تساؤلات 2

بسم الله الرحمن الرحيم

لماذا؟

يبقى هذا السؤال إلى أن يشاء الله موجوداً. لم و لن تستطيع البشرية مهما تقدمت في العلم أن تضع حداً لهذه الـ “لماذا” فتستيطع أنت أن تعيد طرحه مرة أخرى حتى بعد أن جوابك على الـ لماذا الأولى و هكذا إلى مالانهاية…

كانت من أوائل سلاسل “لماذا” التي كنت أبحث عن جواب لها تتعلق بالخلية و انقساماتها. كل خلية في جسمك تنقسم إلى خلايا جديدة و بهذا تترمم الأنسجة التالفة و تظهر أنسجة جديدة. فالخلية تنقسم لأن أوامر بالانقسام انطلقت من نواتها و من حمض الـ DNA بالتحديد، لكن مالذي جعل حمض الـ DNA أو الدنا يطلق هذه الأوامر؟ هل كل ما يحدث في دنيا الخلايا و في كل شيء من بعدها يتبع قانون السبب و النتيجة؟ ام أن هناك حداً تقف عنده سلسلة “لماذا؟” دون أن تجد لها حلقةً أخرى. هل هناك شيء لا يخضع لقانون السبب و النتيجة؟

سنبدأ هذه التساؤلات بالحديث عن الدنا DNA. و الذي هو حقيقةً من أعظم أسرار خلق الإنسان على الإطلاق. لكني هنا لن أتحدث كمؤمن و لكني سأتحدث كملحد لا يؤمن بالله، فهل يكون البحث في هذه المعجزة طريقاً يوصل لله تعالى؟ فما يلي سيكون مبنياً على العلم و ليس على الإيمان بالله تعالى، بمعنى أنه علمي فقط.

حمض الدنا DNA يوجد في كل خلية من خلايا جسمك، و تختلف الخلايا عن بعضها لأنها “متمايزة” أي أنها تخصصت أثناء نموك و أصبح لكل منها وظيفة معينة. و حمض الدنا يعد بمثابة شيفرة ضخمة جداً من الأوامر المعدة سلفاً لاستمرار بقاء حياة الخلية. حتى يتوضح الأمر أكثر قليلاً دعنا نبدأ معك من لحظتك الأولى: لحظة الصفر بالنسبة لك – اللحظة التي التقت فيها النطفة القادمة من الأب مع البويضة من الأم. و نبدأ بسرد الأحداث.

سنشبه للتبيسيط الدنا DNA بأنه كتاب يحتوي على أوامر، ملايين السطور من الأوامر في برنامج دعنا نسميه البرنامج “إكس”. إذاً البرنامج إكس مكون من ملايين و ملايين الأوامر المكتوبة بلغة برمجية لنقل أنها بسيطة – و هي ليست بسيطة على الإطلاق – و هذه الأوامر مكتوبة على كتاب فيه ملايين الصفحات و لنقل للتبسيط ألف صفحة تحتوي على ألف ألف سطر برمجي (للتبسيط فقط).

إذاً لدينا في كل خلية من خلاياك كتاب يمثل الشيفرة البرمجية للبرنامج إكس، فيه ألف صفحة و هذه الألف صفحة فيها مليون سطر برمجي. هذا هو الـ Source Code بالنسبة لك. بمعنى أنك (جسمك) مبني على هذا الأساس.

في كل خلية من خلايا الأب كتاب برمجي و في خلايا الأم الأمر نفسه. لا يوجد كتابان (و بالتالي برنامجان) متشابها في العالم كله لأنه لو كان هناك كتابان متشابها لكان هناك شخصان متشابهان تماماً و هذا مالا يوجد. الجنين يبدأ حياته عندما تلتقي النطفة من الوالد مع البويضة من الأم. و في كل من النطفة و البويضة نصف كتاب – حتى إذا التقيا تكون كتاب كامل، فلو كان في البويضة و النطفة كتاب كامل لكانت كل خلية من خلايا الجنين تكوي كتابان بدل الكتاب الواحد! ولنتج معنا جنين غير بشري! المهم، في النطفة نصف كتاب و في البويضة نصف كتاب آخر. نصف الكتاب الذي في النطفة ليس فعلياً نصف الكتاب الذي في خلايا الأب، و البويضة كذلك. اي أنه ليس كأن تأتي بكتاب و تقسمه نصفين، فعندما تتكون النطاف من خلايا الأب تنقسم الكتب الموجودة في خلايا الأب لتعطي خلايا فيها أنصاف كتب، انقسام الكتب هذا ليس انقساماً عادياً، سنبسطه:

الكتاب الذي في خلايا والدك كما قلنا فيه ألف صفحة. الصفحة الأولى تحتوي الأوامر البرمجية التي تولد لون عينيك، الصفحة الثانية تحتوي الأوامر البرمجية التي تولد طول شعرك، الصفحة الثالثة أوامر برمجية تولد طولك، و هكذا تبرمج كل صفحة من صفحات هذا الكتاب صفة من صفاتك، فأنت مسبقاً محدد المواصفات (جسمك محدد الماصفات تماماً و لكنه قابل للتطوير و يجب أن تفهم معنى التطوير مع نهاية قرائتك لهذه المقالة، سنعتبر هذا السؤال الأول لك). نعود للصفحة الأولى، قلنا أنها تعطيك لون عينيك الجميلتين، هذه الصفحة تحتوي على ألف سطر برمجي كل منها يولد لون عينين مختلفتين، إذاً كيف لك لون عينين محدد؟؟ في الحقيقة 99% من هذه الأوامر البرمجية غير فعالة و 1% منها فعال. بمعنى أن هناك 998سطر مغطى و 2 مكشوفان يتعاونان على إعطاءك لون عينيك (كأن يقوم أحدهما بترميز لون الصباغ و الآخر كميته في قزحية عينيك الجذابتين – فوتوشوب) بالتالي السطر المكشوف هو الذي يولد لون عينيك وإن كان هناك ألف سطر مل منها يولد لون عينين مختلفين.

عندما ينقسم الكتاب في خلايا الأب(و الأمر نفسه ينطبق على الأم) ليعطي نطفة فيها نصف كتاب، تنقسم كل صفحة من هذه الصفحات لتعطينا نصف صفحة فيها 500 سطر برمجي، في هذه الـ 500 سطر برمجي هناك سطر واحد مكشوف، لكن هل هو نفسه الذي في كتاب والدك؟ لا. هنا لدينا 500 احتمال، كل منها فيه سطر مكشوف مختلف. أي لدينا 500 نصف كتاب موزعة على 500 نطفة كل منها فيه سطر مكشوف مختلف – فالنطاف ليست متشابهة بالكود البرمجي الذي تحمله. و الأمر نفسه بالنسبة للصفات الأخرى – أي الصفحات الأخرى. من هذا تستنتج أنه لدينا احتمالات كبيرة جداً للصفات التي ترمزها أنصاف الكتب الموجودة في النطاف و كذلك الأمر في البويضات.

عندما تلتقي النطفة مع البويضة يندمج نصفا الكتاب في كل منهما ليشكلا كتاباً جديداً، و الآن لا بد من أنك عرفت لماذا يأتي الأطفال بصفات جديدة منها ما يكون للاب و منها للأم و منها ما هو جديد تماماً. و عرفت مقدار التنوع الهائل الممكن، و من خصائص الإنقسام الذي يطرأ على الخلايا التي تشكل النطاف و البويضات أنه لا يمكن أن تنتج نطفة تعطينا طفل يشبه أباه تماماً لسببين، الأول أن الانقسام يخضع لقوانين تفرض التنوع فرضاً و الثاني أن نصف الكود البرمجي يأتي من الأم. (السؤال الثاني الموجه لك هو أن تفسر لي كيف يكون هناك توائم متشابهة تماماً و توائم مختلفة و توائم مختلفة بالجنس، صارا سؤالين).

ما يهمنا أن تعرف أنه يندمج نصفا كتاب ليشكلا كتاب واحد. أي خلية واحدة فيها كتاب يحتوي على أوامر برمجية يجب عليها أن تولد جميع صفات هذا الكائن الذي سينمو ليعطينا إنساناً كاملاً. و هنا تبدأ الحكاية.

تبدأ الخلية بالانقسام لتعطينا خليتين و الخليتين تعطينا أربع لتعطينا 16 عشر خلية ثم 32 خلية. في كل منها نسخة مطابقة للكتاب الأصل، أي أن الأمر هنا نسخ لصق لا أكثر و لا أقل. و بعد سلسلة من الانقسامات يتكون لدينا كرة صغيرة من الخلايا المتشابهة تماماً. سندعو هذه الخلايا خلايا “العنب” لا لسبب ما.

طبعاً سلسلة الـ “لماذا؟” بدأت منذ التقاء النطفة بالبويضة، و لن نذكر بها بل لك أن تعلم أن أمام كل مرحلة من المراجل السابقة “لماذا؟” كبيرة قد لا تجد لها جواباً. المهم يا سيدي، هذه الخلايا العنبية متشابهة تماماً بمعنى أنها غير متمايزة (يمكنك أن تسميها جذعية أيضاً لسبب ما) و منذ هذه المرحلة ستبدأ هذه الخلايا بالتمايز – أي ستصبح هذه الخلايا مختلفة نوعاً ما عن بعضها – أي ستطرأ عليها تغييرات تخصصية تعطيها اتجاهاً معيناً في حياتها المستقبلية (فمنها سيدخل كلية الطب – أقصد كلية الدماغ لتعطي خلايا عصبية و منها سيدخل كلية التنفس لتعطينا خلايا الرئتين و هكذا لدينا آلاف الكليات لهذه الخلايا) و برأيك ما هو الدافع الذي يدفع هذه الخلايا لاختيار الكلية التي ستدخلها؟ هل هي الظروف المعيشية للاختصاص الذي تطلبه أم المكانة الاجتماعية أم أنها تدخل بناء على رغبة الخلية التي نقسمت عنها (الآباء) أم بناء على رغبتها الصرفة! و بناء على ما تحب و تهوى؟؟؟

دعنا من هذا الآن، و لنعد لقضيتنا – تبدأ هذه الخلايا بالتخصص فمنها ما يتجه لبناء لبنات الجهاز العصبي و منها ما يتجه لبناء جهاز الهضم و أخرى التنفس و هكذا. سلسلة كبيرة من الـ “لماذا؟” تأتي هنا. و لكن ماذا يحدث أثناء التمايز؟؟؟ أي كيف تتخصص الخلايا التي تكون متشابهة تماماً في المرحلة العنبية؟.

نعود لتشبيهنا الأساسي: الكتاب. في الخلايا غير المتمايزة النص البرمجي كله مكشوف و متشابه في كل الخلايا. بمعنى أن أي خلية من الخلايا الأصل تحتوي في كتابها على النصوص البرمجية اللازمة لتشكليل كل أنواع الخلايا. أي أن في كتابها الأوامر البرمجية اللازمة لتشكيل خلايا الجهاز العصبي و الأوامر البرمجية اللازمة لتشكيل خلايا الجهاز الهضمي و التنفسي و الشعر و العيون و الأظافر و كل شيء، ما يحدث أثناء التمايز هو أن تتغطى بعض الأوامر البرمجية و تبقى الأخرى مكشوفة (و هذا يختلف عن التغطية التي تحدثنا عنها سابقاً و التي تكون في الصفة الواحدة نفسها – هنا التغطية على مستوى صفات عديدة. أي هناك تغطيتان للأوامر، تغطية تحدد نوع الخلايا التي ستتولد من هذا النص البرمجي فهي تغطي الأكواد التي تولد الخلايا الأخرى، و التغطية الثانية هي لهذه الخلية بالذات و تغطي الأوامر البرمجية التي تحدد صفات الخلية المختلفة و تترك لها صفة واحدة كلون العيون مثلاً) و بهذا تنتج لدينا خلايا فيها الأوامر البرمجية المكشوفة موجهة نحو تشكيل خلايا معينة منها العصبية و منها التنفسية… هذا هو التمايز. و هنا لك أن تعرف السر وراء القوة العلاجية الهائلة التي تمتلكها الخلايا الجذعية! فهي قادرة بالتغطية المناسبة (حقيقة الكشف المناسب، لأنه يتم تغطية الأوامر غير المرغوب بها و ترك الأوامر المرغوب بها أي ترك الاتجاه المرغوب به) أن تشكل أي نوع من الخلايا عصبية قلبية دماغية… (السؤال الثالث الموج لك: ما هي الطريقة التي يمكن بها تحويل الخلايا المتمايزة لخلايا غير متمايزة أي جذعية).

و لكن أي يوجد النص البرمجي الذي يقود عملية التمايز هذه؟

و هل هو يخضع بدوره لتمايز و لتغطية و كشف؟ و إن كان يخضع لذلك فأين النص البرمجي الذي يبرمجه؟؟؟ و هل هو بدوره له نص برمجي؟ و أين يوجد؟… سلسلة من الـ “لماذا؟” يصعب الإجابة عليها.

سنتجاهل هذه اللماذات و نتابع. الآن لدينا جنين تام النمو. فيه خلايا متايزة منها ما شكل جهازه العصبي و منها ما شكل جهازه التنفسي… و في خلاياه النص البرمجي اللازم له ليتعامل مع كل معطيات الحياة و مشاكلها التي لا تنتهي.

هذا النص البرمجي هو الذي يقود كافة العمليات التي يقوم بها هذا الجنين. فهو المصدر الرئيسي و الوحيد لكل شاردة و واردة فيما يخص “جسم” هذا الجنين. يولد الجنين و تبدأ الزلاغيط و الولائم سروراً بهذا الوافد الجديد. هذا الوافد يحمل نصاً برمجياً مختلفاً عن والديه قد يتشابه في بعض الصفات و قد يختلف تبعاً للنصوص البرمجية التي تمت تغطيتها و التي تركت مكشوفة. هذا التغطية كما قلنا تحدد أولاً الاتجاه الذي ستسلكه الخلية {الكلية – كلية لون العيون، كلية طول الشعر، كلية الخلايا العصبية(بدها معدل نار)…} و من ثم تغطية أخرى تتحكم بالصفة نفسها {كالتخصصات في الكلية نفسها، مثلاً في كلية لون العيون هناك تخصص للأزرق (بدها واسطة) و للبني و للأخضر(مخصصة لأبناء الورزاء يا بعدي)…}.

كما أن في كل خلية نصوص برمجية متشابهة مع كل الخلايا الأخرى، كتلك التي تقود عملية تغذية الخلية و انقسامها العمليات الحيوية الأخرى، التشابه ليس كلياً طبعاً. ما يهمنا هو أنه توجد أوامر برمجية تقود هذه العمليات أي أوامر برمجية لا علاقة لها بالصفات و توليدها.

بعد هذه الخلفية البسيطة عن برمجتك دعنا نتسائل بعض الأسئلة، هل ودعتنا؟

عملياً و علمياً الكود البرمجي القابع في خلاياك محدود، بمعنى أنه كما افترضنا يتألف من مليون سطر برمجي. و لكن هل يستطيع مليون سطر برمجي أن يتحكم بكائن يخضع إلى متغيرات لا يقارب عددها إلأ عدد ذرات هذا الكون و لربما زاد عليها؟؟؟

ما أقصده هو التالي: قد تُجرح يدك جرحاً، يقوم جسمك بعدها بالرد المناسب و تحريض عملية الالتئام. لكن من يقود عملية الالتئام هذه و يحدد سيرها فلدينا عدد لانهائي من أشكال الجروح و كلها ينتهي بالالتئام بنفس الطريقة التي تعطي أفضل نتيجة مثالية في كل جرح على حدة. فهل يقوم دماغك بدراسة حالة الجرح و تحديد الطريقة التي يجب على الجسم معالجة هذا الجرح و التعامل معه؟؟؟ يا إلهي و هل للدماغ – أي للوعي – علاقة بذلك؟

هنا ندخل في معمعة كروية أخرى. من أين يأتي الوعي و ما دوره في قيادة مثل هذه العمليات. قبل أن نخوض في هذا الموضوع لك أن تعلم التالي: كل العمليات الحيوية التي تحدث في الجسم من قيادة عملية الهضم إلى الئتام الجروح إلى التنفس إلى النمو… لا علاقة لك (أي لوعيك) بها، بمعنى أنت لا تقرر كيف سيلتئم جرحك و لا كيف سيتم هضم هذا الطعام أو ذاك. نصوصك البرمجية تقوم بكل ذلك، كل نوع من أنواع الخلايا لديها النصوص البرمجية لمهمتها الخاصة بها. لكن هل لخلايا المعدة نصوص برمجية تقود هضم كل نوع من أنواع الطعام على حدة، بمعنى هل هناك نص برمجي لهضم التفاح يختلف عن نص الموز؟ طبعاً ستقول لي لا، و هذا صحيح. النص البرمجي الموجه لمثل هذه العمليات يجب أن يتمتع بخاصية فريدة تتيح له التعامل مع عدد لا نهائي من الحالات. هذه الخاصة تعتمد على فرز الحالات ضمن مجموعات أصغر، أي تحديد تحت نصوص برمجية تتعامل مع نوع محدد من الحالات. بمعنى آخر توفير أدوات كل منها يقوم بتحت وظيفة جزئية تخدم الوظيفة الكلية. و في مثال الهضم مثلاً، تتحدد طريقة الهضم بمتحولات بموجبها يتحدد تحت النص البرمجي الذي يجب أن يقود عملية هضمها، هذه المتحولات متعددة و لكنها قادرة على فرز كل الأطعمة كدرجة الحموضة و كمية السكر في الطعام و كمية البروتين… بالتالي النص البرمجي يتعامل مع الطعام بسيناريو يشبه (نقول يشبه من حيث المبدأ، اي لتوضيح الفكرة فقط) النص البرمجي التالي:

01 هل الطعام سكري (نعم > 02 لا > 03)

02 سكري > نص برمجي A

03 غير سكري { بروتين (نعم > 04 لا > 05)}

04 غير سكري – بروتين > نص برمجي B

05 غير سكري – غير بروتين {دسم (نعم > 06 لا >07)}

06 نص برمجي C

07 …

و هكذا تستطيع الخلايا التعامل مع كل الأطعمة. أي لا يوجد نص برمجي لكل طعام على حدة إنما نصوص برمجية تعتبر كأدوات يستخدمها الجسم في التعامل مع عدد الحالات غير المنتهي الذي يمكنه أن يتعرض لها. الأمر نفسه في الجروج و التئامها و نمو الأظافر بعد تعرضها للإصابة بسبب الرياضة مثلاً و طريقة طرد الغبار من الرئتين و الأجسام الغريبة من العيون و الطريقة التي يتعامل بها الجسم مع الأمراض و غيرها من العمليات الحيوية الكثير و الكثيرة جداً. فلو أنها على كثرتها احتوت على نص برمجي لكل حالة على حدة لما وسع هذا الكتاب لتلك النصوص البرمجية. لكن هذا الكتاب يحتوي على نصوص برمجية ذكية تتعامل مع الحالات الكثيرة بذكاء و وفق تحت نصوص برمجية توفر لها أدوات محددة تستطيع بها التعامل مع هذه الحالات الكثيرة عبر الدمج بين هذه الأدوات حسب ما تقتضيه الحاجة.

ما علاقة هذا بالوعي؟ و بالـ “لماذات”؟ هل تعتقد أن هناك سطوراً برمجية في الـ Source Code الخاص بك ينتج عنها الوعي؟ أو الفكر أو الإدراك أو الذكاء سمه ما شئت؟

كيف يمكن لسطور برمجية أن تولد شيئاً جميلاً كالذكاء أو الوعي أو الأحلام أو الذاكرة أو القرار؟؟؟؟ علمياً لا يوجد مثل هذا في الكود البرمجي الخاص بك. لذلك يبقى السباق محموماً في فهم مثل هذه الأمور. ففي الذاكرة مثلاً يحاول العلماء البحث عن جزيئات يقوم الدماغ بتخزين الذكريات عليها – تخيل أن دماغك لديه علبة من الـ DVD الفارغة و يقوم بتسجيل البيانات عليها!!! يبحث العلماء عن بروتينات تقوم محل هذه الـ DVD!!! ألا تعتقد أن هذا من الغباء بمكان؟ ألا تعتقد أن مثل هذه الأمور لا علاقة لها بالكود البرمجي الخاص بك و الذي وظيفته قيادة العمليات الأخرى التي لا علاقة للوعي بها (العمليات الحيوية الضرورية لبقائك على قيد الحياة)؟!

إذا كان ال Source Code الخاص بك لا يرمز الوعي فهل يمكن أن ينشأ الوعي من تشابك معقد جداً لخلايا (خلايا الدماغ) تعمل وفق نظام محدد سلفاً بالكود البرمجي؟ بمعنى هل يمكن أن يتولد الوعي من هذا التشابك فقط؟ و إذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يتولد وعي من تشابك الدارات الإلكترونية؟؟؟ هل تقتنع بهذه الفكرة – أن مجرد التشابك يكون الوعي؟ من أين يأتي الوعي إذاً؟؟؟ عندما تبحث عن جواب لمثل هذا السؤال عليك أن تتذكر دائماً أن كودك البرمجي لا يحتوي على نصوص برمجية يمكن أن تولد الوعي و الذكاء و غيرها من الأمور التي يمكن أن نصفها بأنها فوق برمجية – فوق جزيئية – فوق مادية.

لاحظ معي أن الإنسان و ذكائه يختلف عن الكومبيوتر و ذكائه. برأيي الشخصي لن يستطيع علماء الكومبيوتر الوصول لذكاء اصطناعي حقيقي واعي لذاته لأسباب، أحدها طريقة البرمجة التي يتبعونها. فعندما يتم برمجة روبوت يتم إدخال عدد كبير جداً من الحالات التي يمكن أن يتعرض لها و يتم بناء استجابة تبعاً لكل حالة على حدة. و هذا لا يشابه الجزء غير الواعي من الإنسان فما بالك بوعيه. أي أنه لا يشابه الجزء البرمجي فينا لنقول عنه أن يشابه أو لا يشابه وعينا و ذكائنا.

فأنت حين تلعب لعبة الشطرنج مع Chess Master مثلاً فأنت تلعب مع برنامج لديه سلفاً عدد كبير من الافتراضات المحددة سلفاً، و إن لعبت بحالة لم تتم برمجته على التعامل معها فلن يعرف ما يفعله حينها! قد يحك رأسه و لكنه لن يعرف كيف يتصرف معك، كن على ثقة.

برامج المحاكاة كبرنامج Siri مثلاً ما هو إلا عدد كبير جداً من الحالات المفترضة و التي يتك وضع استجابة معينة لكل منها. بالتالي هل يكون هذا ذكاءً اصطناعياً؟؟؟

من هذا يمكن لك أن ترسم علاقة بين الوعي و الدماغ. الوعي لا شك و أن مركزه هو الدماغ و لكن أين في الدماغ؟؟ و كيف؟؟؟ إذا كان النص البرمجي لا يحتوي على تكويد للوعي و إذا كان التشابك هو لمجرد نقل الإشارات بكفاءة عالية فأين الوعي و الذكاء و الذاكرة؟

صحيح أن مناطق الدماغ متخصصة فمنها للبصر و منها للسمع و لكن كيف يمكننا تفسير الرؤية (وعينا للرؤية) بناء على إشارات كهربائية يتم نقلها لخلايا معين في الدماغ؟؟؟

يبدو أن الأمر أكبر من المادة بكثير. و هنا أتوقف عن الحديث كملحد و أتجه إلى طريق الإيمان لأن الغلحاد لم يتمكن من الإجابة على هذه التساؤلات بل و اثبت أنه لن يستطيع حلها ما دمنا نفكر بنفس الطريقة. فالله سبحانه و تعالى أخبرنا بأن فينا روحاً، هذه الروح هي نحن في الحقيقة. و ما هذا الجسم إلى لباس ترتديه الروح لتستطيع العيش في هذه الدنيا. كما أنك ترتدي لباس غطس عندما تريد الغطس تحت الماء، فهذا الروح ترتدي هذا الجسم عندما تعيش في هذا الدنيا المبنية بقوانين معينة يتلائم معها هذا الجسم. إذاً الروح هي أنت و ما هذا الجسم إلا أداة تستخدمها الروح. و هذا يفسر أنها مبرمجة أي أنها مثل آلة مثالية تحتوي نصاً برمجياً فائقاً يستطيع التعامل مع معطيات الدنيا المحيطة به. عندما يموت الإنسان تنفصل روحه عن هذا الجسد و يتوقف الجسد عن العمل. و لكن هل كان انفصال الروح هو سبب توقف الجسم عن العمل؟ هل تعتقد بأن هناك ما يسمى بالموت الطبيعي؟؟؟

علمياً لا يوجد شيء يسمى موت بلا سبب و لا موت إلا بسبب. مهما كان الموت يبدو لك طبيبعاً فإن هناك سبباً له يمكن إيجاده بالبحث عنه كالجلطات الدماغية و توقف القلب بنقص التروية و غيرها… و هذا منطقي فهذا الجسم الذي له برمجة عالية الكفاءة سيتوقف عن العمل عندما يتعطل مع الزمن أو يحدث له حادث لا يتسطيع معه متابعة العمل. فهل هذا السبب هو ما يؤدي لخروج الروح من الجسم؟ أم أن خروج الروح من الجسم و السبب معاً أديا للوفاة؟ عندما يموت الإنسان دماغياً هل تبقى الروح فيه أم أنه جسد بلا روح؟ مثل هذه الأسئلة لا أعتقد أنه من المجدي البحث عن أجوبة تامة لها لأنها تقع خارج نطاق فهمنا. و يبقى البحث فيما دونها هو المفيد.

الروح من أمر الله و لن نعلم عنها الكثير بنص القرآن مهما حاولنا “و قل الروح من أمر ربي” صدق الله العظيم. و الهدف من كل هذا الكلام أن نصل لنتجية منطقية هي أن فينا شيئاً فوق المادة، شيئاً هو الذي يستطيع تفسير الذاكرة و الذكاء و الأحلام و الوعي و غيرها مما يميزنا نحن البشر.

الذكاء و الذاكرة و الوعي و غيرها لا يمكن أن تكون مبرمجة فينا لأننا تمكنا من قراءة كل النص البرمجي في الدنا و لم نقرأ فيها ما يبرمج الوعي!

إذاً لماذا يظل العلماء يبحثون عن جزيئات الذاكرة؟ لماذا يظلون يبحثون عن مصدر الذكاء؟ لماذا يبحثون عن تفسير للوعي؟

هل يمكن للوعي أن يفهم وعيه؟ أي هل يمكننا تفسير الوعي؟ برأيي من الغباء البحث عن إجابة لمثل هذه التساؤلات. وإلا فهل يمكن للصوت أن يسمع نفسه؟ أم هل يمكن للضوء أن يرى نفسه؟ الأمر سيان.

هل وعيك يشبه وعيي؟ هل ترى الأشياء كما أراها؟ هل تسمع صوت العصافير كما أسمعه؟ من يدري؟؟؟

هل للحيوانات وعي و إدراك؟ هل للجراثيم وعي؟ و الحديث عن الجراثيم قد يوضح لك هذه النقطة. الجراثيم أو لننتقل لما هو أبسط منها، الفيروسات. الفيروسات ما هي إلا كود برمجي بسيط مع مكونات بسيطة. و مع ذلك تفتك بنا! هذا الكود البرمجي فائق المثالية يستطيع أن يضمن بقاء هذا الفيروس! سبحان ربي فيما خلق. طبعاً لا يمكننا البت في السؤال السابق بخصوص الوعي لدى الجراثيم أم الفيروسات، الأمر أكبر منا نحن البشر.

بناء على كل ما سبق أصل أنا لنتائج قد توافقني و قد لا توفقني عليها:

  • لن نسطيع فهم الوعي، الذكاء، الذاكرة، الأحلام… مهما حاولنا. و كل محاولاتنا في هذا المضمار بلا جدوى.
  • لن نصل لما يمكن تسميته بالذكاء الاصطناعي الصرف. فذكاء الآلة لا يعني أكثر من أنها مزودة باحتمالات و حالات أكثر مع استجابة لكل منها.
  • لن تقف سلسلة الـ “لماذا؟” و ستظل بلا نهاية، لأسباب منها أن فينا ما هو فوق المادة و منها أننا لم نفهم المادة بالأساس و لم نعرف لها كنهاً بعد.
  • كل مافي هذا الكون خلاف الوعي البشري يتبع لقانون السبب و النتيجة.

هنا يخطر ببالي تشابه بين الدنا و بين الشريعة الإسلامية. الشريعة التي جاء بها القرآن تحوي النص الذي يفترض به أن يعطيك حكماً لكل ما يمكن أن يعترضك في هذه الحياة. و لكن ألا تتفق معي بأن ما يمكن أن يتعرض له الإنسان في حياته هو عدد لا محدد و لا نهائي من المسائل التشريعية بتقادم الزمان و المكان. بالتالي يجب أن نفهم أن هذه الشريعة تحتوي على النصوص البرمجية الذكية التي لا تشفر (لا تعطي الحكم الشرعي) لكل المسائل بالنص الصريح بالضرورة، إنما توفر لك الأدوات التي تستطيع أنت بالدمج فيما بينها أن تصل لحكم لكل المسائل التي يمكن أن تتعرض لها مهما كانت، و إلا لكانت هذه الشريع ناقصة.

الأمر يشبه الفوتوشوب و أدواته، إن كنت تستخدم البرنامج فأنت تعرف أنك تستطيع بأدواته “المحدودة” توليد عدد “غير محدود” من التعديلات على صورة ما. الفرق بين أدوات الكود البشري و أكواد الفوتوشوب هو الكمال و المثالية في الكود البشري و الضعف و الأخطاء في أكواد الآخر.

 الأسئلة الموجهة لك:

  1.  إذا كان الجسم محدد الواصفات سلفاً بالكود البرمجي فماذا نقصد من قولنا أنه قابل للتطوير؟
  2. كيف تفسر وجود توائم متشابهة و توائم غير متشابهة و توائم مختلفة بالجنس؟
  3. نظرياً ما هي الطريقة التي من المفروض بها أن تحول الخلايا المتايزة و تعيدها للحالة الغير متمايزة (غير متخصصة)؟
  4. هل كل شيء يخضع لقانون السبب و النتيجة؟
  5. برأيك من ما هو مصدر الوعي؟

السؤال الأخير موجه لـ Batman

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s