لا تدخل رمضان فجأة

بسم الله الرحمن الرحيم

 لنفرض أننا و الآن أخذناك إلى قاعة امتحان، الآن الآن، و أعطيناك ورقة امتحان، فيها أسئلة صعبة، و طلبنا منك حلها. و أخبرناك قبل أن تبدأ بأننا سنعطيك من الجوائز و الأعطيات و سنقلدك الكثير من المناصب بناء على نتيجتك في هذا الامتحان. فكلما كانت علامتك مرتفعة قلدناك منصباً مهما أكثر.

ماذا ستقول لنا؟ ألن تقول فوراً و بلا تردد: “لو أنكم فقط أعطيتموني فرصة للتحضير، لأهيأ نفسي لهذا الامتحان الكبير الشأن!”.

لا تحزن فسنعطيك فرصة كافية.

و تذكر معي ما هي الفترة الزمنية التي تقضيها و أنت تحضر لامتحاناتك الجامعية أو لمقابلة عمل أو أي امتحان من اي نوع. هل سبق و دخلت امتحاناً ما على درجة كبيرة من الأهمية من غير تحضير كاف و دراسة و تخطيط و تمحيص كاف؟ لا أظن أن أحداً منا فعل.

تذكر ذلك.

الآن لو أخبرناك بأنه سيزروك طبيب، هذا الطبيب حاصل على أعلى الشهادات و لديه من الخبرات الكم الكبير. فهو مدرسة طبية متنقلة. ثم دق جرس بابك و وجدتنا أمام باب بيتك، و معنا شخصان يرتديان نفس الثياب التي تخيلتها لهذا الطبيب عندما أخبرناك عنه. لكن أحدهما هو الطبيب ذاته، و الآخر سائقه، و هو أمي لا يقرأ و لا يكتب جاهل لا يعرف حرفاً، و لكننا ألبسناه نفس لباس الطبيب بلا فرق. هل تستطيع أن تميز بينهما بالمظهر فقط؟

هما في عينك الآن سواء فكلاهما يمكن أن يكون هو الطبيب. و لكن في حقيقة الأمر أن الفرق بينهما فرق ما بين السماء و الأرض.

تذكر ذلك أيضاً.

و إن كان لك شخص غال على قلبك عزيز عليه. غاب عنك سنة كاملة من دون أن تراه أو تسمع منه كلمة واحدة. ثم أخبرك بانه سيأتيك ليقيم عندك شهراً كاملاً، ماذا سيكون حالك؟ ألن تطير من الفرحة و تبدأ بتجيهز نفسك لاستقبال هذا الغالي عليك. هل يعقل أن تستقبله من غير أن تستعد لهذا الاستقبال؟ و هو غالٍ عليك و عزيز!.

لا يمكن.

يطل علينا بعد يومين شهر من أشهر الله. شهر رمضان الكريم. و لكل غائب طالت غيبته نوع من الاستقبال. و لكل حبيب أوشكت رجعته اهتماماً يليق به بعد طول الغياب، يليق به و يتناسب مع مكانته عندك. فإذا استعددت لهذا الحبيب و استقبلته استقبال الحبيب أعزك و أكرمك و أغدق عليك هداياه. أما إن جفوته بعد طول الفراق و الغياب، جفاك و أخفى عنك هداياه و عطاياه. و أعطاها لسواك ممن أحسن استقباله و أكرمه بعد طول الغياب.

و هذا هو أعظم شهر أوشك أن يطل علينا، فماذا صنعت استعداداً له؟ ماذا خططت و ماذا نويت لهذا الشهر. هل تريد أن تدخل هذا الامتحان من دون أن تحضر له و تخطط؟ و فيه من العطايا أن تعتق رقبتك من النار! و يغفر الله لك ذنوبك و يرحمك برحمته الواسعة.

في رمضان للصيام شكل، و الكل يحافظ على هذا الشكل، و لكن بين صائم و صائم فرق ما بين الطبيب و الأمي. كلنا نتسحر و نفطر و نصلي التراويح، و لكن هذا الشكل لا يفرق بين صائم و صائم. فهناك صائم صان عن الطعام و الشراب و ما صامت جوارجه. و فيه يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم: كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع و العطش.

هناك من يصوم عادة لا عبادة، بحسب حركة الأيام. و هناك من يصوم عبادة و تقرباً لله تعالى. و فيه يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم: من صام رمضان إيماناً و احتساباً غفر الله ما تقدم من ذنبه.

هناك من يصوم لكي لا يقول الناس عنه مفطراً، و كأنه صام للناس.

الصوم ليس الامتناع عن الطعام و الشراب فقط. الصوم ضبط للنفس و تقييد لها و تربية. رمضان دورة مكثفة تدخل فيها و تهذب نفسك فيها و تقو جسمك بالتقليل من الطعام لا الإكثار منه.

و تاريخ الحضارة البشرية هو تاريخ ضبط النفس. فلولا ضبط النفس على مستوى الفرد و على مستوى المجتمعات لظل البشر يوغلون في بيداء من قوانين الغابة و همجية القرون.

ضطب النفس هذا، هو سر أسرار التحضر الذي دعت إليه فعاليات شتى على امتدا التاريخ الإنساني، و في سماء هذه المساعي لمعت تعاليم الأدبان نبيراساً يضيء و يطور و يبلور مفهوم ضبط  النفس، و كان الصوم واحداً من ذرى هذ التعاليم، و هو عبادة تشكل معلماً مشتركأً أيا كانت الاختلافات بين كل الديانات السماوية بل الوضعية أيضاً.

و في هذ الشهر الكريم، تتسامى أمتنا الإسلامية صاعدة في مدارج الروح، بصوم هو قمة من قمم الدعوة إلى ضبط النفس الإنسانية، عبر مسالك الامتناع المؤقت عن الطعام و التحكم بالشهوات عموماً، و التحليق في نفحات الوجود الأعلى، و الارقي من معتاد الوجود البشري المثقل بأدران صراعات و مراوغات الحياة اليومي’.

الناس يصومون نعم، لكن كثيرين تفلتت منهم فلسفة هذا الصوم، فبدلاً من الاسترشاد بصيغة ضبط النفس و مد خطوطها باتجاه آفاق تتجانس معها، يداورون و يناورون، و يعوضون بعض الانضباط بانفلات في المأكل و المشرب المادي و النفسي، و هي ازدواجية غريبة ضمن ازدواجيات بلا حصر تنخرط فيها نجتمعاتنا الإسلامية.

فهناك العبادة وهناك روح العبادة. فكن من الذين يتحققون بروح عبادة الصوم لا بمظهره فقط.

فاستعد لرمضان و لا تدخله فجأة بلا تحضير و تخطيط.

لا تدخل رمضان منتظراً المسلسلات و البرامج التلفازية التي تدوم حتى طلوع الفجر. لقد فرغوا رمضان من مضمونه. فإذا أريد لمسلسل النجاح عُرض في رمضان. ألا شاهت الوجوه. ما أجرأهم على الله!

جعلوا رمضان شهر الفتنة و الفجور. شهر الطعام و الشراب. شهر السهرات الفاسدة و النوم في النهار.

و هو شهر الرحمة و المفغرة و العتق من النار!

لا تضيع فرصة هذا الشهر من يديك. فهو فرصة المحبين. فرصة العاصي الذي آذته أشواك ذنوبه، و كلنا مذنبون.

من الناس من يذهب للسوق قبل رمضان ليجهز ثلاجة منزله بما لذ و طاب من الأطعمة، و كأننا نتجه نحو مجاعة. فهذا هو استعداده له. و في أمثاله يقول الرافعي: من كان همه ما يدخل إلى معدته، كانت قيمته ما يخرج منها!.

و باع أحد الصالحين جارية لأحدهم. فلما أقبل رمضان أخذها للسوق، فقالت له: ماذا تريد من السوق؟ قال لها نريد أن نتجهز لشهر رمضان، فقالت له: أولا تصومون في غير رمضان؟ فقال لها: لا!. فقالت له: لقد جئتكم من عند أناس السنة عندهم كلها رمضان ردوني إليهم فلا حاجو لي بكم.

رمضان مقارنة بين صائم و صائم. بين قائم و قائم.

من الناس في رمضان من يصلي التراويح، و ما إن ينتهي الشيخ من ثمان ركعات حتى يلقي هذا الهم عن كتفه و يتجه إلى سوقه أو يعود إلى منزله حيث السهرات و المسلسلات.

هل نسي قول سيدنا حذيفة إذ يقول: صليت وراء رسول الله صلى الله عليه و سلم فابتدأ بالبقرة ثم بالنساء ثم بآل عمران، يقف عند كل آية يتخوف و يسأل الله عز و جل. فما انتهى من صلاة قيام الليل إلا و آذنه بلال بصلاة الفجر.

من منا يصلي ربع ما صلاه رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي تفطرت قدماه من قيام الليل و هو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر!

و نحن الذين أثقلتنا الذنوب و أوهنتنا.

و هاك الإمام السجاد، علي ابن عباس رضي الله عنه، سمي بالسجاد لأنه كان يسجد لله كل ليلة ألف سجدة!. أين نحن من صحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم.

هكذا كان رمضان في فهم سلفنا الصالح، و هكذا كانوا يستقبلونه. استقبال الأرض العطشى للماء و استقبال الحبيب للغائب المنتظر.

إنوِ في قلبك أن يبلغك الله رمضان، فالنية سابقة العمل. و لا ندري أندرك رمضان هذا أم نكون من أصحاب القبور.

استعد لرمضان و لا تدخله فجأة. فهو امتحان فيه من الأجر الشيء العظيم، فلا تدخله من غير استعداد!. لك فيه أن تعتق من النار و يغفر الله لك. لك فيه أن تقوي جسمك و تصحه. لا أن تفسده بالطعام و الشراب حتى التخمة، فلا تقدر على صلاة و لا على قراءة للقرآن.

صالح من تخاصمت معه، اطلب رضا أبويك. فلا ندري مالذي كتبه الله لنا، قد لا ندرك رمضان و قد يكون هذا آخر رمضان لنا و العلم عند الله.

و لا تعر انتباهاً لقول المرجفين الذي لا يفتأون يرددون: أعاننا الله على رمضان هذا! الحر شديد!

و متى يبان الخبيث من الطيب؟ متى تبان معادن الرجال؟

هل نسوا غزوة مؤتة في صدر التاريخ، و جيشها جيش العسرة؟ يوم لم يخرج المنافقون للجهاد مع رسول الله صلى الله عليه و سلم، يوم تعذروا و قالوا: الحر شديد. يوم قالوا: أئذن لي و لا تفتني!

إنظر بماذا أجابهم الله تعالى: قل نار جهنم أشد حراً.

و لسنا اليوم مما كانوا فيه، فالكل في بيته آمن من الحر و الشمس. و لكن النفوس ضعفت و تعودت الرخاء فما عادت تستطيع تحمل مشقة من المشقات. نسينا الصحابة الذي صاموا و السيوف تتحاك على آذانهم.

عبد الله بن رواحة في غزوة مؤتة و قد كان صائماً، ينظر و هو في المعركة إلى الشمس و يقول: هل غربت الشمس، فيقولون له لا. حتى إذا غربت قال للصحابة: إئتوني بشيء ضعه في فمي. فأتوه بقطعة لحم فمضغها فلم يجد لها طعماً. و قال: كيف آكل و زيد بن حارثة و جعفر بن أبي طالب في الجنة مع رسول الله صلى الله عليه و سلم.

أخرجها من فمه رضي الله عنه و عاد للقتال فاستشهد ليفطر عند ربه بصحبة رسول الله صلى الله عليه و سلم.

إنهم الصحابة و نحن من نحن.

فيا من آذتك المعاصي و أصحبت في بحر الخطيئة عائماً، و كلنا كذلك، شهر المغفرة على الأبواب. استعد له و لا تدخله فجأةً.

مرغ خدك بالتراب و اسجد لله و قل له:

أنا الْعَبْدُ الَّذِي كَسَبَ الذُّنُوبَا                 وَصَدَّتْهُ الاَمانى أَنْ يَتُوبَا

أَنَا الْعَبْدُ الْمُفَرِّطُ ضَاعَ عُمُرِي              فَلَمْ أَرْعَ الشَّبِيبَةَ وَالْمَشِيبَا

أنا العبد الفقير مددت كفي                  إليكم فادفعوا عني الخطوبا

أنا المقطوع فارحمني وصلني                        ويسر منك لي فرجا قريبا

فَيَا مَنْ مَدَّ فِي كَسْبِ الْخَطَايَا               خُطَاهُ أَمَا أَنَى لَكَ أَنْ تَتُوبَا

أَلا فَاقْلِعْ وَتُبْ وَاجْهَدْ فَإِنَّا                  رَأَيْنَا كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبَا

و لا تستعظم ذنوبك مهما كبرت، فهي في جنب الله و رحمته و غفرته صغيرة حقيرة. من منا لا يعرف الحجاج و ظلمه و قتله للناس. سمته أمه الحجاج تفاؤلاً بأن يكثر الحج بيت الله الحرام، فهدمه! و لما مات أنشد يقول:

يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا         أيمانهم أنني من ساكني النار

أيحلفون على عمياء ويحهم               ما ظنهم بعظيم العـفو غفــار

إن الملوك إذا شابت عبيدهم                في رقّهم أعتقوهم عتق أبرار

وأنت ياسيدي أولى بذي كرم               قد شبنا في الرق فأعتقنا من النار

يقول الحسن البصري لو نجا الحجاج لنجا بهذه الأبيات.

لا تستعظم ذنوبك مهما كثرت، و كلنا مذنب، فها هو رمضان شهر التوبة و المغفرة و العتق من النار تحضر له و أعد ل الخطط و النشاطات حتى تكون من أولئك المجتهدين و لكل مجتهد نصيب.

ختاماً تذكر عندما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم للأنصار بعد غزوة حُنين: ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والإبل وتذهبون برسول الله، صلى الله عليه و سلم.

و أنت في رمضان، ألا ترضى أن يخرج الناس من رمضان بالمسلسلات و الأفلام و البرامج الفاسدة و تخرج أنت و قد عتق الله رقبتك من النار و غفر لك ذنوبك و أعد لك المنازل و الاجر العظيم في الجنان؟ ألا ترضى بذلك؟

اللهم آمين، رضينا بذلك يا رب فوفقنا لعمل صالح تحبه و ترضاه لنا في هذا الشهر العظيم. آمين آمين آمين.

لا تدخل رمضان فجأة، استعد له و ادع الله أن يوفقك و إيانا لكل خير، فرمضان شهر الخير و البركة و الرحمات.

و كل عام و أنت بخير…

2 comments on “لا تدخل رمضان فجأة

  1. جزاك الله خيراً يليق بكرمه وجوده على هذه المعاني الرائعة.
    نسأل الله تعالى أن يبلغنا هذا الشهر وأن يتقبله منك ومنا وأن ينقلنا فيه لجنات قربه وأنوار محبته.

    كل عام وأنت بألف خير أخي وصديقي الغالي.

    • اللهم آمين اللهم آمين اللهم آمين.
      و انت بألف خير و أمتنا الإسلامية بألف خير. جعل الله هذا الشهر شهر نصر و خير و بركة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s