البوصلة القرآنية 1

‘‘هذه المقالات ستكون دمجاً بين قرائتي لكتاب البوصلة الذهبية للدكتور أحمد خيري العمري و المعاني التي تحدث عنها، و بين الأفكار التي اقتحمتني و أنا أقرأ فيه’’.

البوصلة القرآنية 1 – بوصلتنا الذهبية

مقدمة

توقفت سفينة الإسلام منذ أن خبت شعلة الحضارة الإسلامية، و حتى تُبحر السفينة من جديد نحتاج لبوصلة ترشدنا للاتجاه الصحيح، لأن الإبحار من غير بوصلة هو إنتحار لا إبحار. و الغريب أننا نمتلك البوصلة الذهبية التي نستطيع بها أن نعود و نبني مجد حضارةٍ كانت و لم تزل أعظم حضارة مرت على البشرية بخيرها و سماحتها.

بوصلتنا هي قرآننا – و القرآن هو هو لم يتغير منذ أن أنزله الله تعالى على نبينا محمد صلى الله عليه و سلم، و لكن ما تغير هو فهمنا لهذا القرآن و تفاعلنا معه. هذا الفهم اعتراه الصدأ و حتى نبحر مع هذه البوصلة من جديد علينا أن نَجْلُوَ هذا الصدأ الذي اعترا فهمنا لهذا القرآن الكريم. عندما نبدأ بتحرير البوصلة ستهتز الإبرة و تبدأ بالالتفاف نحو الاتجاه الصحيح. الاتجاه الذي يجب أن نبحر باتجاهه، نبحر بأنفسنا نحوه عبر تغيير المفاهيم الخاطئة التي تربينا عليها و التي سادت في مجتمعنا حتى صارت هي قوامه و أساسه. أفكار و طرائق تفكير بالية صار لابد من التخلص منها حتى تعمل تلك البوصلة في كل منا و تقود الفرد و بالتالي المجتمع إلى بناء حضارة مشرقةٍ من جديد. الإبحار الجديد يحتاج إلى بحارة جدد أو إلى إعادة تأهيل البحارة القدماء لأن الزمن تغير و بتغيره تتغير المفاهيم و تتغير العقول و طرائق تفكيرها.

إذاً المسلمون اليوم أمام طريقين لا ثالث لهما:

  • أن يحاولوا جلي الصدأ عن هذه البوصلة بتحرير العقول و فهم القرآن كما يجب.
  • أن يتخلوا عن هذه البوصلة و يبقوا مكانهم لا للأمام إنما للخلف.

‘‘زود الله هذه البوصلة بطاقة هائلة تضمن عملها إلى يوم القيامة، تضمن عملها طوال رحلة الإنسان الطويلة إلى حيث أراد الله له أن يصل’’.

فقرآننا هو البوصلة التي تقودنا نحو الأمام، و هذه البوصلة ليست حكراً على أحد فهي تعمل بيد من يأخذها و يجلو الصدأ عن إبرتها عبر فهمهما كما يجب.

بداية القرآن وأول كلمة نزلت منه هي [إقرأ] و في هذه الكلمة استشعار للعقل و مناداة له سواء من حيث نماء العقل أو تكوينه أو إعماله.

التسلسل التاريخي و الزمني لنزول القرآن

ليس الترتيب التاريخي (ترتيب النزول) معروفاً لكل آيات القرآن الكريم. و ليس كلها على حد اليقين معروفةً بين المدنية و المكية. فهناك آيات مثل سورة الزلزلة يمكن تشبيهها بالنسيج المكي المبكر إلأ أنها مدنية تماماً، نزلت في مجتمع مدني مستقر كأنما نزلت لتزلزله و تذهب عنه وهم الاستقرار و تعيده قليلاً إلى أجواء مكة لغاية أن يصحو من وهم الاستقرار. بالفهم ذاته هناك آيات أُدرجت على أنها مدنية متأخرة في سورة مكية مبكرة كما بعض آيات سورة القلم، و لكن سياق تلك الآيات يعارض تماماً كونها مدنية لأنها جاءت تشد أزر الرسول الكريم بطريقة لا يعقل فيها أن تكون مدنية.

هنا يبزر السؤال: لماذا يشترط دوماً في الآيات التي تشد من أزر الرسول صلى الله عليه و سلم مثلاً ان تكون مكية و الآيات التي توحي بجو الاستقرار يجب أن تكون مدنية؟

برأيي ليس الأمر إلزاماً فكما في سورة الزلزلة التي جاءت في المجتمع المدني لتهزه و تزيل عنه غفوة تكون قد بدأت عوارضها بوهم الاستقرار، و كذلك الأمر فليس كل حال مكة تثبيت و لكن قد تكون هناك مناسبات لآيات للتشريع أو لآيات توحي بالاستقرار. فالأمر ليس إلزاماً أو قانوناً.

بالنتيجة ما هو معروف من أسباب النزول يفيدنا في فهم الإطار الذي نزلت به الآيات و لا يجب أن ننظر إليه على أنه التفسير الوحيد و الثابت أو المقصد الوحيد لها، إذ لو كان الأمر كذلك لما كانت هناك آيات لم تحتفظ لنا السنة بسبب نزولها أو مناسبتها. بذلك يكون سبب النزول فيما هو معروف ضوءاً على المعنى العام و المراد من الآية. و بذلك يكون القرآن قد غرس خطوطاً عريضة عامة و متداخلة (الترتيب الزمني لها ليس ضرورياً) أدت بالنتيجة لبناء تراكمي نهائي مكون من جملة خطوط عريضة يمكننا تسميتها بالعقائد أو الإيمان.

هذه الخطوط فُقدت اليوم و هدف هذا الكتاب هو البحث عن هذه الخطوط و البحث في الكيفية التي فقدناها بها.

فاليوم فقدنا هذه الخطوط العريضة في ظروف و ملابسات أدت أحياناً إلى استبدالها بخطوط أخرى تحتمي بالرؤية الدينية التقليدية و هي بذلك تعد كالألغام.

و للأسف ابتلينا اليوم برؤية شبه جامدة في نظرنا للقرآن من جهة و في التشريع بشكل عام من جهة أخرى، هذه الرؤية تفشل كثيراً في التعاطي مع مستجدات هذا القرن العلمية منها و الحياتية بشكل عام. مشكلة هذه الرؤية المقدسة و عراقتها تأتي من احتمائها بالنصوص القرآنية و النبوية المقدسة. من يريد أن يثور على هذه الرؤية يجب أن يعلم التهم ستوجه له فوراً و لكن ليطمأن ما دام القرآن موئله و كفى به موئلاً.

في مكة و في القرن السادس ولد رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه و سلم في عصر كانت الجزيرة العربية و العالم في ظلام شبه دامس، في فوضى عارمة – نسيت الإنساينة رسالتها و انحرفت عنها كثيراً حتى ضاعت الرسالة. في هذه الفترات دائماً ما ينعزل بعض أفراد المجتمع و يرفضون قيمه و مبادئه بفطرتهم السليمة و كان رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أحد اولئك الذين اعتزلوا المجتمع و بدأوا تأملهم لهم من على بعد، من غار بعيد رطب مظلم وحيد.

و كان حال كل أولئك الذين يعتزلون المجتمع أن يصبحوا كواكب في مدارات خاصة لا تتقاطع مع مدارات المجتمع و محيطه، ينعزلون عنه تماماً فلا يحاولن فيه إصلاحاً و لا تغييراً. و لم يكن حال رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه و سلم كذلك، إنما كان شأنه أنه سيكون من جراء هذا التأمل و هذه العزلة انفتاح على المجتمع لا انغلاقٌ بيعداً عنه. و كأن ذلك الانسجاب بعيدأً عن المجتمع لم يكن هروباً و عزلة بل صار انفتاحاً على العالم كله. و كأن ذلك الغار في ظلمته و وحشته صار منبعاً للنور الذي سيغمر البشرية كلها.

هذا يعلّمنا أن النجاح الحقيقي في حياتنا يأتي بعد الفشل الحقيقي و هذا يعطي الفشل معنى جميلاً لأنه سيكون أرضية صلبة لنجاحنا الحقيقي. فالنور الساطع لا يظهر إلا من قلب الظلام الدامس. و يعلمنا أن أي إصلاح في حياتنا يجب أن تسبقه فترة تأمل لهذه الحياة و مشكلاتها. تأمل نستيطع به وضع يدنا على أسس المشكلة و أسبابها بدل أعراضها و نتائجها.

في ذلك الغار نزل الملك من السماء إلى الأرض برسالة من الله إلى البشرية. رسالة من نوع خاص هذه المرة. كانت الرسالات السابقة تعتمد في معجزاتها على إبهار الحواس عبر معجزات يعجز عن تفسيرها لأنه يعيش في عصر مادي و ليس عصراً عقلياً يزدهر فيه العلم و التفكير. أما في حالة الوحي الذي نزل إلى رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه و سلم فقد نزل إليه بشيء مختلف هذه المرة – نزل إليه بكلمة هذه الكلمة هي بداية لعلاقة جديدة بين الإنسان و المجتمع، بين الإنسان و الكون، بين الإنسان و خالقه. هذه الكلمة كانت بذرة لجنين بدأ حمله للتو – الوعي الإنساني.

كل ذلك حدث عندما نزل الملك و أنزل معه لرسولنا الكريم محمد صلى الله عليه و سلم الكلمة التي كان لها أن تغير العالم [إقرأ]. و بينما كانت الشعوب تنام على كلمات سر تفتح مغارات كنوزها قِيلَت كلمة السر لرسولنا الكريم محمد ثلاث مرات و علناً لتفتح بذلك أبواب العلم و آفاق المعرفة.

كانت [إقرأ] بذلك أول أمر نزل إلى رسول الله و أول كلمة فهي بذلك أول فرض ينزل إلينا – قبل الصلاة و قبل الزكاة و الحج. قبل شهادة التوحيد نفسها. لأن كل هذه الفرائض يجب أن يكون لها أساس تقوم عليه، هذا الأساس مثلته كلمة [إقرأ]. فكانت [إقرأ] الإطار الذي من خلاله أخذت كل الفرائض موقعها الذي حددته الشريعة لاحقاً.

و بداية الرسالة بـ [إقرأ] توضح معنى العلم في الرسالة بعيداً عن تعاليم العلم و الحض على التعلم التي نزلت لاحقاً في القرآن الكريم. تأتي الكلمة في مكان خارج التقسيمات الفقيهة المعهودة من واجب و فرض و غيرها، تأتي عميقاً في القاعدة في الأساس و في الأركان.

و نزولها على رجل أمي كان دليلاً لدى علماء المسليمن على مدى عصور على صدق نبوة هذا الرجل، و لكن هذا يجب أن لا يصرف انتباهنا لأمور لا تقل أهمية عن تلك:

  • تكرار إقرأ ثلاث مرات على رجل أمي ليست امتحاناً له و لثقافته فيما إذا كان يجيد القراءة الأبجدية أم لا. [إقرأ] هنا تُحرر القراءة من معناها التقليدي اللغوي لتعطيها معنىً أشد غنىً و ثراءً.
  • هي دعوة للقراءة في ذلك الكتاب المفتوح – الكون في كل ذرة و في كل نسمة هواء.
  • هي دعو للقراءة في ذلك الكتاب الذي يقبع فيك – في النفس البشرية في كل نزعة خير أو شر و في كل عاطفة تعتريها تسمو بها أو تحط.
  • معنى [إقرأ] ليس لغوياً فحسب فمن معانيها أيضاً (الحمل) = حمل يتأتي من اللقاء الخصيب بين العقل الإنساني و الواقع الإنساني و الذي ينتج عنه جنين الوعي الإنساني. حمل قد يطول عقوداً أو قروناً و قد يجهض.
  • و من معانهيا (الجمع) = فهي قراءة شمولية متوازية للعالم كه برؤية تكاملية غير تجزيئية.
  • و من معانهيا (الفقه) = الفهم = الذي يخوض عميقاً بحثاً عن الجذور، يبحث عن الأسباب لا عن الظواهر، بحثاً يشخص المرض لا الأعراض فقط.

و هي غير مرتبطة بزمان أو مكان – هي مطلقة ذات صلاحية لا نهائية. و بسبب ارتباطها بالواقع الذي يتغير بين زمن و زمن فهي تحتاج إلى عين الواقع نفسه لا عين من واقع قديم، عين بشرية جديدة تعايش الواقع الذي نعيشه لا عيناً نأتي بها من القرون الأولى لننظر بها إلى واقعنا! تحتاج إلى عين بشرية جديدة و إلى عقل بشري جديد باستمرار ليقرأ من جديد، لا ليُلقّن كلمات من عصرٍ مضى!.

و لم يُنقل عن رسولنا الكريم أنه استشكل أمر القراءة اللغوية في تلك الحادثة التي حدثت معه، و لم يُنقل لنا أنه بدا بتعلم القراءة بعد تلك الكلمة التي نزلت عليه – كل هذا يدلنا على أن رسولنا الكريم كان يدرك أن [إقرأ] تتجاوز هنا القراءة التقليدية اللغوية التجريدية التي تقتصر على ترجمة الأصوات. كان يدرك أنها تتجاوز هذا المعنى إلى معنى أوسع، إلى معنى الوعي و الاستقراء.

و خلافاً للمعجزات السابقة التي كانت تتحدى قوانين الطبيعة و الفيزياء و يستشكل على العقل فهمها – نزلت هذه الكلمة بهدوء تام، من دون خسوف أو كسوف، من دون هزات أرضية، نزلت لا لتتحدى القوانين الفيزيائية بل لتعقد صلحاً معها.

‘‘هذه المرة سيكون التغيير من الداخل، في العقل، في القلب، في الوعي، سيكون التغيير في الإنسان نفسه و الذي هو بنفسه سيفعل الباقي’’.

كانت [إقرأ] بداية حمل لجنين الوعي الإنساني و استمر أول حمل له 23 عاماً ليخرج لنا بوعي إنساني لدى الصحابة استطاعوا به فتح الدنيا من مشرقها إلى مغربها، استطاعوا به لاحقاً بناء حضارة سطعت شمسها على الأرض كلها و كانت أساس الحضارة التي نراها اليوم.

و كنا نحن أنفسنا من قتل ذلك الوعي في مهده، فانهارت الحضارة لما ابتعدنا عن البوصلة التي كانت تقود سفينتنا و تُهنا في غياهب الزمن. و لن نعود إلى تلك الحضارة مالم نعد لتلك البوصلة.

و يستمر المخاض و يتجدد الحمل في كل عصر – من جاهلة مشركة لعولمة مهيمنة (كما في الحديث الصحيح) فيأتي من يجددون للأمة وعيها و يمنحون القراءة أبعاداً جديدة متجددة متفاعلة مع الواقع المتغير بتغير الزمن، متفاعلة مع نتائجه و متطلباته، متفاعلة مع تراكم الخبرات الإنسانية.

‘‘و على سعة الأفق الذي انطلقت فيه تلك الكلمة [إقرأ] إلا أنها مبنية على قواعد و أسس متينة، و الأهم من ذلك أنها ثابتة’’.

هذا يعني لنا أن في ديننا هذا ثوابت لا يمكن أن نحيد عنها مهما تغير الزمن، و لكن ليس كل ديننا ثوابت. ففيه متسع لتغير الزمن، فيه متسع لتغير الواقع، فيه متسع لتغير متطلبات ذلك الواقع الذي لا يثبت على حال. فالماضي لا يصلح بكليته ليقود الحاضر. ثوابت الماضي هي ثوابتنا و لكن متغيراته ليست نفس متغيراتنا و متطلبات الواقع في الماضي ليست كمتطلبات الواقع اليوم. و لذلك جاءت هذه الرسالة لا لتحدد أفكاراً ثابتة نسير عليها (في مجال المتغيرات لا الثوابت) إنما لترسم لنا خطوطاً عريضة نسير عليها، و هي بذلك تمنحنا المرونة للوصول للهدف الذي ترسمه تلك الخطوط العريضة من غير أن تضيق علينا.

[إقرأ] اليوم ترتبط للأسف بالقراءة التقليدية للمجلدات و الكتب التي سطرها الأولون فحسب. هي بذلك تلقين تقليدي لا قراءة بآفاقها الواسعة و معانهيا المتنوعة. و هذا يتعارض مع [إقرأ] نفسها. لأن [إقرأ] تقول لك أن تقرأ (في مجال المتغيرات) الواقع الذي أنت تعيش فيه لا الواقع الذي سُطرت فيه تلك الكتب، و هذا يعني أن ليس كا ما جاء فيها ينطبق عليك. هذا يعني أن على كل فقيه و عالم في الشريعة أن يقرأ في هذا الواقع، أن يعلم متغيراته لا أن يحصر نفسه بين تلك الكتب و المجلدات.

ابتُلينا اليوم بعلماء و مشايخ ظنوا أن الفقه في العلم الشرعي وحده! و نسوا أن الفقهاء الذين أسسوا هذ الفقه هم أنفسهم كانوا علماء في شتى أصناف العلوم – كانوا يقرؤن واقعهم بامتياز. أما علماء اليوم فهم يقرؤن ذلك الواقع الماضي لا واقع اليوم. و هذا الفهم الخاطىء لـ [إقرأ] أظهر لنا علماء بعيدين كل البعد عن العلماء الذين يحتاجهم هذا الواقع، ترى ذلك منهم في فتاوى يغيب عنها المنطق لدرجة أن بعضها يبكي و بعضها الآخر يضحك! غاب عنهم المنطق الذي يأتي من قراءة الواقع الحالي بعلومه و مفرزاته و مكوناته، لا بعلوم الماضي و مفرزاته و مكوناته!. تظهر هذه المشكلة أيضاً في القراءة السطحية و التحليل السطحي الذي لا يتجاوز قشر المشكلة في كثير من الأحيان لقضايا العصر الحالي، قراءة تعود بك لعصر الكتب التي حصروا أنفسهم فيها. قراءة تحاول أن تقصر الماضي على الحاضر و تفرض فهماً معيناً مستقىً من القرن الخامس عشر على واقعنا الحالي. و في ذلك تحجيرٌ لواسع مرن و تقزيمٌ لمارد و اغتيالٌ لروح الإبداع، لصحوة الأمل في النفوس!!!.

اليوم نعاني فهماً خاطئاً لـ [إقرأ]. فـ 40% من المسلمين فوق الـ 15 سنة أميون. هذا يعني أن 60% منهم يقرأون، و لكن نسبة كبيرة منهم لا تتعدى في قرائتها فك الخط و تفسير الأصوات – القراءة التقليدية التي كانت [إقرأ] تتجاوزها لأبعد من ذلك بكثير.

و لا عجب أن تأتي [إقرأ] في سورة القلم مرتين مرة في بداية السورة و مرة بعد ذكر مرحلة من أولى مراحل تطور الإنسان – العلق. كأنها بذلك تقول لنا:

  • [إقرأ] هي مرحلة من مراحل تطور الإنسان.
  • فالأنسان يمر عبر تطوره بمراحل الحمل التي يكون فيها جنيناً يبدأ من المضغة التي تنمو و تتطور لتعطي الإنسان بصورته النهائية.
  • الإنسان في هذا التطور يشابه الحيوانات كلها. و هذا التطور قسري مفروض عليه.
  • ثم تأتي [إقرأ] بعد لفظ العلق لتقول لنا أن بعد هذا التطور الذي يتشابه فيه الإنسان مع الحيوانات هناك مرحلة أخرى تميز الإنسان عن غيره = هي مرحلة [إقرأ] الثانية.
  • و بينما يكون التطور الأول قسرياً على الإنسان لا يد له فيه، يكون التطور الثاني [إقرأ] أختيارياً لا يتم إلا بإرادة الإنسان نفسه. هذه المرحلة الجديدة من التطور هي = الوعي.
  • الوعي ([إقرأ]) هي المرحلة الأخيرة من مراحل تطور هذا الكائن، و التي بها يكتمل تطوره و يتميز عن بقية المخلوقات. بها يعلو و من دونها يهبط لدرك الحيوانات!.

يقف الإنسان – بعد أن أتم تطوره الطبيعي الخارج عن إرادته – ليقرر هل يكمل و يستجيب لهمسة الغار و يصعد ذلك السلم المضي الملون، سلم التطور الإنساني الحقيقي. سلم [إقرأ] و كل درجة منه يصعدها تغوص به إلى عمق الحقيقة و الوعي و الإرادة، و تزيده اقتراباً من دوره و مسؤوليته الحقيقتين.

أو أن يقف – مكتفياً بتطوره الجنيني – فيقف على حافة السلم، شأنه بذلك شأن الطحالب و الدواب!!!.

‘‘عندما اختفت [إقرأ] بمعانيها الشمولية كلها، صارت مجرد كلمة دون المعاني و الآفاق و المقاصد، صار الصراع الفكري اليوم يقتصر على رؤى جامدة متوارثة من الماضي الذي لا يماثل الحاضر بشيء، اختفى ذلك الفهم الواعي لما حوله، اختفى التجدد و صار تلقيناً، اختفت المقاصد و باختصار – اختفى الإسلام الحقيقي’’.

‘‘إقرأ هي البداية و النهاية و ما بينهما. هي الأمر الأول الذي لا يقبل الإستئناف أو النسخ. الذي لا يكتسب فعاليته و حيويته إلا باستمراره على الأوامر التالية و التي – هي الأخرى – لا تكتسب فعاليتها إلا بالتعامل مع الأمر الأول: [إقرأ] – بكل معانيه!’’.

‘‘لذلك فإن [إقرأ] ليست مجرد بداية تاريخية لنزول الوحي، إنها البداية و النهاية و ما بينهما. إنها جوهر الحكاية بأكملها. الحكاية التي يما تنتهي بعد’’.

 

2 comments on “البوصلة القرآنية 1

  1. بورك جهدك أخي … يبدو واضحا تماما..
    ولكن ألم ترى معي أننا نجحف بعض العلماء حقهم في هذا ….. بحثنا المتجدد في فكر القرآن الصحيح يحتاج منا لثوابت ( كما ذكر الكاتب ) علينا التقيد بها … وإلا لقادنا البحث لطرق غير محمودة …
    لماذا ننسف القديم … لماذا لانقومه برفق محاولين جمع تجاربه مع تجاربنا وفهمنا المتجدد … ؟؟!!
    لدينا علماء رائعون .. ويتقبلون منا كل نقض .. فلنحاول علَّ ثروتنا تكون اكبر في ذلك ..
    اشكرك مجددا على الفائدة ..

  2. نسف القديم بالكلية أمر خاطىء تماماً و يعارض المبدأ الذي بالأساس نعتمد عليه في مراجعة الأفكار القديمة.
    و لا شكر على واجب 🙂 و أشكرك على التعليق الجميل.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s