قهوة مالحة!

بسم الله الرحمن الرحيم

لا أحبها إلا وحدها! مكتفية بذاتها و لذعتها. أحبها من دون هيل، أو جوزة الطيب، أو الشوكولاتة، أو البندق. و لا أطيقها بسكر أو بحليب. أحبها خالصة إلا منها. فكيف أستسيغها مالحة كماء البحر؟! هذا أنا، و لكن الدنيا عجيبة غريبة، و أعجب من طعم القهوة بالملح، فهناك من شربها مالحة أربعين عاماً. و هناك من شربتها بقية عمرها لذكرى حبيب غاب.

في أول لقاء بينهما في مطعم صغير، تلعثم و ذاب خجلاً، عندما جاءت عينه في بحر عينها، و من فرط ارتباكه نادى النادل طالباً ملحاً لفنجان قهوته. و حين استغربت أمره: هل حقاً تشرب القهوة بالملح؟! فقال بعد أن “بلع ريقه”: إن طفولته كانت جوار البحر، و إن القهوة المالحة تذكره بطفولته، و تستحضر والديه الذين فارقا الدنيا. فامتلأت عيناها بالدموع، و أحبت وفاءه. و ليس كل حب يفسده الزواج!. فقد تزوج الحبيبان، و عاشا أربعة عقود، وصار لهما أبناء تزوجوا و طاروا إلى بيوتهم، و طوال هذه الفترة طلت “العروس” تضيف لحبيبها شيئاً من الملح في فنجانه، و ظل يشرب قهوته متلذذاً في كل مرة.

بعدما توفي وجدت منه رسالة صغيرة: سامحيني حبيبتي، لقد كذبت عليك مرة وحدة فقط في حياتي. ففي أول لقاء بيننا كنت مرتبكاً و حين أردت طلب سكر لقهوتي أخطأت، و قلت للنادل أريد ملحاً لقهوتي بدل السكر. و خجلت من العدول عن كلامي، و أردت إخبارك الحقيقة بعد هذه الحادثة، لكني خفت أن تظني أني بحار في الكذب! فقررت ألا أكذب عليك أبداً مرة أخرى. و أعترف أني لا أحب القهوة المالحة، فطعمها غريب لا يستساغ، و لا يطاق، و لكني شربت القهوة المالحة لأن وجودك معي يطغى على أي شيء آخر في الكون، و لو أن لي حياة أخرى لعشتها معك، حتى لو اضطررت أن أشرب السكر مالحاً.

و من أجل ذكرى العاشق الغائب، صارت العجوز لا تشرب قهوتها إلا مالحة، و كلما سألها ولد أو حفيد مستغربا كيف تستسيغين هذا؟! كادت تطير دمعتها و تقول: إن للقهوة المالحة مذاقاً أحلى من العسل. لها مذاق الحب، و ذكرى العمر.

فهل ظل هناك من يشرب شاياً بالكسبرة مثلاً، أو حليباً بالليمون، أو زنجبيلاً بالمشمش، أو قهوة بالملح من أجل حبيب لعثمه الخجل مرة واحدة؟ فعظيم هوالحب، يجعل للأشايء مذاقاً آخر. ♥♥

أنا يا سيدي – و لأجلها – سأشرب القهوة بلا بن، فكيف ستشرب قهوتك أنت من أجلها؟

علمتني حياتي – حياتك

بسم الله الرحمن الرحيم

يقول الله تعالى [قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ] دلالة على أن في التاريخ دروساً يمكن أن تستفيد منها الحضارات في تقدمها. و لولا هذه الدروس التي يكن لنا أن نتعلمها من تاريخ الأمم لما كان للتاريخ قيمة تذكر، و لما أمرنا الله بالنظر في تاريخ أمم قد مضت.

و كما يقول علماء النفس:

’’إن في حياة كل منا – ما يمكنه من تجاوز أي عقبة تواجهه‘‘.

و قياساً على تاريخ الأمم ففي حياة كل منا دروساً تعلمناها من تجاربنا و عبراً لا يمكن لنا أن ننساها لأننا تعلمناها و خضناها لحظة بلحظة. و لا تخلُ حياة أحد منا من هذه التجارب.

و من هنا برزت فكرة هذا المشروع “علمتني حياتي” و التي نبحث من خلالها على الدروس و العبر التي تعلمها كل منا في حياته. بهدف تبادلها و الاستفادة مما تعلمه غيرنا من حياته، فلا نعيد التجربة نفسها لنخلص بنفس العبرة و لكن نطورها و ننميها و بذلك يتحقق أحد معاني الآية الكريمة – في أنفسنا – قبل أن يتحقق في الأمم السابقة.

فإذا أحببت المشاركة في هذا المشروع فما عليك إلا أن تجلس مع ورقة و قلم، و تسترجع شريط تجارب حياتك و تخرج لنا بتلك العبر التي استفدتها من حياتك، علها تكون زاداً لغيرك في حياته، فيستفيد منها و يتعلم. فلا تبخل بها.

أما عن الأسلوب المتبع في كتابة هذه العبر فهو أمر عائد إليك. لك أن تختار الطريقة التي تراها مناسبة و ملائمة لك.

إحدى الأساليب التي وصلتنا أن يكون عدد هذه الدروس بعدد سنين حياتك. فإن كان عمرك 25 سنة فالمطلوب منك أن تخرج لنا بـ 25 درس تعلمتها من حياتك.و تبدأ بالعد العكسي فمثلاً تبدأ بالدرس الـ 25# ثم الـ 24# و هكذا حتى نصل للـ 1# بحيث يشعر القارىء أنه يقترب شيئاً فشياً من أهم دروس حياتك و هو ذو الرقم 1#. طبعاً ليست الأهمية في العدد بقدر أهمية أن تكون تلك الدروس هي فعلاً دروس تعلمتها من حياتك أنت بالذات، اي أنها يجب أن تعكس تجربتك في هذه الحياة. فنحن لا نريد سرداً للمواعظ و العبر فالكتب تفيض بها، إنما أردنا شيئاً فريداً و متميزاً،شيئاً مختلفاً. و لأنك متميز لأن حياة كل منا متميزة عن حياة الآخر، لذلك فنحن نريد منك دروس حياتك أنت و ’’أنت‘‘ بالذات.

مشركة أخرى جاءت على شكل قصص قصيرة. أخرى كانت على شكل مقالة و حوار مع النفس. و لك أن تكتب دروس حياتك كيفما شئت و أحببت.

و لك الحرية في طريقة الكتابة، و لكن هناك نهج عام يفضل أن نسير عليه جميعاً حتى تتوحد النتيجة. و هي أن تذكر الدرس ثم تعلق عليه بما شئت، كيف تعلمته، التجارب التي خضتها حتى تعلمت هذا الدرس، كيف سواجه العقبات التي علمتك هذا الدرس.

و قد تبدو فكرة أن تجلس و تخرج لنا دروس سنين حياتك دفعة واحدة أمراً ليس بالسهولة المتوقعة، و هذا صحيح تماماً. لذلك هناك عدة أفكار تساعد على استخراج هذه الدروس و العبر من حياة كل منا لعل منها:

  • خذ وقتك فلا نطلب منك إنهاء المشاركة في يوم أو يومين. لكل ليس لك أن تأخذ سنة أو سنتين :).
  • أن تحمل معك ورقة صغيرة و قلماً أينما ذهبت – و لعل أجهزة الموبايل تحل محلها بسهولة – لتسجل عليها أي فكرة تخطر ببالك. فلا تعلم أين و متى تأتيك. بالنسبة لي معظم الأفكار تأتيني و أنا في إحدى وسائط النقل!.
  • أن تبحث في مذكراتك فلا بد و أن تجد تجربة أو حادثة تعلمت منها شيئاً، و إن كنت لا تسجل مذكرات لك في أيامك فأنصحك بأن تبدأ بذلك، لأنك تهدر الكثير من دونها.
  • أن تجلس مع أصدقائك و تتناقشوا حول هذه الفكرة – لعل الناقش يعيد إليك حادثة كنت قد نسيتها و تعلمت منها درساً.

طبعاً نحن لا نريد كل الدروس التي تعلمتها دفعة واحدة.فلك أن تجزأ مشاركتك و ترسل لنا كل فترة مقالة تتحدث فيها عن درس من دروس حياتك. و هذا أفضل لنا و لك.

و كإضافة لهذا المشروع، و إغناء لهذه التجربة:

بعد أن تنتهي من كتابة و استخراج دروس حياتك. نريد منك أن تعود بالزمن إلى الخلف عشر سنين أو أكثر – كما تحب – و أن تكتب لنا قائمة بالأمور التي تتمنى لو أنك فعلتها حينها أو افكاراً أو مشاريع تتمنى لو أنك بدأتها حينها. خطوات لم تخطها تتمنى لو أنك خطوتها… على شكل قائمة.

فقد تكون إحدى تلك الخطوات و الأفكار هي المشروع التي يبحث عنه غيرك. و قد يكون كتابتك لها تشجيعاً لنفسك على أن تنهض و تبدأ بما تتمناه.

تجربتك تغني المشروع مهما كانت. و مهما كان حجم مشاركتك فهي إثراء للشروع و دعم للفكرة. و نشر للفائدة على نطاق أوسع، فلعل أحداً يتعلم من حياتك درساً يغير في حياته الشيء الكثير فتكون بعد الله تعالى سبباً في دعمه و تطوير حياته – فلا تبخل بها.

و لك أن تختار أية وسائط مساعدة (فيديو، صورة، اقتباس، مقولة…) للدروس التي تكتب عنها. و يمكن أن يتم ذلك لاحقاً بعد نشر المشاركات. و يمكنك بالمثل المساعدة في انتقاء الوسائط المناسبة لمشاركات الآخرين. و بذلك يكون العمل جماعياً بكل معاني الكلمة.

و إذا قررت المشاركة – و هذا ما نتمناه – فنتمنى منك:

  • أن ترسل لنا مبدئياً – عبر الإيميل أو عبر التعليق – تعلمنا برغبتك بالمشاركة.
  • أن ترسل لنا صورة (شخصية أو رمزية) تختارها لنفسك، مع البيانات الشخصية الأولية عنك (كالإسم و العمر و الدراسة أو العمل، مدونتك أو موقعك الشخصي، سطور تحدثنا بها نفسك، و أية معلومات شخصية تختارها…) و الصور ستضاف إلى شعار المشروع و الذي أحببنا أن يكون على شكل شجرة تنمو مع كل فرد ينضم للمشروع. و سيتم إدراج الصورة حال وصولها.
  • أن تساعدنا في نشر الفكرة بالطريقة التي تناسبك. في أسرتك أو بين أصدقائك أو لأي شخص ترى أن حياته تحوي دروساً يمكننا أن نتعلم منها الشيء الكثير. و لك الأجر إن شاء الله.
  • في شجرة المشاركين، كل من تدعوه لهذ التجربة سيكون فرعاً من فروعك عرفاناً منا لك بجهدك في نشر الفكرة. لذلك إن كنت تلقيت الدعوة من شخص ما فأرسل لنا اسمه.
  • إن أمكنك – و يا حبذا – أن تكتب مشاركتك بلغة ثانية (الانكليزية أو الفرنسية…) فنشكرك سلفاً. و سيتم نشر المشاركات التي ترسل بلغة ثانية في صفحة خاصة بها.

كل ما نريده من هذه الفكرة هو نشر العبر و الدروس التي تعلمها كل منا في حياته، إيماناً منا بأنها تحوي الكثير من الفائدة التي يمكن لها أن تغير في حياتنا و حياة الكثيرين.

المدونة التي تم تخصيصها للمشروع:

http://mylifetaughtme.wordpress.com

و الإيميل:

mylifetaughtme@hotmail.com

و سيتم نشر المشاركات بشكل كتاب الكتروني يصدر منه اصدارات كلما وصلت مشاركات جديدة.

و إن شاء الله تعالى سيتم تدشين المشروع حالما تصلنا كمية مناسبة من المشاركات. لذلك نتمنى أن ترسل لنا مشاركتك متى استطعت حتى تكون من المساعدين في انطلاقة المشروع. علماً أن المشروع سيبقى مفتوحاً إلى ما شاء الله. و يمكنك التعديل على مشاركتك لاحقاً بالشكل الذي تراه مناسباً.

كوننا: بيت ماب غرافيكس أم فيكتور غرافيكس

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم و الصلاة و السلام على نبيه الكريم.

حدودنا

كنت منذ صغري أؤمن بمبدأ اخترعته لنفسي، و هو أنه لا حدود لكوننا هذا سواء للخارج أو للداخل. بمعنى أنه لا حدود للكون فهو واسع كل السعة لا يحده حد، هذا باتجاه الخارج، أما اتجاه الداخل فانت حين تبحث عن أدق مكونات المادة فإنك لن تجد ضالتك. فمن الذرة للنواة لمكونات النواة إلى الكواركات… و لا ندري ما سيكشفه العلم لنا. من ناحيتي لا أعتقد أننا سنصل لشيء نعتبره نهاية حدود المادة. لأنه – على الأقل – ليس من عادة عقلنا هذا أن يقف عند حد ما دون أن يحاول كسره و اجتيازه. هذا ما كنت و لا زلت أؤمن به.

و كنت أقول لنفسي إن هذا من أسرار عجزنا في هذا الكون. و بقرائتك هذا التدوينة ستعرف أنت كما عرفت انا لماذا كان هذا المبدأ – بالنسبة لي على الأقل – من اسرار عجزنا في هذا الكون. و لكن لا بد لتتوضح الصورة من أن نخوض في عدة أفكار. هذه الافكار أؤمن بها و لا ضرورة لتؤمن بها أنت. كل ما أحاول عمله هنا هو إخراجها من رأسي و حشوها في رأسك :).

الفكرة الأولى هي حدود الكون. يبحث العلماء منذ زمن بعيد عن حدود الكون، و لا يزالون يتحفوننا بين الفينة و الفينة بآخر مجسم لكوننا الشاسع. و لكن ألا تعتقد معي أنه من العبث البحث عن حدود لهذا الكون! قد تبدو هذه الفكرة للوهلة الأولى غير عابثة و لكن لنبسطها قليلاً.

الكون على ما نعرفه له ثلاثة أبعاد – و بغض النظر عن البعد الرابع – سنبسط هذا الكون إلى بعد واحد. لأن الأبعاد لا تختلف عن بعضها إلا بالاسم. هل تتذكر مستقيم الاعداد و كيف كنا نبدأ بالصفر و نذهب لليمين إلى اللانهاية الموجبة و إلى اليسار إلى اللانهاية السالبة. نحن نعتقد بأن هذا المستقيم لا حدود له و هذا ماجعلنا أصلاً نضع مصطلح اللانهاية. إذاً نحن نؤن بأنه لا حدود لهذا المستقيم فإن جاء من يقول لك هذه هي اللانهاية ما عليك إلى أن تضيف 1 إليها لتحصل على لا نهاية جديدة و تضيف بذلك صفة أخرى لمن قال لك بأن هناك لا نهاية. إذاً نحن مقتنعون تماماً بأنه لا حدود لهذا المستقيم و من العبث تماماً البحث عن عدد لا عدد بعده إذ يبدو هذا أمراً غير منطقياً.

الآن انطلاقاً من أن مستقيم الأعداد لا نهاية له – و مستقيم الأعداد يمثل بعداً واحداً – سنضع قربه أخاه مستقيم الأعداد الآخر    فـ ـيـ ـتـ ـأ تـ ـى لدينا مستو مكون من مستقيمي أعداد لا منتهيين بالتالي سيتكون لدينا مستو لا منته من الحدود، أي لا حدود له و من العبث البحث عن حدود له. الآن و بالمثل نأتي بمستقيم ثالث و ننصبه على ملتقى المستقيمين السابقين فينتج لدينا فراغ. هذا الفراغ لا حدود له لأنه مكون من مكونات لا حدود لها منطقياً. فلماذا يتعب العلماء أنفسهم في البحث عن حدود للكون!!! و بالمثل عم أدق مكونات المادة!!! في الوقت الذي يقرون فيه بأن لا حدود لمستقيم الأعداد.

هذا الفهم سيقودنا لحقيقة أخرى تتعلق بالمادة نفسها. الآن أنت تمسك بالفأرة و تدير الدولاب نزولاً و صعوداً متأملاً في هذا الكلام الفارغ – و لا يهمّك – أنت إذاً على يقين بأن هذه الفأرة موجودة و أنها مكونة من مكونات محسوسة أي موجودة. و أنت عندما تتأملها تعرف لها حدوداً و حجماً و مقاييس معينة. و تراها “بأم” عينك، أليس كذلك؟ حسن. دعنا نغص للعمق قليلاً لنرى حقيقة هذه الفأرة التي تراها.

الفأرة مكونة من مادة، هذه المادة مكونة من ذرات. هذه الذرات لها مكونات هي النواة و الالكترونات التي تدور حولها. و لكن الأبعاد التي بين مكونات الذرة هذه نسبة لحجمها كبيرة جداً جداً لدرجة تشبه الأبعاد بين أجرام المجموعة الشمسية.  إذاً أنت عندما تنظر إلى الفأرة فإنك ترا مجموعة كبيرة جداً من الذرات المتراصة قرب بعضها البعض، و لكن لو أزلنا هذه الفراغات فيما بينها لتلاشت تماماً! إذاً كيف تراها!

قبل أن نكمل في حديثنا عن الذرات و كيف نراها دعنا نلق نظرة على بنية العين و كيفية رؤيتنا للاشياء.

و قبل أن نلقي نظرة على العين و كيفية رؤيتنا للأشياء دعنا نتعرف على بنية الصورة و كيفية عرضها على الشاشة التي تقرأ منها الآن.

فيما يخض الصور (الغرافيكس) التي تراها على شاشة الكومبيوتر لدينا نوعان من تقنيات عرض الغرافيكس:

الأولى: تسمى Bitmap graphics

و الثانية: Vector Grahpics

و الفيديوهات التالية توضح الفرق بينهما

أنا أفضل الفيديو الثالث. حاول مشاهدتها كلها لأن فهم هذه النقطة مهم جداً في هذه التدوينة.

ما يهمنا الآن التقنية الأولى. إذاً الصورة التي تراها أمامك مؤلفة من مكونات صغيرة متراصة قرب بعضها البعض لتكون الصورة الكاملة التي تراها عن بعد. هذا يذكرني بلوحات الفسيفساء التي كنا نعملها من ورق الأشغال الملون حيث نرسم صورة ما ثم نأتي بورق الأشغال الملون و نبدأ بتقسميها لمكونات صغيرة بالمقص حتى ننتهي من الرسم به، و بعد ذلك و عند النظر من على مسافة معينة تبدو و كأنها رسمة و ليست فسيفساء. تقريب المسافة قليلاً يظهر لنا الحدود الضغيرة بين أجزاء قطع الاشغال الصغيرة.

و لعل الصورة التالية تقرب المفهوم أكثر

لاحظ الفرق بين الصور

الفرق هو في حجم المكونات التي تشكل الصورة. في الصورة الثانية بدأت تظهر الحدود بين هذه المكونات (البكسلات) و هكذا حتى آخر صورة حيث ضاعت الصورة نفسها بسبب كبر حجم المكونات.

تسمى هذه المكونات بالبكسلات. فالبكسل هو مربع (مكون وحيد) لا يتجزأ و له لون وحيد. أي أنه الحجر الأساسي في بناء الصورة. بمعنى انه وحدة الصورة الأساسية.

و تذكر أن الصورة الأولى مكونة أيضاً من بكسلات و لكنك لا تراها لأنها صغيرة كفاية. و هكذا نفهم أنه كلما زاد عدد البكسلات في الصورة نفسها زادت دقتها أكثر لأنك ستحتاج لأن تكبرها كثيراً حتى تبدأ في رؤية الحدود بين البكسلات. لا تنس أن البكسل ليس له بعد معين بمعنى ليس له طول و عرض واحد. فهو ليس واحدة للمسافة و الطول. إنما هو مبرع يحوي لون واحد و يمثل اصغر بنية في بناء الصورة. فعندما نقول أن صورة  معينة دقتها 600*800 بكسل فهذا لا يعطينا اي فكرة عن طولها و عرضها بالسم. إنما نفهم من هذا الكلام أنها مكونة من عدد من المربعات طولاً 800 و عرضاً 600 مربع (بكسل) وحيد اللون. بالتالي لدينا 480000 مربع صغير في هذه الصورة. فقد تكون الصورة بأبعاد 6*8 سم. بالتالي في كل 1 سم هناك 100 بكسل. و قد تكون 6*8 م بالتالي في كل متر 100 بكسل. و لاحظ الفرق بين البكسل في الصورة الأولى و الثانية.

أما بالنسبة للفيكتور غرافيكس فالأمر مختلف تماماً. إذ أن ما يحدد حدود الصورة هو معادلة رياضية تصف للبرنامج الذي يعرض الصورة كيفية رسم الصورة لنراها نحن. و لتقريب المفهوم أكثر:  لنقل أني رسمت دائرة بالبيت ماب غرافيكس. هذا يعني أني استخدمت عددا من البكسلات و رصفتها قرب بعضها البعض لرسم دائرة، يبدو للناظر لهذه الدائرة من مسافة معين أن محيطها ذو انحناء دائري. لكن عندا يقرب نظره منها يرى الفرق و يلاحظ بأن الحدود ليست دائية تماماً. لاحظ الصورة:

أما في الفيكتور غرافيكس فالرسم لا يكون باستخدام البكسلات إنما المنحنيات. أي أنك عندما ترسم دائرة في برنامج يتعامل مع الفيكتور غرافيكس فالبرنامج يفهم أنك رسمت دائرة نصف قطرها مثلاً 1سم. فيرسم لك منحنى بهذا الشكل الدائري و عندما تقوم بالتكبير فهو يعود و يرسم لك شكلاً جديداً بنفس انحناء الشكل السابق أي لن تظهر تلك المربعات مهما كبرت الصورة. هذا ما يظهر لنا. و لكن في حقيقة الأمر ما يرسمه المعال و يظهره لك على أنه فيكتور غرافيكس ما هو إلى بيت ماب غرافيكس في أرض الواقع. فهو فيكتور غرافيكس في المعالج و بيت ماب غرافيكس على الشاشة. حاول أن تنس الفكرة الأخيرة و تابع :).

راجع الفيديوهات السابقة لتتضح الصورة أكثر.

الآن لنبتعد مرة ثانية عن الموضوع:

العين التي نرى بها الأشياء، ما التقنية التي تستخدمها لطبع الصورة و نقلها لأدمغتنا. حتى تتضح الصورة أكثر سنتحدث عن بينة العين بشيء من التفصيل الذي يهمنا في هذه المقالة.

و لتوضيح الصورة (المعنى و ليس الصورة لأن المعنى لا يمكن أن يكون مؤلفاً من بكسلات 🙂 ) أكثر سنقارن بينها و بين الكاميرا.

الكاميرا مزودة بعدسة تنقل الصورة التي تراها أمامك إلى مستشعر. هذا المستشعر مكون من ماذا برأيك؟ إنه مكون من مستشعرات صغيرة جداً مرصوفة قرب بعضها البعض. عندما ترتسم الصورة على المستشعر، ترتسم جزئيات الصورة على المستشعرات الصغيرة المكونة للمستشعر الخاص بالكاميرا. و هنا كل مستشعر صغير يتحسس الضوء الذي سقط عليه. و يبعثه للمعالج، المعالج يبدأ برسم الصورة مربعا مربعا، كل مربع يرسمه المعالج يأتي بلونه من المستشعر الصغير المقابل له. هذه المربعات هي البكسلات التي تؤلف الصورة بالنهاية. إذاً كل بكسل من الصورة التي تنتج لديك من الكاميرا الرقمية أتى من مستشعر صغير من المستشعر الخاص بكاميرتك. بمعنى آخر: لو كانت كاميرتك تنتج صوراً بدقة 600*800 فهذا يعني أن المستشعر الخاص بها مكون من 600*800 مستشعر جزئي و هكذا. فالمستشعر هو الذي يحدد دقة الكاميرا بعدد البكسلات التي يستطيع تحسسها و نقلها للمعالج الذي يرسم الصورة الكلية بكسلاً بكسلاً بكسلاً.

لتوضيح الصورة أكثر لن نتحدث عن عيون الحشرات إنما حاول أنت أن تبحث عنها قليلاً. سترى أنها تعمل صراحة بتقنية البت ماب غرافيكس.

تستنتج من هذا أن كاميرتك ترسم صوراً بتقنية البيت ماب غرافيكس و ليس الفيكتور غرافيكس. و لا و لن و كلا و لم تجد كاميرا رقمية ترسم صوراً بتقنية الفيكتور غرافيكس – و على كفالتي.

بالعودة للعين البشرية.

تتشابه الكاميرات الرقمية مع العين البشرية تشابهاً كبيراً و في الواقع ما الكاميرات الرقمية إلا تقليد للعين البشرية. الآن ماهو برأيك المستشعر الموجود داخل العين البشرية؟ إذا تذكرت دروس العلوم المملة في الثانوي فستتذكر العين و الشبكية الخاصة بها. و هي الجزء الحساس للضوء في العين البشرية، و بنيتها تشابه المستشعر الموجود في الكاميرات الرقمية مع فارق أنها من صنع الخالق عز وجل و فيها من الإعجاز ما لن تتوصل له كاميرا رقمية. سنتحدث عن ذلك الإعجاز بالتفصيل لاحقاً. المهم الآن هو أن تعرف أن الشبكية أيضاً مؤلفة من مستشعرات صغيرة – العصي و المخاريط – مع فارق أنها ترتصف بتراكيز معينة (لأهداف معينة) تختلف عن المستشعر الذي ترتصف مستشعراته بالتساوي ودون أي اعتبار لما تريد مشاهدته. هذه العصي و المخاريط هي المستشعرات الصغيرة التي تلتقط معلومات الضوء و ترسلها للدماغ الذي يبدأ برسم الصورة.

العصي و المخاريط الملونة التي تراها تمثل المستشعرات الصغيرة المؤلفة لمستشعر العين.

قل لي الآن ما هي التقنية التي تستخدمها عينك في رسم الصور؟ بيت ماب غرافيكس أم فيكتور غرافيكس؟

بالتحديد هي تقنية البيت ماب غرافيكس.

الآن لا بد و أنك بدأت تتساءل ما علاقة كل هذا بحدود الكون و الذرات و و و…؟!

حسن – لنحاول استعراض هذه التقنية من منظور بحثنا عن حدود الكون. سنستعرض أولاً بعض المشاكل التي تواجه هذه التقنية أو لنقل الحدود التي تستطيع هذه التقنية ايصالها لنا.

لنتخيل الشكل التالي. و لتسهيل الرسم علي سأرسم في مستو واحد. سأرسم مستشعراً (شبكية) مؤلفاً من خمس مستشعرات صغيرة. بمعنى أن الصورة التي ينتجها تحوي فقط 5 بكسلات مرتصفة قرب بعضها البعض.

لنفرض أن جسماً وقف أمام المسشعر و انعكس ضوء الشمس عليه و اتجه نحو المستشعر. تحسس المستشعر لشعايين ضوئئين قادمين من الجسم و التقط قيمة الضوء (لونه) من هذين الشعايين الضوئيين و ارسلهما للمعالج الذي أرسلهما للشاشة و رأيت ما رأيت. لاحظ أيضاً أن الجسم الذي كان مؤلفاً من قسمين قسم أخضر و قسم بنفسجي كان يكفينا لكي يتحسس مستشعرنا هذين الضوئين أن يأيته شعاع ضوئي واحد من كل قسم. و باقي الأشعة للكب! ماذا يحدث هذا لينا من فرق؟ ستعرف بعد قليل.

هذا إذا كان الجسم بسيطاً. ماذا لو كان أكثر تعقيداً. بحيث انبعث عنه أكثر من شعاع ضوئي و أبقينا نحن على المسشتعر نفسه. ماذا سيحدث. تأمل الشكل التالي.

هل لاحظت المشكلة؟ لا شك في ذلك. و لو سالناك كيف يمكن لنا أن نحل هذه المشلكة؟ بماذا ستجيب؟

لا شك بأنك ستقول برفع دقة المستشعر. و هذا صحيح مئة بالمئة. رفع دقة المستشعر سيحل المشكلة تماماً، ليس تماماً تماماً.

لنعد إلى عيننا قليلاً. كم عدد المستشعرات التي تحدثنا عنها في العين. يقارب عددها 130 مليون مستقبل، و بغض النظر عن عدد الألياف العصبية التي تتصل بها سنقول أنها بعددها. إذاً العين ترسم لنا صورة فيها ما يقارب الـ 130 مليون بكسل. أي ما يقارب كاميرا بدقة 130 ميغا بكسل و هو رقم مهول و هو أقل تقدير لأن العين في الحقيقة تمتلك دقة أكبر من هذا بكثير و هو ما سنتحدث عنه لاحقاُ إن شاء الله فالعين تمتلك من المميزات ما يجعلها تتفوق على أي كاميرا رقمية. ما يهمنا هنا الآن هو أن عددالبكسلات التي تستطيع العين توليدها هو 130 مليون بكسل. لكن لننظر الآن للأجسام التي نراها بعيينا، ما هو عد البكسلات التي تحويها هذه الأجسام؟

قد تقول لي هناك مشكلة في هذا السؤال. و هذا صحيح. المشكلة أني اعتبرت الأجسام من حولنا بيت ماب غرافيكس و لذلك اعتبرت أنها مؤلفة من بكسلات أي أجزاء صغيرة تؤلف هذه الأجسام. و لكن هل هذا صحيح؟ هل الدنيا من حولنا بيت ماب غرافيكس أم فيكتور غرافيكس أم شيء آخر تماماً؟؟؟ فكر في الموضوع و أعلمني برأيك قبل ان نتابع في موضوعنا.

و كنوع من المراجعة لأفكار هذه التدوينة لنقل التالي:

الكون – برأيي – ليس له حدود سواء للخارج أو للداخل – و هذا أمر يقر به العقل رغم أنه لا يستطيع فهمه. تماماً كإقراره بأن مستقيم الأعداد لا نهاية له رغم أنه لا يستطيع تخيل ذلك.

لدعم هذه الفكرة تحدثنا عن الافكار التالية (لم ننته بعد و لكن نأخذ استراحة):

في تقنيات عرض الغرافيكس على الشاشات لدينا نوعان: بيت ماب غرافيكس و فيكتور غرافيكس

البت ماب غرافيكس موؤلفة من بكسلات ترتصف قرب بعضها البعض لتؤلف الصورة.

و فيها لا يمكن لنا أن نكبر الصورة كثيراً لأن ذلك سيشوهها و يؤدي لظهور البكسلات.

بالتالي هي مؤلفة من وحدات بناء أساسية هي البكسلات.

الفيكتور غرافيكس ليس مؤلفاً من وحدات بناء أساسية. إنما يكون الشكل وحدة واحدة غير مجزأة. يتحدد شكلها بمعادلات رياضية تصف للمعاجل كيف يرسم الشكل لك. بالتالي لا نواجه أي مشكلة في التكبير و التصغير هنا.

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته