دور المكتبة في تعزيز سلوك القراءة لدى الأطفال

بريهان فارس عيسى*

نقول من دون أي تردد أن البيت الذي يفتقر إلى مكتبة و لو متواضعة و بأي لون من ألوان المعرفة، فإنه بيت من دون لبنات أساسية، و يمكن أن تذروه الرياح كبيوت العنكبوت التي هي أوهن البيوت.

المكتبة في المدلول الأوسع غالباً ما تتجاوز الكتب المطبوعة بمعناها الضيق، فتضم معها الآن عدداً كبيراً أو قليلاً من الموارد الورقية الاخرى كالجرائد و النشرات و بقية الدوريات على اختلاف أنواعها، و كذلك الخرائط و الأطالس و الرسمات الهندسية، كما أنها قد تضم أيضاَ المخطوطات التراثية القديمة و المراسلات و المذكرات الحديثة و غيرها من الموارد الورقية غير المطبوعة. المكتبة هي تجميع لمصادر و خدمات المعلومات، منظمة للاستعمال و تتم رعايتها من قبل هيئة سياسية، مؤسسة أو أشخاص.

بالمعنى التقليدي المكتبة تعني مجموعة من الكتب، هذه الكتب أو الخدمات يستخدمها أناس لا يريدون أو لا يستطيعون شراء مجموعات موسعة لأنفسهم، الذين يحتاجون إلى مواد غير متوافرة لديهم، أو الذين يحتاجون إلى معاونة محترفة في بحثهم.

و مع استخدام مواد غير الكتب للتخزين، أصبحت المكتبات منطقة للوصول للخرائط و المطبوعات و الوثائق و الأعمال الفنية على مواد التخزين المختلفة الميكروفيلم، الكاسيت، الأقراص المضغوطة، و شرائط الفيديو. و توفر تسهيلات عامة للوصول لأجهزة الحاسب و الدخول للأنترنت. أي أن المكتبات الحديثة يتم تعريفها كأماكن مفتوحة للوصول إلى المعلومة بأشكالها المختلفة و مصادرها المتعددة. بالإضافة لتقديم المواد، إنها تقدم خدمة للمختصين في مجالات التنظيم و البحث عن المعلومات.

تربية الوعي القرائي لدى الطفل

الطفل هو ابن بيته، كما أنه ابن أبويه، و إنه يتربى على ما يعايشه في البيت يوماً بيوم، و كذلك فهو يتأثر بسلوك أبويه. من هنا نرى أن وجود مكتبة في البيت هو من الأولويات المهمة من أجل ترسيخ قيمة القراءة لدى الطفل.

لِعَمل العمود الأساسي لأي بيت من بيوتنا و هو وجود الزاد المعرفي فيه، فهذا الزاد يحمي الأبناء و جميع سكان البيت من الأوبئة التي تأتي نتيجة الجهل.

مكتبة البيت هي الصيدلية الدائمة التي فيها علاج النفس و يمكن لنا أن نمد أناملنا إلى أي كتاب ليحقق لنا السكينة و ينير قلوبنا ينور المعرفة. إننا نعيش في عالم معرفي منفتح على بعضه البعض، و تعد المنظومة المعرفية من أهم مقومات نجاح و حضارة المجتمعات، و لا شك في أن الإنسان لا يميل إلى فكرة إلا إذا تعزز حبها في نفسه، حتى تتحول الفكرة إلى سلوك، و إلى تقليد، ثم إلى منهج حياة.

نحن أبناء بيوتنا، أبناء ما نتلقاه في هذه البيوت يوماً بيوم و سنة بسنة، و نحن سواء شئنا أم أبينا نتأثر بكل ما هو موجود في هذه البيوت سواء أكان معنوياً أو مادياً.

لذلك ينصح علماء التربية في العالم بضرورة وجود أساسيات النجاح و التفوق و الإستنارة في هذه البيوت حتى يتأثر بها الأطفال و تتحول المعرفة إلى سلوك يومي و قيمي و تربوي في نفوسهم، ذلك أن الإنسان لا يرث المعرفة كما يرث لون عينيه أو طوله، بل هي سمة مكتسبة يكتسبها المرء من المحيط الذي ينمو و يترعرع فيه. و البيت هو القاعدة الأولى للانفتاح على هذا المحيط الكبير، فمن البيت يتعلم الطفل اللغة، و يكتسب مهارات الحياة، بل حتى علماء التربية يرون أن الذكاء ’’الإيجابي‘‘ هو أيضاً مكتسب لأن الإنسان و إن ورث الذكاء فيمكن لهذا الذكاء أن يوظف في جهة سلبية تحتاج إلى الذكاء، مثل تزوير العملات، و صناعة الأسلحة المدمرة، و صناعة الفيروسات على شبكة الإنترنت و غيرها.

أريد أن أخلص إلى القول بأن حاجة بيوتنا إلى وجود مكتبات هي حاجة ملحة و ماسة، فالبيوت عامرة على قدر ما تحتوي من كتب، و مظلمة على قدر ما هي خاوية من الكتب.

و حقيقة الأمر أن المكتبة هي ضوء للروح مثلما الإنارة هي ضوء للجسد، و الروح تحتاج إلى الضوء بدرجة أعلى مما يحتاج إليه الجسد، و لذلك نرى العناية البالغة في تراثنا العربي بالكتب بالرغم من المعاناة الكبيرة في صناعة الكتب.

أهمية الحفاظ على عمارة البيوت و النفوس

الحفاظ على هذه العمارة المعرفية التي هي في واقع الأمر عمارة للبيوت و النفوس مما يعد من أهم أشكال الحرص على قنوات الاستنارة فيبيوتنا، و ضروري أن يرى الأبناء مدى العناية من قبل الآباء بهذه العمارة المعرفية التي هي بمنزلة العمود الفقري للمنزل.

كما أننا نقوم ببناء هيكل البيوت لبنة لبنة، فإننا نقوم ببناء مكتبة البيت كتاباً كتاباً، فلو اقتنينا في كل شهر كتاباً واحداً فسوف نرى أن مكتبتنا المنزلية تعمر بالكتب شيئاً فشيئاً، و سنة بعد سنة.

و بالطبع لا أعني وجود هذ المكتبة و عمارتها كديكور للمنزل كما يحدث لدى بعض الاثرياء الذين يتخذون ركناً من بيوتهم للمكتبة مديكور، و لا تمتد أناملهم إلى كتاب لقرائته مرة في السنة – بل أعني أن جميع الكتب في هذه المكتبة تكون مقروءة مرة أو أكثر من مرة لأن بعض الكتب تحتاج قرائتها إلى قراءات متعددة بحسب المراحل العمرية التي ندخلها، و هنا ستكون كل قراءة مختلفة عن الأخرى و تغتني كل قراءة بالقراءة التي سبقتها، كما تغتني القراءة السابقة بالقراءة اللاحقة.

فالمكتبة التي لا تُقرأ كالمصباخ الذي لا يوقد، و دوماً يمكن أن نرى الذين يترددون إلى المكاتب العامة هم أولئك الذين تعزز في نفوسهم حب الكتاب في البيوت، إنهم يرون في الكتاب قبسات الاستنارة، و لذلك يلاحقون الكتاب من أجل أن يزدادوا استنارة من خلال هذه القبسات.

مكتبة البيت هي المشكاة التي تبعث القبسات المعرفية إلى كل فرد من أفراد المنزل من مختلف الأعمار. تبقى لمكتبة البيت أهميتها على الأخص بالنسبة للطفل الذي سوف يعتاد على قراءة الكتب، و التزود بزاد المعرف، فتصبح القراءة لديه حاجة، و قيمة، و سلوكاً.

كلمة ختام

السلوك القرائي يبدأ تعزيزه بالدرجة الأولى في السنوات الأولى عندما يبدأ الطفل فيها بالتقاط كل الأفعال و الممارسات التي تتجسد على مرآة منه، لأنه عندئذ يسعى إلى تجسيدها تقليداً للكبار، و على هذا النحو يتحول إلى ممارسة يومية و تعقليدية لديه كلما رآها تتجسد أمام ناظريه، و خاصة من الأبوين.

* كاتبة من سوريا الحبيبة

المقالة مأخوذة عن مجلة العربي العدد 632

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s