كريات الدم الحمراء ترقص

بسم الله الرحمن الرحيم

من أحد فروع الفيزياء هناك فرع يهتم بدراسة السوائل المتدفقة، و تسمى ميكانيكا الموائع fluid dynamic. و هي تقع ضمن علم أوسع هو علم الموائع (سوائل أو غازات) natural science of fluids – liquids and gases و الذي يهتم بدراسة الموائع في حركتها و سكونها.

ما يهمنا هنا حركة السوائل في الأنانيب. عندما يتحرك سائل ما في أنبوب ما فإن جريانه ضمن هذا الأنبوب يمكن أن يوصف بأحد الشكلين التاليين:

  • جريان رقائقي – أو الانسياب الهادىءLaminar flow: و فيه تتحرك كافة دقائق السائل على خطوط متوازية داخل الأنبوبة، و لذلك يسمى أيضاً بالانسياب الطبقي.
  • الجريان المضطرب turbulent flow: و فيه تتشكل دوامات و تصبح حركة السائل عشوائية. و رياضياً يُمثل الاضطراب في حركة السوائل بمعادلة رينولد Reynolds decomposition.

إذاً عندما يتحرك مائع ما ضمن أنبوب (سائل في أنبوب، دم في أوعية دموية) – أو يتحرك جسم ما ضمن مائع ما (طائرة تتحرك في الهواء، كرة الغولف تطير في الهواء، سمكة تسبح في الماء) فإن الجريان الذي يسلكه المائع (على جدران الأنبوب في الحالة الأولى أو على حواف الجسم في الحال الثانية) إما ان يكون رقائقياً أي انسيابياً هادئاَ أو أن يكون مضطرباً تتشكل فيه دوامات و يسلك فيه المائع (سائل – هواء) سلوكاً عشوائياً.

و لمعرفة طبيعة الحركة التي سيسلكها المائع توصل رينولد لمعادلته:

حيث: v = سرعة المائع. D = قطر الأنبوب. P = كثافة المائع. N = لزوجة المائع.

و حالياً لا توجد نظرية تستطيع التنبؤ بالجريان هل سيكون مضطرباً أو رقائقياً بشكل دقيق، و لكن عملياً:

  • الموائع ذات رقم رينولد المرتفع – يصبح فيها الجريان مضطرباً.
  • الموائع ذات رقم رينولد المنخفض – يصبح فيها الجريان رقائقي.

مع وجود منطقة انتقالية بين الجريانين.

و فيما يخص جريان الدم في الأوعية الدموية، فإنه في الجسم يكون جريان الدم على العموم رقائقياً (انسيابياً). و لكن هناك حالات يصبح فيها هذا الجريان مضطرباً. و في هذه الحالة فإن الدم لا يسير بشكل رقائقي (أي على شكل رقائق متوازية توازي محور الوعاء الدموي) إنما يصبح عشوائياً و يشكل ما يشبه الدوامات. يحدث مثل هذا التحول من الانسياب الرقائقي للمضطرب في حالات مثل نقاط تفرع الأوعية الكبيرة، قرب الصمامات القلبية، في الشعيرات الدموية بسبب نقص القطر و سرعة جريان الدم(تبعاً لعلاقة رينولد) و في بعض الحالات المرضية كتضيق الشرايين.

و عندما يتحول جريان الدم للمضطرب فإن ذلك التحول يتطلب طاقة أكبر لدفع الدم عما لو كان الجريان انسيابياً و ذلك لأن الجريان المضطرب يسبب خسارة  في الطاقة بسبب الاحتكاك المتزايد مع جدران الوعاء الدموي – الأمر الذي يسبب تولد الحرارة – التي تغير من لزوجة الدم.

برسم العلاقة بين الضغط – التدفق نجد أن:

  • الاضطراب في الجريان يزيد من ضغط التروية اللازم لدفع الدم بجريان معين.
  • و بدلاً من ذلك فإنه عند ضغط تروية معين – يسبب الاضطراب في الجريان تدفقاً أقل لتيار الدم.

و لهاتين العمليتين فائدة كبيرة على التبادل الغازي و الغذائي بين الدم و الخلايا كما سنرى لاحقاً.

و لا يحدث الاضطراب في الجريان في كل الأوعية الدموية في الجسم. فهو يحدث عندما تزداد سرعة الدم لحد كافٍ لتمزيق صفائح الدم الجارية في الوعاء الدموي، أو عند مرور الدم قرب الصمامات فإن زيادة في الاضطراب تحصل. و يحصل ذلك عند قيمة معين لرقم رينولد الذي هو كما قلنا طريقة للتنبؤ بشروط الجريان و طبيعته هل سيكون رقائقياً أم مضطرباً.

و كما نرى من علاقة رينولد، يزداد رقم رينولد بزيادة السرعة (في البسط)، و ينقص بزيادة لزوجة الدم (في المقام). لذلك فإن سرعة تدفق الدم العالية و انخفاض كثافته (كما يحدث في بعض الحالات المرضية كفقر الدم) تؤدي لزيادة رقم رينولد و بالتالي الأرجحية لتدفق مضطرب في الأوعية الدموية التي كان التدفق فيها رقائقياً في الحالة الطبيعية.

و زيادة قطر الوعاء الدموي من دون زيادة السرعة أيضاً تسبب ارتفاعاً في رقم رينولد و بالتالي اضطراباً في الجريان – و لكن على كل حال فإن السرعة في الأوعية الدموية تتناقص بشكل غير متناسب  مع تزايد قطر الوعاء الدموي. و من دون الخوض في تفاصيل رياضية أكثر نقول أن السرعة تتناسب عكساً مع مربع القطر. بمعنى أنه لو تضاعف القطر مرة واحدة فإن السرعة تنقص للربع. و ينقص رقم رينولد للنصف.

و من إعجاز الله عز و جل و بديع خلقه للإنسان فإن الاضطراب في الجريان يحدث في الأوعية التي تفيد فيها مثل هذه الحادثة و لا يحدث في الأوعية الدموية التي لا تفيد فيها مثل هذه الحادثة و يكون الجريان الانسيابي فيها أفضل و أكفأ.

و لكن مالذي يمكن أن يفيد به الجريان المضطرب.

إن الدم يحمل الأكسجين و المواد الغذاية للخلايا، و يأخذ منها الفضلات الاستقلابية و غاز ثاني أكسيد الكربون. و تتم هذه المبادلات في الشعيرات الدموية التي هي آخر تفرعات الأوعية الدموية الكبيرة.

و في هذه الشعيرات يصبح الجريان مضطرباً مما يسبب جرياناً مضطرباً و تشكل الدوامات التي تدفع الكريات من منتصف الشعيرة الدموية إلى جدرانها باستمرار و بالتالي تمر كل الكريات الحمر و تحتك بجدران الأوعية الدموية الملاصقة للخلايا مما يرفع كفاءة التبادل بينها و بين هذه الخلايا بشكل كبير جداً.

’’و يستخدم هذا المفهوم أيضاً في أنظمة التبريد حيث أن انتقال جزيئات الغاز باستمرار من المحيد للوسط يرفع كفاءة أنظمة التبريد‘‘.

أما في الأوعية الكبيرة التي لا يتم فيها أي تبادل و إنما تكون وظيفتها نقل الدم فقط كما في الأوعية الكبيرة فإن الجريان يكون انسيابياً و غير مضطرباً.

و هذه بعض الأمثلة على قيم أرقام معامل رينولد:

لاحظ الفرق بين الدماغ (الذي يحتاج لمثل هذا الجريان المضطرب لرفع كفاءة التبادل مع الدم) و بين الأبهر (الذي تكون وظيفته نقل الدم).

فتبارك الله أحسن الخالقين.

{ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلْ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } صدق الله العظيم

و كل ما قيل عن انسياب السوائل في الأنابيب ينطبق على جريان السوائل في الأقنية المفتوحة و في جداول المياه أيضاً، لأن الماء ينساب فيها انسياباً دوامياً. و عند القياس الدقيق لسرعة جريان النهر تسجل الآلة أرقاما متفاوتة بشكل نبضي، و على الأخص قرب قاع النهر. و هذا النبض في السرعة يدل لى تبدل اتجاه مجرى الماء بصورة مستمرة، أي يدل على تشكل الدوامات. فدقائق الماء الجاري في النهر لا تتحرك في اتجاه المجرى فقط بل تتحرك من الشاطئين إلى وسط النهر أيضاً. مما يجعل درجة حرارة قاع النهر مساوية لدرجة حرارة سطح النهر (مما يجعل السباحة فيه أكثر إمتاعاً).

هذه الدوامات المتكونة عند قاع النهر تحمل معها الرمل الخفيف و تحدث ’’تموجات‘‘ في الرمل الموجود على القاع. و يحدث نفس الشيء في الساحل الرملي للبحر عند تعرضه للمد و الجزر.

و لو انتقلنا من السوائل للغازات، نتذكر كيف تقوم العواصف برفع الأتربة و القس من الأرض للجو. الأمر الذي يدل على نشوء هذه الدوامات. و عند هبوب الهواء بمحاذاة سطح الماء فتظهر في أماكن نشوء الدوامات تحدبات على سطح الماء – أي يتموج الماء – و ذلك نتيجة لانخفاض الضغط في هذه الأماكن.

و نفس السبب السابق يسبب تشكل التموجات الرملية في الصحارى و على كثبان الرمل في المنحدرات.

و هنا يصبح من السهل تفسير شكل دخان أعمدو المصانع و شكل دخان السجائر فور صعودها للهواء. إن ما يحدث في هذه الحالة و بسبب زيادة سرعة تحرك الأبخرة هذه يزداد معامل رينولد مما يؤدي لجريان مضطرب دوامي، و تأخذ الأبخرة شكل الضفائر.

من الأمثلة الأخرى التي ستقودنا لموضوع آخر و هو موضوع الجر (بالضغط الجوي) مثال كرة الغولف. هل تساءلت يوماً لم تكون كرة الغولف منقرة. و كيف يساعد هذا الشكل الغير أملس على أطلاقها لمسافات أبعد. تابع التدوينة القادمة.

2 comments on “كريات الدم الحمراء ترقص

  1. السلام عليكم ورحمة الله.
    تدوينة رائعة بكل ما تحمله الكلمة من معنى! وتستحق العلامة التامة!

    مبارك دكتور شادي، فقد نجحت في الأمتحان بتفوق! 😉

    • و عليكم السلام و رحمة الله و الإكرام
      أثبتت الامتحانات مفتوحة المصدر تفوقها على الامتحانات التقليدية 🙂
      ألف شكر أخي عبد الرحمن

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s