و من ثم فإن للغة العربية قواعد محجددة حتى يكون للجملة معنى, و هذا سيدخلنا إذا أردنا حساب احتمال تشكل هذا الكتاب في الاحتمال الشرطي, و الشكلة أن الاحتمال الشرطي سيقوم بعملة تصغير الاحتمال اكثر فأكثر.

و من ثم هناك مشكلة أخرى لتوضيحهها نضرب مثالاً هو لعبة الشطرنج. في لعبة الشطرنج يقر العقل بأنه هناك عدداً لا نهائياً للحركات الممكنة عندما نأخذ بعين الاعتبار التكرار. لأنني أستطيع أنا و زميلي أن نجعل اللعبة تدوم للأبد حرفياً اي للـ +∞ و بالمثل في قضية الكتاب يمكن أن يحتوي الكتاب على عدد لا نهائي من الجمل التي تعاد صياغتها مرة بعد مرة و معنى بعد معنى, و العقل يقر بذلك كما يقر بموضوع الـ +∞ و كما في لعبة الشطرنج. من هذا كله و غيره نستنج أن فضاء عينة الكتاب لا محدود و لا يمكن حده. فأي كتاب يمكن أن يحتوي جملة إضافية فوق جمله الأساسية. كما في مستقيم الأعداد الذي يظل يضيف قيماً لنهايته التي تصبح لانهاية. بالتالي فضاء عينة مسألة الكتاب يساوي حرفياً +∞. و بالتالي سيصبح احتمال تشكيل الكتاب حسب قانون الاحتمال صفراً لأن قسمة اي عدد على اللانهاية تساوي الصفر. و الاحتمال الذي قيمته صفر هو احتمال مستحيل الحدوث. هذا فيما يخص الكتاب. فما بالك في الخلية التي تحوي في حمضها النووي و تعقيدها معلمومات إن أردنا تسطيرها في كتب لحصلنا على عدد هائل من الكتب!!! فإن كان فضاء عينة قضية الكتاب لامحدوداً فمن باب أولى أن يكون فضاء عينة مسألة الخلية لامحدوداً. و بالتالي فأي احتمال تريد حسابه في فضاء عينة لا محدود هو صفر أي أنه مستحيل الحدوث. فقولهم أن الخلية تشكلت بالصدفة أمر غير مقبول تماماً رياضياً و منطقياً لأنه احتمال ماسوٍ للصفر أي أنه مستحيل فيما لا احتمال فيه 🙂

P(Darwin) = 1/∞ = 0

That means that Darwin was absolutely wrong and his theory is impossible.

فتبارك الله أحسن الخالقين, الذي وهبك العقل لتهتدي به إليه و تعبده عن يقين, و تشهد أنه خالقكك و خالق هذا الكون البديع من قبلك. لا إله إلا هو تبارك الله أحسن الخالقين.

11 تعليقات على “هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه

  1. السلام عليكم ورحمة الله
    بدايةً لابد من الإشادة بهذه التدوينة الرائعة والجهد المبذول في تبسيط الأفكار وطرحها بأسلوب سهل وجميل.

    النقطة الأولى التي أود التعليق عليها تتعلق بفكرة العشوائية والعقل. أود أن أنوه أولاً أن العشوائية -كما طرحتها في هذه التدوينة- “تعني وقوع نتيجة غير متوقعة, أي نتيجة لا يمكن معرفتها حتى يتم وقوع الحدث”. وبالتالي فالعشوائية -وفق هذا التعريف- تتعلق بالمراقب وليس بالحدث نفسه. بمعنى أن حدثاً ما قد يبدو “عشوائياً” بالنسبة لك ولكنه “غير عشوائي” بالنسبة لي. واعتقد أن هذه الصفة تدعى “قابلية التنبؤ – Predictability”. وبالتالي لايمكن الحديث عن “عشوائية” الكون دون وجود “مراقب” لهذا الكون. وسؤالنا: “هل الكون عشوائي؟” يعني “هل تراه عشوائياً؟”. وبشكل مشابه نلاحظ أن من يقول بأن توليد الغيوم عملية عشوائية محق. ﻷنه -من وجهة نظره هو- لا يملك الآلية اللازمة للتنبؤ بهذه العملية، فهي عشوائية.

    -ذكرت أن المصدر الوحيد للعشوائية النقية هو العقل. اعتقد -شخصياً- أن عملية توليد الأرقام من قبل العقل ليس عشوائية وفقاً للتعريف الذي طرحته أنت. إذ لايوجد -نظرياً- مانع من أن يكون الرقم الذي تم توليده من قبل العقل عائد إلى “حالة العقل” لحظة التفكير في توليد هذا الرقم. أنا “اؤمن” بوجود أمر غير مادي خلف العقل، واعتقد أن هذا الأمر هو المسؤول عن وجود العديد من الظواهر الغير قابلة للتفسير مادياً ومنها “الإرادة”. ولكن اعتقد أن الإرادة تتعلق بالاختيار، ولا تتعلق بآلية تنفيذ الخيار. بمعنى أنه من الممكن أن “تختار” أن تولد رقماً ما. ولكن عملية توليد الرقم منوطة بالدماغ المادي. من الممكن توضيح ذلك بمثال، لو أراد طالب أن يحل مسألة ما، فإن حله للمسألة يحتاج أولاً أن “يقرر” حل هذه المسألة، وهذا هو دور الإرادة. وبعد ذلك تلعب قدرات الطالب العقلية الدور الأساسي في حل هذه المسألة. الأمر الذي يفسر إمكانية حل بعض الطلاب لمسألة ما وعجز آخرين عن ذلك. (طبعاً الإرادة حالة ملازمة لعملية حل المسألة). ما أريد قوله هو أن عدم شعورنا بآلية “توليد الرقم” لا يعني أن هذه العملية تتم بشكل عشوائي أو أنها تأتي من وسط ما وراء مادي.

    -بالنسبة للمناقشة الرياضية المتعلقة بالاحتمالات والتطور. الملاحظة الأولى هي أنه لا يمكن استخدام قانون الاحتمالات (عدد الحالات الممكنة على عدد الحالات الكلية) عندما تكون الحالات الكلية مجموعة غير منتهية. فمثلاً لا يمكن حساب احتمال ظهور رقم زوجي إذا اخترنا رقماً طبيعياً عشوائياً. ورمز اللانهاية لايمكن استخدامه في العمليات الحسابية ﻷنه رمز متعلق فقط بالنهايات (Limits). بمعنى أنه لايمكن القول مثلاً ( 5 على لانهاية = 0) وإنما يمكنك أن تحسب نهاية التابع (5/س عندما تسعى س نحو اللانهاية). كما أن عملية تعريف الأحداث في المجموعات اللانهائية تخضع لضوابط مختلفة.
    أما بالنسبة لحالتنا، فاعتقد أن فضاء العينة هنا محدود. ففي لعبة الشطرنج مثلاً، وبالرغم من إمكانية أن تلعب إلى الأبد بتكرار عدد من الحركات، فإن فضاء العينة يحوي عدداً محدوداً من الحركات، وتكرار هذه الحركات لا يعني أننا أمام احداث مختلفة. لاحظ أنه إذا افترضنا أن عدد الذرات في الكون ثابت، فإن ذلك يستدعي أن فضاء الحالات التي يمكن تشكيلها من هذه الذرات محدود أيضاً. بمعنى أن ثبات عدد الذرات يقتضي ثبات عدد الحموض الأمينية التي يمكن تشكيلها من هذه الذرات. وباستخدام هذا العدد يمكن تحديد عدد حالات تشكيل بروتين معين.

    وفي الختام أشكرك مجدداً على الجهد المبذول في هذه التدوينة المباركة، واسأل الله لنا القبول.
    ملاحظة: جميلة تلك الفتاة التي تضع صورتها 🙂 . رعى الله أطفالنا وأطفال العالم أجميعين.

    أخوك عبد الرحمن 🙂
    دمت بخير.

    • و عليكم السلام و رحمة الله و الاكرام 🙂
      كل الشكر لك أخي عبد الرحمن. و أحب أن أتابع معك في هذا الموضوع بل و يمتعني ذلك.

      بالنسبة للعشوائية فما قصدته هو العشوائية في ذات الشيء بغض النظر عن المراقب. صحيح أن مراقب 1 قد يرى الحدث عشوائي ومراقب 2 قد يراه غير عشوائي. و لكن الحدث نفسه لا يمكن أن يتوزع على النتيجتين. بمعنى أن الحدث إما عشوائي و إما لا. و عندما تحدثت عن العشوائية أردت فيها ذات العشوائية في ذات الحدث بغض النظر عن المراقب. هنا أتذكر أحد التعليقات على أحد موضوعاتك التي ذكر فيها الشخص قصة قطة شرودينغر. و قد يكون من المناسب ذكرها هنا. برأيي أن المشكلة و النقص في هذه القصة أن شرودينغر اعتبر أن المادة المشعة ستنطلق باحتمال 50% و لكن هذا الظن خاطىء لأننا يمكننا أن نعرف إن كانت الائعة ستنظلق أم لا بمعنى أن هذا الحدث غير عشوائي. فكما في النرد يمكننا بمعرفة الشورط البدئية بدقة أن نعرف وجهته فهنا يمكننا مع تطور فهمنا للذرة أن نعرف إن كانت المادة المشعة ستنطلق أم لا و إن كنا لا نعرف فهذا لا يعني ن الحدث عشوائي إنما يدل على أننا لا نزال نحبو في فهمنا لهذا الكون من حولنا.

      أما بالنسبة للعقل البشري و أنه الوحيد الذي يمثل مصدر العشوائية الصرفة (بغض النظر عن المراقب لأني أتحدث عن كنه الشيء و ليس عن مراقبتي له) فما قصدته أن الروح التي هي من علم ربي (و التي هي الأمر الغير مادي الذي ذكرته) هي التي تأتينا بتلك العشوائية الصرفة و التي تعبر بكلمات أخرى عن االحرية المطلقة في الاختيار أي تعبر لك رياضياً بأنك فعلاً مخير و لست مسير. فلولا الروح لكان الدماغ عبارة عن خلايا تتصل ببعضها البعض و ترسل إشارات كهربائية و منها تصدر الأفعال و لكانت تلك الأفعال غير عشوائية. فالروح هي التي تعطيك تلك الحرية في الاختيار. ما يهمني في هذه النقطة أن أثبت أنه لا يوجد شيء في هذا الكون مجير. أي لا يوجد حذث عشوائي في هذا الكون باستثناء الدماغ البشري (هذا ما اعتقده طبعاً و ليس نظرية) و ما أريده من هذه التقطة أن أقول أن كلمة الصدفة بالنتيجة بالنسبة للكون و ما فيه مرفوضة عملياً لأنه لا يوجد شيء يحدث بالصدفة و هذا وحده كاف لدحض نظرية التطور من أساسها.
      و لتوضيح الفكرة لنقل أن أمامك كاس من الشاي (كحالي الآن) الزمن الذي تختاره لكي تشرب من الكأس صحيح أنه يخضع لبعض المتغيرات الخارجية (كانتهائيمن كتابة فقرة هنا) إلى أنه عشوائي بالأساس لأنك تستطيع أن تشرب في تلك اللحظة و تستطيع أن تتابع (أنا شربت). أي أنك تتحك به من الداخل من دون أية مؤثرات.
      و هذا برأيي تأكيد للإنسان بأن الله تعالى أعطاه حرية الاختيار المطلقة. و أؤكد على كلمة المطلقة لأنه لو كانت هذه الحرية في الاختيار ليست مطلقة لكان هذا شك في عدل الله سبحانه و تعالة (تنزه الله و تعالة عن ذلك). فأنت ستحاسب على ما فعلت بنفسك و باختيارك المطلق.

      أما بالنسبة للا نهاية و استخدامها في العمليات فاعذرني لأني لست مختصاً في الرياضيات. بالتالي يمكنك أن تصوغ العلميلة كالتالي:
      احتمال (تكون الخلية) عندما يسعى فضاء العين نحو اللانهاية = الصفر. أي مستحل.

      هذا على افتراض أن الاحتمال يمكن أن يعبر عن احتمال الوقوع. فأنا من فهمي للاحتمالات أفهم أن احتمال الحدث لا يعبر عن فرصة وقوعه. اي لا يمكن له أن يخبرك متى سيقع هذا الحدث. كل ما يخبرك به الاحتمال هو نسبة الحدث بالنسبة لفضاء العينة. أي مدى اتساع المكان الذي يحتله هذا الحدث في فضاء العينة الكلي لا أكثر و هذا واضح من تعريف الاحتمال.

      و بالنسبة لمحدودية فضاء العينة في الشطرنج و في الكون. هنا أسألك هل للكون حد؟ برأيي الشخصي أن الكون ليس محدوداً و برأيي أيضاً أن هذا الأمر كما اللانهاية في الأعداد من الأمور التي يقر بها العقل تماماً رغم أنه لا يستطيع فهمها تماماً. بالتالي لا يمكننا القول بأن فضاء العينة للكون محدود لأنك لا تستطيع أن تحد هذا الكون. فكل حد وراءه شيء ما.

      النتيجة التي توصلت لها من هذا الموضوع أنه لا يوجد في الكون شيء اسمه صدفة. بالتالي لا يحق لأنصار داروين أن يقولوا بشئي اسمه احتمال أو تطور بالصدفة. و إن كان (و لن يكون) فالرياضيات تقول لهم بأن الاحتمال يسعى للصفر أي أنه مستحيل قولاً واحداً فلماذا لا تزالون تؤمنون بها أيها الأغبياء.

      في النهاية أشكرك كل الشكر و يسعدني جداً مشاركتك لي في هذا النقاش. على أمل اللقاء مجدداً
      السلام عليكم و رحمة الله و الاكرام 🙂

  2. أول أشكرك أخي الكريم على محاولة توصيل فكرة معينة(خطأ نظرية داروين) بطريقة تفكير منطقي ولكن لا اظن انك قد وفقت بهذا وذلك انطلاقا من افتراضك (مسبقا) عدة أمور خاطئا أو قد تكون جدلية في أحسن الأحوال مثلا كون فضاء العينة لا نهائي لا يعني ان احتمال وقوع الحدث مستحيل لأنه مثلا اذا أخذت فضاء عينة هو عبارة عن مجموعة الأعداد الاحقيقية (وهي غير منتهية) فحسب افتراضك فإن اختيار أي رقم بطريقة عشوائية هو مستحيل مثلا احتمال ان أختار الرقم 5 من مجموعة الأعداد الحقيقية هو حسب ما تشير اليه أمر مستحيل الحدوث ولك في الحقيقة هو غير ذلك لأن الحدث الذي احتمال حدوثه صفر هو غير الحدث المستحيل

  3. ثم الافتراض الآخر الخاطئ هو أن الكون حتمي ومصدر العشوائية الوحيد هو دماغ الانسان ( وأنت أشرت أن هذا رأيك الخاص) ولكن أنا لن أقدم رأيي الخاص في هذا الموضوع ولكن سأقدم رأيي العلم الحديث وذلك بناءا على النظرية الكمية التي أعتقد انك لا تعرف عنها معلومات ذات قيمة فهذه النظرية التي يتفق على صحتها العلماء تقول بأن الكون في طبيعته عشوائي وليس حتمي واحتمال اضمحلال الذرة الذي ذكرته في المقالة هو نصف ليس بسبب وجود متحولات خفية لا يمكن معرفتها ولكن بسبب الطبيعة الاحتمالية للطبيعة وهذا كما ذكرت من أهم أسس النظرية الكمية

  4. ثم أن استخدام مصطلح ” أغبياء” في النقاشات العلمية أمر غير لائق بتاتا ويعبر عن قلة احترام للرأي الآخر

  5. ولكن حتى لو أردت أن اتماشى مع افتراض أن الكون حتمي قبل مجيئ الانسان وأنه لا يوجد صدفة فكل حدث يمكن ان تسأل عن سببه حتى نصل الى الانفجار الكبير وعندها سنتوقف عن امكانية السؤال عن سبب أو ( نفترض أن سبب الانفجار الكبير هو الخالق أي الله) فهذا لا ينفي صحة نظرية التطور

  6. ف بافتراض أن الله خلق الكون بالانفجار الكبير فهو سبب نشوء هذه الخلية الحية وبالتالي تطورها خلال أكثر من ثلاثة مليارات سنة حتى نشوء الانسان وبهذه الطريقة يمكن أن نوفق بين رأيي الشخص المؤمن بأن الله هو الذي خلق الانسان وبين هذه النظرية العلمية ( التي اثبت العلم صحتها وبرأيي أنها صحيحة ولا غبار عليها) أما الشخص الذي لا يريد افتراض أن سبب الانفجار الكبير هو الله فهو حر بعدم تصديق أي شيئ لا يمكن اثباته علميا ،
    ثم هناك شيئ آخر أود أن أشير له أنه أي انسان ليس له أي معلومات عميقة عن الحمض النووي وعن نظرية التطور فلا يحق له أن يتحدث بدون علم وينقض هذه النظرية العلمية (ويتذاكى) على علماء الأحياء وعلماء الرياضيات وعلماء الفيزياء وشكرا

    • شكرا لك اخي دارك انرجي، واشكر أخي وصديقي عبد الرحمن على تفاعله الدائم معنا، وقبل أن أعقب وأرد عليك أريد أن أسألك عن مؤهلاتك العلمية التي تقف وراء كل تلك الاتهامات المتضمنهة في تعليقاتك.
      حتى نكون على بينة.

  7. السلام عليكم أخي دارك إنرجي.
    إذا سمح لي أخي شادي سأعلق على بضعة نقاط. وسأبدأ من آخر نقطة ذكرتها وهي “التذاكي” على علماء الأحياء والرياضيات والفيزياء.
    معك حق ألا تعرف شادي، ويصعب على معظم الناس إدراك العقلية التي يتعاملون معها. خصوصاً في عصر الألقاب. على أي حال إن أكثر ما يعجبني في شادي هو ما سميته “التذاكي”، أو ما أسميه عقليته الحرة التي ترفض الاقتناع بسهولة. ولقد دارت بيني وبينه الكثير من الحوارات حول ميكانيك الكم – موضوع رسالة الدكتوراه التي أعمل عليها حالياً – وفي معظم الأحيان يفاجئني بردوده. ولو أن هذه الدنيا لم تكن دار ابتلاء وكانت داراً توزع فيها المناصب على مستحقيها وفقاً لملكاتهم وقدراتهم لكان مكان شادي في إحدى الجامعات العريقة في قسم الفلسفة. على اي حال ما أردت قوله هو أن ما تنتقده وتعتبره نقيصة هو عينه ما يعجبني فيه ويميزه عن معظم الناس. ومقالاته ومدوناته أكبر شاهد بالنسبة له.

    الآن، لنعد إلى اعتراضاتك.
    اعترضت أولاً على أن الاحتمال الصفري لا يعني استحالة الحدث في حالات الفضاءات غير المنتهية، وضربت كمثال الأرقام الحقيقية. والواقع أن القضية تتعلق بمعنى الاحتمال. فكولموغوروف قعّد أسس نظرية الاحتمال بربطها بنظرية القياس. وفي حالة الاعداد الحقيقية، فإن الاحتمال يعبر عن طول المجال (وذلك في حالة استخدام مجموعات بوريل للقياس)، وبما أن المجموعة المكونة من رقم واحد تكتب كمجال طوله 0 فإن الاحتمال يكون صفرياً. لاحظ أن معنى الاحتمال هنا هو “طول”.
    شادي انطلق من تعريف الاحتمال على أنه عدد الحالات المواتية على عدد الحالات الكلية. وفق هذا التعريف فإن الاحتمال الصفري يعبر عن الاستحالة، وهذا يختلف عن الحالة التي ضربتها أنت. وبالتالي إذا برهن بأن احتمال الحدث وفق هذا التعريف هو الصفر فإن استنتاجه استحالة وقوع الحدث لا غبار عليها أبداً. المشكلة برأيي -وقد ناقشتها في تعليقي- هي في استخدام هذا التعريف.

    بالنسبة لاعتراضك على فكرة العشوائية التي طرحها شادي، لست أدري حقيقةً مصدر معلوماتك، ووفقاً لمعلوماتي فإنه لا يوجد عالم يجرؤ على القول بصحة “أي” نظرية فيزيائية، الأمر الذي يدفعني إلى سؤالك:
    – ماذا تعني ب”صحة” نظرية فيزيائية؟
    – هل تعتبر الميكانيك الكلاسيكي (نظرية نيوتن) صحيحة؟

    ولنفترض جدلاً بأن كلامك صحيح، وأننا بطريقة سحرية ما عرفنا أن ميكانيك الكم لن تنهار في تجربة ما لتبدو كتقريب ساذج لحقيقة أعمق منها، لنسلم بذلك جدلاً، من قال لك بأن تفسيرها الفلسفي “متفق” عليه وبأن هذا التفسير يجزم بعشوائية الكون؟
    وعندما تحدثت عن عدم وجود متحولات خفية، اعتقد أنك كنت تشير إلى نظرية بيل 1964، وسؤالي لك،
    – هل تعرف الافتراضات التي بنيت عليها نظرية بيل؟
    – هل تعرف أن هذه النظرية -تحت تلك الافتراضات- نفت نوعاً واحداً فقط من المتحولات الخفية هو المتحولات الخفية المحلية (Local Hidden Variables) وأن هنالك أنواع أخرى لازال بالإمكان وجودها وتفسير النظرية على أساسها؟

    وعندما تحدثت عن الإيمان بالله، هنالك نبرة في حديثك مفادها أن ما يثبت علمياً هو فقط الحقيقة وبأن جميع القضايا الأخرى يملك الإنسان فيها حرية الاعتقاد. وسؤالي لك، ماذا يعني أن تثبت علمياً؟ وبعد أن تجيبني على هذا السؤال أتمنى أن تثبت لي “علمياً” بأن الإنسان حر في عدم تصديق أي قضية لا تثبت علمياً. هل لديك إثبات “علمي” على هذه المقولة وفقاً لتعريفك للإثبات العلمي ؟ أم أنها مجرد إيمان تريد أن تفرضه؟

    • أشكرك من كل قلبي أخي الغالي عبد الرحمن وجعلني الله عند حسن ظنك الجميل بي 🙂
      ولن أقول لك إلا ما قاله أحدهم، بأن هناك أناسا تتمنى لو عرفتهم منذ بدء حياتك، لعلمك بأن حياتك ستتغير معهم 🙂
      وأن هناك عقولا جميلة، من حسنها تتمنى أن تغوص فيها لتنعم بما فيها 🙂

  8. أخي Dark Energy كنت قد سألتك عن مؤهلاتك العلمية، ولمّا تجبني بعد!. ليس الهدف من سؤالي أن أقول إن مؤهلاتك العلمية غير كافية لكل الكلام الذي ذكرته في تعليقاتك، ولكن لأنك أنت من اتهمتني بأنه “ليس لدي معلومات عميقة” عن الحمض النووي وعن نظرية التطور… فأردت أن أعرف كيف تُعرف كلمة “عميقة” استناداً لمؤهلاتك العلمية، وبذلك أستطيع رسم الطريق الذي يتوجب علي أن أسير عليه تبعاً لوجهة نظرك حتى تصبح معلوماتي حول ما ذكرته ذات قيمة!!!.

    أنا أرفض نظرية التطور ليس لأني أؤمن بالرواية الدينية لقصة الخلق، وإن كان هذا منطقياً بحذ ذاته، ولكني أرفضها لأنها غير مقنعة “تماماً” ولأنها تستهين بأبسط العلميات العقلية التي يقوم بها هذا الدماغ!.
    هذا أولاً.

    ثانياً: سأعقب على تعليقاتك (باختصار ودون إسهاب) وأوضح لك وجهة نظري، التي لم تصلك كما يبدو. قبل ذلك أذكرك بما قاله غاليليو: “سلطة ألف فرد في قضايا العلم لا تستو مع مجرد التفكير البسيط عند فردٍ واحد”. وبقول صموئيل جونسون: “لقد وجدت لك برهاناً ولكني لست مضطراً لأن أجد لك فهماً”.
    النقطة الأولى: قولك بأن فضاء العينة النهائي لا يعني أن احتمال وقوع الحدث مستحيلاً. وضربت لنا مثلاً عن مجموعة الأعداد الحقيقة.

    حقيقة أنا أتفق معك أن هناك أحداثاً يمكن أن تقع رغم أن فضاء العينة لا نهائي، ولكن المشكلة أنك فهمت المسألة بالمقلوب، أو لنقل إن إسقاطك هذا ليس في مكانه أو لنقل أن قياسك هذا غير صحيح. فاختيار الرقم خمسة من مجموعة الأعداد الحقيقية أمر وارد الحدوث وليس مستحيلاً، أتفق معك في هذا، ولكن هذا المثال لا يشبه حالة الحدث الذي تحدثت عنه في المقالة. شخصياً أسمي هذا الخطأ الذي يقع فيه الكثير من الناس في نقاشاتهم ابتداء من البسيطة وحتى المعقدة منها بخطأ السحب والإفلات. فأنت تسحب مثالاً لا توافق ولا يمكن قياسه مع المثال الذي ضربته أنا، ومن ثم تبني على التباين بين نتائج هذا المثال وذاك أو صحة هذا المثال وخطأ ذاك، وتسحب الخطأ على مثالي استناداً إلى صحة مثالك. وهذا خطأ منطقي بحد ذاته. فلو كان مثالك قابلاً للقياس مع مثالي لكان كلامك صحيحاً، بناء على صحة مثالك. ولكن مثالك غير قابل للقياس مع مثالي الذي ضربته لأنه يختلف معه جذرياً!.

    لأن الحدث الذي نتحدث عنه ليس أي حدث، بل له شروط كثيرة ذكرتها في المقالة. إضافة إلى أننا لا ننتقي من مجموعة ما (منتهية أم غير منتهية) فالقضية في التطور هي (وقوع الحدث) وليس (انتقاوءه أو البحث عنه). وهذا هو سبب صلة الموضوع بالعشوائية. وهناك فرق بين احتمال وقوع حدث وبين انتقاء عنصر أو حدث من مجموعة أحداث.

    وقد أوضح لك أخي عبد الرحمن معنى الاحتمال الذي تحدثت عنه.

    النقطة الثانية: قولك بأني لا أملك معلومات ذات قيمة عن نظرية الكم. هنا أذكرك بأنك عبت علي استخدامي لكلمة أغبياء في سياق تعليق سابق، ولكنك تقوم بالأمر نفسه. فلا يحق لك أن تنتقد أو توصف معرفتي بهذه النظرية أو تلك لأي سبب من الأسباب واستناداً إلى ما استقرئته من هذه التدوينة.
    ونظرية الكم كما أوضح لك أخي عبد الرحمن ليست نظرية مطلقة الصحة، ولا يمكن القول بأنها وصلت أعلى مراتب الحقيقة. فقد يأتينا شخص ما بنظرية تتعارض مع نظرية الكم وتوضح لنا كم كنا مخطئين فيها. الطبيعة الاحتمالية للطبيعة أمر ليس حقيقة مطلقة.

    النقطة الثالثة: محاولتك التوفيق بين نظرية التطور التي ترى شخصياً أن لا غبار عليها، أرى شخصياً أنها محاولة محكوم عليها بالفشل (هذا رأيي مرة أخرى). لماذا ، تسأل؟
    أولاً من الصعوبة بمكان محاولة التوفيق بين قصة الخلق التي يخبرنا بها الدين وبين القصة التي يحاول التطوريون إقناعنا بها. هناك تصادم مطلق بين القصتين. يسعدني أن أعرف كيف تفسر أو توفق أنت بين الروايتين؟ كما أن التطوريين في كل مناسبة يقولون بأن الخالق لا دور له في ما حدث، فكيف تقتنع بالنظرية ككل وتنكر أبسط أبجدياتها؟
    وهنا أعود لكلمة أغبياء وسأخبرك لماذا تجرأت واستخدمتها. إذا كنت قد قرأت في الكتب التي تتحدث عن التطور، فلا أعرف إن كنت قد لاحظت الطريقة التي يتحدث بها مؤلفوا تلك الكتب، لسبب ما يفترضون في بعض صفحاتهم غباء القارىء وبساطته وأنه سيصدق أي كلمة يقولونها وأي استنتاج يتوصلون إليه مهما كان بسيطاً ومهما كان معارضاً لأبسط أبجديات علوم الأحياء وعلوم الوراثة (هذا عدا عن استخدامهم تقنيات السحب والإفلات التي حدثتك عنها بمهارة كبيرة جداً). لذلك بالنسبة لي لا مشكلة لدي في نعتهم بهذه الصفة لأنه ومن وجهة نظري فإن من يؤمن بهذه النظرية لا يحترم أبسط أسس المنطق.

    حديثك هذا جعلني أبدأ تدوينة جديدة كنت عزمت كتابتها منذ أن قرأت كتاب Why Evolution Is True | Jerry A. Coyne وسأسميها منذ الآن Why Evolution Is Not-true. يمكنك الاضطلاع على الكتاب وآمل أن أكون قد أنهيت تدوينتي هذه مع انتهائك من قراءة الكتاب إن لم تكن قد قرأته بعد ويكون لحديثنا هذا بقية إن شاء الله تعالى.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s