ذكريات – حلقة 2

بسم الله الرحمن الرحيم

يقولون:

’’نحن نحب الماضي لأنه ذهب و لو عاد لكرهناه‘‘

و أنا لا أتفق مع قائل هذا أبداً، فالماضي أبداً يظل جميلاً في أعيننا، ثم من قال لك أنه لو عاد لكرهته، أما تتمنى أن تعود في الزمن قليلاً فتصنع ما لم تصنعه، ألا تتمنى أن تعود للماضي لتتخلص من بعض مشاكل الحاضر. ألا ألا ألا… لا أظن ان أحداً يكره الماضي. هل تكرهه أنت؟ أنا يا سيدي لا أكرهه، سواء أعاد أم لا.

المكان: ثانوية البحتري

الزمان: عام 2000 في ساعات الصباح الأولى – حصة ثالثة أو رابعة.

الحدث: امتحان لغة عربية و نحن في الصف التاسع.

جاءنا في امتحان اللغة العربية موضوع عن الوقت (و كان الموضوع كما تعلمون في الصفوف الأولى يأتي من المشرق أو من المغرب حسب مزاج المدرس). و في كتابتك للموضوع يجب أن تأتي ببعض الشواهد. فإن كان الموضوع مما تحفظ له بعض الشواهد ’’نفذت بريشك‘‘ و إلا ’’أكلت هوا‘‘. تخيل أن يأتيك موضوع عن “حديث بين قطين”!!! من أين ستأتي بالشواهد و ماذا ستكتب. يقول الرافعي في إحدى مقالاته في كتابه من وحي القلم أن موضوعاً كهذا جاء للطلاب فاحتاروا ماذا يكتبون على ألسنة القطط. و أنقل جزءاً من مقالة ’’حديث قطين‘‘:

جاء في امتحان شهادة إتمام الدراسة الابتدائية لهذه العام (1934) في موضوع الإنشاء ما يأتي: (تقابل قطان أحدهما سمين تبدو عليه آثار النعمة، و الآخر نحيف يدل مظهره على سوء حاله. فماذا يقولون إذا حدّث كل منهما صاحبه عن معيشته؟)…

و قال تلميذ خبيث لأستاذه: أما أنا فأوجزت و أعجزت، قال أستاذه: أجدت و أحسنت، و لله أنت! و تالله لقد أصبت! فماذا كتبت؟ قال التلميذ كتبت هكذا:

يقو السمين: ناوْ ناوْ ناوْ… فيقول النحيف: نوْ ناوْ نوْ. فيرد عليه السمين: نوْ ناوْ ناوْ. فيغضب النحيف و يكشر عن أسنانه و يحرك ذيله و يصيح: نَوْ نَوْ نَوْ. فيلطمه السمين فيخدشه و يصرخ: ناوْ. فيثب عليه النحيف و يصطرعان، و تختلط النونوة لا يمتاز صوت من صوت، و لا يَبِينُ معنى من معنى، و لا يمكن الفهم عنهما في هذه الحالة إلا بتعب شديد، بعد مراجعة قاموس القِطاط…!

قال الأستاذ: يا بني، بارك الله عليك! لقد أبدعت الفن إبداعاً، فصنعت ما يصنع أكبر النوابغ، يُظهر فنه بإظهار الطبيعة و إخفاء نفسه، و ما ينطق عن القطط بلغتنا إلى معجزة لنبي، و لا نبي بعد محمد صلى الله عليه و سلم، فلا سبييل إلا ما حكيت و وصفت، و هو مذهب الواقع، و الواقع هو الجديد في الأدب، و لقد أرادوك تلميذاً هراً فكنت في إجابتك هراً أستاذاً، و وافقت السنانير و خالفت الناس، و حققت للممتحنين أرقى نظريات الفن العالي، فإن هذا الفن إنما هو طريقة الموضوع الفنية، لا في تلفيق المواد لهذا الموضوع من هنا و هناك. و لو حفظوا حرمة الأدب و رعوا عهد الفن لأدركوا أن في أسطرك القليلة كلاماً بارعاً في النادرة و التهكم، و غرابة العبقرية، و جمالها و صدقها، و حسن تناولها، و إحكام تأديبها لما تؤدي (و هذا كلام تهكم كما هو ظاهر)، و لكن مالفارق يا بني بين “ناو” بالمد و “نو” بغير مد…؟ قال التلميذ هذا عند السنانير كالإشارات التلغرافية: شرطة و نقطة و هكذا.

قال: بني، و لكن وزارة المعارف لا تُقر هذا و لا تعرفه، و إنما يكون المصحح أستاذاً لا هراً! و الامتحان كتابي لا شفوي.

قال الخبيث: و أنا لم أكن هراً بل كنت إنساناً، و لكن الموضوع حديث قطين. و الحكم في هذا لأهله القائمين عليه لا المتكلفين له، المتطفلين عليه، فإن هم خالفوني قلت لهم: اسألو القطاط، أوْ لا فليأتوا بالقطين: السمين و النحيف، فليجمعوا بينهما، و ليحرشوهما، ثم ليحضروا الرقباء هذا الامتحان، و ليكتبواعنهما ما يسمعونه، و ليصفوا منهما ما يرونه، فوالذي خلق السنانير و التلاميذ و الممتحنين و المصححين جميعاً، ما يزيد الهران على “نو و ناو” و لا يكون القول بينهما إلا مع هذا، و لا يقع  إلا ما وصفت، و ما بد من المهارشة و المواثبة بما في طبيعة القوي و الضعيف، ثم فرار الضعيف مهزوماً، و ينتهي الامتحان!.

و أنا أدعوك لقراءة هذا الكتاب، و أنا الآن أعيد قرائته، لأنه كتاب يستحق أن يقرأ أكثر من مرة واحدة لما فيه من جمال الأدب و جميل صنعة الكلام. إن كنت تحب أن تتلذذ بالأدب فاقرأ للرافعي. و سترى بعد هذا المقطع الذي سقته هنا أن الرفاعي يسوق لك حديثاً بين قطين، و يا له من حديث!. و هذه أجزاء الكتاب الثلاثة: 123.

المهم 🙂 و نحن في امتحان اللغة العربية للفصل الدراسي الأول، و كان العربي عقدتي فهو المادة الوحيدة التي لم أحصل فيها على علامة تامة في الامتحان في المرحلة الإعدادية، و جاءنا يا سيدي في الامتحان موضوع عن “الوقت”. و لكي يكون موضوعك ناجحاً فأنت بحاجة لشواهد جيدة. و من منا لا يحفظ شواهد عن الوقت من أحاديث و أمثال و أشعار؟؟؟

أنا! صدق أو لا تصدق بأنها ذاك اليوم ’’قفّلت معي‘‘ أو ’’سكّرت‘‘ أو ’طفي المحرك‘‘ و لم أتذكر أي شاهد عن الوقت. و الحل!!! نحتاج إلى شاهد و إلا ’’تبهدلنا‘‘. و هنا لمعت الفكرة في رأسي و انا في منتصف الامتحان. قد تذكر أو لا تذكر لم يكن مطلوباً منك في المرحلة الإعدادية اسم الشاعر الذي تستشهد به. و من هذا المنطلق خطرت لي فكرة بأن أؤلف بيتاً أو بيتين من الشعر عن الوقت و أستشهد بهما. و هذا ما فعلته و إليك الأبيات كما كتبتها في الامتحان:

و كما يقول الشاعر(المخضرم):

الأيام تمشي و تسرع            و العمر يمضي و لا يرجع

فها هو ذا اليوم مقبل            و هـــــاك الآخــــر يـــودع

و’’نفدنا‘‘ بريشنا و لم تشعر الآنسة بذلك و لم تفطن له، و هذا إنما يدل على جودة البيتين و جمالهما 🙂 و لكن مع ذلك لم أحصل على العلامة التامة و إنما على ما أذكر 58 و لكن سررت عنجما علمت أني حصلت على علامة تامة في الموضوع لمعرفتي أني أخطأت في مكان غيره.

و ’’على سيرة الشعر‘‘ سأذكر لك شيئاً من الشعر الذي كتبته 🙂

في الصف العاشر، كنا نأخذ من الأدب العربي الكثير، و كان المدرسون يسوقون لنا من أبيات الرثاء و الفخر و غيره، كما كنا نأخذ بحور الشعر من البسيط للكامل للرجز… و في الصف العاشر توفيت جدتي رحمها الله و أسكنها فسيح جنانه ’’الفاتحة‘‘ و بعد يوم أو يومين قررت أن أرثيها بمعلقة من عيون الشعر العربي 🙂 و جلست و بدأت الرحلة. و ’’مالك بالطويلة‘‘ خرجت بهذا البيت الشهير:

أخت الرجال استبحت حرمة الصبر            إذ لاح طيف غياب الروح و الجسد

هذه هي!. معلقة من نوع جديد تحتوي على عدة أبيات أو بيت واحد لا مشكلة، المهم أنها معبرة 🙂 و لك أن تعلم أن البيت من البحر البسيط و إن شئت جرب و قطعه وسترى أنه من البحر البسيط. و إن لم تذكر التقطيع و التشطير فهذا موقع لهذه الغاية.

أما أجمل ما كتبت و أحبه إلى قلبي فهذه قصته.

كنت نائماً! لا تستغرب فهل هناك أحد لا ينام؟؟؟ و لما كنت نائماً رأيت رؤيةً جميلة، و مما رأيت أن أحداً ما و كان يشبهني جداً، لربما أنا، جائني و أنشدني هذه الأبيات:

عجّل بصحوك إن الركب مرتحل           و ارجع لربك إن العمر منصرم

و اعل بجهدك إن الــدرب ينتظر

و ياللأسف، جاءت أمي الغالية و أوقظتني. و لما ’’صحصحت‘‘ أسرعت لكتابة هذه الأبيات خشية أن أنساها. و عاتبت أمي لو أنها انتظرت قليلاً، فقط قليلاً، لكنت أكملت البيت الثاني، و لو أنها انتظرت كثيراً لكنت خرجت بمعلقة تعد من عيون الأدب العربي الآن! سامحك الله يا أمي.

و أكثر ما أحببته في هذه الأبيات، أني فعلاً كنت بحاجة لها أيما حاجة، و جاءتني في أنسب الأوقات. فسبحان الله، و هنا أتذكر تشبيه الرافعي (هل حملت الكتاب و بدأت بقرائته؟ لم لا؟) في إحدى مقالاته في كتابه وحي القلم، بأنك عنما تنام  فكأنك تسلّم نفسك لشركة الرؤى التي تديرها الملائكة. فترى أشياء تفوق عقلك و قدرتك في أرض الواقع. سبحان الله و تعالى عما يشركون به علواً كبيراً.

كانت هذه الحلقة خاصة بالشعر. شكراً جزيلاً لك على المتابعة ونراك في الحلقة الثالثة إن شاء الله تعالى 🙂

2 comments on “ذكريات – حلقة 2

  1. السلام عليكم
    لعل أبياتك تكون هكذا:

    عجّل بصحوك إن الركب مرتحل و ارجع لــربك إن الـــعمر منصرم

    و اعل بجهدك إن الــدرب ينتظر و اضرب بفأسك إن الصخر منحطم

    و هي حقاً جميلة جداً، هل لك أن تعطينا أية معلومات عن شركة الملائكة التي تتعامل معها 🙂

    • و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته

      ألف شكر نور على الشطر الذي أظن أني لن أجد افضل منه 🙂
      أعتبر الآن الأبيات صارت جاهزة ’’للوحة محترمة‘‘

      رمضان كريم و كل عام و أنت بخير بمناسبة عيد الفطر السعيد 🙂

      و بالنسبة لشركة الملائكة أظن أن ورداً (دائمٌ و إن قل) من القرآن و الصلاة على رسول الله محمد صلى الله عليه و سلم كفيلة بتوقيع عقد مع شركة الملائكة للرؤى. العقد يستمر ما استمر عقدك مع القرآن و الصلاة على رسول الله صلى الله عليه و سلم.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s