من شعراء العصر العباسي – البوصيري و قصيدته البردة

بسم الله الرحمن الرحيم

من شعراء العصر العباسي – البوصيري و قصيدته البردة

شرف الدين البوصيري

608 – 696 هـ / 1212 – 1296 م

محمد بن سعيد بن حماد بن عبد الله الصنهاجي البوصيري المصري شرف الدين أبو عبد الله. شاعر حسن الديباجة، مليح المعاني، نسبته إلى بوصير من أعمال بني سويف بمصر، أمّه منها. وأصله من المغرب من قلعة حماد من قبيل يعرفون ببني حبنون. ومولده في بهشيم من أعمال البهنساوية ووفاته بالإسكندرية له (ديوان شعر -ط)، وأشهر شعره البردة مطلعها:

أمن تذكّر جيران بذي سلم      مزجتَ دمعاً جرى من مقلة ٍ بدمِ

شرحها وعارضها الكثيرون، والهمزية ومطلعها: كيف ترقى رقيك الأنبياء. وعارض (بانت سعاد) بقصيدة مطلعها: إلى متى أنت باللذات مشغول.

أمِنْ تذَكُّرِ جيرانٍ بذي سلمِ

مزجتَ دمعاً جرى من مقلة ٍ بدمِ

أمْ هبَّتِ الريحُ من تلقاءِ كاظمة ٍ

وأوْمَضَ البَرْقُ في الظلْماءِ مِنْ إضَمِ

فما لعينيكَ إن قلتَ اكففا هَمَتا

ومَا لِقَلْبِك إنْ قُلْتَ اسْتَفِقْ يَهِمِ

أَيَحْسَبُ الصَّبُّ أنَّ الحُبَّ مُنْكتِمٌ

ما بَيْنَ مُنْسَجِم منهُ ومضطَرِمِ

لولاَ الهَوَى لَمْ تُرِقْ دَمْعاً عَلَى طَلَلٍ

ولا أرقتَ لذكرِ البانِ والعَلم ِ

فكيفَ تُنْكِرُ حُبَّا بعدَ ما شَهِدَتْ

بهِ عليكَ عدولُ الدَّمْعِ والسَّقَم

وَأثْبَتَ الوجْدُ خَطَّيْ عَبْرَة ٍ وضَنًى

مِثْلَ البَهارِ عَلَى خَدَّيْكَ والعَنَمِ

نعمْ سرى طيفُ من أهوى فأرقني

والحُبُّ يَعْتَرِضُ اللَّذاتِ بالأَلَمِ

يا لائِمِي في الهَوَى العُذْرِيِّ مَعْذِرَة ً

منِّي إليكَ ولو أنصفتَ لم تلُمِ

عَدَتْكَ حالِيَ لا سِرِّي بمُسْتَتِرٍ

عن الوُشاة ِ ولادائي بمنحسمِ

مَحَّضَتْنِي النُّصْحَ لكِنْ لَسْتُ أَسْمَعُهُ

إنَّ المُحِبَّ عَن العُذَّالِ في صَمَمِ

إني اتهمتُ نصيحَ الشيبِ في عذلٍ

والشَّيْبُ أَبْعَدُ في نُصْحٍ عَنِ التُّهَم

فإنَّ أمَّارَتي بالسوءِ مااتعظتْ

من جهلها بنذيرِ الشيبِ والهرمِ

ولا أَعَدَّتْ مِنَ الفِعْلِ الجَمِيلِ قِرَى

ضيفٍ المَّ برأسي غير محتشمِ

لو كنت أعلم أني ما أوقره

كتمت سرا بدا لي منه بالكتم

من لي بِرَدِّ جماحٍ من غوايتها

كما يُرَدُّ جماحُ الخيلِ باللجمِ

فلا تَرُمْ بالمعاصِي كَسْرَ شَهْوَتِها

إنَّ الطعامَ يُقَوِّي شهوة َ النهمِ

والنفسُ كالطفلِ إن تهملهُ شَبَّ على

حُبِّ الرَّضاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِم

فاصرفْ هواها وحاذرْ أنْ تُوَلِّيَهُ

إنَّ الهوى ما تولَّى يُصمِ أوْ يَصمِ

وَراعِها وهيَ في الأعمالِ سائِمة ٌ

وإنْ هِيَ اسْتَحْلَتِ المَرْعَى فلا تُسِم

كَمْ حَسَّنَتْ لَذَّة ٍ لِلْمَرءِ قاتِلَة ً

من حيثُ لم يدرِ أنَّ السُّمَّ في الدَّسَمِ

وَاخْشَ الدَّسائِسَ مِن جُوعٍ وَمِنْ شِبَع

فَرُبَّ مَخْمَصَة ٍ شَرٌّ مِنَ التُّخَمِ

واسْتَفْرِغ الدَّمْعَ مِنْ عَيْنٍ قد امْتَلأتْ

مِنَ المَحارِمِ وَالْزَمْ حِمْيَة َ النَّدَمِ

وخالفِ النفسَّ والشيطانَ واعصهما

وإنْ هُما مَحَّضاكَ النُّصحَ فاتهم

وَلا تُطِعْ منهما خَصْماً وَلا حَكمَاً

فأنْتَ تَعْرِفُ كيْدَ الخَصْمِ والحَكمِ

أسْتَغْفِرُ الله مِنْ قَوْلٍ بِلاَ عَمَلٍ

لقد نسبتُ به نسلاً لذي عقمِ

أمرتكَ الخيرَ لكنْ ماائتمرتُ بهِ

وما استقمتُ فماقولي لك استقمِ

ولا تَزَوَّدْتُ قبلَ المَوْتِ نافِلة ً

ولَمْ أُصَلِّ سِوَى فَرْضٍ ولَمْ أَصُمِ

ظلمتُ سُنَّة َ منْ أحيا الظلامَ إلى

أنِ اشْتَكَتْ قَدَماهُ الضُّرَّ مِنْ وَرَم

وشدَّ مِنْ سَغَبٍ أحشاءهُ وَطَوَى

تحتَ الحجارة ِ كشحاً مترفَ الأدمِ

وراودتهُ الجبالُ الُشُّمُّ من ذهبٍ

عن نفسهِ فأراها أيما شممِ

وأكَّدَتْ زُهْدَهُ فيها ضرورتهُ

إنَّ الضرورة َ لاتعدو على العصمِ

وَكَيفَ تَدْعُو إلَى الدُّنيا ضَرُورَة ُ مَنْ

لولاهُ لم تخرجِ الدنيا من العدمِ

محمدٌ سيدُّ الكونينِ والثَّقَلَيْنِ

والفريقينِ من عُربٍ ومن عجمِ

نبينَّا الآمرُ الناهي فلا أحدٌ

أبَرَّ في قَوْلِ «لا» مِنْهُ وَلا «نَعَمِ»

هُوَ الحَبيبُ الذي تُرْجَى شَفَاعَتُهُ

لِكلِّ هَوْلٍ مِنَ الأهوالِ مُقْتَحَمِ

دعا إلى اللهِ فالمستمسكونَ بهِ

مستمسكونَ بحبلٍ غيرِ منفصمِ

فاقَ النبيينَ في خلْقٍ وفي خُلُقٍ

ولمْ يدانوهُ في علمٍ ولا كَرَمِ

وكلهمْ من رسول اللهِ ملتمسٌ

غَرْفاً مِنَ البَحْرِ أوْ رَشْفاً مِنَ الدِّيَمِ

وواقفونَ لديهِ عندَ حَدِّهمِ

من نقطة ِ العلمِ أومنْ شكلة ِ الحكمِ

فهْوَ الذي تَمَّ معناهُ وصُورَتُه

ثمَّ اصطفاهُ حبيباً بارىء ُ النَّسمِ

مُنَّزَّهٌ عن شريكٍ في محاسنهِ

فَجَوْهَرُ الحُسْنِ فيهِ غيرُ مُنْقَسِمَ

دَعْ ما ادَّعَتْهُ النَّصارَى في نَبيِّهِمِ

وَاحكُمْ بما شِئْتَ مَدْحاً فيهِ واحْتَكِمِ

وانْسُبْ إلى ذاتِهِ ما شِئْتَ مِنْ شَرَفٍ

وَانْسُبْ إلى قَدْرِهِ ما شِئْتَ منْ عِظَمِ

فإن فضلَ رسولِ اللهِ ليسَ لهُ

حَدٌّ فيُعْرِبَ عنه ناطِقٌ بفَمِ

لو ناسبتْ قدرهُ آياتهُ عظماً

أحيا اسمهُ حينَ يُدعى دارسَ الرِّممِ

لَمْ يَمْتَحِنَّا بما تعْمل العُقولُ بِهِ

حِرْصاً علينا فلمْ ولَمْ نَهَمِ

أعيا الورى فهمُ معانهُ فليس يُرى

في القُرْبِ والبعدِ فيهِ غير منفحِمِ

كالشمسِ تظهرُ للعينينِ من بُعُدٍ

صَغِيرَة ٍ وَتُكِلُّ الطَّرْفَ مِنْ أممٍ

وكيفَ يُدْرِكُ في الدُّنْيَا حَقِيقَتَهُ

قومٌ نيامٌ تسلَّوا عنهُ بالحُلُمِ

فمبلغُ العلمِ فيهِ أنهُ بشرٌ

وأنهُ خيرُ خلقِ اللهِ كلهمِ

وَكلُّ آيِ أَتَى الرُّسْلُ الكِرامُ بها

فإنما اتَّصلتْ من نورهِ بهمِ

فإنهُ شمسٌ فضلٍ همْ كواكبها

يُظْهِرْنَ أَنْوارَها للناسِ في الظُلَم

أكرمْ بخلقِ نبيٍّ زانهُ خُلُقٌ

بالحُسْنِ مُشْتَمِلٍ بالبِشْرِ مُتَّسِمِ

كالزَّهرِ في تَرَفٍ والبَدْرِ في شَرَفٍ

والبَحْر في كَرَمٍ والدهْرِ في هِمَمِ

كأنهُ وهو فردٌ من جلالتهِ

في عَسْكَرٍ حينَ تَلْقاهُ وفي حَشَمِ

كَأَنَّما اللُّؤْلُؤُ المَكْنونُ في صَدَفِ

من معدني منطقٍ منهُ ومبتسمِ

لا طِيبَ يَعْدِلُ تُرْباً ضَمَّ أَعْظُمَهُ

طُوبَى لِمُنْتَشِقٍ منهُ ومُلْتَئِم

أبان مولدهُ عن طيبِ عُنصرهِ

يا طِيبَ مُبْتَدَإٍ منه ومُخْتَتَمِ

يومٌ تفرَّسَ فيهِ الفرسُ أنهم ُ

قد أنذروا بحلولِ البؤسِ والنقمِ

وباتَ إيوانُ كسرى وهو منصدعٌ

كشملِ أصحابِ كسرى غيرَ ملتئمِ

والنَّارُ خامِدَة ُ الأنفاس مِنْ أَسَفٍ

عليه والنَّهرُ ساهي العين من سدمِ

وساء ساوة أن غاضتْ بحيرتها

ورُدَّ واردها بالغيظِ حين ظمى َ

كأنَّ بالنارِ مابالماء من بللٍ

حُزْناً وبالماءِ ما بالنَّارِ من ضرمِ

والجنُّ تهتفُ والأنوار ساطعة ٌ

والحَقُّ يَظْهَرُ مِنْ مَعْنى ً ومِنْ كَلِم

عَموُا وصمُّوا فإعلانُ البشائرِ لمْ

تُسْمَعْ وَبارِقَة ُ الإِنْذارِ لَمْ تُشَم

مِنْ بَعْدِ ما أَخْبَرَ الأقْوامَ كاهِنُهُمْ

بأَنَّ دينَهُمُ المُعْوَجَّ لَمْ يَقُمِ

وبعدَ ما عاينوا في الأفقِ من شُهُبٍ

منقضة ٍ وفقَ مافي الأرضِ من صنمِ

حتى غدا عن طريقِ الوحيِ مُنهزمٌ

من الشياطينِ يقفو إثرَ منهزمِ

كأَنُهُمْ هَرَباً أبطالُ أَبْرَهَة ٍ

أوْ عَسْكَرٌ بالحَصَى مِنْ رَاحَتَيْهِ رُمِي

نَبْذاً بهِ بَعْدَ تَسْبِيحِ بِبَطْنِهما

نَبْذَ المُسَبِّحِ مِنْ أحشاءِ مُلْتَقِمِ

جاءتْ لدَعْوَتِهِ الأشجارُ ساجِدَة ً

تَمْشِي إليهِ عَلَى ساقٍ بِلا قَدَمِ

كأنَّما سَطَرَتْ سَطْراً لِمَا كَتَبَتْ

فروعها من بديعِ الخطِّ في اللقمِ

مثلَ الغمامة ِ أنى َسارَ سائرة ٌ

تقيهِ حرَّ وطيسٍ للهجيرِ حمي

أقسمتُ بالقمرِ المنشقِّ إنَّ لهُ

مِنْ قَلْبِهِ نِسْبَة ً مَبْرُورَة َ القَسَمِ

ومَا حَوَى الغارُ مِنْ خَيْرٍ ومَنْ كَرَم

وكلُّ طرفٍ من الكفارِ عنه عمي

فالصدقُ في الغارِ والصديقُ لم يرِما

وَهُمْ يقولونَ ما بالغارِ مِنْ أَرمِ

ظَنُّوا الحَمامَ وظَنُّو العَنْكَبُوتَ على

خيْرِ البَرِيَّة ِ لَمْ تَنْسُجْ ولمْ تَحُم

وقاية ُ اللهِ أغنتْ عن مضاعفة ٍ

من الدروعِ وعن عالٍ من الأطمِ

ما سامني الدهرُ ضيماً واستجرتُ بهِ

إلاَّ استلمتُ الندى من خيرِ مُستلمِ

لاتنكرُ الوحيَ من رؤياهُ إنَّ لهُ

قَلْباً إذا نامَتِ العَيْنانِ لَمْ يَنمِ

وذاكَ حينَ بُلوغٍ مِنْ نُبُوَّتِهِ

فليسَ يُنْكَرُ فيهِ حالُ مُحْتَلِمِ

تَبَارَكَ الله ما وحْيٌ بمُكْتَسَبٍ

وَلا نَبِيٌّ عَلَى غَيْبٍ بِمُتَّهَمِ

كَمْ أبْرَأَتْ وَصِبا باللَّمْسِ راحَتهُ

وأَطْلَقَتْ أرِباً مِنْ رِبْقَة ِ اللَّمَمِ

وأحْيَتِ السنَة َ الشَّهْبَاءَ دَعْوَتُهُ

حتى حَكَتْ غُرَّة ً في الأَعْصُرِ الدُّهُمِ

بعارضٍ جادَ أو خلتَ البطاحَ بها

سيبٌ من اليَمِّ أو سيلٌ من العرمِ

دعني ووصفي آياتٍ له ظهرتْ

ظهورَ نارِ القرى ليلاً على علمِ

فالدرُّ يزدادُ حُسناً وهو منتظمٌ

وليسَ ينقصُ قدراً غير منتظمِ

فما تَطاوَلُ آمالُ المَدِيحِ إلى

ما فيهِ مِنْ كَرَمِ الأَخْلاَقِ والشِّيَمِ

آياتُ حقٍّ من الرحمنِ محدثة ٌ

قَدِيمَة ٌ صِفَة ُ المَوْصوفِ بالقِدَم

لم تقترنْ بزمانٍ وهي تخبرنا

عَن المعادِ وعَنْ عادٍ وعَنْ إرَمِ

دامَتْ لَدَيْنا فَفاقَتْ كلَّ مُعْجِزَة ٍ

مِنَ النَّبِيِّينَ إذْ جاءتْ ولَمْ تَدُمِ

مُحَكَّماتٌ فما تبقينَ من شبهٍ

لذي شقاقٍ وما تبغينَ من حكمِ

ما حُورِبَتْ قَطُّ إلاَّ عادَ مِنْ حَرَبٍ

أَعْدَى الأعادي إليها مُلقِيَ السَّلَمِ

رَدَّتْ بلاغَتُها دَعْوى مُعارِضِها

ردَّ الغيور يدَ الجاني عن الحُرمِ

لها مَعانٍ كَمَوْجِ البَحْر في مَدَدٍ

وفَوْقَ جَوْهَرِهِ فِي الحُسْنِ والقِيَمِ

فما تُعَدُّ وَلا تُحْصَى عَجَائبُها

ولا تُسامُ عَلَى الإكثارِ بالسَّأَمِ

قرَّتْ بها عينُ قاريها فقلت له

لقد ظفِرتَ بِحَبْلِ الله فاعْتَصِمِ

إنْ تَتْلُها خِيفَة ً مِنْ حَرِّ نارِ لَظَى

أطْفَأْتَ نارَ لَظَى مِنْ وِرْدِها الشَّبمِ

كأنها الحوضُ تبيضُّ الوجوه به

مِنَ العُصاة ِ وقد جاءُوهُ كَالحُمَمِ

وَكالصِّراطِ وكالمِيزانِ مَعدِلَة ً

فالقِسْطُ مِنْ غَيرها في الناس لَمْ يَقُمِ

لا تعْجَبَنْ لِحَسُودٍ راحَ يُنكِرُها

تَجاهُلاً وهْوَ عَينُ الحاذِقِ الفَهِمِ

قد تنكرُ العينُ ضوء الشمسِ من رمدٍ

ويُنْكِرُ الفَمُّ طَعْمَ الماء منْ سَقَم

ياخيرَ من يَمَّمَ لعافونَ ساحتَهُ

سَعْياً وفَوْقَ مُتُونِ الأَيْنُقِ الرُّسُمِ

وَمَنْ هُو الآيَة ُ الكُبْرَى لِمُعْتَبِرٍ

وَمَنْ هُوَ النِّعْمَة ُ العُظْمَى لِمُغْتَنِمِ

سريتَ من حرمٍ ليلاً إلى حرمِ

كما سرى البدرُ في داجٍ من الظلمِ

وَبِتَّ تَرْقَى إلَى أنْ نِلْتَ مَنْزِلَة ً

من قابِ قوسينِ لم تدركْ ولم ترمِ

وقدَّمتكَ جميعُ الأنبياءِ بها

والرُّسْلِ تَقْدِيمَ مَخْدُومٍ عَلَى خَدَم

وأنتَ تخترق السبعَ الطِّباقَ بهمْ

في مَوْكِبٍ كنْتَ فيهِ صاحِبَ العَلَمِ

حتى إذا لَمْ تَدَعْ شَأْواً لمُسْتَبِقٍ

من الدنوِّ ولا مرقيً لمستنمِ

خفضتَ كلَّ مقامٍ بالإضافة إذ

نُودِيتَ بالرَّفْعِ مِثْلَ المُفْرَدِ العَلَم

كيما تفوزَ بوصلٍ أيِّ مستترٍ

عن العيونِ وسرٍّ أيِ مُكتتمِ

فَحُزْتَ كلَّ فَخَارٍ غيرَ مُشْتَرَكٍ

وجُزْتَ كلَّ مَقامٍ غيرَ مُزْدَحَمِ

وَجَلَّ مِقْدارُ ما وُلِّيتَ مِنْ رُتَبٍ

وعزَّ إدْراكُ ما أُولِيتَ مِنْ نِعَمِ

بُشْرَى لَنا مَعْشَرَ الإسلامِ إنَّ لنا

من العناية ِ رُكناً غيرَمنهدمِ

لمَّا دعا الله داعينا لطاعتهِ

بأكرمِ الرُّسلِ كنَّا أكرمَ الأممِ

راعتْ قلوبَ العدا أنباءُ بعثتهِ

كَنَبْأَة ٍ أَجْفَلَتْ غَفْلاً مِنَ الغَنَمِ

ما زالَ يلقاهمُ في كلِّ معتركٍ

حتى حَكَوْا بالقَنا لَحْماً على وضَم

ودوا الفرار فكادوا يغبطونَ بهِ

أشلاءَ شالتْ مع العقبانِ والرَّخمِ

تمضي الليالي ولا يدرونَ عدتها

ما لَمْ تَكُنْ مِنْ ليالِي الأَشْهُرِ الحُرُمِ

كأنَّما الدِّينُ ضَيْفٌ حَلَّ سَاحَتَهُمْ

بِكلِّ قَرْمٍ إلَى لحْمِ العِدا قَرِم

يَجُرُّ بَحْرَ خَمِيسٍ فوقَ سابِحَة ٍ

يرمي بموجٍ من الأبطالِ ملتطمِ

من كلِّ منتدبٍ لله محتسبٍ

يَسْطو بِمُسْتَأْصِلٍ لِلْكُفْرِ مُصطَلِم

حتَّى غَدَتْ مِلَّة ُ الإسلام وهْيَ بِهِمْ

مِنْ بَعْدِ غُرْبَتِها مَوْصُولَة َ الرَّحِم

مكفولة ً أبداً منهم بخيرٍ أبٍ

وخير بعلٍ فلم تيتم ولم تئمِ

هُم الجِبالُ فَسَلْ عنهمْ مُصادِمَهُمْ

ماذا رأى مِنْهُمُ في كلِّ مُصطَدَم

وسل حُنيناً وسل بدراً وسلْ أُحُداً

فُصُولَ حَتْفٍ لهُمْ أدْهَى مِنَ الوَخَم

المصدري البيضَ حُمراً بعدَ ما وردت

من العدا كلَّ مُسْوَّدٍ من اللممِ

وَالكاتِبِينَ بِسُمْرِ الخَطِّ مَا تَرَكَتْ

أقلامهمْ حرفَ جسمٍ غبرَ منعجمِ

شاكي السِّلاحِ لهم سيمى تميزهمْ

والوردُ يمتازُ بالسيمى عن السلمِ

تُهدى إليكَ رياحُ النصرِ نشرهمُ

فتحسبُ الزَّهرَ في الأكمامِ كلَّ كمي

كأنهمْ في ظهورِ الخيلِ نبتُ رُباً

مِنْ شِدَّة ِ الحَزْمِ لاَ مِنْ شِدَّة ِ الحُزُم

طارت قلوبُ العدا من بأسهمِ فرقاً

فما تُفَرِّقُ بين البهم والبُهمِ

ومن تكنْ برسول الله نصرتُه

إن تلقهُ الأُسدُ في آجامها تجمِ

ولن ترى من وليٍّ غير منتصرِ

بهِ ولا مِنْ عَدُوّ غَيْرَ مُنْقصمِ

أحلَّ أمَّتَهُ في حرزِ ملَّتهِ

كاللَّيْثِ حَلَّ مَعَ الأشبال في أجَم

كمْ جدَّلَتْ كلماتُ اللهِ من جدلٍ

فيهِ وكم خَصَمَ البُرْهانُ مِنْ خَصِمِ

كفاكَ بالعِلْمِ في الأُمِيِّ مُعْجِزَة ً

في الجاهلية ِ والتأديبِ في اليتمِ

خَدَمْتُهُ بِمَديحٍ أسْتَقِيلُ بِهِ

ذُنُوبَ عُمْرٍ مَضَى في الشِّعْرِ والخِدَم

إذ قلداني ما تُخشى عواقبهُ

كَأنَّني بهما هَدْيٌ مِنَ النَّعَم

أطَعْتُ غَيَّ الصِّبَا في الحَالَتَيْنِ ومَا

حصلتُ إلاَّ على الآثامِ والندمِ

فياخسارة َ نفسٍ في تجارتها

لم تشترِ الدِّينَ بالدنيا ولم تَسُمِ

وَمَنْ يَبِعْ آجِلاً منهُ بِعاجِلِهِ

يَبِنْ لهُ الغَبْنُ في بَيْعِ وَفي سَلَمِ

إنْ آتِ ذَنْباً فما عَهْدِي بِمُنْتَقِضٍ

مِنَ النبيِّ وَلا حَبْلِي بِمُنْصَرِمِ

فإنَّ لي ذمة ً منهُ بتسميتي

مُحمداً وَهُوَ الخَلْيقِ بالذِّمَمِ

إنْ لَمْ يَكُن في مَعادِي آخِذاً بِيَدِي

فضلاً وإلا فقلْ يازَلَّة َ القدمِ

حاشاهُ أنْ يحرمَ الرَّاجي مكارمهُ

أو يرجعَ الجارُ منهُ غيرَ محترمِ

ومنذُ ألزمتُ أفكاري مدائحهُ

وَجَدْتُهُ لِخَلاصِي خيرَ مُلْتَزِم

وَلَنْ يَفُوتَ الغِنى مِنْهُ يداً تَرِبَتْ

إنَّ الحَيا يُنْبِتُ الأزهارَ في الأكَمِ

وَلَمْ أُرِدْ زَهْرَة َ الدُّنْيا التي اقتطَفَتْ

يدا زُهيرٍ بما أثنى على هرمِ

يا أكرَمَ الخلق مالي مَنْ أَلُوذُ به

سِوَاكَ عندَ حلولِ الحادِثِ العَمِمِ

وَلَنْ يَضِيقَ رَسولَ الله جاهُكَ بي

إذا الكريمُ تَحَلَّى باسْمِ مُنْتَقِمِ

فإنَّ من جُودِكَ الدنيا وَ ضَرَّتها

ومن علومكَ علمَ اللوحِ والقلمِ

يا نَفْسُ لا تَقْنَطِي مِنْ زَلَّة ٍ عَظُمَتْ

إنَّ الكَبائرَ في الغُفرانِ كاللَّمَمِ

لعلَّ رحمة َ ربي حين يقسمها

تأتي على حسب العصيانِ في القسمِ

ياربِّ واجعل رجائي غير منعكسٍ

لَدَيْكَ وَاجعَلْ حِسابِي غَيرَ مُنْخَزِمِ

والطفْ بعبدكَ في الدارينَِّ إن لهُ

صبراً متى تدعهُ الأهوالُ ينهزمِ

وائذنْ لِسُحْبِ صلاة ٍ منكَ دائمة ٍ

على النبيِّ بمنهلٍّ ومنسجمِ

ما رَنَّحَتْ عَذَباتِ البانِ ريحُ صَباً

وأطْرَبَ العِيسَ حادي العِيسِ بِالنَّغَمِ

6 تعليقات على “من شعراء العصر العباسي – البوصيري و قصيدته البردة

    • و عليكم السلام و رحمة و الإكرام

      شكراً لك أخي هادي و جزالك الله كل خير.

      و لكن مالي و مال الصوفيين، و مالنا و ما الحكم عليهم و الأخذ و الرد في ذلك. قرأت ما كتب عن القصيدة و لكن ألا ترا بأن من كتب ينقد تلك القصيدة قد بالغ كثيراً…
      و راح يفسر على على هواه، فترانا عدنا لنفس الموضوع و هو أن المجهود البشري الذي يبذل في تفسير نص ما ليس مقدساً و ليس بعيداً عن الوقوع في الخطأ.

      تأمل هذا النقد على بيت البوصيري:
      لا طيب يعدل ترباً ضم أعظمه طوبى لمنتشق منه وملتثم
      ’’فقد جعل البوصيري التراب الذي دفنت فيه عظام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أطيب وأفضل مكان، وأن الجنة والدرجات العلا لمن استنشق هذا التراب أو قبَّله، وفي ذلك من الغلو والإفراط الذي يؤول إلى الشرك البواح، فضلاً عن الابتداع والإحداث في دين الله تعالى,,!!!!!!!!!!!!!!!
      بربك هل هذا تفسير لبيت الشعر ذاك، ألم يقرأ المفسر شعراً في حياته!
      هل نُكفَّر الرجل لأنه استخدم أنواعاً من التشابيه و الاستعارات في مدح الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم. يعني هذه الاستنتاجات التي تبنى على البيت (لست أدري كيف أصفها لك) و لكنها كأن نقول عن بيت الشافعي
      من يزني يزنى به ولو بجداره…إن كنت يا هذا لبيبا فافهـم
      أن نقول إن الشافعي يتأول على الله و يصدر أحكاماً من عنده و و و … م نحكم عليه انطلاقاً من هذا الكلام (الذي ليس حقيقة و ليس صحيحاً كائناً من كان قائله و مستنتجه)

      تخيل أني أعلق على بيت الشافعي بهذه الطريقة. ما هي أول كلمة تقولها لي؟؟؟ ألن تقول لي لقد فهمت البيت بالأعوج!

      شكراً لك أخي هادي على حرصك على تبيان الحق، وفقك الله لما يحبه و يرضاه.

      • السلام عليكم ورحمة الله.

        لا شك أن التفسير البشري لشعر أحدهم يخضع للخطأ وليس تفسيرهم وحياً منزلاً، ولكن هذه القاعدة لا يجب أن تكون حاجزاً ضد أي دعوة تحذير من بعض الكلام الذي فيه غلو يضفي على المخلوقات (ولو كان أطهرهم وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم) بعض صفات الله التي لا يشركها الله مع أحد من خلقه، من صفات الإنقاذ من النار يوم القيامة. قال تعالى (وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها )، واللواذ به عن حلول الحادث العمم. قال العلامة محمد بن علي الشوكاني – رحمه الله – : فانظر كيف نفى كل ملاذ ما عدا عبد الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وغفل عن ذكر ربه ورب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- . إنا لله وإنا إليه راجعون. قال تعالى (الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار)، وأن من علومه علم اللوح المحفوظ، قال تعالى يأمر نبيه: (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي)، وأن من جود النبي الدنيا وضرتها (أي الآخرة). قال تعالى (فلله الآخرة والأولى)، فليست الآخرة والأولى من جود النبي صلى الله عليه وسلم. قال تعالى آمراً نبيه: (قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشدا)
        ويقول الشاعر: (فإن لي ذمة منه بتسمـيـتي محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم) . فهذا ليس صحيحاً، فليس هناك لأحد ذمة عند الرسول بمجرد تسميه بمحمد.

        والمستغرب أنك أتيت ببيت لا يعادل بقية الأبيات في القبح، وهو (لا طيب يعدل ترباً ضم أعظمه…) واستغربت شرحهم له، ولم تذكرلي تعجبك من فهمهم الأعوج لقوله (وكيف تدعو إلى الدنيا ضـرورة مـن لـولاه لم تُخرج الدنيا من العدم) أو لقوله (فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم ) أو لقوله (ولا التمست غنى الدارين من يــده إلا استلمت الندى من خير مستلم ) !!
        على فرض اعوجاج فهمهم في البيت المذكور فما قولك في بقية الأبيات التي علقوا عليها؟

        أما مثال قول الشافعي رحمه الله. فمما ذكر في http://www.islam-qa.com/ar/ref/22769 :
        “وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” من زنى زني به ولو بحيطان داره ” فهو حديث موضوع كما حكم عليه السيوطي وابن عراق والألباني في السلسلة الضعيفة ( 2/155 )
        وعليه فلا وجه للاعتراض بما ذكر.
        على أن الحديث لو صح فيمكن حمله على معنى صحيح وهو : أن الرجل الذي يقع في الزنا ويصر عليه يكون من أهل الفسق والفساد ، فيسري هذا الفساد إلى أهله ، لأن المخالطة تؤثر ، وإذا كان رب البيت مضيعا لنفسه فمن باب أولى أن يضيع أهله ، ولا يربيهم على ما يصلح دينهم ، فلا يبعد عند ذلك وقوعهم فيما يقع فيه من المعاصي لضعف إيمانهم . وفي الواقع قصص كثيرة تدل على حدوث مثل هذا ، وهو من العقوبات الدنيوية العاجلة التي يعاقب الله بها أمثال هؤلاء الذين يهتكون عورات المسلمين ، فيهتك الله عوراتهم جزاء وفاقا ، والله سبحانه يفعل ما يشاء على وفق الحكمة البالغة ، والعدل التام ، لا يظلم أحدا ، ولا يُسأل عما يفعل وهو الحكيم العليم .”

        وبالتالي قد يكون الشافعي رحمه الله قد اعتمد على هذا الحديث ولم يصله تضعيفه أو الحكم عليه بالوضع.
        وعلى فرض أن القول هذا خاطئ فإننا لا نقبله ، وإن قول الشافعي ليس شركياً أو يقدح في العقيدة، وحينها يكون قد أخطأ بوضع هذه القاعدة، ولا داعي أن يقول قائل “يتأول على الله ويصدر حكماً من عنده”، فمازال العلماء الكبار على مر التاريخ يخطئون في بعض القواعد والفتاوى دون أن يـُـضلــَّـلوا أو يــُـفسـَّـقوا، ولا أظن أن قول الشافعي (إن كان مخالفا للصواب) يعادل قول البوصيري في درجة القبح، وبالتالي أسلوب الإنكار هنا لا يجب أن يشابه أسلوب الإنكار هناك.

        وبالتالي فإن من فهم من بيت الشافعي أنه يتأول على الله، ليس كمن فهم قول البوصيري (فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم ) بأنه يغلو في مدح النبي غلواً قبيحاً، ولعله وقع في الشرك من حيث لا يعلم، -أعاذني الله وإياك منه-

        أرجو أن نستمر في النقاش والحوار فيما بيننا ، وأسأل الله أن يكون عملنا من باب التواصي بالحق.

        والله أعلم

        وفي هذا الرابط كلام مفيد في هذا الموضوع:
        http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=192800

        • و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته
          شكراً جزيلاً لك اخي هادي على هذا التواصي بالحق. و سعيد جداً بالتعرف عليك جعلنا الله إخوة فيه نجتمع و نفترق على ما يرضيه.

          كل ما أردت أن أقوله لك في ردي أن الشارحين لأبياته يشرحون كلامه و كأنه رياضيات و ليس شعراً، فيأخذون الكلام على حرفيته و يبنون استنتاجاتهم عليه. أليس في الشعر استعارات مكنية و تصريحية و غير ذلك من أساليب التعبير عن المعنى في الشعر.
          و عندما أوردت لك بيت الشافعي فلم اورده لأسأل عنه، و لكن أوردته لأن فيه من التشابيه ما هو اقوى من تشابيه البوصيري و مع ذلك لم يقل أحد فيها شيئاً، ليس لأن قائلها الشافعي بل لأنها شعر و لا يؤخذ الشعر على حرفيته، و لو أننا شرحنا بيت الشافعي كما يشرحون كلام البوصيري، فما هو الحكم الذي سنخرج به!
          لنفرض أني قلا في بيت شعري مادحاً شخصاً: قوي كالأسد طويل كالنخلة مثلاً. هل يأتي أحد و يقول لي يا أخي تشبهه بالنخلة و هي لا تعقل! و تشبهه بالأسد و الأسد حيوان!!

          و أوافقكك تماماً أن الذين تشددوا في شروط قرائتها على خطأ 100% و لكن هذ لا يعني أن ننقل خطأهم للقصيدة و نحكم عليها بسببهم. مالها و مالهم. و مالي و مالهم.

          و إذا كان من شرحهما و انتقدها من الذين (لنقل) ليسوا على وفاق تام مع الصوفية، فهل أغلوا في انتقادهم لهذا السبب؟

          ما اريد قوله أن الشعر شعر و ليس قوانين رياضيات تأخذ كل كلمة منه على أنها كلام منزل، و لو اعتمدنا هذا المنهج في شرح الشعر لوقعنا في مشاكل جمة، كان نقول عن التنبي مثلاً أنه غبي لأنه قال بان الخيل و الليل و البيداء تعرفه!

          حياك الله أخي هادي و هنا أسألك هل لك مدونة تنشر فيها أفكارك؟ و جزالك الله كل خير.

  1. السلام عليكم ورحمة الله.
    بارك الله فيك أخي شادي، وبارك لك حسن خلقك وأدبك.

    نعم -أخي- يوجد في الشعر استعارات ومجازات، ولكن ما المقصود بالبيت (فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم )؟
    فحبذا لو تشرحه لي وتوضيح الاستعارة هنا.
    أما بيت الشافعي فقد بينت أن الشافعي قد استند في شعره على حديث ثبت لاحقاً أنه موضوع. أما البوصيري على ماذا استند في قوله
    (يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم)؟

    أما مثالك الذي يقول قوي كالأسد طويل كالنخلة فلا أجد له علاقة ببيت البوصيري.
    فإن كاف التشبيه قد تستخدم في الاستعارات في اللغة كما في الشعر، ودليل هذا قوله صلى الله عليه وسلم :
    ( إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم ) .يقول ابن عمر: فظننت أنه يعني النخلة .
    ولا أظن أن أحداً يقول “كيف بركة المسلم العاقل كبركة شيء جماد؟ هذا مستحيل”

    الاستعارة المستخدمة في هذا البيت (إن من جودك الدنيا وضرتها) ، هي تشبيه الدار الآخرة بأنها ضرة الدنيا، ولم يقل أحد من العلماء
    المذكورين: “ما هذا الكلام؟ الدنيا ليست امرأة متزوجة حتى يكون لها ضرة. ”
    لأنهم علماء درسوا اللغة العربية مع دراستهم للفقه، ولا أظنهم لا يعلمون أن الشاعر استخدم استعارات ومجازات، بل إنهم فسروا ضرتها
    بأنها “الآخرة” تماماً كما أعتقد أن البوصيري قصد من هذه الاستعارة.

    القضية ليست في استخدامه للاستعارات أو لا، القضية هي معنى البيت كاملاً بعد الأخذ بعين الاعتبارات كل الأمور السابقة، ماذا يصبح معنى
    البيت في النهاية؟ . وأنا أسأل ما المعنى النهائي للبيت (فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم)
    والبيت (فإن لي ذمة منه بتسمـيـتي محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم)
    والبيت (يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم) ؟ بعد الأخذ بالاعتبار الاستعارات وغيرها.

    وصدقني إن هناك ممن ينتسب للصوفية أكثر خلقاً وأدباً من بعض ممن ينتسبون للمنهج المخالف زوراً وكذباً.
    ومخالفتي في المنهج لشخص ما أو لفئة لا يجب أن تحملني على ظلم هذا الشخص ونقد شعره بأسلوب خاطئ مضلل. ولو كنتُ معتقداً هذا
    ما وضعتُ النقد أبدا. بل أعتقد أن النقد عادل، ولو كان هناك بعض التشديد في النقد، فلا أظنه يقدح في الفكرة الأساسية في نقد هذا الشعر الذي
    يوجد في طياته مخالفات عقائدية.

    أوافقك الرأي بأن الشعر ليس قوانين رياضية، وأن بيت المتنبي لا يمكن أن يفسر إلا بضرب المثل على الشهرة. ولكن أبيات البوصيري
    بعد قراءتها بأسلوب الاستعارات والمجاز تبقى فيها المخالفات الواضحة. أضرب لك مثالا لا أحبه، ولكنني وجدتني مضطرا لوضعه:
    يقول نزار قباني -عليه من الله ما يستحق- : (وسنلغي سورة الرحمن والفتح / ونغتال يسوع ). [الأعمال الشعرية الكاملة 3/ 212 ]
    فإذا أنكرتُ على نزار قباني هذا الكفر، قال لي أحدهم “ولكنه شعر و نثر و مجاز واستعارة مكنية”!!

    أرجو أن تكون وضحت الفكرة.

    أما بالنسبة للمدونة، فبصراحة لم يكن لي مدونة إلا من أيام قليلة وبعدما شاركت في مدونة عبد الرحمن، وجدت هذا الموقع يؤمن للبسطاء أمثالي
    منبراً لمشاركة الأفكار بين بعضنا البعض ومناقشتها وتصحيحها إن كنا مخطئين. مازالت مدونتي متواضعة جداً تحوي مقالاً واحداً ،
    وأرجو في المستقبل أن يكون لدي وقت لتوسيعها لنفيد ونستفيد.

    جزاك الله خيراً ، وأشكر لك حسن الحوار والخلق.

    بالمناسبة، لقد قرأت مشاركتك في “حتى نكون منصفين”، ووضعت مشاركتي تحتها، أحب أن أسمع تعلقيك.

    والسلام عليكم ورحمة الله.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s