قصة قصتين و قصة

بسم الله الرحمن الرحيم

قرأت اليوم (يوم أن كتبت ما تقرأ) قصتان كادت الأولى أن تبكيني و يا ريتها فعلت، لكنت حسبتها عند الله دمعة من خشيته، ثم جاءت الثانية فأضحكتني في موضع قد لا يُفهم فيه الضحك. و القصتان من كتاب ’’فصول في الثقافة و الأدب‘‘ لـ علي الطنطاوي.

إليك القصة الأولى منقولة حرفياً.

            في دمشق جامع كبير اسمه جامع التوبة، و هو جامع مبارك فيه أنسٌ و جمال. سمي جامع التوبة لأنه كان خاناً ترتكب فيه أنواع المعاصي، فاشتراه أحد الملوك في القرن السابع الهجري و هدمه و بناه مسجداً (و هو الملك الأشرف ابن الملك العادل الأيوبي سنة 632 هـ). و كان فيه من نحو سبعين سنة شيخ مُرَبًّ عالم عامل اسمه الشيخ سليم المَسْوَتي، و كان أهل الحي يثقون به و يرجعون إليه في أمور دينهم و دنياهم. و كان عند هذا الشيخ تلميذ صالح، و كان مضرب المثل في فقره و في إبائه و عزة نفسه، و كان يسكن في غرفة المسجد. مر عليه يومان لم يأكل فيهما شيئاً و ليس عنده ما يطعمه و لا ما يشتري به طعاماً، فلما جاء اليوم الثالث أحس كأنه مشرف على الموت، و فكر ماذا يصنع، فرأى انه بلغ حد الاضطرار الذي يجوّز له أكل الميتة أو السرقة بمقدار الحاجة، فآثر أن يسرق ما يقيم صلبه.

            و كان المسجد في حي من الأحياء القديمة، و كانت البيوت متلاصقة و السطوح متصلة، يستطيع المرء أن ينتقل من الحي إلى آخره مشياً على السطوح. فصعد الرجل إلى سطح المسجد و انتقل منه إلى الدارالتي تليه، فلمح فيها نساءً فغض من بصره و ابتعد، و نظر فرأى إلى جنبها داراً خالية، و شم رائحة الطبخ تصعد منها، فأحس من جوعه لمّا شمها كأنه مغناطيس يجذبه إليها. و كانت الدور من طبقة واحدة، فقفز قفزتين من السطح إلى الشرفة فصار في الدار، و أسرع إلى المطبخ فكشف غطاء القدر فرأى فيها باذنجاناً محشواً (محاشي)، فأخذ واحدة و لم يبال من شدة جوعه بسخونتها و عض عضة، فما كاد يبتلعها حتى ارتد إليه عقله و دينه، و قال لنفسه: أعوذ بالله، أنا طالب علم مقيم في المسجد ثم أقتحم المنازل و أسرق ما فيها؟

و كبر عليه ما فعل، فندم و استغفر و رد الباذنجانة و عاد من حيث جاء فنزل في المسجد و قعد في حلقة الشيخ و هو لا يكاد من شدة جوعه يفهم ما يسمع. فلما انقضى الدرس و انصرف الناس (و أؤكد لكم أن القصة واقعة – يقول الشيخ علي الطنطاوي) جاءت امرأة مستترة (و لم يكن في تلك الأيام غير مستترة) فكلمت الشيخ بكلام لم يسمعه، فتلفت الشيخ حوله فلم ير غيره، فدعاه و قال له: هل أنت متزوج؟ قال: لا. قال: هل تريد الزواج؟ قال: يا سيدي ما عندي ثمن رغيف آكله فلماذا أتزوج؟

قال الشيخ: إن هذه المراة خبرتني أن زوجها توفي و أنها غريبة عن هذا البلد، ليس لها فيه و لا في الدنيا إلا عم عجوز فقير، و قد جاءت به معها (و أشار إليه قاعداً في ركن الحلقة) و قد ورثت دار زوجها و معاشه، و هي تحب أن تجد رجلاً يتزوجها على سنة الله و رسوله لئلا تبقى منفردة فيطمع بها الأشرار و أولاد الحرام، فهل تريد الزواج منها؟ قال: نعم. و سألها الشيخ: هل تقبلين به زوجاً، قالت: نعم.

فدعا بعمها و دعا بشاهدين و عقد العقد و دفع المهر عن التلميذ و قال له: خذ بيد زوجتك.

فأخذ بيدها، أو أخذت هي بيده فقادته إلى بيتها. فلما خلت كشفت عن وجهها فرأى شباباً و جمالاً، و رأى هوالبيت الذي نزل به. و سألته: هل تأكل؟

قال: نعم.

فكشفت غطاء القدر فرأت الباذنجانة، فقالت: عجباً، من دخل الدار فعضها؟

فبكى الرجل (و كاد هنا يبكيني – و يا ريته فعل) و قص عليها الخبر. فقالت له: هذه ثمرة الأمانة، عففت عن الباذنجانة الحرام فأعطاك الله الدار كلها و صاحبتها بالحلال.

فلا تعجب يا صديقي مما يصيبنا في هذه الأزمان. لو أننا غضضنا بصرنا عن الحرام و عدنا إلى الله حق العودة  و اتقيناه حق تقواه لكان لناما نريد و أكثر مما نريد. فسبحان الله.

كانت هذه القصة الأولى، و إليك القصة الثانية التي أضحكتني.

و يقول الكاتب (الشيخ علي الطنطاوي) أنها واقعة يعرف اشخاصها و ظروفها.

            و هي أن شاباً فيه تُقى و فيه غفلة طلب العلم، حتى إذا أصاب منه حظاً قال الشيخ له و لرفقائه: لا تكونوا عالة على الناس، فإن العالم الذي يمد يده إلى أبناء الدنيا لا يكون فيه خير، فليذهب كل واحد منكم و ليشتغل بالصنعة التي كان أبوه يشتغل بها، و ليتق الله فيها.

و ذهب الشاب إلى أمه فقال لها: ما هي الصنعة التي كان أبي يشتغل بها؟ فاضطربت و قالت: أبوك ذهب إلى رحمة الله فمالك و الصنعة التي كان يشتغل بها؟ فالح عليها و هي تتملص منه حتى إذا اضطرها للكلام أخبرته و هي كارهة أن أباه كان لصاً.

فقال لها: إن الشيخ أمرنا ان يشتغل كلٌ بصنعة أبيه و أن يتقي الله فيها.

قالت الأم: ويحك! و هل في السرقة تقوى؟!

و كان في الولد كما قلت غفلة، فقال لها: هكذا قال الشيخ.

ثم ذهب فسأل و تسقط الأخبار حتى عرف كيف يشرق اللصوص، فأعد العدة للسرقة، و صلى العشاء، و انتظر حتى نام الناس، و خرج يشتغل بصنعة أبيه كما قال الشيخ. فبدأ بدار جاره، ثم ذكر أن الشيخ قد أوصاه بالتقوى و ليس من التقوى إيذاء الجار، فتخطى هذه الدار. و مر بأخرى فقال لنفسه: هذه دار أيتام، و الله حذر من أكل مال اليتيم. و ما زال يمشي حتى وصل إلى دار تاجر غني ليس له إلا بنت واحدة، و يعلم الناس أن عنده الأموال التي تزيد عن حاجته.

فقال: ها هنا. و عالج الباب بالمفاتيح التي أعدها ففتح و دخل. فوجد داراً واسعة و غرفاً كثيرة، فجال فيها حتى اهتدى إلى مكان المال، و فتح الصندوق فوجد من الذهب و الفضة و النقد شيئاً كثيراً، فهم بأخذه، ثم قال: لا، لقد أمرنا الشيخ بالتقوى، و لعل هذا التاجر لم يؤد زكاة أمواله، لنخرج الزكاة أولاً.

و أخذ الدفاتر و أشعل فانوساً صغيراً جاء به معه، و راح يراجع الدفاتر و يحسب، و كان ماهراً في الحساب، خبيراً بإمساك الدفاتر، فأحصى الأموال و حسب زكاتها فنحى مقدار الزكاة جانباً و ساتغرق في الحساب حتى مضت ساعات، فنظر فإذا هو الفجر. فقال: تقوى الله تقضي بالصلاة أولاً.

و خرج إلى صحن الدار، فتوضأ من البركة و أقام الصلاة، فسمع رب البيت فنظر فرأى عجباً، فانوساً مضيئاً، و صندوق أمواله مفتوحاً و رجلاً يقيم الصلاة. فقالت له امرأته: ما هذا؟ قال: و الله لا أدري! و نزل إليه فقال: ويلك من أنت و ما هذا؟ قال اللص: الصلاة أولاً ثم الكلام، فتوضأ ثم تقدم فصل بنا، فإن الإمامة لصاحب الدار.

فخاف صاحب الدار أن يكون معه سلاحاً ففعل ما أمره به، و الله أعلم كيف صلى، فلما قضيت الصلاة قال له: أخبرني ما أنت و ما شأنلك. قال: لص. قال: و ماذا تصنع بدفاتري؟ قال: أحسب الزكاة التي لم تخرجها من ست سنين، و قد حسبتها و فرزتها لتضعها في مصارفها. فكاد الرجل يجن من العجب، و قال له: ويلك ما خبرك؟ هل أنت مجنون؟ فخبره خبره كله. فلما سمعه التاجر و رأى جمال صورته و ضبط حسابه ذهب إلى امرأته فكلمها، ثم رجع فقال له: ما رأريك لو زوجتك بنتي و جعلتك كاتباً و حاسباً عندي؟ و أسكنتك أنت و أمك في داري، ثم جعلتك شريكي؟

و أصبح الصباح فدعي بالمأذون و بالشهود و عُقد العقد!

و هي قصة واقعة.

ما رأيك يا صديقي؟ هل تحب أن نسرق بتقوى الله علنا نجد مثل صاحبنا هذا؟ أم لك قول آخر؟!

و إن كنت قد خرجت بشيء من هاتين القصتين فهو أن تقوى الله رأس الغنى و باب التيسير و التوفيق. فاتق الله يا صاح و انتظر منه كرمه.

            تلك كانت قصة القصتين. أما القصة، فهي أني كنت قد اشتريت هذا الكتاب الذي ذكرت هاتين القصتين منه (فصول في الثقافة و الأدب للشيخ علي الطنطاوي) ثم عدت أدراجي إلى المنزل. و في طريق عودتي بدأت تصفح الكتابين و أول ما قرأت منه كانت تلك القصتان. و كان يجلس إلى جانبي و أنا أقرأ رجل كبير السن ’’ختيار‘‘ و إلى جانبه ’’ختيار آخر‘‘ و كان الختيار الأول يحادث الثاني و يحاوره بما لم أفهم منه شيئاً لأني كنت مشغولاً بالقراءة. و كنت أقول في نفسي علّه يتوقف و يريح ’’الختيارالثاني‘‘ الذي كان على ما يبدو قد تعب من الحديث معه طوال الطريق، و هو يصغي له و الأول يتحدث بلا انقطاع. للحظة قررت أن أتوقف عن القراءة و أن أستمع لما يقولانه. و ما إن أغلقت الكتاب حتى أحس ’’الختيار المتحدث الأول‘‘ بأني قد أكون الضحية التالية لحديثه الذي لا يتوقف. و فعلاً التفت إلي و سألني سؤالاً كان قد طرحه على صاحبه – الذي نفد بجلده و علقت أنا.

 لم أعرف جواب ذلك السؤال لأنه كان له علاقة بالرعي و كيف أن الكلب الذي يساعد الراعي إذا كان يسيء في سلوكه فهو حتماً قد ورث ذلك من أحد أبويه. فالكلب الأصيل لا يأتي إلا من كلب و كلبة أصيلين. و هنا استطرق و قال لي بأن المؤمن ذو فراسة قوية. و طبعاً كان هو ذا فراسة قوية بدليل حادثة وقعت له حيث عرف لما كان في دائرة حكومية أن أحد الموظفين ’’شمري‘‘ و عرف الموظف أنه ’’فردوني‘‘ فكانا هما الإثنان ذوا فراسة.

 ولكن ما أمتعني فيما بعد في حديثه – غيرَ صدق قوله بأن المؤمن ذو فراسة – هو ما قاله لي عن هذه الفراسة و من أين يمكن أن تأتي. فقال لي أنه في الحديث القدسي يقول الله تعالي للإنسان بأنه إذا التزم بثلاث كفل له واحدة.

فإذا التزم العبد:

  • بتنزيه نفسه عن الهوى في كل شيىء.
  • ثم ابتعد عن الحرام في مأكله و ملبسه و مشربه.
  • ثم أطاع الله في ما أمره و انتهى عما نهاه الله عنه.

 كفل الله له واحدة و هي أن يرسل له ملكاً يلازمه يعلمه من علم مالا يعلم.

لم أتأكد من الحديث بعد، و لكن أحاديث كثيرة تؤكد فراسة المؤمن و ذكائه. ثم قال لي أنه مرة كان يستمع لدرس للشيخ الأستاذ محمد سعيد رمضان البوطي و أنه سها أو نام فلم يسمع الدرس كله. فجائته رؤية في المنام شرحت له الدرس و أن الدرس كان عن الحق. و قال لي بأنه فهم الدرس كما لم يكن ليفهمه من البوطي نفسه. و هنا طلب مني قلماً ليرسم لي مخططاً بيانياً عن الحق. هنا تفاجأت لأني لم أكن أظنه يعرف القراءة و الكتابة فرسم لي هذا الرسم البياني (و هذا خط يده و رسمه).

و شرحه لي و قال لي بأنك كلما ابتعدت عن الهوى اقتربت من العقل فالمنطق فالتفكير السليم. فاجأني حقاً بذلك لأني لم أكن لأظنه مثقفاً و قارئاً للكثير من الكتب – مما تبين لي من أسلوبه في الشرح، حقاً إن المظاهر لخادعة.

و كان من جملة ما حدثني به و نحن في الطريق أن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم. فقال السلام عليك يا رسول الله، فرد الرسول صلى الله عليه و سلم السلام. ثم سلم على الصحابة و ردوا عليه السلام. ثم قال: يا رسول الله أحديث الذرتين من الله؟ فقال الرسول صلى الله عليه و سلم نعم.

 الآن قبل أن أكمل لك، ما هي الذرتين برأيك إن لم تكن سمعت بالحديث من قبل؟ ماذا قصد الأعرابي بالذرتين؟؟؟

بالنسبة لي ذهب تفكيري مباشرة للنوى و الالكترونات مستغرباً! ثم أدركني بأن رسو ل الله صلى الله عليه و سلم قال لصحابته بأن هذا الأعرابي حاز روح العلم بسؤاله هذا. فسألوه عن الذرتين فقال لهم: [فمن يعمل مثقال ذرة خيراً ير، و من يعمل مثقال ذرة شراً ير] صدق الله العظيم.

تلك هي نهاية القصة و القصتين معاً.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s