البوصلة القرآنية 3

‘‘هذه المقالات ستكون دمجاً بين قرائتي لكتاب البوصلة الذهبية للدكتور أحمد خيري العمري و المعاني التي تحدث عنها، و بين الأفكار التي اقتحمتني و أنا أقرأ فيه’’.

البوصلة القرآنية 12 – 3

التساؤل

لو سألنا أنفسنا بماذا بدأ الخطاب القرآني عندما بدأ تشكيل أرضية العقل المسلم و أساسه، و طريقة التفكير الإسلامية – القرآنية؟

بدأ بالتساؤل.

قد يكون من الغريب أن يبدأ الدين بطرح الأسئلة في حين تعودنا أن تكون الفلسفة هي من يطرح الأسئلة و الدين هو من يعطي الأجوبة. اعتدنا أن تكون الفلسفة للأرق و التفكير و الدين للنوم المطمأن الهادىء الخالي من الأسئلة الغريبة و الجديدة.

هذه النظرة التقليدية للدين تنتنشر اليوم انتشاراً كبيراً بحيث أعطت تلك الرؤية التقاعدية للدين: رؤية الموظف المتقاعد الذي يرى المسجد بديلاً لا بأس به عن المقاهي. المشكلة هنا أن الإسلام لم يأتي كحبة منوم للعقل يجعله يخلد للنوم و يرتاح رغم كل ما يحيط به من تحديات! الإسلام جاء ثورة في الحيوية و النشاط للعقل الإنساني و ‘‘قسره على أداء ترنية النوم لن يكون إلا خروجاً عن المفاهيم الأصلية التي عمل القرآن من خلالها في بناء الوعي لدي المسلمين الأوائل’’.

التساؤل – من حيث المبدأ – موجود منذ وجود البشرية. و مع تقدم التجربة الإنسانية بدأت هذه الأسئلة التي يطرحها الإنسان على نفسه تتحدد و تصبح أكثر نوعية و دقة و وضوحاً. الظواهر الطبيعية وجدت لها تفسيرات خرافية غالباً، ثم بدأت تلح على الإنسان أسئلة تتعلق بالوجود ككل، أسئلة من نوع: لماذا؟ من أين؟ إلى أين؟

يُنسب التساؤل في أولى مراحله إلى إنسان الكهوف، و  قد يكون من المفيد هنا طرح السؤال: من هو إنسان الكهوف (الذي تنسب إليه البشرية)!؟ هل هو إنسان جاهل لا يعرف الكلام؟ هل هو حقاً مرحلة مرت بها البشرية في مدارج تطورها؟

الإقرار بهذا السؤال و اعتباره مرحلة طبيعية من مراحل تطور البشر يقود بنا للعتراف بنظرية التطور التي تقول أن أصل الإنسان قرد! و هذه النظرية مرفوضة لدينا لا لأننا مؤمنون بأن الله خلقنا فقط، بل علمياً و عملياً إذ تفتقر هذه النظرية للأدلة المنطقية العليمة التي تقنع العقل بصحتها.

إذا كنا نرفضها سيتبادر للذهن أحد أكبر الأسئلة التي راودت النفس البشرية: من أين أتينا.

و إذا توجهنا للديانات السماوية – على اعتبارنا بعيدين عن الاقتناع بالإلحاد – فيمكننا أن نتفق على أن كل الرسالات السماوية اتفقت على أن بدأ خلق الإنسان كان بآدم و حواء، و قرآننا يخبرنا أن الله علم آدم الأسماء كلها و طلب منه أن يخبر الملائكة بها، كل هذا الحوار يدلنا على ان آدم كان واعياً متكلماً مفكراً، صورة بعيدة كل البعد عن إنسان الكهوف الذي تحاول جامعات الأرض قاطبة إقناعنا بأنه أصلنا و مهد تطورنا!!

إذاً البشرية منذ بدايتها متمثلة بآدم عليه السلام كانت تعرف الإجابة على مثل هذه الأسئلة: من أين أتينا و إلى أين نتجه و ما الهدف من وجودنا. و لكن ضياع البشرية لاحقاً و بعدها عن المنهج الذي أرسله الله لها و ضلالها هو الذي أعطى مثل هذه الاسئلة تلك القيمة الفلسفية و المكانة التالريخية.

جهل البشرية لأجوبة هذه الأسئلة لم يكن إلا بضلالها و انحرافها عن الديانات السماوية التي أرسلها الله له على مر الأزمنة. فقد كانت تمتلك كل الإجابات على مثل هذه الأسئلة، و لكنها اختارت أن تنساها و تبحث عن غيرها!.

معظم تلك الأجوبة – قبل الإسلام – كانت تدور حول محور واحد و هو: كن مؤمناً بالله و لا تشرك، كن إنساناً طيباً يرضَ الله عنك و يدخلك جنته. أجوبة تتجه نحو الاطمئنان و الهدوء بطريقة أو بأخرى.

لكن تعامل الخطاب القرآني مع مثل هذه الأسئلة جاء مختلفاً تماماً. جاء عبر التساؤل! و كيف يمكن للتساؤل أن يحل محل الجواب المنتظر من الدين الجديد؟! فقد عمد القرآن الكريم إلى إثارة هذا التساؤل و تجريده من كل الأقنعة و الأوهام التي تعتريه، أراد أن يجلعه على أوضح و أبسط شكل ممكن ليكون الجواب عليه فيما بعد أسهل و أقبل للفهم. جواباً يقتنع به العقل و يصدقه بكليته بدل أن يصدقه لأنه فقط جواب جاء من الدين. أراد القرآن للعقل أن يصدق هذا الجواب لا لأنه من عند الدين فحسب بل لأنه أقنع العقل نفسه، جاء القرآن محترماً لهذا العقل و مخاطباً إياه، جاء ليرفع دوره و يعليه بالبحث عن الأجوبة بنفسه.

اعتمد القرآن بذلك على توضيح السؤال إلى أكبر قدر ممكن، إلى تعريض الجرح للشمس بدلاً من المزيد من الضمادات، لأن الشفاء الحقيقي – و القناعة الحقيقية – لا تتم إلى بمواجهة السؤال وجهاً لوجه بآليات العقل نفسه، و هذا ما فعله الخطاب القرآني. و لم يكن ذلك غريباً عن خطاب كانت أول كلمة منه [إقرأ].

كانت الجزيرة العربية تعج بالمتناقضات و التركامات التي تجعل من الصعب تصنيفها على أنا مجتمع متجانس واضح المعالم. ويظهر ذلك التناقض و عدم التجانس و التعقيد البنائي لهذا المجتمع في كثير من النقاط منها:

  • تعقيدات علاقات النسب و التي كانت تؤدي لمزيد من الانقسام بسبب الولاء للقبيلة و الحمية الجاهلية. فقريش كانت مؤلفة من 12 قبيلة متنافسة أصلاً. هذه القبائل صار لكل منها بطون متنافسة أيضاً!. إذا أدخلنا علاقات المصاهرة و النسب لهذا المزيج مع مبدأ مثل الولاء للقبيلة و الحمية الجاهلية –  يتضح تعقيد المجتمع الناتج لدينا.
  • الركود الاقتصادي العام بسبب قلة موارد الجزيرة الزراعية و الصناعية و اعتمادها على التجارة.
  • اربتاط موارد التجارة بطرق التجارة المتأثرة أصلاً بغزوات القبائل و الأعراب في البادبة.

كل هذه  المتغيرات تؤدي بالنتيجة إلى أن تتبنى القبائل مجموعة من القوانين في محاول للتخفيف من حدة هذه التعقيدات المتناقضة، و لتحاول من التخفيف من حدة أثرها على المجتمع. و لا أدل على حالة التفرق و التشرذم – الناتجة جزئياً عن هذه المتغيرات و التناقضات التي تؤدي للتفرقة بين أفراد القبيلة نفسها –  من عدم وجود صنم مركزي لكل القبائل، فكان لكل قبيلة أصنامها المفضلة و المركزية.

من القوانين و المحاولات التي ظهرت للتغلب على نتائج هذه المتناقضات على الصعيد الاقتصادي مثلاً – و التي كان هدفها التخفيف من حدتها – بيع الحصاة (أن ترمي حصاة و تشتري البضاعة التي تقع عليها مهما كانت) و بيع الملامسة (أن تلمس بيدك بضائع و تشتري التي تلمسها يدك مهما كان سعرها) كل ذلك في محاولة لتدوير رأس المال رغماً عنه في ظل هذه المتناقضات. انتشار الربا و العلاقات الربوية كان نتيجة محتمة على العمليات الاقتصادية. و غيرها الكثير.

و كان على مجتمع يحمل كل هذه التناقضات التي تتضخم يوماً بعد يوم أن يصل لمرحلة و نقطة محددة ينهار فيها بناؤه الكلي و كيانه الكامل ليواجه أحد احتمالين:

  • أن يظل يهوي في الهاوية و يتابع انهياره و يتدمر نهائياً دون أن يحاول علاج أمراضه.
  • أن يعيد النظر في مقومات و أركان نهوضه من جديد – عبر تحديد الأسباب التي أدت إلى هذا الوضع، و من ثم معالجتها.

و لا أوضح مثالاً على هذا الحال أو على هذه النتيجة – التي سيصل إليها أي مجتمع يحمل في ثناياه متناقضات يحاول التغلب عليها بالمسكنات – بحال مجتمعاتنا العربية بعد استقلالها عن المستعمر و حتى اليوم.

إذا أصيب أحد أعضاء الجسم بمرض ما فنحن أما حالتين:

  • أن يكون المرض بسيطاً و عابراً لا خوف منه، و هنا يمكن تجاهل الأعراض و الاكتفاء ببعض المسكنات.
  • أن يكون المرض خطيراً، و هنا لا بد من علاجه. و نحن أيضاً في علاجه أمام حالتين:
  • الأولى أن نعاجله بالدواء المناسب، دون أن نهمله، و بذلك و بمعرفتنا للأسباب التي أدت لهذا المرض و معالجتها مباشرة دون أن نعالج الأعراض فقط و بذلك نكون قد نجحنا في التغلب على المرض.
  • الحالة الثانية أن تعالج المرض الخطير كما عالجنا المرض البسيط، نهمل الأسباب و نلتفت للأعراض، نُعط المسكنات للتغلب على الألم دون أن نعطي الدواء الذي يلغي مصدر و سبب الألم. في مثل هذه الحالة سيختفي الألم بطبيعة الحال و لكن المرض سيظل كامناً يتطور بعيداً عن أعيننا و إدراكنا. إلى أن يصل لمرحلة لا تعود فيه المسكنات التي نتناولها كافية للتغلب على الألم الذي يسببه السبب الكامن وراء هذا المرض، و هنا ينفجر المرض و إما أن يودي بحياة المرض أو يودي بأحد أعضائه – نتيجة محتمة لمثل هذا السيناريو.

ما نشهده اليوم في مجتمعاتنا العربية حالة مشابهة تماماً للحالة الأخيرة التي نهمل فيها المرض و نلجأ للمسكنات عوضاً عن الدواء. غرقت الدول العربية في حالة من الجمود و الركود التي كثيراً ما تشابه في بنيتها حالة الجزيرة العربية قبل البعثة، سواء في الجمود و الركود الاقتصادي أو الفكري أو حتى الأخلاقي. كان ذلك من أحد نتائج سيطرة الفكرة الاستهلاكية في المجتمعات العربية من جهة، من جهة أخرى الابتعاد عن منهج القرآن الذي صنع الحضارة العربية فيما مضى. من جهة أهرى تأصل فكرة أن الدين شيء منعزل عن الحياة و لا علاقة له بتطورها و تقدمها، و أن الحضارة تصنع بالعلم وحده.

هنا وقعت المجتمعات العربية في خطأين مركبين أحدهما مع الآخر أدى بالنتيجة لهذا التخلف و التراجع الفكري الذي لا يوصف.

الخطأ الأول الذي ارتكبوه هو تخليهم عما يعلمون حق المعرفة  – المنهج القرآني –  بأنه كان السبب في بناء الحضارة العربية الإسلامية قبل الآن و التي كانت من دون أدنى شك أعظم حضارة شهدها التاريخ لتنوعها و دورها الأساسي في بناء الحضارة الغربية اليوم.

إذاً السبب الأول أنهم تخلوا عن منهج شهد له التاريخ بأنه قادر على أن يحدث تغييرات جذرية في المجتمعات و يبنيها من الحضيض في فترة زمنية قياسية كما فعل بشبه الجزيرة العربية خلال فترة تقدر بحوالي الثلاثين سنة. منهج أقل ما يمكن أن نقول عنه أنه منهج متكامل لا نقص فيه. منهج يحتوي في مكوناته أسرار نجاحه.

الخطأ الثاني الذي وقعنا فيه هو إهمال قاعدة هامة من قواعد النجاح، مبدأ بنى الله عليه هذا الكون. قاعدة عامة لا يمكن أن يشذ عنها شيء في هذا الكون. و هي أنّ من يعمل يجن، و من يبذر يحصد، و من يمشي و يسير على الدرب سيصل. الأخذ بالأسباب بمعنى آخر.

فكنا نبتعد عن الإسلام لأننا للأسف اعتقدنا و أقررنا بعزلة الدين عن التطور و عن دوره في بناء المجتمع، و فقدنا ذلك الإيمان بأنه هو أساس كل تطور، و من جهة أخرى لم نكن نعتمد على القانون الكوني الذي يقول لنا بأننا إن لم نعمل فلن نحصد شيئاً!. و المضحك هو أن سبب عدم أخذنا بهذا المبدأ هو اعتقادنا بأن الدين هو الذي سيقودنا نحو التطور! و أن الله قادر على أن يمنحنا الحضارة و مقوماتها بدعوة في ظهر الغيب! من دون أي عمل نقوم به.

تجد مثل هذا المنطق الأعوج لدى الأفراد بشكل كبير و في كل ناحية من نواحي الحياة. عشش هذا المنطق فينا و طالت فترة حمله حتى كاد أن يلد لنا الفشل!

هذا المنطق و ظروف أخرى فرضتها مصالح الدول القوية على المجتمع العربي أدت إلى إصابته بمرض خطير – مرض الجهل. هذا المرض لا يمكننا علاجه بالمسكنات و لكن لا بد من البحث عن أسبابه و القضاء عليها.

أهم أسباب هذا المرض يتعلق بالحكومات التي رأت أن الجهل أحد أهم أسباب بقائها في السلطة لذلك لم تبذل الجهد الكافي لاستئصاله و إنما لجأت للمسكنات. و لا يمكن بأي شكل من الأشكال التغلب على مرض الجهل في مجتمع ما، مالم تكن الحكومة و القيادة في ذلك المجتمع تضع ذلك نصب أعينها. للفرد دور نعم ولكنه لن يستطيع مهما فعل أن يتغلب على مرض تتعدى أسبابه ما يمكنه هو لوحده أن يطالها. هذا المرض أدخلنا في حلقات مفرغة تولد عنها أمراض أخرى دعمت و قوّت الحلقة المفرغة الأولى الخاصة بالجهل. منها التدهور الأخلاقي و العزلة و الانحطاط الفكري و التخلف في فهمنا للدين نفسه و الأفكار التي دُست في أدمغتنا إلى ما لايمكن أن نحصيه في كلمات قليلة.

كل ذلك مع إهمال الحكومات – الممنهج و المتعمد – أدى إلى تفاقم هذا المرض رغم كل المسكنات التي كانت تضخها الحكومات في جسد المجتمع، إلى حالة من الغليان و الثوران كان لا بد لها من أن تثور و تدمر و تخرج من هذا القدر الصغير. و لعل هذا كان وقود تلك الثورات العربية و مصدر طاقتها.

في مثل هذه الظروف التي نمر بها اليوم نعود لنفس الخيار الذي نمر به في معالجة مثل هذه الأمراض الخطيرة، إما أن نضخ المسكنات من جديد فينهار المجتمع على نفسه، أو نبدأ بالبحث المنطقي عن الأسباب التي أدت لهذا الحال الذي نحن عليه و نبدأ بمعالجتها بالعلاج الصحيح، الأمر الذي سيقود في نهاية الأمر إلى زوال الأعراض ذاتياً.

إذاً نحن اليوم بحاجة إلى أن نسأل أنفسنا السؤال الحتمي:

مالذي يقف وراء هذا الانحطاط الشديد الذي يشهده العالم العربي؟ و من ثم نحاول التغلب عليها و مداواتها بالشكل المناسب.

إذاً الخطوة التالية هي التساؤل.

و هذه هي الخطوة الأولى التي بدأها الخطاب القرآني في تعامله الأول و في تواصله الأول مع البشر، التساؤل هو الخطوة الأولى للقخطاب القرآني عندما بدأ تشكيل أرضية العقل المسلم و أساسه، و طريقة التفكير الإسلامية – القرآنية.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s