تساؤلات 1

بسم الله الرحمن الرحيم

هل تذكر درس الاخطاء النسبية في الصف الأول الثانوي؟ كان أمقت درس لدي. لاحد سببين، إما لانه مقيت حقاً أو لأن المدرس كان مقيتاً.

هل تتذكر ما هي الاخطاء النسبية؟ بكل بساطة هي أنك كلما اجريت قياساً بأداة قياس ما فإنك ترتكب خطأً نسبياً في نتيجة القياس. لنفرض أنك قمت بقياس طول قلمك الرصاص (أنصحك بعدم استخدام القلم الرصاص لأن مدرّسة اللغة العربية نصحتني بذلك و قالت لي بأن استخدامي لقلم الحبر يعلمني على الثقة بالنفس بينما قلم الرصاص يعلمني على التردد) إذا لا تقم بقياس طول قلم الرصاص إنما قلم الحبر. و لنفرض أن طوله كان 10 سم. طبعاً هذه النتجة ليست دقيقة 100% بسبب وجود خطأ نسبي ناتج عن عدة عوامل:

  • منها الخطأ الحاصل في تقديرك للطول.
  • درجة الحرارة المتغيرة.
  • الخطأ الحالص في وضع القلم على السطرة.
  • منها الخطأ في تعيين المسافات على المسطرة نفسها. و الذي بدوره يعود لعدة أسباب منها عدم دقة الآلة التي صنعت المسطرة و التي نجمت عن عدم دقة من صنع تلك الآلة و هكذا.

ما يهمنا هو أن الخطأ النسبي موجود. لكن السؤال هو: هل يمكن النخلص من هذا الخطأ النسبي؟

ببساطة: لا يمكن. كل ما يمكننا فعله هو تقليل هذا الخطأ.

سؤال آخر: كيف تؤثر هذه الأخطاء النسبية على حياتنا؟

تؤثر الأخطاء النسبية على حياتنا بشكل نسبي :)، بمعنى أنه تأثيرها موجود و لكن مدى إدراكنا لهذا التأثير و تأثيره عملياً على حياتنا أمر يختلف بحسب الموقف و بحسب القياس المطلوب و المهمة المطلوبة من الجهاز. لنأخذ على سبيل المثال السيارة التي تقودها. في هذه السيارة آلاف القطع التي رُكبت مع بعضها البعض لتشكل هذه السيارة، تم ارتكاب خطأ نسبي بسيط أثناء صناعة كل من هذه الأجزاء، فهي حتماً ليست بالمقاسات التي تم تصميمها في برامج التصميم. بالنتيجة تتراكم الأخطاء النسبية لتعطينا خطأً نسبياً في كل مهمة تؤديها السيارة. فمثلاً عندما تنظر لعداد السرعة و تقرأ الرقم 60 كم|سا فهذا الرقم غير دقيق تماماً بسبب عدم دقة نظرك إليه و بسبب الأخطاء النسبية الموجودة في القطع التي تقوم بتقدير السرعة. هذا الخطأ النسبي في السرعة لا يؤثر إطلاقاً على أية مهمة تقوم بها في السيارة لأنه خطأ بسيط جداً. و لاحظ أنه مع وجود خطأ نسبي في كل قطعة من قطع السيارة فإنها تعمل و تسير. أي أن هذه الأخطاء النسبية لم تؤثر على عمل السيارة ككل. إذاً أين أثرت؟

يعتمد تأثير الاخطاء النسبية على المهمة المرجوة من الجهاز. ففي حالة السيارة لم تؤثر هذه الأخطاء لأن المهمات التي تؤديها السيارة ليست مهمات دقيقة يظهر معها تأثير هذه الأخطاء. أي أن تأثيرات الأخطاء النسبية تعتمد عل طبيعة المهام المرجوة من الجهاز. فلكل مهمة مجال معين من الخدأ النسبي لا تتأثر معه النتيجة. فمثلاً يمكن أن نخط نسبياً بتقديرنا لارتقاع الجسر الذي نريد أن نمر من تحته بسيارتنا سالفة الذكر ضمن مجال يقع بين الصفر و النصف متر مثلاً، و لكن ارتكاب خطأ بمجال بين المتر و العشرة أمتار سيؤدي حتماً لنتائج غير مرغوبة. إذاً لكل مهمة مجال معين مطلوب من الدقة يعطينا مجالاً معيناً مسموحاً من الأخطاء النسبية التي سنرتكبها حتماً. و ستسير السيارة إذا كان الخطأ في قطر العجلات أصغر من نصف مل مثلاً و ستحدث مشاكل إن كبر الخطأ عن ذلك المجال.

مثال آخر شائع جداً هو ضوء الليزر. ينتج الليزر حزماً متوازية من الضوء تخرج من المنبع متوازية و تبقى متوازية لللانهاية، مبدئياً. طبعاً الحزم غير متوازية 100% بسبب الأخطاء البسيطة جداً جداً جداً المرتكبة في قطع ضوء الليزر، كيف يمكننا رؤية الخطأ في ضوء الليزر؟ عملياً و بسبب الخطأ البسيط جدً فلن تتباعد الأشعة (إنما ستبقى متوازية عملياً) لمسافات كبيرة، و لكن على بعد معين (كبير جداً) تبدأ الأشعة بالانفراج عن بعضها البعض. علماً أنها بدأت بالانفراج منذ خروجها من المنبع و لكن صغر هذا الانفراج و عدم وجود أجهزة دقيقة كفاية لكشفه يجعلنا عاجزين عن كشفه.

إذا نخلص إلى أننا لا نستطيع بحال من الأحوال من إجراء قياس دقيق 100%. الاشياء لها أبعاد معينة ثابتة (مبدئياً) و لكننا لا نستطيع تحديديها بدقة مطلقة. كل ما يمكننا فعله هو قياسها مع مجال من الخطأ النسبي يصغر بزيادة دقة الأجهزة المستخدمة دون أن يصل للصفر.

السؤال الآن: لماذا لا نستطع أجراء قياس دقيق 100%؟

الجواب هو لأننا ببساطة لم نتمكن بعد من تحديد حدود المادة. بمعنى أننا لم نحدد أصغر جزأ تقف عنده حدود المادة، هذا إذا اعتبرنا أن لها حداً تقف عنده.

إذ لو أننا وجدنا حداً تقف عنده المادة و لنفرض أنه جدلاً الذرة، لأمكننا بعد ذلك من إجراء قياسات دقيقة إذا صنعنا أجهزة تقيس بناء على مستوى الذرات. إذ يمكننا عندها من وضع وحدة قياس بناء على الذرة مثلاً لنقل أن الـ لسم المستخدم عالمياً هو مليون و واحد ذرة كربون. بذلك نقول إن قلمك الحبر طوله عشر سم و 1 ملم. يمعنى أن طوله يعادل عشر ملايين و عشر ذرات كربون.

إذاً عند تمكننا من صنع جهاز يقيس بناء على الذرة ( التي افترضنا أنها أصغر حدود المادة – فلا تقل لي أنك تملك مثلاً قلك حبر طوله مليون ذرة و نصف! لأنه إذا اعتبرنا حدود المادة الذرة فلا يوجد شيء اسمه نصف ذرة) فإنه يمكننا بذلك من إجراء قياسات دقيقة 100%.

ترى متى يمكن لنا أن نجد قياسات مطلقة؟

ببساطة يمكنك أن تجري و تقوم بقياسات مطلقة على الورق. ارسم مثلثاً قائماً طولا ضلعيه القائمتين 3 و 4. هنا طول ضلعه الثالثة حتماً 5. (قصدت بالورق نظرياً و ليس الرسم الفعلي – و  لا تقل لي بأني لم أقم بعملية قياس هنا إنما حساب. في مثل هذه البيئة كل القياسات تتم بالحساب لذلك سأسميها قياس). و هذه الـ 5 حتمية و مطلقة و دقيقة 100%. ترى لماذا لا يوجد خطأ نسبي هنا. ببساطة لأنه لا توجد متحولات تتحكم بقيم الأضلاع التي منها قمنا باستنتاج طول الضلع الثالثة. أي أننا ألغينا كل المتحولات التي تبدل و تغير من طول الأضلاع بسبب الأخطاء النسبية (وذلك الأمر تم في عقولنا فقط).

إذاً في ذهنك أو في برنامج للتمصميم على الكومبيوتر مثلاً (بشكل مجازي) القياسات التي تتم دقيقة 100% و مجرد أن تخرج لأرض الواقع تبدأ الأخطاءا لنسبية بالظهور. لأننا نبدأ بالتعامل مع متحولات نعرف بعضها و نجهل كثيراً منها.

إذاً: بما أننا لا نعرف حدود المادة فلا يمكننا أن نجري قياسات دقيقة 100%.

لماذا لا نعرف حدود المادة؟

ببساطة لأننا لسنا من خلق هذه المادة. عدم معرفتنا لحدود المادة يقودنا لشيء جوهري هو لماذا سميناها المادة و أطلقنا على ظاهر أخرى اللامادة. يمعنى أننا نقول مادة و طاقة و كأننا نعرف الفرق بينهما. فنقول إن المادة تتحول لطاقة و الطاقة تتحول لمادة.

الذي أريد الوصول إليه هو أننا طالما لانعرف حدود المادة فإننا لن نصل لمعرفة المتحولات التي تحكم ظاهرة ما، و بالتالي لن نستطيع الوصول لقانون ما (إنطلاقاً من دراسة ظاهرة من خلال متحولاتها) يصف ظاهرة ما بدقة مطلقة لأننا بالأساس لا نعرف المتحولات كلها التي تحكم هذه الظاهرة لأننا لا نعرف إلى أين تنتهي حدود المادة سواء للداخل أو الخارج. إذاً في تطور العلوم ستبقى القوانين تتجه نحو الدقة المطلقة دون أن تصل إليها.

ستقول لي: ماذا بعد؟

سنحاول الربط بين هذه التساؤلات و موضوع المقالة السابقة التي تحدثت فيها عن البيت ما غرافيكس و الفيكتور الغرافيكس. والتساؤل الذي يتساءل 🙂 عما إذا كان كوننا في بنيته بيتات ترتصف قرب بعضها أم فيكتور لا ينتهي؟

بداية أود أن أسطر بعضاً من نقاش خضناه أنا و صديقي “الكمومي” عبد الرحمن، و كان النقاش فيما إذا كان الكون بيت ماب أم فيكتور غرافيكس.

أنا كنت أحاول أن أقنع نفسي بأن هذا الكون هو فيكتور غرافيكس و ليس بيت ماب غرافيكس. هنا طرح علي عبد الرحمن نقطة مهمة:

النقطة تقول لك ما يلي: لو أنك حركت يدك من اليمين لليسار مسافة معينة و لنقل 50 سم. إذا كنت تعتقد أن المسافة بين النقطتين التيان حركت بينهما يدك مؤلفة من عدد لا منتهي من النقاط فكيف تفسر أن يدك مرت على عدد لا منته من النقاط. إذاً لا بد من أن يكون الكون مؤلفاً من عدد محدد من النقاط التي مرت يدك عليهم أثناء هذه الحركة. و لا يمكن أن يكون عدد النقاط التي تحركت عليهم يدك لا منهياً لأنها بالتالي ستأخذ وقتاً لا نهائياً حتى تمر عليهم جميعاً.

المشكلة في هذه المقاربة أننا نحن نوقع أنفسنا في خطأ و نتابع الحديث لنوقع نفسنا في إشكالية من حيث لا ندري. المقاربة لهذه الخطأ الذي نركتبه يمكن أن تتوضح لنا في المسطرة. المسطرة أو مستقيم الأعداد مثلاً يحوي بين النقطة 0 و 50 خمسين تدريجة سم. و كل سم 10 ملم. إذاً عندما أحرك يدي فانا أمر على 500 ملم أي على 500 نقطة مرسومة على المستقيم. هنا يمكن لنا أن نقسم الملم إلى 10 و بالتالي تمر يدي على 5000 نقطة و هكذا دواليك. إلى اللانهاية. أي عملياً يمكننا تكرار هذه العملية مالانهاية من المرات و في كل مرة نحصل على عدد محدد من النقاط. أي أن عدد النقاط في كل مرة محدد و كلن عدد مرات التجربة غير محدد. بمعنى أن يدي تمر على عدد محدد من النقاط، التي نحن نختار مستواها بأنفسنا. هذا من جهة.

من جهة أخرى، عندما أقول أنا بأن الكون غير منته، بمعنى لا نهاية للصغر في المادة (و الكبر في الفضاء) فهذا لا يعني أني اقول أنه هناك عدد لا محدد من النقاط “الموجودة فعلياً” بين الـ 0 و 50. لاحظ كيف يمكننا نحن أن نرسم و نحد على مستقيم الأعداد عدداً غير منته من النقاط. هذا لا يدل بشكل من الأشكال على حقيقة الكون هل هو منته أم لا.

ثم إن السؤال نفسه: هل الكون بيت ماب غرافيكس أم فيكتور غرافيكس ليس شاملاً. فالكون قد لا يكون كلاهما. و لكن ما أنا متأكد منه هو أنه ليس بيت ماب غرافيكس. أي لا يمكن أن تكون هناك نقاط أمو جزيئات تشكل بنية هذا الكون. نقاط مادية أقصد.

هنا ننتقل إلى المادة. برأيك ما هي المادة؟ هل تستطيع وضع تعريف للمادة أو الطاقة؟

إذا كنت تعتقد أن التفاحة شيء مادي دعنا نلق نظرة عن كثب، و لنر أين ستظهر لنا المادة. تتألف التفاحة من ذرات. ننتقل للذرة: تتألف من نواة و الكترونات تدور حولها. الاكترونات مجهولة البنية. النواة تتالف من نترونات و بروتونات. النترونات و البروتونات تتالف من بوزيترونات. لست ضليعاً في هذه التقسيمات و لكن أذكر أننا نصل إلى الكواركات. هذا ما وصل إليه العلم حالياً. إذا التفاحة عملياً هي كواركات ليس إلا. عدد هائل من الكواركات. ترى ما هي الكواركات؟ من يدري فقد تكون مؤلفة هي بدورها من جسيمات لنسميها شاديات. و هكذا دواليك. إذا ما هي التفاحة؟ هل هي شاديات مثلاً؟ و من ثم ما هس المادة؟؟؟

باعتقادي طالما أننا لم نستطع فهم بنية المادة فلن نستطيع وضع تعريف للمادة. و لا يمكنناالفصل بينها و بين الطاقة. هل تذكر حينما قال لنا مدرسو الفيزياء أن المادة تتحول لطاقة و العكس صحيح. هل تستطيع أن تتخيل معي كيف تتحول المادة لطاقة. ماذا يحدث في تلك اللحظة التي تتنقل فيها الحالة من مادة لطاقة؟ ما هو الحد الفاصل بين المادة و الطاقة؟

المشكلة التي تحدث في كثير من الأحيان هو أننا نهمل جزئية معينة و نتابع الحديث و الاستنتاج، لنصل لحقيقة ما، تتعارض كلياً مع ما أهملناه و تابعنا الحديث رغم أننا لا نفهمه. فهذه الجزئية التي أهملناها قد (وغالباً ما تفعل) تقوض الحقيقة التي وصلنا لها. أوضح مثال على هذه الخطوة التي يمر فوقها العلماء دون أن يدروا أنها تغير الطريق لهم، هو ما يحدث مع كل عالم يؤمن بنظرية التطور. يحاول أن يبرهن أننا تطورنا عن القرد و الأدلة على ذلك التشابه و ما إلى ذلك، متجاهلين نقاطاً جوهرية البحث فيها يهد النظرية من أساسها. و أنا “شخصياً” و “بعيداً عن اي اعتبارات دينية” أظن أن كل عالم يؤمن بهذه النظرية إما لديه مستوى من الغباء المنطقي أو يكابر على نفسه لغرض ما.

أختم هذه المقالة بسؤال: إن لم يكن كوننا بيت ما أو فيكتور غرافيكس فماذا يمكن أن يكون؟

الحمد لله ع العافية 🙂

9 تعليقات على “تساؤلات 1

  1. السلام عليكم
    كوني شريكة فخرية للمدونة من حقي أن أتساءل إلى أين ستقودك تساؤلاتك هذه؟ و أتمنى أن تعرض التدوينات علي قبل نشرها 😉
    ذكرتني بمقالة تتكلم عن العدسات الفائقة التي يمكن أن ترسم أخيلة لأجسام أصغر من الأطوال الموجية للضوء
    http://www.scientificamerican.com/article.cfm?id=the-quest-for-the-superle
    من جهتي أعتقد أن الخوض في بنية المادة و كشف المزيد عنها لن يحدث قبل إيجاد وسائل جديدة للبحث فيها غير الوسائل التقليدية المستخدمة.
    و كما يقول Karl Popper: قبل أن نستطيع إيجاد الأجوبة، علينا أن نحظى بالجرأة لأن نسأل أسئلة جديدة.

    باعتقادي ليس أجمل للإنسان من أن يظل يسأل و يسأل و يسأل، فهذه هي السبيل الوحيدة لشق طريقه في لجج العلم.
    من جهة أخرى ما رأيك بأن تترك الطب و تتجه للفيزياء 🙂

    • و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته شريكتنا الفخرية
      و شكراً على الاقتراح الذي ستتم مناقشته مع مجلس إدارة المدونة، تأملي خيراً 😉
      و شكراً على المقالة و لكنها غير كاملة كما أظن 😦 و انا معك بأننا بحاجة لطرح أسئلة جديدة و بناء تقنيات جديدة حتى نتمكن من السير قدماُ في بحور العلم.
      فالأمر مرهون بطريقة التفكير – و كان و لا يزال العلماء بين الحين و الحين يبهروننا بطرق خلاقة في تفكيرهم و اكتشافاتهم. فالعلم كما الفن تماماً، يحتاج دوماً للإبداع الذي ليس له حدود.

      • يعني هذا تساؤل مثلاً 🙂 بعد الاشتراك يمكنك قراءة كامل المقالة ;).
        http://www.mediafire.com/?2kl73blve39h7yr
        هذا العدد يحتوي على مقالة العدسات الفائقة. حاولت رفع جميع الأعداد التي لدي على الموقع لكن يبدو أن هناك مشلة ما، سأحاول لاحقاً إن شاء الله.
        بالإضافة إلى أن مجلة العلوم الكويتية تترجم مقالات مجلة Scientific American و تنشرها بشكل الكتروني أيضاً و هذا هو الموقع
        http://www.oloommagazine.com
        و هذه هي نفس المقالة التي حدثتك عنها
        http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=2214
        مع ملاحظة وجود أخطاء في الأرشفة.

  2. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أخي وصديقي العزيز شادي قدس الله سركم.
    بدايةً أود أن أشكرك على هذه التدوينة الرائعة، ولا أملك أن أخفي استمتاعي الشديد وسروري العظيم بقراءة هذه الأفكار الجميلة.

    دعني أطرح عليك هذه المسألة.
    لنفترض أننا نريد قياس مكان نقطة ما على الطاولة. وفقاً لما طرحته أنت فإننا في الحقيقة لا نستطيع الحصول على هذا المكان بدقة، وإنما نستطيع الحصول على “مجال” تقع ضمنه النقطة.
    فمثلاً لنفترض اننا استخدمنا أداة قياس بدائية، فكانت نتيجة القياس تشير إلى أن النقطة تقع بين 5 و 6 (بغض النظر عن الواحدة). أي أن مكان النقطة أكبر أو يساوي 5 وأصغر أو يساوي من 6. عرض المجال هنا هو 1.
    جميل، الآن لو استخدمنا أداة أكثر دقة لأمكننا أن نضيق هذا المجال، وبالتالي يمكن أن نقول بأن النقطة تقع بين 5.6 و 5.7، وعرض المجال هو 0.1
    جميل جداً! لنضيق المجال أكثر، سنجد أن النقطة تقع بين 5.644 و 5.645.
    قمنا حتى الآن بإجراء ثلاثة قياسات. عند القياس الثاني تأكدنا من أن أول خانة (الآحاد) من الرقم الذي يعبر عن المكان هي 5. وعند القياس الثالث تأكدنا من أن أول خانة عشرية هي 6 وثاني خانة هي 4 . وبالتالي أصبحنا متأكدين من أن الرقم حتى الآن هو 5.64. وكلما قمنا بتضييق المجال كلما حصلنا على أرقام أكثر.
    جميل جداً، الآن لدينا حالتان: إما أن الرقم الحقيقي الذي يعبر عن المكان هو رقم لا متناهي في الدقة، أي أن الرقم هو:
    …5.64xxxxxxxxxxxxxxx
    حيث تعبر رموز x عن أرقام موجودة ولكننا لا نعرف قيمتها ونحتاج إلى قياس أكثر دقة لنكشفها، وكلما زدنا دقة القياس كشفنا خانات جديدة من هذا الرقم، ويمكن الاستمرار في هذه العملية إلى اللانهاية.
    اعتقد أن هذه الحالة تعبر عن تصورك للعالم وعن عجز الإنسان أن يحدد المكان بدقة.
    لاحظ إذاً أن هذه الحالة تعني أن الأرقام موجودة، ولكننا ومهما زدنا دقة القياس فلن نحصل إلا على قسم محدود من هذه السلسلة الغير منتهية.
    لنفترض أن هذه النقطة تحركت إلى موقع قريب من موقعها الأصلي. وعند قياس المكان الجديد وجدناه يقع بين 5.873 و 5.874.
    جميل جداً، سؤالي الآن، هل “قفزت” هذه النقطة من موقعها القديم إلى الموقع الجديد؟ أعني هل كان الانتقال بشكل “بيت ماب” أم أنها تحركت بسلاسة (بشكل “فيكتور”) من موقعها القديم إلى الجديد؟
    إن كانت قد تحركت بسلاسة فسؤالي، ما هي أول خانة بدأت بالزيادة حتى وصلت إلى الموقع الجديد؟ أعني أن تحرك النقطة يستلزم تغير الرقم المعبر عن مكانها (ولا أتكلم عن الرقم كنتيجة للقياس وإنما اتكلم عن الموقع الحقيقي الذي لا نعرفة بدقة)، وبالتالي ما هو أول رقم عشري (بعد الفاصلة) ابتدأ بالزيادة في هذه الحركة؟

    سأؤجل عرض الحالة الثانية قليلاً.
    دمت بخير 😉
    أخوكم المحب والمشتاق صاحب اللوعة في القلب.

  3. و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته
    أخي و قرة عيني عبد الرحمن
    بالنسبة للأشواق و اللوعات و العبرات فسأؤجلها لحين ألقاك 😉 لأني كما قلت لك مرة سأعبر لك عن حبي دفعة واحدة و الله يستر 🙂
    بالنسبة لتساؤلك – فبرأيي المتواضع – أن الجواب عليه موجود في آخر حديثي عن القياسات و في الحديث المقتبس من نقاشي معك. و في آخر حديثك أيضاً. طبعاً قد أكون مخطأ و يكون جواب سؤالك غير موجود و لكن على قولة المثل مابجي معك تعا معو، فتعا معي مبدئياً و عيد آخر سطور سؤالك و آخر حديثي عن القياسات لأن جوابي فيها.
    إذا ما طلع فيها مندور عليه سوا 🙂 المهم لا تحرمنا طلتك الغالية على قلوينا 🙂

  4. مولانا المعظم والحبر المبجل شادي قدس الله أسراركم البهية وأنواركم العلية.
    وبعد…
    فقد راجع العبد الفقير آخر التدوينة ولكن العمى أصابه فلم يستطع أن يرى نور الحقيقة الساطع منها المتلألئ على حروفها.
    ولذلك، فقد تجرأ على أن يستوضح منكم بعض الأمور علّ ذلك يريه النور.
    سؤالي في تعليقي السابق لا يتعلق بالقياس إطلاقاً أو بنتيجة القياس، لأنني سلمت بأن القياس عملية تكشف قيمة موجودة. بعبارة أخرى، المكان موجود بغض النظر عن أداة ونتيجة القياس. وعملية القياس ليست أكثر من كشف (وأنتم أصحاب الكشوفات والكرامات) لقسم من قيمة المتغير الذي يعبر عن المكان.
    وإفتراضك بأن الكون لا متناهي في الصغر يستلزم أن يكون الرقم المعبر عن المكان لا متناهي أيضاً. لاحظ أن وجود هذا الرقم لا علاقة له بالقياس لأن عملية القياس تكشف جزء من هذا الرقم الموجود أصلاً قبل القياس.
    وبالتالي بغض النظر عن المسطرة أو عن أداة القياس، هذا الرقم موجود. وحصولنا على تقريب له (بسبب استخدام أداة قياس معينة) لا يعني أننا حصلنا على هذا الرقم أو أن الرقم غير موجود.
    الآن، حتى أوضح فكرتي أكثر سأضرب لك مثالاً. تصور أن لدينا صف من المصابيح المتتالية الموضوعة بشكل متجاور. يوجد لهذا الصف بداية ولكن لا يوجد له نهاية. سنرمز للمصباح الأول بالرقم 1 (وهو المصباح الموجود في بداية الصف) والمصباح الثاني بالرقم 2 وهكذا. كل مصباح مزود بزر للإضاءة.
    هذه المصابيح موصولة بطريقة تمنع تشغيل إضاءة المصباح إلا إذا كان المصباح التالي مضاءً. بمعنى أنه لايمكن أن نضيء المصباح الأول إلا إذا كان الثاني مضاءً، ولا يمكن أن نضيء الثاني إلا إذا كان الثالث مضاءً وهكذا.
    سؤالي، إذا كانت جميع المصابيح مطفأة، هل يمكن إضاءة المصباح الأول؟
    ما أريد قوله هو ان تحرك النقطة من المكان 5 إلى المكان 6 بسلاسة يستلزم أن يكون نتيجة يتغير الرقم الذي قبله بمعنى يجب أن يصل الرقم السابق إلى القيمة 5.9 ثم يصبح 6، وتغير الرقم العشري 9 يسلتزم تغير الرقم الذي قبله، وهكذا.
    أكرر بأن هذه الأرقام لا علاقة لها بأداة القياس لأن أداة القياس تكشف جزءاً من قيمة موجودة.
    وبما أنكم مولانا قدس الله سركم تزعمون بأن كوننا غير متناهي في الدقة، فإننا سنواجه مشكلة تشبه مشكلة المصابيح.
    فهلا أنرتم لنا مصابيحنا بقبس من أنواركم حتى تنقشع عن أعيننا تلك الظلمات؟

    • أخي و صديقي الغالي عبد الرحمن
      من بعض أنواركم أستمد بعض القبسات، و أحاول بها أن أنير الطريق لنفسي في لجج العلم و بحوره.
      من نقاشي الأخير معك تبدلت لدذي الكثير من القناعات. و لكني مع ذلك لا زلت مصراً على تهديم ميكانيك الكم و تقويضه عن آخره 🙂 لماذا لست أدري 🙂
      ما يخطر في بالي الآن هو ان مفهوم اللانهاية غير موجود سوى في أذهاننا. فعندما تقطع نقطة ما مسافة ما، صحيح أن عدد النقاط التي يمكن أن تكوت مرت بها غير منته إلى أن هذه النقاط غير مادية أو غير فيزيائة أو غير موجودة كمراحل تمر بها النقطة.
      و عن مناقشتك حول الرقم الذي سيتغير عندما تتحرك النقطة، فانا اعتقد أنه لا يحق لك أن تسأل هذا السؤال لسببين:
      الأول أنك أنت من أوجدت هذا الرقم، و على أرض الواقع هو غير موجود. فالجسم سيتحرك رغم أنه لا يعرف عن هذا الرقم شيئاً.
      ثانياً: لا نستطيع أن نسأل عن الرقم الذي سيتغير عندما يتحرك الجسم و كأن الرقم سيتغير مع حركة الجسم. لاحظ أن الرقم تلى حركة الجسم لأننا نحن من أوجدنا الرقم. فنحن في الحقيقة من نوقع أنفسنا في هذه النقطة.
      لاحظ كيف أننا نحن من أوجدنا مفهوم اللنهاية، و على أرض الواقع المفهوم غير موجود.
      كنت أعتقد أن الكون لا منته. و الآن لا زلت على هذا الاعتقاد و لكني أعلم الآن أن لا نهاية الكون قد لا تكون بالشكل الذي نتخيله عن اللانهاية. و أظن أن ذلك هو ما يوقعنا في مثل هذه المشاكل. فمن قال لنا بأن لا نهاية الكون للداخل أو الخارج ستكون بالشكل الذي نظنه عن اللانهاية؟ أي كلانهاية متسقيم الأعداد؟ من يدري فقد تكون بشكل لم نتصوره بعد، فالحقيقة لا تنتفي لمجرد أننا لا نعرفها أو لم نتصورها بعد.
      طبعاً النقاش عن هذه النقطة يطول و أنا على يقين بأني بحاجة لأن أتعلم الكثير حتى أخوض في مثل هذه التساؤلات. و سأعمل على ذلك إن شاء الله تعالى.

  5. السلام عليكم
    أود أن أشكرك أستاذ شادي على هذه المدونة الجميلة التي تعرفت عليها صدفة وأصبحت من متابعي مواضيعها المفيدة.
    أود أن أطرح مداخلة بسيطة فقد ذكرتني مناقشتكم حول مفهوم الحركة وهل الكون بيت ماب أو فيكتور بكتاب مع القفزة الكمومية لمؤلفه آلان وولف والذي ذكر فيه هذه الأفكار تحت عنوان فكرة التقطيع وأحببت أن أشارككم بعض الأفكار المطروحة.
    تحت هذا العنوان تم طرح مفارقات زينون الثلاثة حول الحركة واستمراريتها بما يقارب رأي الأستاذ عبدالرحمن وتم طرح رد أرسطو لاحقا عن هذه المفارقات ومحاولة تقويضها بما يقارب رأي الأستاذ شادي حيث رأى أرسطو أن مفارقات زينون صحيحة بحيث تعتمد على إمكانية التقسيم اللانهائي للزمان والمسافات ولكن بما أن كلاهما له وقت ومسافة محددة (المثال المطروح كان محاولة عدّاء إنهاء مسافة السباق بوقت محدد) فهذه المسافة محددة، صحيح أنه يمكن تقسيمها للانهاية لكن يمكن أيضا الاكتفاء بعدد محدد من التقسيمات وبالتالي يمكن قطع المسافة بالوقت المحدد.
    يوضح المؤلف أنه وفق تحليلات الفيزياء الحديثة، حقيقتي زينون و أرسطو صحيحتان. إن الحركة استمرارية بشرط أن لا نحاول رؤيتها وأي محاولة لرصدها ستحولها إلى حركة متقطعة.
    وهو الشئ الذي لم يتم مناقشته من قبل وذلك لافتراض أن عمليات تحليل الحركة ودراستها لا تؤثر فيها، أي أن الراصد حيادي وهو ليس عصرنا الحالي الذي يقول بأن الراصد نشيط ويؤثر فيما يرصده.

  6. أولاً أشكرك كل الشكر على هذه المداخلة الجميلة. و لأن تكون هذه المدونة مفيدة بنظرك لهو أحب ما نتمناه و نعمل لأجله.
    و أشكرك مرة أخرى على لفت النظر إلى الكتاب “مع القفزة الكمومية” و الذي احتل قائمة كتب القراءة فور حصولي عليه، فشكراً جزيلاً مرة أخرى.
    http://www.mediafire.com/?scubfca3367cx34
    و هذا الكتاب من جهة، و نقاشي مع عبد الرحمن من جهة أخرى، أمور أدركت فيها أني لا أستطيع الوصول للحقيقة بمجرد طرح الأسئلة و محاولة إيجاد الأجوبة لها. و على أهمية طرح الاسئلة إلا أن السائل و قبل أن يسأل يجب أن يتعلم الكثير عما يسأل عنه. فمن شأن هذا أن يكون عاملاً مساعداً في تهذيب الأسئلة و جعلها أكثر قرباً من الوصول للحقيقة. كما أن محاولة التعرف على الموضوع بشكل أكبر قبل طرح الأسئلة – و في كثير من الأحيان – يغير من نظرتنا له تماماً. لذلك لا أظن أني سأكتب تدوينة “تساؤلات 2” قبل ان أقرأ الكثير عن الفيزياء و أساسياتها. و عل ذلك يكون موضوع تدوينات قادمة إن شاء الله.
    و رحم الله من قال: العلم كثير و العمر قصير فخذوا من العلم أرواحه و دعوا ظروفه.
    أشكرك مرة أخرى و أسعد من قلبي بزيارتك للمدونة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s