اطرد الفراغَ بالعملِ

الفارغون في الحياة هم أهل الأراجيف و الشائعات؛ لأن أذهانهم موزعة [رضوا بأن يكونوا مع الخوالف] صدق الله العظيم.

إن أخطر حالات الذهن يوم يفرغ صاحبه من العملِ، فيبقى كالسيارة المسرعة في انحدار بلا سائق، تجنح ذات اليمين و ذات الشمال.

يوم تجد في حياتك فراغاً فتهيأ حينها للهم و الغم و الفزع؛ لأن هذا الفراغ يسحب لك ملفات الماضي، و الحاضر، و المستقبل من أدراج الحياة فيجعلك في أمرٍ مريجٍ، و نصيحتي لك و لنفسي أن تقوم بأعمال مثمرة بدلاً من هذا الاسترخاء القاتل لأنه وأد خفيٌ، و انتحار بكبسول مسكنٍ.

إن الفراغ أشبه بالتعذيب البطيء الذي يمارس في سجون الصين بوضع السجين تحت أنبوب يقطر كل ديقية قطرة، و في فترات انتظار هذه القطرات يصاب السجين بالجنون.

الراحة غفلة، و الفراغ لص محترف، و عقلك هو فريسة ممزقة لهذه الحروب الوهمية.

إذاً قم “ألآن” صل أو اقرأ، أو سبح، أو طالع، أو اكتب، أو رتب مكتبك، أو أصلح بيتك، أو انفع غيرك، حتى تقضي على الفراغ، و إني لك من الناصحين.

اذبح الفراغ بسكين العمل، و يضمن لك أطباء العالم 50 % من السعادة مقابل هذا الإجراء الطارىء فحسب، انظر إلى الفلاحين و الخبازين و البنائين يغردون بالأناشيد كالعصافير في سعادة و راحة و أنت على فراشك تمسح دموعك و تضطرب لأنك ملدوغٌ.

من كتاب ’’لا تحزن‘‘ لـ عائض القرني، بدون تصرف.

لا تؤجل

بسم الله الرحمن الرحيم

لا تؤجل

تستيقظ لصلاة الفجر. تتوضأ ثم تصلي السنة. تخرج للمسجد و تصلي الفجر في جماعة، ثم تعود للمنزل و أنت تتنفس هواء الفجر. تقرأ وردك من القرآن ثم تعد طعام الإفطار. تتناوله بهدوء ثم تقرأ شيئاً حتى يحين موعد عملك أو جامعتك أو مدرستك.

يرن المنبه و أنت متأخر نصف ساعة. تقوم كالمجنون ترتدي بنطالك في يديك و قميصك في رجليك. تتجه للمطبخ و تأكل لقمة بالطول و لقمة بالعرض. واحدة تمر بسلام و عشر تغص بها. تتجه لعملك أو جامعتك أو مدرستك و الناس يضحكون عليك.

اثنان من السيناريوهات لا ثالث لهما نمر بهما كل يوم. و لكن ما الذي يدفعنا للسيناريو الثاني؟ لن تكون أكثر من ساعة نوم! و ساعة النوم هذه لا تغني و لا تقدم و لا تؤخر. و لكن لو تعمقنا قليلاً في هذه الساعة لوجدناها تعكس خصلة سيئة ترعرت في نفوسنا منذ الصغر. و هي التسويف و التأجيل.

التأجيل بكل مستوياته، ابتداء من تأجيل استيقاطك إلى تأجيل قرائتك إلى تأجيل تركك للدخان… فنحن لا نزال نؤجل عمل اليوم إلى الغد، و نتشاغل عنه و نسوّف حتى لا يبقى له سوى ساعات أو دقائق معدودة. فنركض ركض الأرنب و قد كان خيراً لنا أن نمشي و لو مشي السلحفاة من أول الوقت.

و المرض متفشٍ في المجتع بشل كبير. الخياط يعدك أن يسلمك الثوب في منتصف رمضان فيأتي العيد و لم ينته من أخذ مقاسك بعد. يكتب الطبيب أن موعد دوامه في العيادة في التاسعة و يأتي في الحادية عشر. تأتي في موعدك إلى عيادته لتجد أنه وعد خمسة معك. فتغادر و تفضل الألم على الانتظار. و كذلك الحذاء و البناء و المهندس و حتى أنت.

حقيقةً إن هذا التأجيل و التسويف هو رأس أمراضنا الاجتماعية و علة عللنا. كل أب يعرف أن هناك طريقة أفضل من طريقته لتربية أولاده. و كل رجل يعرف الطريق لتحسين صحته و إصلاح سيرته في بيته و مع أولاده و زوجته. و لكن كل من هؤلاء يؤجل يوماً بعد يوم و سنة بعد سنة حتى يمر العمر و هو لم يفعل شيئاً.

كل مدخن يقول لنفسه: سأترك التدخين. و لكنه يؤجل تنفيذ هذه الإرادة من يوم إلى يوم و من شهر إلى شهر. فتمر السنوات و هو لا يزال كما كان. و كل مسرف مبذر يعتزم أن يقتصد و أن يزين نفقاته بميزان العقل,، و لكنه يؤجل التنفيذ. و كل فاسق تدركه لحظات يسمع فيها آية أو موعظة فيرق قلبه و تسمو روحه و يعزم على التوبة و لكنه يؤجل. يقول: سأتوب في رمضان. فيأتي رمضان فيقول: سأتوب بعد الحج. فيأتي الحج فيقول: لا زلت شاباً. و يمضي العمر و هو لم يتب و لم يصلح.

و نحن لا ينقصنا العلم، لكن ينقصنا الشروع في العمل. كل واحد منا يعلم أن الكذب شر و أن الصدق خير. و كل واحد منا يعلم أن للوالدين حقوقاً و أن صلة الرحم من الواجبات و أن الغش و الظلم و العدوان من أسباب غضب الله، و لكنا لا نعمل بهذا الذي نعلمه!!!

نقرأ في اليوم أكثر من الكثير على صفحات  الانترنت و معظم ما نقرأه هناك لا يفي علماً و لا يعلم أدباً، و نشتري أمهات الكتب لنزين بها مكاتبنا و ننفض عنها الغبار بين الحين و الآخر.

و لا يقتصر الأمر على الأفراد بل يتعداه للحكومات و المؤسسات. فكل مشروع إما أن ينام على فراش التخدير – بمورفين التسويف و التأجيل – دهراً من الزمن، و إما أن يولد مرتجلاً مشوهاً مثل الجنين يولد قبل موعده.

نحن لا نؤدي واجباتنا في موعدها حتى صارت كلمة ’’الموعد‘‘ رمزاً – مع الأسف – للتأخير و للوعد الذي لا يوثق به. و كلما أوغلت في الشرق وجدت ذلك متفشياً أكثر. فلا تقام حفلة في موعدها و لا يأتي ضيف في موعده مع أنه لو جاز لكل أمة أن تؤجل و تسوف لما جاز للمسلمين ذلك. لأن دينهم يقوم على مواعيد مضبوطة ضبط الدقائق و الثواني، فالذي يصلي لا يجوز أن يصلي قبل موعد الصلاة بخمس دقائق و الذي يفطر قبل الأذان بدقيقة لا يصح صيامه و الذي يصل عرفة بعد وقت الوقوف بثوانٍ لا يصح حجه.

و كل ذلك ليعلمنا الله ضبط المواعيد. و إلا فما يضر الصائم إن صام أربع عشرة ساعة إلا خمس دقائق؟ ألا يصوم في الشتاء اثنتا عشرة ساعة؟ المراد أن نتعود النظام و الضبط في مواعيدنا و ألا نصاب بطاعون التأجيل و التسويف و إخلاف المواعيد.

و الرسول صلى الله عليه و سلم يقول: ’’آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب و إذا وعد أخلف و إذا اؤتمن خان‘‘. فإخلاف الوعد و الإخلال به ثلث النفاق! و الإسلام لا يعرف هذه الوعود المائة التي ابتلينا بها كـ “قبل الظهر” و “بعد المغرب” إنما يعرف الإسلا المواعيد الدقيقة المضبوطة ضبط الدقائق و الثواني.

أيها القارئون وأيتها القارئات:

إن الذي لا يقفز إلى الفريسة تفلت منه، و من لا يغتنم الفرصة في وقتها لا يجدها، و من لا يضرب الحديد و هو حامٍ لا يفيده ضربه و هو بارد. و الذي يؤجل ما يجب عليه الآن لن يستطيع أن يؤديه كاملا فيما بعد.

فيا أيها المدخن: إذا عزمت على ترك الدخان فابدأ الآن، ألق السيجارة من يدك و لا تؤجل دقيقة واحدة، لأن الدقيقة تجر الدقيقة و الساعة تجر الساعة فلا تتركه أبداً.

و يا أيها التلميذ الذي يريد أن يستعد للامتحان، إبدأ من الآن و لا تقل سأبدأ غداً، لأن الغد إذا جاء صار حاضراً و أعقبه غد جديد. فلا ترى إلى و الامتحان أمامك و أنت لم تصنع شيئاً.

و يا أيتها المرأة التي تريد أن تصلح نفسها و تضع عقلها في رأسها فتهتم بأولادها و زوجها لا بالسهرات و الاستقبالات و الكلام الفارغ: إشرعي الآن.

و يا من يعلم أن بعدَ الدنيا آخرة – و كلنا يعلم – و أن بعد الحياة موتاً، و أن لا بد من وقفة و مشية على الصراط و ليس – بعدُ – إلل جنة أو نار: تب من الآن و لا تؤجل التوبة إلى الغد، فإنك لا تدري ما هو مقدر عليك في غد.

و ليكتب كل منا هذه الحكمة في لوجة كبيرة: ’’لا تؤجل علمل اليوم إلى الغد‘‘ و ليعلقها في مجلسه و لينظر إليها صباحه و مساءه، و ليعمل بها فهي دستور النجاح و أساس الفلاح:

لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد

7 طرق مثبتة لمعالجة التأجيل

أحسن كما أحسن الله إليك

بسم الله الرحمن الرحيم

أحسن كما أحسن الله إليك

إنظر من حولك و قل لي ماذا ترا؟ الغرفة دافئة في الشتاء و باردة في الصيف  ’’الحمد لله‘‘. كل ما تحتاجه متوفر لديك ’’الحمد لله‘‘. لديك ملابس جديدة و جميلة ’’الحمد لله‘‘. صحتك جيدة ’’الحمد لله‘‘. أهلك من حولك ’’الحمد لله‘‘…

تأمل نعم الله عليك و قل ’’الحمد لله‘‘. أخرجها من قلبك، و كلما أحسست أنها لم تخرج من قلبك عد فتذكر مزيداً من نعم الله عليك.

لكن هل تعتقد أن ’’الحمد لله‘‘ كافية؟ هل لو رددتها ألف مرة تؤدي حقها؟

ليس الحمد أن تلفظ ’’الحمد لله‘‘ بلسانك فقط، و لكن الحمد على النعم – التي لا تعد و لا تحصى – أن تنعم منها على المحتاج إليها. حمدُ الغني أن يعطي الفقراء، و حمدُ القوي أن يساعد الضعفاء، و حمدُ الصحيح أن يعاون المرضى، و حمدُ الحاكم أن يعدل في المحكومين، و حمدُ المتعلم أن يعلم الجاهل. و إن لم يسألك أحد أن تنعم عليه أفلا يجب عليك أن تسأل أنت عنه؟

قد يقول قائل: إن للعباد رباً يتكفل بهم. و أنك لو هممت تساعد كل فقير أصبحت فقيراً أنت أيضاً.

و لكن الأمر ليس كذلك. فالأمور نسبية. أنت بالنسبة للعامل –  الذي يعيش و يعيل عشرة من أولاده و مالَه غير أجرته – غني من الأغنياء. و بالنسبة للتاجر الذي يربج الملايين كل يوم فقير من الفقراء. أنت بعلمك للجاهل غني، و بصحتك للمريض غني، و بسلطانك للمظلوم غني. فليس في الدنيا فقر مطلق و لا غنىً مطلق. و إذا شككت في ذلك فاسأل نفسك هل العصفور صغير أم كبير؟ إن قلت صغيراً فقد أخطأت لأنه بالنسبة للنملة كبير. و إن قلت كبيراً فقد أخطأت أيضاً لأنه بالنسبة للفيل صغير. إذاً الأمر نسبي و لا جدال في ذلك.

فكل واحد منا – كائناً من كان – يستطيع أن يجد من هو أفقر منه فيعطيه. رب ثوب هو في نظرك قديم و عتيق بال، و لو أعطيته لغيرك لرآه ثوب العيد و لاتخذه لباس زينة. و هو يفرح به فرحك بغني مل من سيارته فأهداك إياها و اشترى أخرى أحدث منها.

و مهما كان المرء فقيراً فهو يستطيع أن يعطي من هو أفقر منه. إن أصغر موظف لا يتجاوز راتبه الـ 10.000 ليرة لا يشعر بالحاجة و لا يمسه الفقر إذا تصدق بعشر ليرات. و صاحب الراتب الـ 50.000 لا يضره أن يدفع بـ 100 ليرة لفقير من الفقراء. و هلم جراً. و لا تظن أن ما تعطيه – على قلته – يذهب هباء بالمجان. لا و الله – إنك ستقبض الثمن أضعافاً مضاعفة في الدنيا قبل الآخرة. جرب ذلك و سترى بنفسك. مهما كان ما تبذله قليلاً فالله سيضاعفه لك و عند الله لا يوجد قليل – كما لا يوجد كثير.

و انظر إلى قصة المرأة التي كان ولدها مسافراً، و كانت قد قعدت تأكل و ليس أمامها إلى لقمة إدام و قطعة خبز قد وصلت فمها، فجاءها سائل فنزعت اللقمة من فمها و أعطته إياها و باتت جائعة. فلما جاء الولد من السفر جعل يحدثها بما رأى. قال: و من أعجب أمري أنه لحقني أسد في الطريق، و كنت وحدي فهربت منه، فوثب علي فما شعرت إلى و قد صرت في فمه. و إذ برجل عليه ثياب بيض يظهر أمامي و يخلصني من الأسد و يقول: ’’لقمة بلقمة‘‘. و لم أفهم مراده. فسألته عن وقت الحادث و إذا هو في نفس اليوم الذي تصدقت به على الفقير. نزعت اللقمة من فمها لتتصدق بها فنزع الله ولدها من فم الأسد.

و الصدقة تدفع البلاء و يشفي الله بها الأبدان و يمنع بها الأذى. و من يؤمن بأن لهذا الكون رباً مدبراً هو يتصرف فيه و بيده المنع و العطاء، و هو الذي يشفي و يسلّم، يعلم أن هذا صحيح. و من غفل عن ذلك فليس يفيد معه الكلام.

و لا تعطي عطاء الكبر و الترفع، بل أعط عطاء المحبة و التواضع. إذا حمل ولدك صحناً من الطعام لحارس الحي فأوقفه و قل له: هات طبقاً و ملعقة نظيفة و كوب ماء و قدم إلى الحارس الطعام كالضيف فإنك لا تخسر شيئاَ. فأنت إن قدمت له صحناً و رغيف خبز حسرت نفسه و أشعرته انه كالسائل. أما إذا قدمته له مع طبق و ماء و ملقعة نظيفة جبرت خاطره و أشعرته بأنه ضيف عزيز. و لم تخسر بعد شيئاً. تواضع لخلق الله يكرمك الله و يرفعك.

و ليس الأمر بالمال و لا باللباس فقط. من حمدِ الله على نعمة العلم أن نعلم من نستطيع تعلميه. هل وصلت للجامعة و خرجت منها طبيباً و مهندساً و معلماً. إنظر في حيك فلرب هناك طالب لا يستطيع دفع المال للدروس الخصوصية. أعطه حصة من وقتك كل أسبوع، و علمه مما علمك الله، حتى يعلمك الله و ينفعك بما علمك. و ليس أسهل من ذلك و لا أكثره خيراً بين الإخوة و الجيران و الأصدقاء في زيادة الود و المحبة و الألفة.

و إن كنت قوياً فتطوع و ساعد من هو بحاجة إلى قوتك، ساهم في تنظيف المساجد و ابحث عمن بيته أنقاض فقومه له بقوتك و ساعده في إصلاحه. تكن بذلك من الحامدين الله حقاً على نعمه.

و الخلاصة يا سادة: إن من أحب أن يسخر الله له من هو أقوى منه و أغنى، فليُعن من هو أضعف منه و أفقر. و ليضع كل منا نفسه في موضع الآخر، و ليحب لأخيه ما يحبه لنفسه.

إنما النعم تُحفظ و تدوم و تزداد بالشكر. و الشكر لا يكون باللسان وحده، و لو أمسك الإنسان سبحة و قال ألف مرة ’’الحمد لله‘‘ – و هو يضن بماله إن كان غنياً، و يبخل بجاهه إن كان وجيهاً، و يظلم بسلكانه إن كان ذا سلطان، و يبخل بلعمه إن كان متعلماً – لا يكون حامداً لله، و إنما يكون مرائياً و كذاباً.

فاحمدوا الله على نعمه حمداً فعلياً، و أحسنوا كما تحبون أن يحسن الله إليكم. و اعلمو أن ذلك من أسباب النصر على العدو و من جملة الاستعداد له، فهو جهاد بالمال، و جهاد المال أخو الجهاد بالنفس.

و رحم الله من سمع المواعظ فعمل بها و لم يجعلها تدخل من أذن لتخرد من الأخرى.

من كتاب “مع الناس” لـ على الطنطاوي (رحمه الله) مع قليل من التصرف.

من شعراء العصر العباسي – البوصيري و قصيدته البردة

بسم الله الرحمن الرحيم

من شعراء العصر العباسي – البوصيري و قصيدته البردة

شرف الدين البوصيري

608 – 696 هـ / 1212 – 1296 م

محمد بن سعيد بن حماد بن عبد الله الصنهاجي البوصيري المصري شرف الدين أبو عبد الله. شاعر حسن الديباجة، مليح المعاني، نسبته إلى بوصير من أعمال بني سويف بمصر، أمّه منها. وأصله من المغرب من قلعة حماد من قبيل يعرفون ببني حبنون. ومولده في بهشيم من أعمال البهنساوية ووفاته بالإسكندرية له (ديوان شعر -ط)، وأشهر شعره البردة مطلعها:

أمن تذكّر جيران بذي سلم      مزجتَ دمعاً جرى من مقلة ٍ بدمِ

شرحها وعارضها الكثيرون، والهمزية ومطلعها: كيف ترقى رقيك الأنبياء. وعارض (بانت سعاد) بقصيدة مطلعها: إلى متى أنت باللذات مشغول.

أمِنْ تذَكُّرِ جيرانٍ بذي سلمِ

مزجتَ دمعاً جرى من مقلة ٍ بدمِ

أمْ هبَّتِ الريحُ من تلقاءِ كاظمة ٍ

وأوْمَضَ البَرْقُ في الظلْماءِ مِنْ إضَمِ

فما لعينيكَ إن قلتَ اكففا هَمَتا

ومَا لِقَلْبِك إنْ قُلْتَ اسْتَفِقْ يَهِمِ

أَيَحْسَبُ الصَّبُّ أنَّ الحُبَّ مُنْكتِمٌ

ما بَيْنَ مُنْسَجِم منهُ ومضطَرِمِ

لولاَ الهَوَى لَمْ تُرِقْ دَمْعاً عَلَى طَلَلٍ

ولا أرقتَ لذكرِ البانِ والعَلم ِ

فكيفَ تُنْكِرُ حُبَّا بعدَ ما شَهِدَتْ

بهِ عليكَ عدولُ الدَّمْعِ والسَّقَم

وَأثْبَتَ الوجْدُ خَطَّيْ عَبْرَة ٍ وضَنًى

مِثْلَ البَهارِ عَلَى خَدَّيْكَ والعَنَمِ

نعمْ سرى طيفُ من أهوى فأرقني

والحُبُّ يَعْتَرِضُ اللَّذاتِ بالأَلَمِ

يا لائِمِي في الهَوَى العُذْرِيِّ مَعْذِرَة ً

منِّي إليكَ ولو أنصفتَ لم تلُمِ

عَدَتْكَ حالِيَ لا سِرِّي بمُسْتَتِرٍ

عن الوُشاة ِ ولادائي بمنحسمِ

مَحَّضَتْنِي النُّصْحَ لكِنْ لَسْتُ أَسْمَعُهُ

إنَّ المُحِبَّ عَن العُذَّالِ في صَمَمِ

إني اتهمتُ نصيحَ الشيبِ في عذلٍ

والشَّيْبُ أَبْعَدُ في نُصْحٍ عَنِ التُّهَم

فإنَّ أمَّارَتي بالسوءِ مااتعظتْ

من جهلها بنذيرِ الشيبِ والهرمِ

ولا أَعَدَّتْ مِنَ الفِعْلِ الجَمِيلِ قِرَى

ضيفٍ المَّ برأسي غير محتشمِ

لو كنت أعلم أني ما أوقره

كتمت سرا بدا لي منه بالكتم

من لي بِرَدِّ جماحٍ من غوايتها

كما يُرَدُّ جماحُ الخيلِ باللجمِ

فلا تَرُمْ بالمعاصِي كَسْرَ شَهْوَتِها

إنَّ الطعامَ يُقَوِّي شهوة َ النهمِ

والنفسُ كالطفلِ إن تهملهُ شَبَّ على

حُبِّ الرَّضاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِم

فاصرفْ هواها وحاذرْ أنْ تُوَلِّيَهُ

إنَّ الهوى ما تولَّى يُصمِ أوْ يَصمِ

وَراعِها وهيَ في الأعمالِ سائِمة ٌ

وإنْ هِيَ اسْتَحْلَتِ المَرْعَى فلا تُسِم

كَمْ حَسَّنَتْ لَذَّة ٍ لِلْمَرءِ قاتِلَة ً

من حيثُ لم يدرِ أنَّ السُّمَّ في الدَّسَمِ

وَاخْشَ الدَّسائِسَ مِن جُوعٍ وَمِنْ شِبَع

فَرُبَّ مَخْمَصَة ٍ شَرٌّ مِنَ التُّخَمِ

واسْتَفْرِغ الدَّمْعَ مِنْ عَيْنٍ قد امْتَلأتْ

مِنَ المَحارِمِ وَالْزَمْ حِمْيَة َ النَّدَمِ

وخالفِ النفسَّ والشيطانَ واعصهما

وإنْ هُما مَحَّضاكَ النُّصحَ فاتهم

وَلا تُطِعْ منهما خَصْماً وَلا حَكمَاً

فأنْتَ تَعْرِفُ كيْدَ الخَصْمِ والحَكمِ

أسْتَغْفِرُ الله مِنْ قَوْلٍ بِلاَ عَمَلٍ

لقد نسبتُ به نسلاً لذي عقمِ

أمرتكَ الخيرَ لكنْ ماائتمرتُ بهِ

وما استقمتُ فماقولي لك استقمِ

ولا تَزَوَّدْتُ قبلَ المَوْتِ نافِلة ً

ولَمْ أُصَلِّ سِوَى فَرْضٍ ولَمْ أَصُمِ

ظلمتُ سُنَّة َ منْ أحيا الظلامَ إلى

أنِ اشْتَكَتْ قَدَماهُ الضُّرَّ مِنْ وَرَم

وشدَّ مِنْ سَغَبٍ أحشاءهُ وَطَوَى

تحتَ الحجارة ِ كشحاً مترفَ الأدمِ

وراودتهُ الجبالُ الُشُّمُّ من ذهبٍ

عن نفسهِ فأراها أيما شممِ

وأكَّدَتْ زُهْدَهُ فيها ضرورتهُ

إنَّ الضرورة َ لاتعدو على العصمِ

وَكَيفَ تَدْعُو إلَى الدُّنيا ضَرُورَة ُ مَنْ

لولاهُ لم تخرجِ الدنيا من العدمِ

محمدٌ سيدُّ الكونينِ والثَّقَلَيْنِ

والفريقينِ من عُربٍ ومن عجمِ

نبينَّا الآمرُ الناهي فلا أحدٌ

أبَرَّ في قَوْلِ «لا» مِنْهُ وَلا «نَعَمِ»

هُوَ الحَبيبُ الذي تُرْجَى شَفَاعَتُهُ

لِكلِّ هَوْلٍ مِنَ الأهوالِ مُقْتَحَمِ

دعا إلى اللهِ فالمستمسكونَ بهِ

مستمسكونَ بحبلٍ غيرِ منفصمِ

فاقَ النبيينَ في خلْقٍ وفي خُلُقٍ

ولمْ يدانوهُ في علمٍ ولا كَرَمِ

وكلهمْ من رسول اللهِ ملتمسٌ

غَرْفاً مِنَ البَحْرِ أوْ رَشْفاً مِنَ الدِّيَمِ

وواقفونَ لديهِ عندَ حَدِّهمِ

من نقطة ِ العلمِ أومنْ شكلة ِ الحكمِ

فهْوَ الذي تَمَّ معناهُ وصُورَتُه

ثمَّ اصطفاهُ حبيباً بارىء ُ النَّسمِ

مُنَّزَّهٌ عن شريكٍ في محاسنهِ

فَجَوْهَرُ الحُسْنِ فيهِ غيرُ مُنْقَسِمَ

دَعْ ما ادَّعَتْهُ النَّصارَى في نَبيِّهِمِ

وَاحكُمْ بما شِئْتَ مَدْحاً فيهِ واحْتَكِمِ

وانْسُبْ إلى ذاتِهِ ما شِئْتَ مِنْ شَرَفٍ

وَانْسُبْ إلى قَدْرِهِ ما شِئْتَ منْ عِظَمِ

فإن فضلَ رسولِ اللهِ ليسَ لهُ

حَدٌّ فيُعْرِبَ عنه ناطِقٌ بفَمِ

لو ناسبتْ قدرهُ آياتهُ عظماً

أحيا اسمهُ حينَ يُدعى دارسَ الرِّممِ

لَمْ يَمْتَحِنَّا بما تعْمل العُقولُ بِهِ

حِرْصاً علينا فلمْ ولَمْ نَهَمِ

أعيا الورى فهمُ معانهُ فليس يُرى

في القُرْبِ والبعدِ فيهِ غير منفحِمِ

كالشمسِ تظهرُ للعينينِ من بُعُدٍ

صَغِيرَة ٍ وَتُكِلُّ الطَّرْفَ مِنْ أممٍ

وكيفَ يُدْرِكُ في الدُّنْيَا حَقِيقَتَهُ

قومٌ نيامٌ تسلَّوا عنهُ بالحُلُمِ

فمبلغُ العلمِ فيهِ أنهُ بشرٌ

وأنهُ خيرُ خلقِ اللهِ كلهمِ

وَكلُّ آيِ أَتَى الرُّسْلُ الكِرامُ بها

فإنما اتَّصلتْ من نورهِ بهمِ

فإنهُ شمسٌ فضلٍ همْ كواكبها

يُظْهِرْنَ أَنْوارَها للناسِ في الظُلَم

أكرمْ بخلقِ نبيٍّ زانهُ خُلُقٌ

بالحُسْنِ مُشْتَمِلٍ بالبِشْرِ مُتَّسِمِ

كالزَّهرِ في تَرَفٍ والبَدْرِ في شَرَفٍ

والبَحْر في كَرَمٍ والدهْرِ في هِمَمِ

كأنهُ وهو فردٌ من جلالتهِ

في عَسْكَرٍ حينَ تَلْقاهُ وفي حَشَمِ

كَأَنَّما اللُّؤْلُؤُ المَكْنونُ في صَدَفِ

من معدني منطقٍ منهُ ومبتسمِ

لا طِيبَ يَعْدِلُ تُرْباً ضَمَّ أَعْظُمَهُ

طُوبَى لِمُنْتَشِقٍ منهُ ومُلْتَئِم

أبان مولدهُ عن طيبِ عُنصرهِ

يا طِيبَ مُبْتَدَإٍ منه ومُخْتَتَمِ

يومٌ تفرَّسَ فيهِ الفرسُ أنهم ُ

قد أنذروا بحلولِ البؤسِ والنقمِ

وباتَ إيوانُ كسرى وهو منصدعٌ

كشملِ أصحابِ كسرى غيرَ ملتئمِ

والنَّارُ خامِدَة ُ الأنفاس مِنْ أَسَفٍ

عليه والنَّهرُ ساهي العين من سدمِ

وساء ساوة أن غاضتْ بحيرتها

ورُدَّ واردها بالغيظِ حين ظمى َ

كأنَّ بالنارِ مابالماء من بللٍ

حُزْناً وبالماءِ ما بالنَّارِ من ضرمِ

والجنُّ تهتفُ والأنوار ساطعة ٌ

والحَقُّ يَظْهَرُ مِنْ مَعْنى ً ومِنْ كَلِم

عَموُا وصمُّوا فإعلانُ البشائرِ لمْ

تُسْمَعْ وَبارِقَة ُ الإِنْذارِ لَمْ تُشَم

مِنْ بَعْدِ ما أَخْبَرَ الأقْوامَ كاهِنُهُمْ

بأَنَّ دينَهُمُ المُعْوَجَّ لَمْ يَقُمِ

وبعدَ ما عاينوا في الأفقِ من شُهُبٍ

منقضة ٍ وفقَ مافي الأرضِ من صنمِ

حتى غدا عن طريقِ الوحيِ مُنهزمٌ

من الشياطينِ يقفو إثرَ منهزمِ

كأَنُهُمْ هَرَباً أبطالُ أَبْرَهَة ٍ

أوْ عَسْكَرٌ بالحَصَى مِنْ رَاحَتَيْهِ رُمِي

نَبْذاً بهِ بَعْدَ تَسْبِيحِ بِبَطْنِهما

نَبْذَ المُسَبِّحِ مِنْ أحشاءِ مُلْتَقِمِ

جاءتْ لدَعْوَتِهِ الأشجارُ ساجِدَة ً

تَمْشِي إليهِ عَلَى ساقٍ بِلا قَدَمِ

كأنَّما سَطَرَتْ سَطْراً لِمَا كَتَبَتْ

فروعها من بديعِ الخطِّ في اللقمِ

مثلَ الغمامة ِ أنى َسارَ سائرة ٌ

تقيهِ حرَّ وطيسٍ للهجيرِ حمي

أقسمتُ بالقمرِ المنشقِّ إنَّ لهُ

مِنْ قَلْبِهِ نِسْبَة ً مَبْرُورَة َ القَسَمِ

ومَا حَوَى الغارُ مِنْ خَيْرٍ ومَنْ كَرَم

وكلُّ طرفٍ من الكفارِ عنه عمي

فالصدقُ في الغارِ والصديقُ لم يرِما

وَهُمْ يقولونَ ما بالغارِ مِنْ أَرمِ

ظَنُّوا الحَمامَ وظَنُّو العَنْكَبُوتَ على

خيْرِ البَرِيَّة ِ لَمْ تَنْسُجْ ولمْ تَحُم

وقاية ُ اللهِ أغنتْ عن مضاعفة ٍ

من الدروعِ وعن عالٍ من الأطمِ

ما سامني الدهرُ ضيماً واستجرتُ بهِ

إلاَّ استلمتُ الندى من خيرِ مُستلمِ

لاتنكرُ الوحيَ من رؤياهُ إنَّ لهُ

قَلْباً إذا نامَتِ العَيْنانِ لَمْ يَنمِ

وذاكَ حينَ بُلوغٍ مِنْ نُبُوَّتِهِ

فليسَ يُنْكَرُ فيهِ حالُ مُحْتَلِمِ

تَبَارَكَ الله ما وحْيٌ بمُكْتَسَبٍ

وَلا نَبِيٌّ عَلَى غَيْبٍ بِمُتَّهَمِ

كَمْ أبْرَأَتْ وَصِبا باللَّمْسِ راحَتهُ

وأَطْلَقَتْ أرِباً مِنْ رِبْقَة ِ اللَّمَمِ

وأحْيَتِ السنَة َ الشَّهْبَاءَ دَعْوَتُهُ

حتى حَكَتْ غُرَّة ً في الأَعْصُرِ الدُّهُمِ

بعارضٍ جادَ أو خلتَ البطاحَ بها

سيبٌ من اليَمِّ أو سيلٌ من العرمِ

دعني ووصفي آياتٍ له ظهرتْ

ظهورَ نارِ القرى ليلاً على علمِ

فالدرُّ يزدادُ حُسناً وهو منتظمٌ

وليسَ ينقصُ قدراً غير منتظمِ

فما تَطاوَلُ آمالُ المَدِيحِ إلى

ما فيهِ مِنْ كَرَمِ الأَخْلاَقِ والشِّيَمِ

آياتُ حقٍّ من الرحمنِ محدثة ٌ

قَدِيمَة ٌ صِفَة ُ المَوْصوفِ بالقِدَم

لم تقترنْ بزمانٍ وهي تخبرنا

عَن المعادِ وعَنْ عادٍ وعَنْ إرَمِ

دامَتْ لَدَيْنا فَفاقَتْ كلَّ مُعْجِزَة ٍ

مِنَ النَّبِيِّينَ إذْ جاءتْ ولَمْ تَدُمِ

مُحَكَّماتٌ فما تبقينَ من شبهٍ

لذي شقاقٍ وما تبغينَ من حكمِ

ما حُورِبَتْ قَطُّ إلاَّ عادَ مِنْ حَرَبٍ

أَعْدَى الأعادي إليها مُلقِيَ السَّلَمِ

رَدَّتْ بلاغَتُها دَعْوى مُعارِضِها

ردَّ الغيور يدَ الجاني عن الحُرمِ

لها مَعانٍ كَمَوْجِ البَحْر في مَدَدٍ

وفَوْقَ جَوْهَرِهِ فِي الحُسْنِ والقِيَمِ

فما تُعَدُّ وَلا تُحْصَى عَجَائبُها

ولا تُسامُ عَلَى الإكثارِ بالسَّأَمِ

قرَّتْ بها عينُ قاريها فقلت له

لقد ظفِرتَ بِحَبْلِ الله فاعْتَصِمِ

إنْ تَتْلُها خِيفَة ً مِنْ حَرِّ نارِ لَظَى

أطْفَأْتَ نارَ لَظَى مِنْ وِرْدِها الشَّبمِ

كأنها الحوضُ تبيضُّ الوجوه به

مِنَ العُصاة ِ وقد جاءُوهُ كَالحُمَمِ

وَكالصِّراطِ وكالمِيزانِ مَعدِلَة ً

فالقِسْطُ مِنْ غَيرها في الناس لَمْ يَقُمِ

لا تعْجَبَنْ لِحَسُودٍ راحَ يُنكِرُها

تَجاهُلاً وهْوَ عَينُ الحاذِقِ الفَهِمِ

قد تنكرُ العينُ ضوء الشمسِ من رمدٍ

ويُنْكِرُ الفَمُّ طَعْمَ الماء منْ سَقَم

ياخيرَ من يَمَّمَ لعافونَ ساحتَهُ

سَعْياً وفَوْقَ مُتُونِ الأَيْنُقِ الرُّسُمِ

وَمَنْ هُو الآيَة ُ الكُبْرَى لِمُعْتَبِرٍ

وَمَنْ هُوَ النِّعْمَة ُ العُظْمَى لِمُغْتَنِمِ

سريتَ من حرمٍ ليلاً إلى حرمِ

كما سرى البدرُ في داجٍ من الظلمِ

وَبِتَّ تَرْقَى إلَى أنْ نِلْتَ مَنْزِلَة ً

من قابِ قوسينِ لم تدركْ ولم ترمِ

وقدَّمتكَ جميعُ الأنبياءِ بها

والرُّسْلِ تَقْدِيمَ مَخْدُومٍ عَلَى خَدَم

وأنتَ تخترق السبعَ الطِّباقَ بهمْ

في مَوْكِبٍ كنْتَ فيهِ صاحِبَ العَلَمِ

حتى إذا لَمْ تَدَعْ شَأْواً لمُسْتَبِقٍ

من الدنوِّ ولا مرقيً لمستنمِ

خفضتَ كلَّ مقامٍ بالإضافة إذ

نُودِيتَ بالرَّفْعِ مِثْلَ المُفْرَدِ العَلَم

كيما تفوزَ بوصلٍ أيِّ مستترٍ

عن العيونِ وسرٍّ أيِ مُكتتمِ

فَحُزْتَ كلَّ فَخَارٍ غيرَ مُشْتَرَكٍ

وجُزْتَ كلَّ مَقامٍ غيرَ مُزْدَحَمِ

وَجَلَّ مِقْدارُ ما وُلِّيتَ مِنْ رُتَبٍ

وعزَّ إدْراكُ ما أُولِيتَ مِنْ نِعَمِ

بُشْرَى لَنا مَعْشَرَ الإسلامِ إنَّ لنا

من العناية ِ رُكناً غيرَمنهدمِ

لمَّا دعا الله داعينا لطاعتهِ

بأكرمِ الرُّسلِ كنَّا أكرمَ الأممِ

راعتْ قلوبَ العدا أنباءُ بعثتهِ

كَنَبْأَة ٍ أَجْفَلَتْ غَفْلاً مِنَ الغَنَمِ

ما زالَ يلقاهمُ في كلِّ معتركٍ

حتى حَكَوْا بالقَنا لَحْماً على وضَم

ودوا الفرار فكادوا يغبطونَ بهِ

أشلاءَ شالتْ مع العقبانِ والرَّخمِ

تمضي الليالي ولا يدرونَ عدتها

ما لَمْ تَكُنْ مِنْ ليالِي الأَشْهُرِ الحُرُمِ

كأنَّما الدِّينُ ضَيْفٌ حَلَّ سَاحَتَهُمْ

بِكلِّ قَرْمٍ إلَى لحْمِ العِدا قَرِم

يَجُرُّ بَحْرَ خَمِيسٍ فوقَ سابِحَة ٍ

يرمي بموجٍ من الأبطالِ ملتطمِ

من كلِّ منتدبٍ لله محتسبٍ

يَسْطو بِمُسْتَأْصِلٍ لِلْكُفْرِ مُصطَلِم

حتَّى غَدَتْ مِلَّة ُ الإسلام وهْيَ بِهِمْ

مِنْ بَعْدِ غُرْبَتِها مَوْصُولَة َ الرَّحِم

مكفولة ً أبداً منهم بخيرٍ أبٍ

وخير بعلٍ فلم تيتم ولم تئمِ

هُم الجِبالُ فَسَلْ عنهمْ مُصادِمَهُمْ

ماذا رأى مِنْهُمُ في كلِّ مُصطَدَم

وسل حُنيناً وسل بدراً وسلْ أُحُداً

فُصُولَ حَتْفٍ لهُمْ أدْهَى مِنَ الوَخَم

المصدري البيضَ حُمراً بعدَ ما وردت

من العدا كلَّ مُسْوَّدٍ من اللممِ

وَالكاتِبِينَ بِسُمْرِ الخَطِّ مَا تَرَكَتْ

أقلامهمْ حرفَ جسمٍ غبرَ منعجمِ

شاكي السِّلاحِ لهم سيمى تميزهمْ

والوردُ يمتازُ بالسيمى عن السلمِ

تُهدى إليكَ رياحُ النصرِ نشرهمُ

فتحسبُ الزَّهرَ في الأكمامِ كلَّ كمي

كأنهمْ في ظهورِ الخيلِ نبتُ رُباً

مِنْ شِدَّة ِ الحَزْمِ لاَ مِنْ شِدَّة ِ الحُزُم

طارت قلوبُ العدا من بأسهمِ فرقاً

فما تُفَرِّقُ بين البهم والبُهمِ

ومن تكنْ برسول الله نصرتُه

إن تلقهُ الأُسدُ في آجامها تجمِ

ولن ترى من وليٍّ غير منتصرِ

بهِ ولا مِنْ عَدُوّ غَيْرَ مُنْقصمِ

أحلَّ أمَّتَهُ في حرزِ ملَّتهِ

كاللَّيْثِ حَلَّ مَعَ الأشبال في أجَم

كمْ جدَّلَتْ كلماتُ اللهِ من جدلٍ

فيهِ وكم خَصَمَ البُرْهانُ مِنْ خَصِمِ

كفاكَ بالعِلْمِ في الأُمِيِّ مُعْجِزَة ً

في الجاهلية ِ والتأديبِ في اليتمِ

خَدَمْتُهُ بِمَديحٍ أسْتَقِيلُ بِهِ

ذُنُوبَ عُمْرٍ مَضَى في الشِّعْرِ والخِدَم

إذ قلداني ما تُخشى عواقبهُ

كَأنَّني بهما هَدْيٌ مِنَ النَّعَم

أطَعْتُ غَيَّ الصِّبَا في الحَالَتَيْنِ ومَا

حصلتُ إلاَّ على الآثامِ والندمِ

فياخسارة َ نفسٍ في تجارتها

لم تشترِ الدِّينَ بالدنيا ولم تَسُمِ

وَمَنْ يَبِعْ آجِلاً منهُ بِعاجِلِهِ

يَبِنْ لهُ الغَبْنُ في بَيْعِ وَفي سَلَمِ

إنْ آتِ ذَنْباً فما عَهْدِي بِمُنْتَقِضٍ

مِنَ النبيِّ وَلا حَبْلِي بِمُنْصَرِمِ

فإنَّ لي ذمة ً منهُ بتسميتي

مُحمداً وَهُوَ الخَلْيقِ بالذِّمَمِ

إنْ لَمْ يَكُن في مَعادِي آخِذاً بِيَدِي

فضلاً وإلا فقلْ يازَلَّة َ القدمِ

حاشاهُ أنْ يحرمَ الرَّاجي مكارمهُ

أو يرجعَ الجارُ منهُ غيرَ محترمِ

ومنذُ ألزمتُ أفكاري مدائحهُ

وَجَدْتُهُ لِخَلاصِي خيرَ مُلْتَزِم

وَلَنْ يَفُوتَ الغِنى مِنْهُ يداً تَرِبَتْ

إنَّ الحَيا يُنْبِتُ الأزهارَ في الأكَمِ

وَلَمْ أُرِدْ زَهْرَة َ الدُّنْيا التي اقتطَفَتْ

يدا زُهيرٍ بما أثنى على هرمِ

يا أكرَمَ الخلق مالي مَنْ أَلُوذُ به

سِوَاكَ عندَ حلولِ الحادِثِ العَمِمِ

وَلَنْ يَضِيقَ رَسولَ الله جاهُكَ بي

إذا الكريمُ تَحَلَّى باسْمِ مُنْتَقِمِ

فإنَّ من جُودِكَ الدنيا وَ ضَرَّتها

ومن علومكَ علمَ اللوحِ والقلمِ

يا نَفْسُ لا تَقْنَطِي مِنْ زَلَّة ٍ عَظُمَتْ

إنَّ الكَبائرَ في الغُفرانِ كاللَّمَمِ

لعلَّ رحمة َ ربي حين يقسمها

تأتي على حسب العصيانِ في القسمِ

ياربِّ واجعل رجائي غير منعكسٍ

لَدَيْكَ وَاجعَلْ حِسابِي غَيرَ مُنْخَزِمِ

والطفْ بعبدكَ في الدارينَِّ إن لهُ

صبراً متى تدعهُ الأهوالُ ينهزمِ

وائذنْ لِسُحْبِ صلاة ٍ منكَ دائمة ٍ

على النبيِّ بمنهلٍّ ومنسجمِ

ما رَنَّحَتْ عَذَباتِ البانِ ريحُ صَباً

وأطْرَبَ العِيسَ حادي العِيسِ بِالنَّغَمِ