البوصلة القرآنية 3

‘‘هذه المقالات ستكون دمجاً بين قرائتي لكتاب البوصلة الذهبية للدكتور أحمد خيري العمري و المعاني التي تحدث عنها، و بين الأفكار التي اقتحمتني و أنا أقرأ فيه’’.

البوصلة القرآنية 12 – 3

التساؤل

لو سألنا أنفسنا بماذا بدأ الخطاب القرآني عندما بدأ تشكيل أرضية العقل المسلم و أساسه، و طريقة التفكير الإسلامية – القرآنية؟

بدأ بالتساؤل.

قد يكون من الغريب أن يبدأ الدين بطرح الأسئلة في حين تعودنا أن تكون الفلسفة هي من يطرح الأسئلة و الدين هو من يعطي الأجوبة. اعتدنا أن تكون الفلسفة للأرق و التفكير و الدين للنوم المطمأن الهادىء الخالي من الأسئلة الغريبة و الجديدة.

هذه النظرة التقليدية للدين تنتنشر اليوم انتشاراً كبيراً بحيث أعطت تلك الرؤية التقاعدية للدين: رؤية الموظف المتقاعد الذي يرى المسجد بديلاً لا بأس به عن المقاهي. المشكلة هنا أن الإسلام لم يأتي كحبة منوم للعقل يجعله يخلد للنوم و يرتاح رغم كل ما يحيط به من تحديات! الإسلام جاء ثورة في الحيوية و النشاط للعقل الإنساني و ‘‘قسره على أداء ترنية النوم لن يكون إلا خروجاً عن المفاهيم الأصلية التي عمل القرآن من خلالها في بناء الوعي لدي المسلمين الأوائل’’.

التساؤل – من حيث المبدأ – موجود منذ وجود البشرية. و مع تقدم التجربة الإنسانية بدأت هذه الأسئلة التي يطرحها الإنسان على نفسه تتحدد و تصبح أكثر نوعية و دقة و وضوحاً. الظواهر الطبيعية وجدت لها تفسيرات خرافية غالباً، ثم بدأت تلح على الإنسان أسئلة تتعلق بالوجود ككل، أسئلة من نوع: لماذا؟ من أين؟ إلى أين؟

يُنسب التساؤل في أولى مراحله إلى إنسان الكهوف، و  قد يكون من المفيد هنا طرح السؤال: من هو إنسان الكهوف (الذي تنسب إليه البشرية)!؟ هل هو إنسان جاهل لا يعرف الكلام؟ هل هو حقاً مرحلة مرت بها البشرية في مدارج تطورها؟

الإقرار بهذا السؤال و اعتباره مرحلة طبيعية من مراحل تطور البشر يقود بنا للعتراف بنظرية التطور التي تقول أن أصل الإنسان قرد! و هذه النظرية مرفوضة لدينا لا لأننا مؤمنون بأن الله خلقنا فقط، بل علمياً و عملياً إذ تفتقر هذه النظرية للأدلة المنطقية العليمة التي تقنع العقل بصحتها.

إذا كنا نرفضها سيتبادر للذهن أحد أكبر الأسئلة التي راودت النفس البشرية: من أين أتينا.

و إذا توجهنا للديانات السماوية – على اعتبارنا بعيدين عن الاقتناع بالإلحاد – فيمكننا أن نتفق على أن كل الرسالات السماوية اتفقت على أن بدأ خلق الإنسان كان بآدم و حواء، و قرآننا يخبرنا أن الله علم آدم الأسماء كلها و طلب منه أن يخبر الملائكة بها، كل هذا الحوار يدلنا على ان آدم كان واعياً متكلماً مفكراً، صورة بعيدة كل البعد عن إنسان الكهوف الذي تحاول جامعات الأرض قاطبة إقناعنا بأنه أصلنا و مهد تطورنا!!

إذاً البشرية منذ بدايتها متمثلة بآدم عليه السلام كانت تعرف الإجابة على مثل هذه الأسئلة: من أين أتينا و إلى أين نتجه و ما الهدف من وجودنا. و لكن ضياع البشرية لاحقاً و بعدها عن المنهج الذي أرسله الله لها و ضلالها هو الذي أعطى مثل هذه الاسئلة تلك القيمة الفلسفية و المكانة التالريخية.

جهل البشرية لأجوبة هذه الأسئلة لم يكن إلا بضلالها و انحرافها عن الديانات السماوية التي أرسلها الله له على مر الأزمنة. فقد كانت تمتلك كل الإجابات على مثل هذه الأسئلة، و لكنها اختارت أن تنساها و تبحث عن غيرها!.

معظم تلك الأجوبة – قبل الإسلام – كانت تدور حول محور واحد و هو: كن مؤمناً بالله و لا تشرك، كن إنساناً طيباً يرضَ الله عنك و يدخلك جنته. أجوبة تتجه نحو الاطمئنان و الهدوء بطريقة أو بأخرى.

لكن تعامل الخطاب القرآني مع مثل هذه الأسئلة جاء مختلفاً تماماً. جاء عبر التساؤل! و كيف يمكن للتساؤل أن يحل محل الجواب المنتظر من الدين الجديد؟! فقد عمد القرآن الكريم إلى إثارة هذا التساؤل و تجريده من كل الأقنعة و الأوهام التي تعتريه، أراد أن يجلعه على أوضح و أبسط شكل ممكن ليكون الجواب عليه فيما بعد أسهل و أقبل للفهم. جواباً يقتنع به العقل و يصدقه بكليته بدل أن يصدقه لأنه فقط جواب جاء من الدين. أراد القرآن للعقل أن يصدق هذا الجواب لا لأنه من عند الدين فحسب بل لأنه أقنع العقل نفسه، جاء القرآن محترماً لهذا العقل و مخاطباً إياه، جاء ليرفع دوره و يعليه بالبحث عن الأجوبة بنفسه.

اعتمد القرآن بذلك على توضيح السؤال إلى أكبر قدر ممكن، إلى تعريض الجرح للشمس بدلاً من المزيد من الضمادات، لأن الشفاء الحقيقي – و القناعة الحقيقية – لا تتم إلى بمواجهة السؤال وجهاً لوجه بآليات العقل نفسه، و هذا ما فعله الخطاب القرآني. و لم يكن ذلك غريباً عن خطاب كانت أول كلمة منه [إقرأ].

كانت الجزيرة العربية تعج بالمتناقضات و التركامات التي تجعل من الصعب تصنيفها على أنا مجتمع متجانس واضح المعالم. ويظهر ذلك التناقض و عدم التجانس و التعقيد البنائي لهذا المجتمع في كثير من النقاط منها:

  • تعقيدات علاقات النسب و التي كانت تؤدي لمزيد من الانقسام بسبب الولاء للقبيلة و الحمية الجاهلية. فقريش كانت مؤلفة من 12 قبيلة متنافسة أصلاً. هذه القبائل صار لكل منها بطون متنافسة أيضاً!. إذا أدخلنا علاقات المصاهرة و النسب لهذا المزيج مع مبدأ مثل الولاء للقبيلة و الحمية الجاهلية –  يتضح تعقيد المجتمع الناتج لدينا.
  • الركود الاقتصادي العام بسبب قلة موارد الجزيرة الزراعية و الصناعية و اعتمادها على التجارة.
  • اربتاط موارد التجارة بطرق التجارة المتأثرة أصلاً بغزوات القبائل و الأعراب في البادبة.

كل هذه  المتغيرات تؤدي بالنتيجة إلى أن تتبنى القبائل مجموعة من القوانين في محاول للتخفيف من حدة هذه التعقيدات المتناقضة، و لتحاول من التخفيف من حدة أثرها على المجتمع. و لا أدل على حالة التفرق و التشرذم – الناتجة جزئياً عن هذه المتغيرات و التناقضات التي تؤدي للتفرقة بين أفراد القبيلة نفسها –  من عدم وجود صنم مركزي لكل القبائل، فكان لكل قبيلة أصنامها المفضلة و المركزية.

من القوانين و المحاولات التي ظهرت للتغلب على نتائج هذه المتناقضات على الصعيد الاقتصادي مثلاً – و التي كان هدفها التخفيف من حدتها – بيع الحصاة (أن ترمي حصاة و تشتري البضاعة التي تقع عليها مهما كانت) و بيع الملامسة (أن تلمس بيدك بضائع و تشتري التي تلمسها يدك مهما كان سعرها) كل ذلك في محاولة لتدوير رأس المال رغماً عنه في ظل هذه المتناقضات. انتشار الربا و العلاقات الربوية كان نتيجة محتمة على العمليات الاقتصادية. و غيرها الكثير.

و كان على مجتمع يحمل كل هذه التناقضات التي تتضخم يوماً بعد يوم أن يصل لمرحلة و نقطة محددة ينهار فيها بناؤه الكلي و كيانه الكامل ليواجه أحد احتمالين:

  • أن يظل يهوي في الهاوية و يتابع انهياره و يتدمر نهائياً دون أن يحاول علاج أمراضه.
  • أن يعيد النظر في مقومات و أركان نهوضه من جديد – عبر تحديد الأسباب التي أدت إلى هذا الوضع، و من ثم معالجتها.

و لا أوضح مثالاً على هذا الحال أو على هذه النتيجة – التي سيصل إليها أي مجتمع يحمل في ثناياه متناقضات يحاول التغلب عليها بالمسكنات – بحال مجتمعاتنا العربية بعد استقلالها عن المستعمر و حتى اليوم.

إذا أصيب أحد أعضاء الجسم بمرض ما فنحن أما حالتين:

  • أن يكون المرض بسيطاً و عابراً لا خوف منه، و هنا يمكن تجاهل الأعراض و الاكتفاء ببعض المسكنات.
  • أن يكون المرض خطيراً، و هنا لا بد من علاجه. و نحن أيضاً في علاجه أمام حالتين:
  • الأولى أن نعاجله بالدواء المناسب، دون أن نهمله، و بذلك و بمعرفتنا للأسباب التي أدت لهذا المرض و معالجتها مباشرة دون أن نعالج الأعراض فقط و بذلك نكون قد نجحنا في التغلب على المرض.
  • الحالة الثانية أن تعالج المرض الخطير كما عالجنا المرض البسيط، نهمل الأسباب و نلتفت للأعراض، نُعط المسكنات للتغلب على الألم دون أن نعطي الدواء الذي يلغي مصدر و سبب الألم. في مثل هذه الحالة سيختفي الألم بطبيعة الحال و لكن المرض سيظل كامناً يتطور بعيداً عن أعيننا و إدراكنا. إلى أن يصل لمرحلة لا تعود فيه المسكنات التي نتناولها كافية للتغلب على الألم الذي يسببه السبب الكامن وراء هذا المرض، و هنا ينفجر المرض و إما أن يودي بحياة المرض أو يودي بأحد أعضائه – نتيجة محتمة لمثل هذا السيناريو.

ما نشهده اليوم في مجتمعاتنا العربية حالة مشابهة تماماً للحالة الأخيرة التي نهمل فيها المرض و نلجأ للمسكنات عوضاً عن الدواء. غرقت الدول العربية في حالة من الجمود و الركود التي كثيراً ما تشابه في بنيتها حالة الجزيرة العربية قبل البعثة، سواء في الجمود و الركود الاقتصادي أو الفكري أو حتى الأخلاقي. كان ذلك من أحد نتائج سيطرة الفكرة الاستهلاكية في المجتمعات العربية من جهة، من جهة أخرى الابتعاد عن منهج القرآن الذي صنع الحضارة العربية فيما مضى. من جهة أهرى تأصل فكرة أن الدين شيء منعزل عن الحياة و لا علاقة له بتطورها و تقدمها، و أن الحضارة تصنع بالعلم وحده.

هنا وقعت المجتمعات العربية في خطأين مركبين أحدهما مع الآخر أدى بالنتيجة لهذا التخلف و التراجع الفكري الذي لا يوصف.

الخطأ الأول الذي ارتكبوه هو تخليهم عما يعلمون حق المعرفة  – المنهج القرآني –  بأنه كان السبب في بناء الحضارة العربية الإسلامية قبل الآن و التي كانت من دون أدنى شك أعظم حضارة شهدها التاريخ لتنوعها و دورها الأساسي في بناء الحضارة الغربية اليوم.

إذاً السبب الأول أنهم تخلوا عن منهج شهد له التاريخ بأنه قادر على أن يحدث تغييرات جذرية في المجتمعات و يبنيها من الحضيض في فترة زمنية قياسية كما فعل بشبه الجزيرة العربية خلال فترة تقدر بحوالي الثلاثين سنة. منهج أقل ما يمكن أن نقول عنه أنه منهج متكامل لا نقص فيه. منهج يحتوي في مكوناته أسرار نجاحه.

الخطأ الثاني الذي وقعنا فيه هو إهمال قاعدة هامة من قواعد النجاح، مبدأ بنى الله عليه هذا الكون. قاعدة عامة لا يمكن أن يشذ عنها شيء في هذا الكون. و هي أنّ من يعمل يجن، و من يبذر يحصد، و من يمشي و يسير على الدرب سيصل. الأخذ بالأسباب بمعنى آخر.

فكنا نبتعد عن الإسلام لأننا للأسف اعتقدنا و أقررنا بعزلة الدين عن التطور و عن دوره في بناء المجتمع، و فقدنا ذلك الإيمان بأنه هو أساس كل تطور، و من جهة أخرى لم نكن نعتمد على القانون الكوني الذي يقول لنا بأننا إن لم نعمل فلن نحصد شيئاً!. و المضحك هو أن سبب عدم أخذنا بهذا المبدأ هو اعتقادنا بأن الدين هو الذي سيقودنا نحو التطور! و أن الله قادر على أن يمنحنا الحضارة و مقوماتها بدعوة في ظهر الغيب! من دون أي عمل نقوم به.

تجد مثل هذا المنطق الأعوج لدى الأفراد بشكل كبير و في كل ناحية من نواحي الحياة. عشش هذا المنطق فينا و طالت فترة حمله حتى كاد أن يلد لنا الفشل!

هذا المنطق و ظروف أخرى فرضتها مصالح الدول القوية على المجتمع العربي أدت إلى إصابته بمرض خطير – مرض الجهل. هذا المرض لا يمكننا علاجه بالمسكنات و لكن لا بد من البحث عن أسبابه و القضاء عليها.

أهم أسباب هذا المرض يتعلق بالحكومات التي رأت أن الجهل أحد أهم أسباب بقائها في السلطة لذلك لم تبذل الجهد الكافي لاستئصاله و إنما لجأت للمسكنات. و لا يمكن بأي شكل من الأشكال التغلب على مرض الجهل في مجتمع ما، مالم تكن الحكومة و القيادة في ذلك المجتمع تضع ذلك نصب أعينها. للفرد دور نعم ولكنه لن يستطيع مهما فعل أن يتغلب على مرض تتعدى أسبابه ما يمكنه هو لوحده أن يطالها. هذا المرض أدخلنا في حلقات مفرغة تولد عنها أمراض أخرى دعمت و قوّت الحلقة المفرغة الأولى الخاصة بالجهل. منها التدهور الأخلاقي و العزلة و الانحطاط الفكري و التخلف في فهمنا للدين نفسه و الأفكار التي دُست في أدمغتنا إلى ما لايمكن أن نحصيه في كلمات قليلة.

كل ذلك مع إهمال الحكومات – الممنهج و المتعمد – أدى إلى تفاقم هذا المرض رغم كل المسكنات التي كانت تضخها الحكومات في جسد المجتمع، إلى حالة من الغليان و الثوران كان لا بد لها من أن تثور و تدمر و تخرج من هذا القدر الصغير. و لعل هذا كان وقود تلك الثورات العربية و مصدر طاقتها.

في مثل هذه الظروف التي نمر بها اليوم نعود لنفس الخيار الذي نمر به في معالجة مثل هذه الأمراض الخطيرة، إما أن نضخ المسكنات من جديد فينهار المجتمع على نفسه، أو نبدأ بالبحث المنطقي عن الأسباب التي أدت لهذا الحال الذي نحن عليه و نبدأ بمعالجتها بالعلاج الصحيح، الأمر الذي سيقود في نهاية الأمر إلى زوال الأعراض ذاتياً.

إذاً نحن اليوم بحاجة إلى أن نسأل أنفسنا السؤال الحتمي:

مالذي يقف وراء هذا الانحطاط الشديد الذي يشهده العالم العربي؟ و من ثم نحاول التغلب عليها و مداواتها بالشكل المناسب.

إذاً الخطوة التالية هي التساؤل.

و هذه هي الخطوة الأولى التي بدأها الخطاب القرآني في تعامله الأول و في تواصله الأول مع البشر، التساؤل هو الخطوة الأولى للقخطاب القرآني عندما بدأ تشكيل أرضية العقل المسلم و أساسه، و طريقة التفكير الإسلامية – القرآنية.

البوصلة القرآنية 2

‘‘هذه المقالات ستكون دمجاً بين قرائتي لكتاب البوصلة الذهبية للدكتور أحمد خيري العمري و المعاني التي تحدث عنها، و بين الأفكار التي اقتحمتني و أنا أقرأ فيه’’.

البوصلة القرآنية 1 – 2

عناصر الخطاب الإسلامي – أساسية، لكن مفقودة

          لا ريب أن الإسلام نقل الجزيرة العربية نقلة نوعية من واقع في الحضيض لقيادة الأمم في فترة زمنية قياسية، الأمر الذي يدعو لكثير من الدهشة، هذه الدهشة يجب أن يتبعها أسئلة مثل: لماذا؟ كيف؟ متى و أين؟

لأن واقعنا اليوم لا يختلف كثيراً عن واقع الجزيرة العربية يومئذ، واقع مرير لكن تكسوه بعض الأقنعة التي تموّهه و تخفي ورائها الجهل والتخلف الفكري الذي لا يمكن وصفه!

الأجوبة جاءت على نوعين:

  • منها من قال بدور القيم و المثل العليا التي جاء بها الإسلام.
  • و منها من قال بدور الزكاة و الغنيمة و الخراج و الجزية.

‘‘لكن الحقيقة تسكن كل ألوان الطيف و لا تستقر أبداً في لون واحد’’.

نزل القرآن على رسولنا الكريم تباعاً و لم ينزل دفعة واحدة، و كان لذلك حِكماً أرادها الله منها أن التدرج في بناء صرح الإسلام تبعاً للمراحل التي كان يمر بها، فالمرحلة المكية كانت مرحلة بناء العقيدة و الإيمان فكانت الآيات التي نزلت في مكة تتحدث عن ذلك. أما المرحلة المدنية فهي مرحلة الاستقرار و أولى بذور الحضارة فجاءت الآيات التشريعية و الأحكام.

أيضاً كان النزول على مراحل مفيداً في تثبيت قلب النبي صلى الله عليه و سلم و غيرها من الحكم التي أرداها الله من نزول القرآن مجزءاً. هذا بالنسية لزمن الصحابة. أما اليوم و قد وجدنا القرآن بين أيدينا دفعة واحدة فماذا يمكن أن يفيدنا الترتيب التاريخي لآيات القرآن و ماذا يمكن أن يفيدنا معرفة أسباب النزول طالما  الآيات القرآنية ليست متعلقة بسبب نزولها فقط و إنما يتعدى حكمها و الغاية منها سبب النزول و زمانه لكل زمان و مكان!

‘‘القرآن يجب ألا يعزل عن الواقعة التاريخية التي أنزل ضمنها، و لا يعني هذا الاكفتاء بالتركيز على أسباب النزول’’. بمعنى أن أسباب النزول ليست المعنى الوحيد الذي يمكن أن نستفيده من الآية، إنما يكون سبب النزول للآية إن كن معروفاً معيناً لنا في فهم الإطار الذي جاءت الآية لتخدمه و الفراغ الذي نزلت لتملأه. دون أن نحصر معنى الآية بهذا السبب.

و يساعدنا الفهم الواعي العلمي لتلك المرحلة التاريخية – البعثة و بداية الرسالة – في عدة أمور: أولاها فهم كيفية نشوء الحضارة الإسلامية و أسس نجاحها، و بالمثل أسباب زوالها و هذا يساعدنا في بناء التغيير الحضاري المنشود. كما أنها تساعدنا في فهم أنفسنا أكثر ‘‘لأن آثار تلك الحضارة و ازدهارها و نتائجها لا تزال مغروسة بعمق في التكوين النفسي و الاجتماعي و الحضاري للمسملين’’.

و ربط القرآن بالمرحلة التاريخية التي نزل فيها في محاولة فهمه – و ربطه بأسباب النزول بالتالي – لا يعني أبداً خروجه و تحييده عن الواقع المعاصر. إنما سيكون ذلك الربط أداة تساعدنا في الولوج أكثر في معاني القرآن، القرآن لكل زمان و مكان هذا أمر مفروغ منه، و لكنه عندما نزل على الرسول في بداية البعثة كان لنزوله مناسبات و حوادث لا يمكن إغفالها في محاولتنا فهم القرآن الكريم. هذا الربط يكون مشكلة و خطأً كبيراً عندما نسقط الفهم القديم على الواقع الجديد، عندما يتحول هذا الربط من أداة مساعدة للفهم إلى منهج وحيد للفهم، نكون بذلك و كأننا أسقطنا تلك المرحلة على هذه المرحلة، و القرآن لم ينزل لأجل تلك المرحلة فقط، إنما جاء لكل الأزمنة، فيكون إسقاط الماضي على الحاضر هو بذاته تقييد للقرآن و تحييده عن الهدف الذي نزل لأجله. اي أن فهم القرآن الكريم يحتاج لقراءة جديدة في كل عصر تختلف عن القراءة السابقة و هذا لا يعني اختلاف تفسيره بين عصر و عصر إنما اختلاف في كيفية النظر إليه و فهمه.

كما أن القرآن الكريم يوجهنا للتقصي التاريخي في كثير من المواضع و هذا التقصي ليس عبثياً، إنما له دور في البناء الحضاري المنشود آنذاك و اليوم.

في هذا البحث علينا أن نستند على شيء ثابت واحد – هو القرآن. القرآن هو المنهج و هو المعجزة في نفس الوقت. في الحضارات السابقة التي كانت تتباهى بمنجزاتها المادية كان الله يؤيد رسله بمعجزات تفوق تلك المعجزات و تتحداها و هذا منطقي لسببين:

  • الأول أن رسالة الرسل قبل رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه و سلم كانت موجهة لزمان معين و مكان معين فيه قوم معينون. و من ثم تكون المعجزة مؤقتة بالفترة التي يقضيها الرسول بينهم.
  • ثانياً أن المعجزة كانت تأتي من جنس ما اشتهر به القوم الذين يرسل الله لهم الرسالة لتكون معجزة لهم.

فلا يمكن التحقق من تلك المعجزة مالم يكن من يريد التحقق موجوداً في نفس المكان و نفس الزمان. فلا يمكن أن ترى أحداً يقول لك أنا أؤمن بموسى عليه السلام و برسالته و من ثم يشير لك إلى معجزته، لأن معجزته اختفت مع انتهاء عصره. أما رسالة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم فجاءت لكل الأزمنة و لكل الناس لذلك كان على معجزته أن تبقى موجودة و تبقى متوقدة في كل زمان خلافاً لمعجزات الأنبياء من قبله و الذين كانت معجزاتهم مثل عود الثقاب يتوقد لمرة واحدة فقط، أما القرآن فهو متوقد إلى يوم القيامة. و في هذا معنىً يجب أن ننتبه إليه و هو أن الله يخاطب عقل الإنسان و ليس حواسه في هذا المرحلة، ففيما سبق كانت المعجزات موجهة لحواس الناس و لا يمكنهم إن يُعملوا عقولهم فيها و أن يفهمومها فهي كانت موجهة للحواس و ليس للعقل دور فيها، أما القرآن فهو موجه للعقل و ليس للحواس و إن كان للحواس نصيب. القرآن يحتوي على معجزاته بين دفتيه، منها البلاغي و منها التشريعي و منها العلمي و الجميل في الأمر أن إعمال العقل في هذا القرآن هو الذي يكشف هذه المعجزات كلما أعمل الإنسان عقله فيه، و هكذا يبقى القرآن مفتوح الأبواب للعقول على مر الأزمنة تُنقّب فيه و تكتشف المزيد من الكنوز التي كانت مخبؤءة فيه إلى أن جاء وقت قطفها.

خلاصة الأمر أن إعجاز القرآن يجب (منطقياً) أن يبقى ما دامت الرسالة قائمة، و رسالة الإسلام باقية إلى يوم القيامة لذلك احتوى القرآن على عناصر الإعجاز التي لا تنتهي صلاحيتها حتى يوم القيامة. من أهم هذه العناصر الإعجازية التي أراد الله لها أن تتكشف تباعاً على مر الأزمنة الآيات الكونية التي بثها الله في القرآن و التي تصف قوانين الكون. هذه الآيات لا يمكن و لن يمكن أن تَنْفَذَ في زمن واحد – لأنه لو أمكن لاختل إعجاز القرآن و توقف. و لا يمكن أيضاً منطقياً كشفها في زمن واحد لأن آيات القرآن الكونية التي تفسر ظواهر كونية أو تتنبأ بها أو تصفها هي في الواقع تخاطب العقل عبر المكتشفات التي اكتشفها في ذاك الزمن، و لأن لكل زمن اكتشافاته التي يتوصل إليها و العلم الذي يبنيه و يخرج به – كان لكل عصر آيات يمكنه أن يفهمها و يفسرها و يرى الإعجاز فيها. أي أن كل زمان له درجة عليمة قادرة على تفسير آيات معينة من آيات القرآن الكونية. و هذا منطقي جداً فالعقل في تطور مستمر و العلم بالتالي في تصاعد مستمر و هذا يعني أننا في فهم متزايد لآيات القرآن العلمية.

كان يمكن لرسولنا الكريم محمد صلى الله عليه و سلم أن يفسر لنا آيات القرآن الكونية و لكنه لو فعل لوقعنا في مشكلتين:

  • الأولى أن عطاء القرآن كان ليتوقف.
  • الثانية أن العقول في تلك المرحلة لم تكن لتستوعب كل هذا الدفق من المعلومات لأنها لم تخض فيها أساساً و لم تتوصل للعلم الذي يمكنها من فهمها.

فالقرآن يحتوي على آيات لا يمكن فهمها بالشكل الصحيح إلا بعد أن تثب العقول وثبات تمكنها من فهم مراد الله في آياته الكونية، و هذا لا يحدث إلى مع تقادم الزمن و تراكم العلم. و بذلك يبقى القرآن منجماً للإعجاز باقياً ما بقيت الرسالة قائمة و هي قائمة إلى أن يرث الله الارض و من عليها.

و كون معجزة القرآن جاءت بالنص لا بالمادة (لأن العرب كانوا مشهورين بالبلاغة و بالتالي بعث الله لهم القرآن متحدياً لغتهم و فصاحتهم) لا يجب أن يُفهم منه أن الإعجاز جاء في القرآن بالنص فقط لأجل هذه الغاية، يجب أن نتذكر دائماً أن الله في هذه المرحلة أراد أن يخاطب عقل الإنسان و فكره و وعيه.

إذاً جاء القرآن ليبني وعياً جديداً لدى الصحابة الذي اختاروا الدخول في هذا الدين بإرادتهم و من دون معجزات حسية.

إذاً كانت المعجزات في السابق تقوم على مبدأ أنها تُعجز العقل و تجعله في حالة و الذهول و غياب التفسير المنطقي لما يحدث أمامه، وهذا يؤدي لانسياق الفرد لما يأتي به هذا الرسول و من ثم التسليم بما جاء به و الذي هو توحيد الله و طاعته. إذاً كان الأمر قائماً على ثلاثية: (التحديالإعجازالتسليم). أي أنها تتحدى العقل و تعجزه و تجعله غير قادر على إعمال التفكير فيها، فهي معجزة و كفى. القرآن جاء معجزاً للعقل عبر طريق آخر، جاء القرآن معجزاً للعقل عبر مخاطبته و حثه على تبني قيم و طرائق تفكير جديدة تثور على المفاهيم الخاطئة المتوارثة جيلاً بعد جيل، ابتداء بالشرك و انتهاء بمظاهر الاستغلال و القهر الاجتماعيين.

و نجد الكفار وقتها طالبوا الرسول بمعجزات تقليدية كالتي كانت من قبل، لكي يجدوا طريقة للالتفاف عليها بعدما أعياهم القرآن و لم يجدوا له حيلة و لا وسيلة، و لكن القرآن ظل معجزة فريدة يصر على مخاطبة العقل في عملية التغيير التي هي هدف كل رسالة.

المعجزات الحسية طبعت الرسالات السابقة بالطابع المادي و الطابع الحسي الذي كان يتناسب مع لغة اللاعقل التي كانت سائدة و التي استطاعت المعجزة خرقها والتعامل معها. أما الإسلام و لأنه الرسالة الموجه لكل الأزمنة و الرسالة الخاتمة فيجب أن يتميز عن ذلك، بتقديم لغة جديدة حية تصلح مقدماتها و نتائجها لكل العصور، لا تصلح فقط لكل العصور بل و تُصلح كل العصور.

القرآن معجزة تشارك أنت فيها شخصياً

في السابق كانت المعجزة تصيب الفرد بسكتة عقلية تتطلب منه الخضوع و الانقياد، كان عجزه عن فهم المعجزة هو المفتاح الأساسي للمهمة الرسولية. لكن آلية إعجاز القرآن كانت مختلفة تماماً، فهنا إعمال العقل كان شرطاً أساسياً لتحسس الإعجاز. لذلك كان القرآن دوماً موجهاً إلى أناس (يعقلون) إذ لا فائدة حقاً من أناس أصيبوا بإبهار أسكت عقولهم.

و لا تظهر معجزة القرآن إلا في تفاعله مع البشر، و يبقى القول بإعجاز ألفاظ القرآن مجردةً قولاً بعيدأ عن إعجاز القرآن الحقيقي.

معجزة الخطاب القرآني لا تكون إلا بالذين يعقلون و لا تكتمل إلا بوجودهم و لا تبلغ ذروتها إلا بكونهم يعقلون. و لو كانوا لا يعقلون لما تحقق هذا الإعجاز و لما صار.

أي أن المعجزة الأولى للقرآن تكون بأثره عليك، تكون بتفاعلك معه و الإنسان الجديد الذي ينتج منك بعد أن تتفاعل مع القرآن. و هذه المعجزة هي التي نقلت الصحابة من الجاهلية (مهما نسبنا له الرقي بالشعر و غيره) إلى قيادة العالم في أقل من 30 سنة، هذه هي المعجزة الحقيقة التي  تولدت من تفاعلهم مع القرآن و الفكر الذي نتج عن هذا التفاعل و الشخص الذي ولد مع هذا الفكر.

إذا في القرآن ألوان من الإعجاز، منها القائم بذاته كاللغوي و النظام الحياتي المتكامل الكامل الذي جاء به و احتواؤه على الآيات الكونية التي لا يمكن الكشف عنها دفعة واحدة إنما تحتاج لوثبات العقول التي تحصل مع تقدم الزمان.

لكن أسماها و أقواها هو أنت عندما تتأثر بالقرآن، أنت و كيف ستكون و كيف ستفكر و ماذا سينتج عن كل ذلك بعد تفاعلك الحقيقي مع القرآن. فإذا نظرت إلى القرآن مجرداً عنك فهو يحتوي كل ألوان الإعجاز التي تبقينا على يقني أنه كتاب الله و رسالته إلينا إلى يوم الدين، و لكن عندما تندمج بالقرآن فستظهر أسرار إعجازه فيك أنت و ستصبح أنت المعجزة التي ستبني الحضارة التي بناها الصحابة يوماً ما عندما كان القرآن جزءاً لا يتجزأ منهم – كانوا معجزةً حقاً.

و إعجاز القرآن هذا تضمن في جوهره و في معناه الإعجاز الحسي الذي جاءت به الرسل السابقة، فكما شفت يد السيد المسيح الأبرص فقد شفى القرآن أمراض التخلف و الجهل و اللاعقل و هي أمراض وبائية أخطر من البرص و بعث بذلك الحياة في إنسان جديد و مجتمع جديد. و كما تحولت العصا في يد موسى عليه السلام إلى حية تسعى تحولت المفاهيم البالية التي كانت سائدة بين عرب الجزيرة إلى مفاهيم جديدة طازجة تنبض بالحيوية و الحركة، مفاهيم تسعى!. و كما انشق البحر أمام عصا موسى انشقت صحراء التخلف و بحر الظلمات أمام الخطاب القرآني لتمهد الطريق أما حضارة جديدة، تبني الإنسان بمفاهيم و رؤى و أفكار جديدة.

و لكن الفرق الجوهري أن ذلك الأبرص الذي شفاه عيسى عليه السلام قد مات و البحر قد عاد و العصا اختفت أما مع الخطاب القرآني فالإعجاز باقٍ مستمر، و جسر التواصل ممدود معه مالم نقفل أنفسنا دونه.

الجهل و التخلف موجود اليوم كما كان سابقاً و لا يزال بمقدور القرآن شق تلك الصحارى من الجهل و تحويل تلك المفاهيم التي تسود اليوم مجتعاتنا إلى مفاهيم جديدة تبني الإنسان من جديد – شرط أن يبقى التفاعل بينك و بين القرآن موجوداً – أن يبقى جسر التواصل مع قوم (يعقلون) موجوداً و مفتوحاً.

طريقة التفكير التي زرعها الخطاب القرآني في المسلمين لا يشترط أن تكون طريقة تفكير الزهاد و الوعاظ الذي يتخيل المرء أنهم ملتصقون بالقرآن أكثر من غيرهم. بل هي طريقة التفكير الناتجة من تفاعل هذا المجتمع مع هذا القرآن و تماهيها معه. هي طريقة التفكير التي تولدت بعد أن ذاب الفرد في هذا القرآن و انطبع به. إنها اتجاهات عامة في التفكير أكثر من كونها علامات مرورية صارمة تُحدد بلغة غير قابلة للنقاش: قف، انتبه، طريق مسدود، خفف السرعة…

فالقرآن عند التفاعل معه لا يولد أفكاراً فحسب، بل يطبع العقل بطريقة تفكير معينة، طريقة تسبر أغوار الكون و النفس و الوجود بطريقة تساهم في تفسير العالم على درب تغييره، طريقة تتفاهم مع الآخر مهما كان و تبني جسوراً للتواصل.

صحيح أننا ننتظر أن يثيرنا القرآن و نبكي بخشوع في تراويح رمضان و في العشر الأخير و قيام لياليها، إلا أن التفاعل مع القرآن لا يتقصر حتماً على تحريك غدد الدمع الذي نتخيله المصدر الأهم للخشوع – على أهميته.

طريقة التفكير هذا مبينة على أُسسٍ عامة و ليس على أفكار محددة سلفاً و هناك فرق كبير بين الحالتين. لو كان طريقة التفكير التي نخرج بها من تفاعلنا مع القرآن مبنية على أفكار محددة سلفاً لا يمكن النقاش فيها لكان القرآن في أحكامه و في الحالات التي يستطيع النظر و الحكم فيها محدوداً بعدد محدد، و هذا لا يتماشى مع كونه جاء لكل الأزمنة، و “كل الأزمنة” سيعتريها عدد لا محدود من المسائل و القضايا و الحالات التي تتطلب من القرآن حكماً و قولاً فصلاً. لذلك كانت طريقة التفكير التي تنتج من التفاعل مع القرآن مبينة على أسس و قواعد عامة تستطيع أنت بالدمج بينها و تحريحكها أن تولد أفكاراً لا حصر لها تستطيع أن تحل أي مشكلة تعترض أي زمان و أي مكان. نستطيع أن نشبه ذلك بأن القرآن جاء بألوان تستطيع بها أنت ترسم أي شيء تريده و من ثم تلونه بتلك الألوان، أما لو جاء القرآن على شكل رسومات صغيرة جاهزة فسيكون عدد اللوحات التي تبينها منها محدوداً مها حاولت، أو ستكون تقليدية لا جمال فيها لأنها مكونة من نفس القطع التي ترصفها قرب بعضها مرة بعد مرة. و هنا لن يكون للعقل دور لأن أجزاء اللوحة جاهزة و ليس عليك إلا رصف القطع قرب بعضها البعض، و ليس هذا شكل القرآن – القرآن جاء كالألوان التي يستطيع العقل أن يرسم أي لوحة شاء في أي زمن و أي مكان و يستطيع القرآن أن يلونها له.

البوصلة القرآنية 1

‘‘هذه المقالات ستكون دمجاً بين قرائتي لكتاب البوصلة الذهبية للدكتور أحمد خيري العمري و المعاني التي تحدث عنها، و بين الأفكار التي اقتحمتني و أنا أقرأ فيه’’.

البوصلة القرآنية 1 – بوصلتنا الذهبية

مقدمة

توقفت سفينة الإسلام منذ أن خبت شعلة الحضارة الإسلامية، و حتى تُبحر السفينة من جديد نحتاج لبوصلة ترشدنا للاتجاه الصحيح، لأن الإبحار من غير بوصلة هو إنتحار لا إبحار. و الغريب أننا نمتلك البوصلة الذهبية التي نستطيع بها أن نعود و نبني مجد حضارةٍ كانت و لم تزل أعظم حضارة مرت على البشرية بخيرها و سماحتها.

بوصلتنا هي قرآننا – و القرآن هو هو لم يتغير منذ أن أنزله الله تعالى على نبينا محمد صلى الله عليه و سلم، و لكن ما تغير هو فهمنا لهذا القرآن و تفاعلنا معه. هذا الفهم اعتراه الصدأ و حتى نبحر مع هذه البوصلة من جديد علينا أن نَجْلُوَ هذا الصدأ الذي اعترا فهمنا لهذا القرآن الكريم. عندما نبدأ بتحرير البوصلة ستهتز الإبرة و تبدأ بالالتفاف نحو الاتجاه الصحيح. الاتجاه الذي يجب أن نبحر باتجاهه، نبحر بأنفسنا نحوه عبر تغيير المفاهيم الخاطئة التي تربينا عليها و التي سادت في مجتمعنا حتى صارت هي قوامه و أساسه. أفكار و طرائق تفكير بالية صار لابد من التخلص منها حتى تعمل تلك البوصلة في كل منا و تقود الفرد و بالتالي المجتمع إلى بناء حضارة مشرقةٍ من جديد. الإبحار الجديد يحتاج إلى بحارة جدد أو إلى إعادة تأهيل البحارة القدماء لأن الزمن تغير و بتغيره تتغير المفاهيم و تتغير العقول و طرائق تفكيرها.

إذاً المسلمون اليوم أمام طريقين لا ثالث لهما:

  • أن يحاولوا جلي الصدأ عن هذه البوصلة بتحرير العقول و فهم القرآن كما يجب.
  • أن يتخلوا عن هذه البوصلة و يبقوا مكانهم لا للأمام إنما للخلف.

‘‘زود الله هذه البوصلة بطاقة هائلة تضمن عملها إلى يوم القيامة، تضمن عملها طوال رحلة الإنسان الطويلة إلى حيث أراد الله له أن يصل’’.

فقرآننا هو البوصلة التي تقودنا نحو الأمام، و هذه البوصلة ليست حكراً على أحد فهي تعمل بيد من يأخذها و يجلو الصدأ عن إبرتها عبر فهمهما كما يجب.

بداية القرآن وأول كلمة نزلت منه هي [إقرأ] و في هذه الكلمة استشعار للعقل و مناداة له سواء من حيث نماء العقل أو تكوينه أو إعماله.

التسلسل التاريخي و الزمني لنزول القرآن

ليس الترتيب التاريخي (ترتيب النزول) معروفاً لكل آيات القرآن الكريم. و ليس كلها على حد اليقين معروفةً بين المدنية و المكية. فهناك آيات مثل سورة الزلزلة يمكن تشبيهها بالنسيج المكي المبكر إلأ أنها مدنية تماماً، نزلت في مجتمع مدني مستقر كأنما نزلت لتزلزله و تذهب عنه وهم الاستقرار و تعيده قليلاً إلى أجواء مكة لغاية أن يصحو من وهم الاستقرار. بالفهم ذاته هناك آيات أُدرجت على أنها مدنية متأخرة في سورة مكية مبكرة كما بعض آيات سورة القلم، و لكن سياق تلك الآيات يعارض تماماً كونها مدنية لأنها جاءت تشد أزر الرسول الكريم بطريقة لا يعقل فيها أن تكون مدنية.

هنا يبزر السؤال: لماذا يشترط دوماً في الآيات التي تشد من أزر الرسول صلى الله عليه و سلم مثلاً ان تكون مكية و الآيات التي توحي بجو الاستقرار يجب أن تكون مدنية؟

برأيي ليس الأمر إلزاماً فكما في سورة الزلزلة التي جاءت في المجتمع المدني لتهزه و تزيل عنه غفوة تكون قد بدأت عوارضها بوهم الاستقرار، و كذلك الأمر فليس كل حال مكة تثبيت و لكن قد تكون هناك مناسبات لآيات للتشريع أو لآيات توحي بالاستقرار. فالأمر ليس إلزاماً أو قانوناً.

بالنتيجة ما هو معروف من أسباب النزول يفيدنا في فهم الإطار الذي نزلت به الآيات و لا يجب أن ننظر إليه على أنه التفسير الوحيد و الثابت أو المقصد الوحيد لها، إذ لو كان الأمر كذلك لما كانت هناك آيات لم تحتفظ لنا السنة بسبب نزولها أو مناسبتها. بذلك يكون سبب النزول فيما هو معروف ضوءاً على المعنى العام و المراد من الآية. و بذلك يكون القرآن قد غرس خطوطاً عريضة عامة و متداخلة (الترتيب الزمني لها ليس ضرورياً) أدت بالنتيجة لبناء تراكمي نهائي مكون من جملة خطوط عريضة يمكننا تسميتها بالعقائد أو الإيمان.

هذه الخطوط فُقدت اليوم و هدف هذا الكتاب هو البحث عن هذه الخطوط و البحث في الكيفية التي فقدناها بها.

فاليوم فقدنا هذه الخطوط العريضة في ظروف و ملابسات أدت أحياناً إلى استبدالها بخطوط أخرى تحتمي بالرؤية الدينية التقليدية و هي بذلك تعد كالألغام.

و للأسف ابتلينا اليوم برؤية شبه جامدة في نظرنا للقرآن من جهة و في التشريع بشكل عام من جهة أخرى، هذه الرؤية تفشل كثيراً في التعاطي مع مستجدات هذا القرن العلمية منها و الحياتية بشكل عام. مشكلة هذه الرؤية المقدسة و عراقتها تأتي من احتمائها بالنصوص القرآنية و النبوية المقدسة. من يريد أن يثور على هذه الرؤية يجب أن يعلم التهم ستوجه له فوراً و لكن ليطمأن ما دام القرآن موئله و كفى به موئلاً.

في مكة و في القرن السادس ولد رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه و سلم في عصر كانت الجزيرة العربية و العالم في ظلام شبه دامس، في فوضى عارمة – نسيت الإنساينة رسالتها و انحرفت عنها كثيراً حتى ضاعت الرسالة. في هذه الفترات دائماً ما ينعزل بعض أفراد المجتمع و يرفضون قيمه و مبادئه بفطرتهم السليمة و كان رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أحد اولئك الذين اعتزلوا المجتمع و بدأوا تأملهم لهم من على بعد، من غار بعيد رطب مظلم وحيد.

و كان حال كل أولئك الذين يعتزلون المجتمع أن يصبحوا كواكب في مدارات خاصة لا تتقاطع مع مدارات المجتمع و محيطه، ينعزلون عنه تماماً فلا يحاولن فيه إصلاحاً و لا تغييراً. و لم يكن حال رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه و سلم كذلك، إنما كان شأنه أنه سيكون من جراء هذا التأمل و هذه العزلة انفتاح على المجتمع لا انغلاقٌ بيعداً عنه. و كأن ذلك الانسجاب بعيدأً عن المجتمع لم يكن هروباً و عزلة بل صار انفتاحاً على العالم كله. و كأن ذلك الغار في ظلمته و وحشته صار منبعاً للنور الذي سيغمر البشرية كلها.

هذا يعلّمنا أن النجاح الحقيقي في حياتنا يأتي بعد الفشل الحقيقي و هذا يعطي الفشل معنى جميلاً لأنه سيكون أرضية صلبة لنجاحنا الحقيقي. فالنور الساطع لا يظهر إلا من قلب الظلام الدامس. و يعلمنا أن أي إصلاح في حياتنا يجب أن تسبقه فترة تأمل لهذه الحياة و مشكلاتها. تأمل نستيطع به وضع يدنا على أسس المشكلة و أسبابها بدل أعراضها و نتائجها.

في ذلك الغار نزل الملك من السماء إلى الأرض برسالة من الله إلى البشرية. رسالة من نوع خاص هذه المرة. كانت الرسالات السابقة تعتمد في معجزاتها على إبهار الحواس عبر معجزات يعجز عن تفسيرها لأنه يعيش في عصر مادي و ليس عصراً عقلياً يزدهر فيه العلم و التفكير. أما في حالة الوحي الذي نزل إلى رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه و سلم فقد نزل إليه بشيء مختلف هذه المرة – نزل إليه بكلمة هذه الكلمة هي بداية لعلاقة جديدة بين الإنسان و المجتمع، بين الإنسان و الكون، بين الإنسان و خالقه. هذه الكلمة كانت بذرة لجنين بدأ حمله للتو – الوعي الإنساني.

كل ذلك حدث عندما نزل الملك و أنزل معه لرسولنا الكريم محمد صلى الله عليه و سلم الكلمة التي كان لها أن تغير العالم [إقرأ]. و بينما كانت الشعوب تنام على كلمات سر تفتح مغارات كنوزها قِيلَت كلمة السر لرسولنا الكريم محمد ثلاث مرات و علناً لتفتح بذلك أبواب العلم و آفاق المعرفة.

كانت [إقرأ] بذلك أول أمر نزل إلى رسول الله و أول كلمة فهي بذلك أول فرض ينزل إلينا – قبل الصلاة و قبل الزكاة و الحج. قبل شهادة التوحيد نفسها. لأن كل هذه الفرائض يجب أن يكون لها أساس تقوم عليه، هذا الأساس مثلته كلمة [إقرأ]. فكانت [إقرأ] الإطار الذي من خلاله أخذت كل الفرائض موقعها الذي حددته الشريعة لاحقاً.

و بداية الرسالة بـ [إقرأ] توضح معنى العلم في الرسالة بعيداً عن تعاليم العلم و الحض على التعلم التي نزلت لاحقاً في القرآن الكريم. تأتي الكلمة في مكان خارج التقسيمات الفقيهة المعهودة من واجب و فرض و غيرها، تأتي عميقاً في القاعدة في الأساس و في الأركان.

و نزولها على رجل أمي كان دليلاً لدى علماء المسليمن على مدى عصور على صدق نبوة هذا الرجل، و لكن هذا يجب أن لا يصرف انتباهنا لأمور لا تقل أهمية عن تلك:

  • تكرار إقرأ ثلاث مرات على رجل أمي ليست امتحاناً له و لثقافته فيما إذا كان يجيد القراءة الأبجدية أم لا. [إقرأ] هنا تُحرر القراءة من معناها التقليدي اللغوي لتعطيها معنىً أشد غنىً و ثراءً.
  • هي دعوة للقراءة في ذلك الكتاب المفتوح – الكون في كل ذرة و في كل نسمة هواء.
  • هي دعو للقراءة في ذلك الكتاب الذي يقبع فيك – في النفس البشرية في كل نزعة خير أو شر و في كل عاطفة تعتريها تسمو بها أو تحط.
  • معنى [إقرأ] ليس لغوياً فحسب فمن معانيها أيضاً (الحمل) = حمل يتأتي من اللقاء الخصيب بين العقل الإنساني و الواقع الإنساني و الذي ينتج عنه جنين الوعي الإنساني. حمل قد يطول عقوداً أو قروناً و قد يجهض.
  • و من معانهيا (الجمع) = فهي قراءة شمولية متوازية للعالم كه برؤية تكاملية غير تجزيئية.
  • و من معانهيا (الفقه) = الفهم = الذي يخوض عميقاً بحثاً عن الجذور، يبحث عن الأسباب لا عن الظواهر، بحثاً يشخص المرض لا الأعراض فقط.

و هي غير مرتبطة بزمان أو مكان – هي مطلقة ذات صلاحية لا نهائية. و بسبب ارتباطها بالواقع الذي يتغير بين زمن و زمن فهي تحتاج إلى عين الواقع نفسه لا عين من واقع قديم، عين بشرية جديدة تعايش الواقع الذي نعيشه لا عيناً نأتي بها من القرون الأولى لننظر بها إلى واقعنا! تحتاج إلى عين بشرية جديدة و إلى عقل بشري جديد باستمرار ليقرأ من جديد، لا ليُلقّن كلمات من عصرٍ مضى!.

و لم يُنقل عن رسولنا الكريم أنه استشكل أمر القراءة اللغوية في تلك الحادثة التي حدثت معه، و لم يُنقل لنا أنه بدا بتعلم القراءة بعد تلك الكلمة التي نزلت عليه – كل هذا يدلنا على أن رسولنا الكريم كان يدرك أن [إقرأ] تتجاوز هنا القراءة التقليدية اللغوية التجريدية التي تقتصر على ترجمة الأصوات. كان يدرك أنها تتجاوز هذا المعنى إلى معنى أوسع، إلى معنى الوعي و الاستقراء.

و خلافاً للمعجزات السابقة التي كانت تتحدى قوانين الطبيعة و الفيزياء و يستشكل على العقل فهمها – نزلت هذه الكلمة بهدوء تام، من دون خسوف أو كسوف، من دون هزات أرضية، نزلت لا لتتحدى القوانين الفيزيائية بل لتعقد صلحاً معها.

‘‘هذه المرة سيكون التغيير من الداخل، في العقل، في القلب، في الوعي، سيكون التغيير في الإنسان نفسه و الذي هو بنفسه سيفعل الباقي’’.

كانت [إقرأ] بداية حمل لجنين الوعي الإنساني و استمر أول حمل له 23 عاماً ليخرج لنا بوعي إنساني لدى الصحابة استطاعوا به فتح الدنيا من مشرقها إلى مغربها، استطاعوا به لاحقاً بناء حضارة سطعت شمسها على الأرض كلها و كانت أساس الحضارة التي نراها اليوم.

و كنا نحن أنفسنا من قتل ذلك الوعي في مهده، فانهارت الحضارة لما ابتعدنا عن البوصلة التي كانت تقود سفينتنا و تُهنا في غياهب الزمن. و لن نعود إلى تلك الحضارة مالم نعد لتلك البوصلة.

و يستمر المخاض و يتجدد الحمل في كل عصر – من جاهلة مشركة لعولمة مهيمنة (كما في الحديث الصحيح) فيأتي من يجددون للأمة وعيها و يمنحون القراءة أبعاداً جديدة متجددة متفاعلة مع الواقع المتغير بتغير الزمن، متفاعلة مع نتائجه و متطلباته، متفاعلة مع تراكم الخبرات الإنسانية.

‘‘و على سعة الأفق الذي انطلقت فيه تلك الكلمة [إقرأ] إلا أنها مبنية على قواعد و أسس متينة، و الأهم من ذلك أنها ثابتة’’.

هذا يعني لنا أن في ديننا هذا ثوابت لا يمكن أن نحيد عنها مهما تغير الزمن، و لكن ليس كل ديننا ثوابت. ففيه متسع لتغير الزمن، فيه متسع لتغير الواقع، فيه متسع لتغير متطلبات ذلك الواقع الذي لا يثبت على حال. فالماضي لا يصلح بكليته ليقود الحاضر. ثوابت الماضي هي ثوابتنا و لكن متغيراته ليست نفس متغيراتنا و متطلبات الواقع في الماضي ليست كمتطلبات الواقع اليوم. و لذلك جاءت هذه الرسالة لا لتحدد أفكاراً ثابتة نسير عليها (في مجال المتغيرات لا الثوابت) إنما لترسم لنا خطوطاً عريضة نسير عليها، و هي بذلك تمنحنا المرونة للوصول للهدف الذي ترسمه تلك الخطوط العريضة من غير أن تضيق علينا.

[إقرأ] اليوم ترتبط للأسف بالقراءة التقليدية للمجلدات و الكتب التي سطرها الأولون فحسب. هي بذلك تلقين تقليدي لا قراءة بآفاقها الواسعة و معانهيا المتنوعة. و هذا يتعارض مع [إقرأ] نفسها. لأن [إقرأ] تقول لك أن تقرأ (في مجال المتغيرات) الواقع الذي أنت تعيش فيه لا الواقع الذي سُطرت فيه تلك الكتب، و هذا يعني أن ليس كا ما جاء فيها ينطبق عليك. هذا يعني أن على كل فقيه و عالم في الشريعة أن يقرأ في هذا الواقع، أن يعلم متغيراته لا أن يحصر نفسه بين تلك الكتب و المجلدات.

ابتُلينا اليوم بعلماء و مشايخ ظنوا أن الفقه في العلم الشرعي وحده! و نسوا أن الفقهاء الذين أسسوا هذ الفقه هم أنفسهم كانوا علماء في شتى أصناف العلوم – كانوا يقرؤن واقعهم بامتياز. أما علماء اليوم فهم يقرؤن ذلك الواقع الماضي لا واقع اليوم. و هذا الفهم الخاطىء لـ [إقرأ] أظهر لنا علماء بعيدين كل البعد عن العلماء الذين يحتاجهم هذا الواقع، ترى ذلك منهم في فتاوى يغيب عنها المنطق لدرجة أن بعضها يبكي و بعضها الآخر يضحك! غاب عنهم المنطق الذي يأتي من قراءة الواقع الحالي بعلومه و مفرزاته و مكوناته، لا بعلوم الماضي و مفرزاته و مكوناته!. تظهر هذه المشكلة أيضاً في القراءة السطحية و التحليل السطحي الذي لا يتجاوز قشر المشكلة في كثير من الأحيان لقضايا العصر الحالي، قراءة تعود بك لعصر الكتب التي حصروا أنفسهم فيها. قراءة تحاول أن تقصر الماضي على الحاضر و تفرض فهماً معيناً مستقىً من القرن الخامس عشر على واقعنا الحالي. و في ذلك تحجيرٌ لواسع مرن و تقزيمٌ لمارد و اغتيالٌ لروح الإبداع، لصحوة الأمل في النفوس!!!.

اليوم نعاني فهماً خاطئاً لـ [إقرأ]. فـ 40% من المسلمين فوق الـ 15 سنة أميون. هذا يعني أن 60% منهم يقرأون، و لكن نسبة كبيرة منهم لا تتعدى في قرائتها فك الخط و تفسير الأصوات – القراءة التقليدية التي كانت [إقرأ] تتجاوزها لأبعد من ذلك بكثير.

و لا عجب أن تأتي [إقرأ] في سورة القلم مرتين مرة في بداية السورة و مرة بعد ذكر مرحلة من أولى مراحل تطور الإنسان – العلق. كأنها بذلك تقول لنا:

  • [إقرأ] هي مرحلة من مراحل تطور الإنسان.
  • فالأنسان يمر عبر تطوره بمراحل الحمل التي يكون فيها جنيناً يبدأ من المضغة التي تنمو و تتطور لتعطي الإنسان بصورته النهائية.
  • الإنسان في هذا التطور يشابه الحيوانات كلها. و هذا التطور قسري مفروض عليه.
  • ثم تأتي [إقرأ] بعد لفظ العلق لتقول لنا أن بعد هذا التطور الذي يتشابه فيه الإنسان مع الحيوانات هناك مرحلة أخرى تميز الإنسان عن غيره = هي مرحلة [إقرأ] الثانية.
  • و بينما يكون التطور الأول قسرياً على الإنسان لا يد له فيه، يكون التطور الثاني [إقرأ] أختيارياً لا يتم إلا بإرادة الإنسان نفسه. هذه المرحلة الجديدة من التطور هي = الوعي.
  • الوعي ([إقرأ]) هي المرحلة الأخيرة من مراحل تطور هذا الكائن، و التي بها يكتمل تطوره و يتميز عن بقية المخلوقات. بها يعلو و من دونها يهبط لدرك الحيوانات!.

يقف الإنسان – بعد أن أتم تطوره الطبيعي الخارج عن إرادته – ليقرر هل يكمل و يستجيب لهمسة الغار و يصعد ذلك السلم المضي الملون، سلم التطور الإنساني الحقيقي. سلم [إقرأ] و كل درجة منه يصعدها تغوص به إلى عمق الحقيقة و الوعي و الإرادة، و تزيده اقتراباً من دوره و مسؤوليته الحقيقتين.

أو أن يقف – مكتفياً بتطوره الجنيني – فيقف على حافة السلم، شأنه بذلك شأن الطحالب و الدواب!!!.

‘‘عندما اختفت [إقرأ] بمعانيها الشمولية كلها، صارت مجرد كلمة دون المعاني و الآفاق و المقاصد، صار الصراع الفكري اليوم يقتصر على رؤى جامدة متوارثة من الماضي الذي لا يماثل الحاضر بشيء، اختفى ذلك الفهم الواعي لما حوله، اختفى التجدد و صار تلقيناً، اختفت المقاصد و باختصار – اختفى الإسلام الحقيقي’’.

‘‘إقرأ هي البداية و النهاية و ما بينهما. هي الأمر الأول الذي لا يقبل الإستئناف أو النسخ. الذي لا يكتسب فعاليته و حيويته إلا باستمراره على الأوامر التالية و التي – هي الأخرى – لا تكتسب فعاليتها إلا بالتعامل مع الأمر الأول: [إقرأ] – بكل معانيه!’’.

‘‘لذلك فإن [إقرأ] ليست مجرد بداية تاريخية لنزول الوحي، إنها البداية و النهاية و ما بينهما. إنها جوهر الحكاية بأكملها. الحكاية التي يما تنتهي بعد’’.

 

أسرار النجاح

أسرار التطوير الذاتي

التغييرات الطويلة الأمد – خلاصة سريعة

  • علماء النفس و على مدى بحثهم خلال السنوات الأخيرة طوروا تقنيات تساعد الناس على الوصول لأهدافهم.

  • التغييرات طويلة الأمد في حياتنا تتطلب مزيجاً من التوقعات المنطقة المقبولة و التحفزيز الذاتي و من الخطط القابلة للتطبيق.
  • يمكن للناس تعلم هذه التقنيات و تطبيقها بأنفسهم من دون مساعدة إختصاصي علم النفس.

هـل تخليت عن مخططاتك للسنة الجديدة؟ لا داعي لأن تخجل من نفسك. ربع الذين وضعوا مخططات للسنة الجديدة تخلوا عنها في الأسبوع الأول، و الكثير منهم لم يصمد للشهر الأول. يبدو أنها طبيعة البشر – أن يسعوا لأهداف كبيرة جداً و يفشلوا بسرعة في تحقيقها.

سواء كنت تحاول ممارسة التمارين الرياضية بانتظام أو كنت تحاول التخلص من عادة الإلحاح على الشراء أو حتى محاولة إبقاء طاولتك مرتبة فترة أطول من الوقت، كل ممن حاول القيام بتغييرات طويلة الأمد يعرف كم هي صعبة و كم تكون النتائج مخيبة للآمال. و لكن لِما الأمر صعب جداً؟ مالذي يميز أولئك الذين نجحوا في إحداث تغييرات جذرية في حياتهم و على المدى الطويل؟ مالذي يعرفونه و لا نعرفه؟.

هذه الأسئلة كانت محط اهتمام العلماء، كما هي محط اهتمامنا – و نحن نحاول الوصول إلى أهدافنا، و عقود من البحث أدت لإعطاء فكرة جيدة عن ماهية الإجابات عن تلك الاسئلة. تغيير نمط الحياة يتطلب تغيير طريقة التفكير و التحفيز و التصميم لدينا. التحليق بالأحلام أمر ممتع، و لكن أن تكون توقعاتك منطقية و واقعية يحضّرك بشكل أفضل للتحديات التي ستواجهها في طريق التغيير، و وضع خططك موضع التنفيذ في الوقت المناسب يعزز ذلك التغيير المنشود. إبدأ بخطوات صغيرة على المدى القصير، أهداف قابلة للتحقيق بسهولة (أهداف صغيرة) لتعزز الثقة في نفسك يوماً فيوم. حاول أن تجد في أعماق نفسك محفزاً قوياً يدعم فكرة التغيير فيك و يبقيك على خط التغيير و يعزز فيك القوة لإنجاز الأهداف التي تضعها لنفسك. حاول أن تبتدع روتيناً جديداً لحياتك تصبح فيه تلك التغييرات المنشودة روتينية كما الآن تلك العادات التي تريد التخلص منها روتينية.

إستخدام هذه التقنيات البسيطة يمكنك من أحداث تغييرات ضخمة في حياتك بدون مساعدة الأطباء و الاختصاصيين النفسيين. “معظم الناس يستطيعون أن ينجحوا في تحقيق تغييرات إيجابية في حايتهم، حقيقة يجب أن تذكرها دوماً” تقول Richard M. Ryan اختصاصية نفسية في جامعة Rochester. تريد أن تعرف كيف ذلك؟ هاك الطريقة.

مشاكل قديمة، أهداف جديدة

منذ فترة طويلة و العلماء يبحثون عن السبيل لدفع الناس لفعل ما هو مفيد لهم. و حتى الـ 10- 15 سنة الأخيرة لم تكن تلك الأفكار لتصمد أمام التحديات الواقعية التي يواجهها الناس، يقول Martin Hagger الاختصاصي النفسي في جامعة Curtin in Perth في استراليا. من الأفكار المدرسية كانت فكرة أن الناس يستطيعون الإقلاع عن التدخين عندما يدركون خطورة التدخين على صحتهم. و مع ذلك لم تكن المعلومات عن أخطار التدخين القاتلة لتحدث موجة كبيرة من الإقلاع عن التدخين. تبين أن تغيير أفعالنا لتتوافق مع أفكارنا أصعب مما تخيلنا. و يكون من السهولة بمكان ابتداع الكثير من الأعذار لعاداتنا السئية كالاستمرار بالتدخين و تناول الأطعمة الفارغة و عدم استخدام الخيوط في تنظيف أسنانا.

يبحث العلماء اليوم فيما هو أبعد من فكرة قوة الإرادة التقليدية، حيث أن التغيير الناجح يتطلب أكثر من قدرتك على ضبط رغباتك. أول خطوة مهمة في هذا السياق أن تعرف أن السير في طريق الإصلاح لن يكون سهلاً كما تتوقع. و فهم السبب سيمسح بتخفيف شدة المطبات التي يمكن أن تواجهك على هذا الطريق. “الذي يجعل العادات صعبة التغيير هو ما يجعلها مفيدة” يقول الدكتورة Wendy Woodd من جامعة California الجنوبية، و الذي قام بدراسة طرق كسر العادات. العادات هي ما تجعل حياتنا سهلة، فلا نضطر للتفكير في كيفية ربط حذائنا قبل الخروج من المنزل مثلاً. العادات تجعل منك تقوم بالفعل المطلوب ما أن تكون في المكان المناسب – حقيقة لسوء الحظ تنطبق على تلك العادات السيئة التي نريد القضاء عليها.

و تأتي دراسة الدكتورة Wood و زملاؤها برهاناً على هذه الحقيقة، و فيها تم إعطاء بشار طازج و بشار عمره أسبوع لمجموعتين من الناس اعتادوا على تناول البشار أثناء مشاهدة الأفلام. قاموا بإعادة التجربة في ظروف مختلفة، لم يحبَّ أحد البشار القديم و لكن مع ذلك تناولوا نفس الكمية من البشار التي كانوا ليتناولهامن البشار الطازج – بحكم العادة. الأخبار الجيدة هو أن هذا التصرف كان موجوداً فقط عندما يشاهدون الأفلام و يختفي عندما يشاهدون التلفاز في المنزل مثلاً، حيث أن التغيير في الأسباب و البيئة المحيطة بالفعل أدى لتعطيل الرغبة غير الواعية لتناول البشار. التخطيط لمثل هذه التغييرات المتعلقة بالظروف المحطية بالعادة التي ترغب بالتخلص منها مهم جداً، فإذا كنت تريد التخلص من تناولك المفرط للقهوة فحاول أن تجد طريقاً جديداً للعمل لا يمر بآلات تقديم القهوة السريعة.

ابتداع عادات جديدة، كالحصول على جسم رياضي أو القراءة أكثر عن الموسيقا الكلاسيكية، يحتاج إلى الاختيار بين ما هو مألوف و مرغوب و بين الأقل ألفة و رغبة. معظم الناس يبالغون في تقديرهم لسهولة التغيير و قوة الإرادة لديهم مما يقودهم للكثير من المشاكل. في سلسلة من التجارب على مجوعتين من الأفراد كان أولئك الذين يبالغون في تقدير سيطرتهم على أنفسهم الأسرع في الفشل بينما كان أولئك المعتدلون في تقدير قدراتهم – و كانوا أكثر واقعية من جهة أخرى – الأنجح في إحداث التغييرات.

التغييرات الطويلة الأمد تحتاج القيام بالخيارات الصحيحة مرة بعد مرة لبيقة حياتك في مختلف المواقف الصعبة. “إذا كنت تقول لنفسك، أستطيع فعلها، كل ما أحتاج إليه هو الكف عن هذه العادة. فعلى الأغلب أنك سوف تفشل، لأن الأمور أصعب من ذلك في حقيقة الأمر” تقول Mary Jung الباحثة في University of British Colombia المختصة في تغيير العادات الصحية. تذكر أن الزلات الصغيرة أمر مقبول و عادي خلافاً للإشارات التي تقول لك بأنك على وشك أن تفشل. “إذا تغيبت عن التدريبات الرياضية لليوم، فهذا لا يعني أنك فشلت، إنما فقط أنه عليك الحرص على تدريبات اليوم التالي” تقول Jung.

تقترح الدراسات أن تتخيل نتائج نجاحك في تغيير عاداتك و تخيل العثرات التي ستقف في طريقك أيضاً. بدل الحلول التجريدية لمشاكلك المالية لهذه السنة، على سبيل المثال، تخيل الموقفين التاليين: حساب بنكي أعلى، أو مصارعتك لنفسك فيما إذا كان يجب أن تنضم لرفاقك لتناول وجبة في مطعم غالٍ جداً. تفيد الدراسات بأن استخدام التقنيتين السابقتين تجعل مواجهة المشاكل أسهل و أكثر متعة و تقلل من التسويف و المماطلة لدى كثير من الناس.

إبحث عن الـ ’’لماذا‘‘ الخاصة بك

لمضاعفة احتمالات البقاء على نهج التغيير و الوصول لهدف ما، عليك أن تبحث عن السبب الذي يقودك للبحث عن مثل هذا التغيير في المقام الأول. “عبارات ’’لأنه‘‘ قد تدفعك على التغيير لشهر أو شهرين، و لكن لا يمكن تحملها بسهولة” تقول Ryan التي مع زميلها Edward L. Deci طورا نموذجاً للتحفيز الذاتي سموه ’’نظرية الإصرار الذاتي‘‘. توضح النظرية أن الناس يشعرون بالرضا عندما يستطيعون تحقيق و إنجاز متطلباتهم النفسية: الشعور بالإنجاز، علاقة قوية مع الناس الآخرين، و الأهم من ذلك الاستقلالية، أو الشعور بحرية الاختيار.

لتحقيق الشعور بالأنجاز، إبحث عن أمور تجيدها بالفطرة. تابع تقدمك فيها بتسجيل نتائج تدريباتك فيها مثلاً، هذا الأمر سيدعم ذلك الشعور بالأنجاز.

جميعنا نجاهد لنشعر بأننا مهمون للآخرين، الأمر الذي يفسر أن مشاركتك هدفاً ما مع أحد زملائك يعزز قدرتكما على الوصول لهذا الهدف و البقاء على طريقه. في سبيل تحقيق هذا حاول أن تفكر في الكيفية التي ستفيدك فيها عاداتك الجديدة في التقرب أكثر من الناس الذي تحبهم، و كيف ستزيد من قربك لهم.

التعطش للاستقلالية – العمود الثالث من أعمدة نظرية الإصرار الذاتي – قوي جداً، تقول Ryan، بحيث أنك إن كنت تعتمد على الضغوطات الخارجية للتغيير و تعتمدها كمحفز فإنك سريعاً ما ستدمر جهودك و محاولاتك للتغيير. إيجاد نشاطات خاصة بك و توافق متطلباتك و التغييرات التي تبحث عنها من جهة أخرى سيعزز قدرتك عل مواصلة السير نحو التغيير.

كثيراً ما نتجاهل أهمية التحفيز الذاتي الداخلي، كالمكافأة المالية لدى التخلص من بعض الكيلوغرامات من الوزن. كثير من الدراسات على المدى القصير في السبعينيات أشارت إلى أن المكافأة المالية تحث الناس أكثر على خسارة الوزن. “الآن دراسات طويلة الأمد أشارت إلى أنه في اللحظة التي تتوقف فيها المكافآت المادية يبدأ الناس بالانتكاس”  يقول Pedro J. Teixeria بروفسور في جامعة Libson التقنية في البرتغال الذي ساهم في نشر ورقة بحثية تصف طريقة أفضل و أنحج لخسارة الوزن. في الدراسة، النساء اللاتي عانين من زيادة الوزن و طُلب منهن البحث عن دافع ذاتي و محرض شخصي للوصول للوزن المنشود، استطعن خسارة الوزن بنجاح أكثر من النساء اللاتي لم يُعِرنَ المحفز الذاتي الاهتمام المناسب و ذلك على مدى ثلاث سنوات.

إذا كان حافزك على النجاح خارجياً تستطيع بسهولة تحويله لسبب داخلي ببحثك عن الأسباب التي تجعلك تطارد هذا الهدف. إذا نصحك طبيبك بالتخلص من الكوليستول من طعامك فاسأل نفسك كيف يمكن أن يساعدك هذا الأمر في قضاء وقت أطول مع أحفادك أو في السفر مرات أكثر و أكثر!.

يرى Pendor أن الشعور بالاستقلالية يلعب دور المفتاح الذي يفتح لك أبواب التغيير الطويل الأمد. “عند تواجد التحفيز الكافي، فإن الشخص سوف يجد الحل الأمثل و الأوحد لكل مشكلة تواجهه” يقول Pendora.

إجعل التغيير بطيئاً و دائماً

مفتاح آخر للتغيير الطويل الأمد هو البداية المتواضعة و الصعود التدريجي نحو الأعلى – لحمية ناجحة مثلاً إبدأ بالسير المنتظم اليومي و قم بزيادة السرعة تدريجياً على فترة أسابيع. ’’إنه من المحبط جداً أن تبذل مجهوداً على شيءٍ ما ثم تفشل فيه‘‘ تقول Jung الذي عمل كمدرب شخصي و مستشار في اللياقة. جزء من عقيدتها ’’إذا لم أعلم أنه يستطيع النجاح، فلن تكون فكرة جيدة أن نبدأ‘‘. و مع ذلك فإن بعض الناس يتبعون النهج الآخر، حميات صارمة و اندفاع لتعلم البيانو بشكل يومي و قراءة الأعمال الكاملة لـ Charles Dichens بدل مشاهدة مسلسل ما.

البدء التدريجي و المستمر ينجح لأنه يغذي المكونات الضرورية للنجاح في تحقيق الهدف: الثقة التي تحصل عليها هي ما يجعلك تنجح في التحدي برغم معوقات العالم الخارجي. ذلك الإيمان شيء مختلف تماماً عن تلك الثقة الزائدة للمتفائلين و الواثقين كثيراً من قدراتهم الشخصية، تضيف Jung. القدرة على التغلب على المعوقات الخارجية لا تتعلق كثيراً بقوة الإرادة بقدر ما تتعلق بالمهارات الشخصية كمهارة إدارة و جدولة المهام و المرونة و القدرة على المتابعة في حال التخلف المؤقت عن تحقيق الأهداف. التطوير التدريجي لهذه المهارات – بوضع أهداف متواضعة قابلة للتحقيق تمكنك من التغلب على مثل هذه المشاكل – تعزز فيك الثقة بالنفس، مانحة إياك الإصرار على وصول طموحاتك بعيدة المدى.

لا شك أن هذه العقيدة تهتز فينا كلما تعثرنا بمشكلة ما. الناس الذي فشلوا مراراً في الالتزام بتحقيق أهدافهم يتطور لديهم شعور بعجزهم عن تحقيق أي شيء. ’’لاستعادة تلك الثقة أنت بحاجة لخطوات كخطوات الطفل الرضيع‘‘ تقول Jung. إذا كنت تفشل في إبعاد الفوضى عن منزلك ركّز جهودك على غرفة واحداً عوضاً عن المنزل ككل، أو حتى زاوية واحدة من غرفة واحدة، حافظ عليها مرتبة لمدة أسبوع. بعد أسبوع كافىء نفسك و من ثم أضف إليها زاوية أخرى. قد يبدو الالتزام بمثل هذا التقدم البسيط سهلاً لدرجة مضحكة، و لكن هذا هو السر. عندما تتقدم نحو هدفك خطوة صغيرة كل مرة، تصبح هذه الخطوة روتينية و سهلة جداً عليك، و مع الوقت تتطور لديك الثقة بالنفس بشكل طبيعي.

أشرِك طيارك الآلي في المهمة

التغيير طويل الأمد يتطلب منك جعل هذا التغيير أوتوماتيكياً و يشكل عادةً من عاداتك التي لا تتطلب منك المجهود الكبير. إحدى طرق تشكيل عادات جديدة هي أن تخبر نفسك: متى، كيف، و لماذا تريد الوصول لهذا الهدف. على سبيل المثال إذا كنت تسعى لتناول ثلاث وجبات من الخضار يومياً قد تقول لنفسك، ’’عندما أعود للمنزل سأشتري بعض الخضار من السوق‘‘ يقول Peter Gollwitzer اختصاصي نفسي في جامعة نيوروك، الذي طور تقنية ’’إذا – سوف‘‘ التي تدعى ’’هدف الإنجاز‘‘. النقطة تدور حول إيجاد حاجة ذاتية لتحفيز السلوك الذي تريده.

في دراسة أجراها Gollwitzer مع زملائه على مجموعة من النساء الألمان، أخبرهم فيها عن فوائد تناول خمس وجبات من الفواكه يومياً. قاموا بإرشاد بعضهن لكيفية تحقيق ’’هدف الإنجاز‘‘ و المقارنة الذهنية للخطوات و التحديات. تلك المجموعة من النساء حافظن على حميتهن الغذائية سنتين – الفترة التي استمرت فيها الدراسة – في حين أن بقية لنساء فشلن و عدن إلى حميتهن السابقة بعد شهور فقط من بدء التجربة. دراسات أخرى بينت أن استخدام هذه التقينات خفض من نسبة حمل المراهقات في إحدى المدن المدن البريطانية التي تعاني من نسبة كبيرة من حمل المراهقات، مقارنة مع مجموعة مقارنة أخرى لم تستخدم فيها هذ التقنيات، كما انخفضت نسبة المراهقين المدخيني بتعليمهم ما يقولون و يفعلون عندما يعرض عليهم التدخين.

بعض نماذج ’’هدف الإنجاز‘‘ تعمل بشكل أفضل من الأخرى. على سبيل المثال، Gollwitzer مؤخراً وجد أن البحث عن سبب لخطتك كما لو قلنا ’’عندما أذهب للمطعم، سأتناول طبقاً من سلطة الخضار لأني أريد أن ابقى بصحة جيدة‘‘ يعطي نتائج عكسية لأن البحث عن السبب يعطل التلقائية، بالنتيجة يجب أن يكون الهدف و أسبابه واضحين قبل أن تبدأ بتنفيذ الخطة للوصول إلى ذلك الهدف حتى لا تعطل التلقائية أثناء التطبيق. دراسة أخرى بينت أن التحفيز الإيجابي فعال أكثر من التحفيز السلبي، ’’سوف أتجاهل الهاتف‘‘ تعمل بفعالية أكبر من ’’سوف لن أجيب على الهاتف‘‘. مزيد من التخيل الذهني يفيد أيضاً، ’’تخيل نفسك في الفعل يفيد أكثر من مجرد كتابة و تكرار الكلمات‘‘ يقول Gollwitzer.

جِد وصفتك السحرية

بعض هذه التقنيات، خاصة التأكيد على الأهداف المنطقية و الواقعية، البحث عن التحفيز المناسب و متابعة الخطط و تسجيل تقدمها، مشابهة لتلك المستخدمة في  المعالجة السلوكية لبعض الحالات المرضية كالقلق و الاكتئاب – الأمر الذي يجب أن يعطينا أملاً أكبر في حالاتنا غير المرضية التي نحاول فيها تحقيق بعض الأهداف و تجاوز بعض التحديات. مع ذلك تصر Ryan أن كثيراً من الناس يحققون أهدافهم من دون أية طرائق علاجية للتغيير، على أية حال معظم من توقف عن التدخين توقفوا بأنفسهم من دون أية مساعدة.

تأكد من أن بعض هذه الأدوات تكون غير مفيدة للبعض. فمثلاً أظهرت دراسات أن ’’هدف الأنجاز‘‘ لا تعمل بشكل جيد في تغيير العادات المتأصلة عميقاً فينا. الناس الذين يريدون أن يبدأوا تغييراً طويل الأمد قد لا يجدون هذه الطريقة مفيدة جداً، لأن طموحهم لا يمكن تجزيئه بسهولة لخطوات صغيرة مثلاً أو لا يواجهون مشكلة كالتوقف عن السير على خططهم.

الحصول على التغيير طويل الأمد أمر صعب و لكن مجرد إدراك هذه الحقيقة يساعدك على النجاح في تحقيق أهدافك بشكل أفضل. يتطلب الأمر الكثير من الجهد و الالتزام بالخطط لكي تخلق عادات جديدة في حياتك اليومية، و يجب أن لا تنظر لهفواتك و زلاتك الأولى على أنها علامات على فشلك. أهدافك يجب أن تكون أهدافك أنت و ليست مبنية على رؤية شخص آخر. لا تتوقع أن تتغير بين ليلة و ضحاها حتى لو كان اليوم يوماً من أيام القيامة. الآن، هي اللحظة المناسبة لبدء إتخاذ الخطوات التي توصلك لماتريده لنفسك حقاً.

خطوات لكي تكون شخصاً أفضل

مهما كان الهدف الذي تريد الوصول إليه، فإن هذه التقنيات يمكن أن تساعدك.

  • إحرص على أن تكون توقعاتك منطقة و واقعية مقبولة
  • تخيل نجاحك في الوصول لهدفك مع كل العثرات التي يمكن أن تصادفك.
  • تجنب المواقف و الأماكن التي تدفعك و تحرض فيك عادات تريد أن تتخلص منها.
  • سامح نفسك إذا تعثرت و أخطأت، تابع التقدم للأمام.
  • إبحث عما يبث فيك العزيمة و يشجعك
  • فكر كيف ستحولك هذه التغييرات التي تسعى لها في الوصول إلى الشخص الذي تطمح أن تكونه.
  • حاول البحث عن طرق مسلية و ممتعة للوصول لهدفك.
  • تخيل كيف سيقول تحقيقك لأهدافك علاقاتك بالناس المحيطة بك.
  • إبحث عن طريقة لقياس التقدم الذي تحرزه و تقييم و متابعة تقدمك نحو أهدافك.
  • إخطُ كالأطفال
  • قم بخطوات صغيرة قصيرة قابلة للتحقيق، و التي تتراكم لتصبح نجاحاً كبيراً.
  • استنبط خططاً للعمل
  • حضر نفسك لمواقف معينة: ’’إذا عُرضت علي سيجارة، سأقول: لا شكراً لا أريدها‘‘.
  • صِغ محفزاتك بصيغ إيجابية: ’’سأقول، لا شكراً – و لن أقول، لا أريدها‘‘.
  • تخيل نفسك و أنت تنفذ خططك و تضعها موضع التنفيذ.

http://wp.me/p1fZi1-iB