أحسن كما أحسن الله إليك

بسم الله الرحمن الرحيم

أحسن كما أحسن الله إليك

إنظر من حولك و قل لي ماذا ترا؟ الغرفة دافئة في الشتاء و باردة في الصيف  ’’الحمد لله‘‘. كل ما تحتاجه متوفر لديك ’’الحمد لله‘‘. لديك ملابس جديدة و جميلة ’’الحمد لله‘‘. صحتك جيدة ’’الحمد لله‘‘. أهلك من حولك ’’الحمد لله‘‘…

تأمل نعم الله عليك و قل ’’الحمد لله‘‘. أخرجها من قلبك، و كلما أحسست أنها لم تخرج من قلبك عد فتذكر مزيداً من نعم الله عليك.

لكن هل تعتقد أن ’’الحمد لله‘‘ كافية؟ هل لو رددتها ألف مرة تؤدي حقها؟

ليس الحمد أن تلفظ ’’الحمد لله‘‘ بلسانك فقط، و لكن الحمد على النعم – التي لا تعد و لا تحصى – أن تنعم منها على المحتاج إليها. حمدُ الغني أن يعطي الفقراء، و حمدُ القوي أن يساعد الضعفاء، و حمدُ الصحيح أن يعاون المرضى، و حمدُ الحاكم أن يعدل في المحكومين، و حمدُ المتعلم أن يعلم الجاهل. و إن لم يسألك أحد أن تنعم عليه أفلا يجب عليك أن تسأل أنت عنه؟

قد يقول قائل: إن للعباد رباً يتكفل بهم. و أنك لو هممت تساعد كل فقير أصبحت فقيراً أنت أيضاً.

و لكن الأمر ليس كذلك. فالأمور نسبية. أنت بالنسبة للعامل –  الذي يعيش و يعيل عشرة من أولاده و مالَه غير أجرته – غني من الأغنياء. و بالنسبة للتاجر الذي يربج الملايين كل يوم فقير من الفقراء. أنت بعلمك للجاهل غني، و بصحتك للمريض غني، و بسلطانك للمظلوم غني. فليس في الدنيا فقر مطلق و لا غنىً مطلق. و إذا شككت في ذلك فاسأل نفسك هل العصفور صغير أم كبير؟ إن قلت صغيراً فقد أخطأت لأنه بالنسبة للنملة كبير. و إن قلت كبيراً فقد أخطأت أيضاً لأنه بالنسبة للفيل صغير. إذاً الأمر نسبي و لا جدال في ذلك.

فكل واحد منا – كائناً من كان – يستطيع أن يجد من هو أفقر منه فيعطيه. رب ثوب هو في نظرك قديم و عتيق بال، و لو أعطيته لغيرك لرآه ثوب العيد و لاتخذه لباس زينة. و هو يفرح به فرحك بغني مل من سيارته فأهداك إياها و اشترى أخرى أحدث منها.

و مهما كان المرء فقيراً فهو يستطيع أن يعطي من هو أفقر منه. إن أصغر موظف لا يتجاوز راتبه الـ 10.000 ليرة لا يشعر بالحاجة و لا يمسه الفقر إذا تصدق بعشر ليرات. و صاحب الراتب الـ 50.000 لا يضره أن يدفع بـ 100 ليرة لفقير من الفقراء. و هلم جراً. و لا تظن أن ما تعطيه – على قلته – يذهب هباء بالمجان. لا و الله – إنك ستقبض الثمن أضعافاً مضاعفة في الدنيا قبل الآخرة. جرب ذلك و سترى بنفسك. مهما كان ما تبذله قليلاً فالله سيضاعفه لك و عند الله لا يوجد قليل – كما لا يوجد كثير.

و انظر إلى قصة المرأة التي كان ولدها مسافراً، و كانت قد قعدت تأكل و ليس أمامها إلى لقمة إدام و قطعة خبز قد وصلت فمها، فجاءها سائل فنزعت اللقمة من فمها و أعطته إياها و باتت جائعة. فلما جاء الولد من السفر جعل يحدثها بما رأى. قال: و من أعجب أمري أنه لحقني أسد في الطريق، و كنت وحدي فهربت منه، فوثب علي فما شعرت إلى و قد صرت في فمه. و إذ برجل عليه ثياب بيض يظهر أمامي و يخلصني من الأسد و يقول: ’’لقمة بلقمة‘‘. و لم أفهم مراده. فسألته عن وقت الحادث و إذا هو في نفس اليوم الذي تصدقت به على الفقير. نزعت اللقمة من فمها لتتصدق بها فنزع الله ولدها من فم الأسد.

و الصدقة تدفع البلاء و يشفي الله بها الأبدان و يمنع بها الأذى. و من يؤمن بأن لهذا الكون رباً مدبراً هو يتصرف فيه و بيده المنع و العطاء، و هو الذي يشفي و يسلّم، يعلم أن هذا صحيح. و من غفل عن ذلك فليس يفيد معه الكلام.

و لا تعطي عطاء الكبر و الترفع، بل أعط عطاء المحبة و التواضع. إذا حمل ولدك صحناً من الطعام لحارس الحي فأوقفه و قل له: هات طبقاً و ملعقة نظيفة و كوب ماء و قدم إلى الحارس الطعام كالضيف فإنك لا تخسر شيئاَ. فأنت إن قدمت له صحناً و رغيف خبز حسرت نفسه و أشعرته انه كالسائل. أما إذا قدمته له مع طبق و ماء و ملقعة نظيفة جبرت خاطره و أشعرته بأنه ضيف عزيز. و لم تخسر بعد شيئاً. تواضع لخلق الله يكرمك الله و يرفعك.

و ليس الأمر بالمال و لا باللباس فقط. من حمدِ الله على نعمة العلم أن نعلم من نستطيع تعلميه. هل وصلت للجامعة و خرجت منها طبيباً و مهندساً و معلماً. إنظر في حيك فلرب هناك طالب لا يستطيع دفع المال للدروس الخصوصية. أعطه حصة من وقتك كل أسبوع، و علمه مما علمك الله، حتى يعلمك الله و ينفعك بما علمك. و ليس أسهل من ذلك و لا أكثره خيراً بين الإخوة و الجيران و الأصدقاء في زيادة الود و المحبة و الألفة.

و إن كنت قوياً فتطوع و ساعد من هو بحاجة إلى قوتك، ساهم في تنظيف المساجد و ابحث عمن بيته أنقاض فقومه له بقوتك و ساعده في إصلاحه. تكن بذلك من الحامدين الله حقاً على نعمه.

و الخلاصة يا سادة: إن من أحب أن يسخر الله له من هو أقوى منه و أغنى، فليُعن من هو أضعف منه و أفقر. و ليضع كل منا نفسه في موضع الآخر، و ليحب لأخيه ما يحبه لنفسه.

إنما النعم تُحفظ و تدوم و تزداد بالشكر. و الشكر لا يكون باللسان وحده، و لو أمسك الإنسان سبحة و قال ألف مرة ’’الحمد لله‘‘ – و هو يضن بماله إن كان غنياً، و يبخل بجاهه إن كان وجيهاً، و يظلم بسلكانه إن كان ذا سلطان، و يبخل بلعمه إن كان متعلماً – لا يكون حامداً لله، و إنما يكون مرائياً و كذاباً.

فاحمدوا الله على نعمه حمداً فعلياً، و أحسنوا كما تحبون أن يحسن الله إليكم. و اعلمو أن ذلك من أسباب النصر على العدو و من جملة الاستعداد له، فهو جهاد بالمال، و جهاد المال أخو الجهاد بالنفس.

و رحم الله من سمع المواعظ فعمل بها و لم يجعلها تدخل من أذن لتخرد من الأخرى.

من كتاب “مع الناس” لـ على الطنطاوي (رحمه الله) مع قليل من التصرف.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s