لا تؤجل

بسم الله الرحمن الرحيم

لا تؤجل

تستيقظ لصلاة الفجر. تتوضأ ثم تصلي السنة. تخرج للمسجد و تصلي الفجر في جماعة، ثم تعود للمنزل و أنت تتنفس هواء الفجر. تقرأ وردك من القرآن ثم تعد طعام الإفطار. تتناوله بهدوء ثم تقرأ شيئاً حتى يحين موعد عملك أو جامعتك أو مدرستك.

يرن المنبه و أنت متأخر نصف ساعة. تقوم كالمجنون ترتدي بنطالك في يديك و قميصك في رجليك. تتجه للمطبخ و تأكل لقمة بالطول و لقمة بالعرض. واحدة تمر بسلام و عشر تغص بها. تتجه لعملك أو جامعتك أو مدرستك و الناس يضحكون عليك.

اثنان من السيناريوهات لا ثالث لهما نمر بهما كل يوم. و لكن ما الذي يدفعنا للسيناريو الثاني؟ لن تكون أكثر من ساعة نوم! و ساعة النوم هذه لا تغني و لا تقدم و لا تؤخر. و لكن لو تعمقنا قليلاً في هذه الساعة لوجدناها تعكس خصلة سيئة ترعرت في نفوسنا منذ الصغر. و هي التسويف و التأجيل.

التأجيل بكل مستوياته، ابتداء من تأجيل استيقاطك إلى تأجيل قرائتك إلى تأجيل تركك للدخان… فنحن لا نزال نؤجل عمل اليوم إلى الغد، و نتشاغل عنه و نسوّف حتى لا يبقى له سوى ساعات أو دقائق معدودة. فنركض ركض الأرنب و قد كان خيراً لنا أن نمشي و لو مشي السلحفاة من أول الوقت.

و المرض متفشٍ في المجتع بشل كبير. الخياط يعدك أن يسلمك الثوب في منتصف رمضان فيأتي العيد و لم ينته من أخذ مقاسك بعد. يكتب الطبيب أن موعد دوامه في العيادة في التاسعة و يأتي في الحادية عشر. تأتي في موعدك إلى عيادته لتجد أنه وعد خمسة معك. فتغادر و تفضل الألم على الانتظار. و كذلك الحذاء و البناء و المهندس و حتى أنت.

حقيقةً إن هذا التأجيل و التسويف هو رأس أمراضنا الاجتماعية و علة عللنا. كل أب يعرف أن هناك طريقة أفضل من طريقته لتربية أولاده. و كل رجل يعرف الطريق لتحسين صحته و إصلاح سيرته في بيته و مع أولاده و زوجته. و لكن كل من هؤلاء يؤجل يوماً بعد يوم و سنة بعد سنة حتى يمر العمر و هو لم يفعل شيئاً.

كل مدخن يقول لنفسه: سأترك التدخين. و لكنه يؤجل تنفيذ هذه الإرادة من يوم إلى يوم و من شهر إلى شهر. فتمر السنوات و هو لا يزال كما كان. و كل مسرف مبذر يعتزم أن يقتصد و أن يزين نفقاته بميزان العقل,، و لكنه يؤجل التنفيذ. و كل فاسق تدركه لحظات يسمع فيها آية أو موعظة فيرق قلبه و تسمو روحه و يعزم على التوبة و لكنه يؤجل. يقول: سأتوب في رمضان. فيأتي رمضان فيقول: سأتوب بعد الحج. فيأتي الحج فيقول: لا زلت شاباً. و يمضي العمر و هو لم يتب و لم يصلح.

و نحن لا ينقصنا العلم، لكن ينقصنا الشروع في العمل. كل واحد منا يعلم أن الكذب شر و أن الصدق خير. و كل واحد منا يعلم أن للوالدين حقوقاً و أن صلة الرحم من الواجبات و أن الغش و الظلم و العدوان من أسباب غضب الله، و لكنا لا نعمل بهذا الذي نعلمه!!!

نقرأ في اليوم أكثر من الكثير على صفحات  الانترنت و معظم ما نقرأه هناك لا يفي علماً و لا يعلم أدباً، و نشتري أمهات الكتب لنزين بها مكاتبنا و ننفض عنها الغبار بين الحين و الآخر.

و لا يقتصر الأمر على الأفراد بل يتعداه للحكومات و المؤسسات. فكل مشروع إما أن ينام على فراش التخدير – بمورفين التسويف و التأجيل – دهراً من الزمن، و إما أن يولد مرتجلاً مشوهاً مثل الجنين يولد قبل موعده.

نحن لا نؤدي واجباتنا في موعدها حتى صارت كلمة ’’الموعد‘‘ رمزاً – مع الأسف – للتأخير و للوعد الذي لا يوثق به. و كلما أوغلت في الشرق وجدت ذلك متفشياً أكثر. فلا تقام حفلة في موعدها و لا يأتي ضيف في موعده مع أنه لو جاز لكل أمة أن تؤجل و تسوف لما جاز للمسلمين ذلك. لأن دينهم يقوم على مواعيد مضبوطة ضبط الدقائق و الثواني، فالذي يصلي لا يجوز أن يصلي قبل موعد الصلاة بخمس دقائق و الذي يفطر قبل الأذان بدقيقة لا يصح صيامه و الذي يصل عرفة بعد وقت الوقوف بثوانٍ لا يصح حجه.

و كل ذلك ليعلمنا الله ضبط المواعيد. و إلا فما يضر الصائم إن صام أربع عشرة ساعة إلا خمس دقائق؟ ألا يصوم في الشتاء اثنتا عشرة ساعة؟ المراد أن نتعود النظام و الضبط في مواعيدنا و ألا نصاب بطاعون التأجيل و التسويف و إخلاف المواعيد.

و الرسول صلى الله عليه و سلم يقول: ’’آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب و إذا وعد أخلف و إذا اؤتمن خان‘‘. فإخلاف الوعد و الإخلال به ثلث النفاق! و الإسلام لا يعرف هذه الوعود المائة التي ابتلينا بها كـ “قبل الظهر” و “بعد المغرب” إنما يعرف الإسلا المواعيد الدقيقة المضبوطة ضبط الدقائق و الثواني.

أيها القارئون وأيتها القارئات:

إن الذي لا يقفز إلى الفريسة تفلت منه، و من لا يغتنم الفرصة في وقتها لا يجدها، و من لا يضرب الحديد و هو حامٍ لا يفيده ضربه و هو بارد. و الذي يؤجل ما يجب عليه الآن لن يستطيع أن يؤديه كاملا فيما بعد.

فيا أيها المدخن: إذا عزمت على ترك الدخان فابدأ الآن، ألق السيجارة من يدك و لا تؤجل دقيقة واحدة، لأن الدقيقة تجر الدقيقة و الساعة تجر الساعة فلا تتركه أبداً.

و يا أيها التلميذ الذي يريد أن يستعد للامتحان، إبدأ من الآن و لا تقل سأبدأ غداً، لأن الغد إذا جاء صار حاضراً و أعقبه غد جديد. فلا ترى إلى و الامتحان أمامك و أنت لم تصنع شيئاً.

و يا أيتها المرأة التي تريد أن تصلح نفسها و تضع عقلها في رأسها فتهتم بأولادها و زوجها لا بالسهرات و الاستقبالات و الكلام الفارغ: إشرعي الآن.

و يا من يعلم أن بعدَ الدنيا آخرة – و كلنا يعلم – و أن بعد الحياة موتاً، و أن لا بد من وقفة و مشية على الصراط و ليس – بعدُ – إلل جنة أو نار: تب من الآن و لا تؤجل التوبة إلى الغد، فإنك لا تدري ما هو مقدر عليك في غد.

و ليكتب كل منا هذه الحكمة في لوجة كبيرة: ’’لا تؤجل علمل اليوم إلى الغد‘‘ و ليعلقها في مجلسه و لينظر إليها صباحه و مساءه، و ليعمل بها فهي دستور النجاح و أساس الفلاح:

لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد

7 طرق مثبتة لمعالجة التأجيل

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s