مستقبل الذكاء الاصطناعي O__o تعقيب

هل سنصل للذكاء الاصطناعي الحقيقي

في هذا الطريق الطويل الذي تسير عليه التقنية في محاولتها تقليد ذكاء الإنسان والتوصل لمستوى يمكن فيه أن نقول عن آلة ما أنها تفكر مثلما يفكر الإنسان، يصطدم العلم بالكثير من العثرات والمشاكل التي يبدو حلها في القريب العاجل غير ممكن.

في هذه المقالة سأناقش بعض الأفكار يؤيدها مؤيدوا الذكاء الاصطناعي والذين يرون أن الوصول لمستوى ذكاء الإنسان هو أمر سيكون ممكناً، بالنسبة لي الأمر غير ممكن لأسباب قد توافقني عليها وقد لا توافقني، لا مشكلة :).

الذكاء البشري هو ذكاء خوارزمي

من الأفكار التي يؤمن بها مؤيدوا الذكاء الاصطناعي أن الذكاء البشري هو ذكاء مشابه لخوارزميات الحاسوب، لكن على مستوى أكثر تعقيداً بكثر من مستوى الخوارزميات الحاسوبية الحالية. لكن فكرتهم الأساسية هي أن الذكاء (وحين نقول الذكاء نقصد الوعي أيضاً وغيرها من الصفات البشرية التي تتأتي عن هذا الدماغ المعجز حقاً – قد تقول يجب الفصل بين هذه المفاهيم كالذكاء والوعي، أوافقك ولكن دعنا مبدئياً نناقش الفكرة بشكل عام) هو نتيجة لخوارزمية معقدة يعمل بها دماغ الإنسان. والحواسيب ستصل لهذا المستوى عاجلاً أم آجلاً. دعنا نناقش الفكرة على شكل حوار بيني وبين أحد أولئك المؤيدين، هذه هي الدميقراطية والحرية التي نريدها :). سأكون أنا الـ ☺ وهو الـ ☻ للسهولة فقط.

☻لماذا اخترت لي اللون الأسود؟

☺الأمر كان مصادفة! صدّقني. ☻حسن لا بأس. يا أخي الذكاء البشري هو بسبب التعقيد الذي يتميز به الدماغ، وكل ما يقوم به الدماغ هو تنفيذ خوارزمية معقدة جداً.

☺حسنٌ، كيف تفسر لي المشاعر التي يمكن أن يشعر بها الإنسان من حزن وفرح وألم وغيرها؟

☻كل تلك المشاعر هي أمور تعلمها الإنسان في طفولته وتعلم أن يقرن مظاهر معينة تعبر عن تلك المشاعر في مواقف معينة. بمعنى أنه تعلمها وتلقنها وبالتالي يمكن أن نقول تمت برمجته عليها.

☺ أنت هنا تضعنا في مشكلة لا نريد الخوض فيها الآن، وهي مشكلة التطور التي يؤمن بها الكثير من العلماء والتي لا محل لنقاشها هنا.

☻كيف؟

☺أنت تقول لي أني تعلمت المشاعر من أبويّ، وتعلمت كيف أقرن مشاعر معينة بمواقف معينة. بمعنى أنه تمت برمجتي على ذلك. وأبويّ تمت برمجتهما بالتالي من قبل أجدادي وهكذا دواليك. هذا سيضعنا أمام مشكلة من كان صاحب البرمجة الأولى؟ من الذي اختار أن يكون شم الأزهار أمراً ساراً مثلاً واختار أن يكون وقوفك لمراقبة نموها أمراً مملاً!؟ الأمر على سبيل المثال طبعاً. من يؤمن بالتطور سيقع في مشكلة كبيرة. ولكن سننسى هذا الأمر ونتابع نقاشنا مستندين على أمور أخرى. سأفترض معك أن هذه المشاعر هي نتاج عملية برمجة خضعت لها في صغري، وهذا أمر مقبول نسبياً فالطفل يشبُّ على ما يتعلمه من والديه. يروي لي أحد أقاربي قصة طريفة في هذا السياق.

يقول: عندما رزقني الله طفلي الثالث وكانت ابنتي في التاسع من عمرها بدأت تهتم به وكأنها تحولت لأم صغيرة. وبينما كنت جالساً مع الطفل الصغير أطعمه خاطبته قائلاً: ’’حبيبي، روحي “إخرس” وكل هذه اللقميات‘‘. وكنت أقولها وأنا اظهر الابتسامة “من الغيظ والتعب”. والطفلة تراقبني وأنا أطعم الصغير وأنا متعب جداً. بعد يوم أو يومين شاهدتها تقول له وهي تضحك وتبتسم والصغير يضحك معها: إخرس حبيبي إخرس.!.

إذا الطفلة تعلمت أن تقرن هذه الكلمة “إخرس” التي نقرنها نحن مع الغضب، مع مشاعر سعيدة بسبب سوء تفاهم حاصل 🙂 ولكن ما يهمنا هنا أننا بالتالي نستطيع ان نبرمج طفلاً على أن يظهر مشاعر الحزن في مواقف السعادة إذا نشأ في أسرة تتبنى هذه الفكرة منذ ولادته، وهذا أمر مقبول وممكن منطقياً.

سيكون السؤال التالي الذي تسببه لنا مشكلة المشاعر وبعيداً عن مصدرها الأول ومن علمنا إياها، متعلقاً بالوعي. كيف نفسر وعينا لذواتنا.

☻ الوعي أيضاً ناتج عن التعقيد الذي تشهده خوارزمية الدماغ.

☺ أولاً: من الإجحاف واللامنطق أن ننسب كل شيء لهذا لتعقيد! فكلما واجهتنا مشكلة نسبناها للتعقيد! هذا ليس حلاً علمياً ولا جواباً منطقياً. لكن سنتابع نقاشنا. أنت في جوابك هذا أيضاً تضع نفسك في مشاكل أنت بغنى عنها. إذا كنت تعتقد أن الوعي هو ناتج أيضاً عن التعقيد فأنت بذلك تعتقد بإمكانية تخزين شخصيتك على قرص وبيعها في الأسواق!

☻ يا رجل! كيف ذلك؟

☺ سأقول لك كيف. أنت تقول أن الوعي ناتج عن التعقيد في بناء دماغ الإنسان والذي يعمل كما تقول على خوارزمية تم تصميمه عليها، ولن أسألك من صممه حتى لا نخرج عن موضوعنا. المهم أن الدماغ يولد الوعي بسبب تعقيده. بمعنى أنك أنت ناتج عن تعقيد دماغك فقط. دعنا نتذكر كيف تشكل دماغك ومن كان وراء هذه التعقيد.

لنعد بك إلى أولى لحظاتك، اللحظة التي تكونت فيها البيضة الملقحة باندماج النطفة مع البويضة في الرحم. هذه البيضة الملقحة تحمل المادة الوراثية المسؤولة عن تركيبك من أصغر التفاصيل إلى أدقها وأكثرها تعقيداً المتمثلة في الدماغ. المادة الوراثية في البيضة الملقحة هي التي ستقود كل التطورات التي ستعمل في النهاية على تشكيل الجنين الذي هو أنت. بمعنى أن التعقيد في بينة دماغك مخزن في تلك المادة الوراثية التي هي الـ DNA والتي يمكن تسميتها بخارطة الطريق، كل الطرق المؤدية لبناء جسمك بكل مافيه. إذاً بالنسبة لك وعيك كان مكتوباً بلغة النكليوتيدات (التي هي في مقام الـ 1 و 0 في الحاسوب) التي ترمز كافة المعلومات التي ستبني جسمك. وقد تمكن العلماء منذ زمن من قراءة كافة المعلومات المخزنة في الـ DNA والتي تسمى بالخارطة الوراثية والتي يمكن تخزينها على قرص مدمج واحد، وإحدى الشركات تعمل على توفير هذ الخدمة على نطاق تجاري بسعر معقول. الآن نحن نستطيع بأخذ عينة من دمك أن نكتب لك خارطتك الوراثية ونخزنها على قرص مدمج! (ومنّزّلها ع السوق و ع نسخ 🙂 🙂 🙂 وإذا وصلت للبحصة أو الجميلية رحت فيها ترا ). إذاً أنت عندما تقول لي أن أن التعقيد هو وراء الوعي كأنك تقول لي بأن الوعي هذا موجود في القرص الذي يحوي خارطتك الوراثية.

يمكنك مشاهدة هذا الفيديو الذي يوضح كيف أن الـ DNA يحتوي على ترميز لكل الأوامر التي تقود “بناء” جسم الإنسان، وليس تشكيل وعيه وعواطفه وما سوى ذلك.

ما هو الـ DNA وكيف يعمل

كيف يشفر الـ DNA أوامر بناء الجسم، تتم عملية النقل من أوامر موجودة على شريط الـ DNA إلى نتائج على أرض الواقع عبر بناء البروتينات.

 

البروتين المتشكل يقوم بكل وظائف الجسم، وكل شيء يتك في الجسم: من تشكيل لعصارة المعدية إلى نقل مكونات الغذاء إلى تشكيل المضادات التي تدافع عن الجسم هي عملية تشكيل بروتين يقوم بتلك المهمة المنوطة به.

☻ الوعي يا صديقي ناتج عن هذه التعقيد “بعد أن يتم بناؤه” عملياً.

☺ نستطيع أن نبني برنامجاً يتعامل مع القرص المدمج وكأنه قد تم تنفيذه على أرض الواقع على هيئة دماغ طالما أنه يحوي جميع تعلميات البناء، وهذا ممكن نظرياً. فهل يمكن أن نسمي هذ البرنامج Conscious Reader 🙂 وإذا قمنا بنسخ القرص عدة نسخ فهل سنحصل على عدة نسخ منك؟؟؟

القول بأن الوعي ناتج عن التعقيد يؤدي بنا للقول بإمكانية تسجيل هذا الوعي على ورقة. وهذا مالا تقبله أنت. وماذا لو قمنا باستنساخك؟ هل سيكون نسختك مشابهاً لك حتى في الوعي؟ وهل هذا يعني أن كل خلية في جسمك (حيث أن كل خلية تحوي نفس المادة الوراثية تماماً و بالحرف، أقصد بالنكليوتيد) هي نسخة عن وعيك!! يا رجل إتقِ الله!

☻ الوعي ناتج عن “تنفيذ” الخوارزمية.

☺ نظرياً يجب أن لايكون فرق بين النتائج التي يمكن أن نحصل عليها من تفيذ الخوارزمية على أرض الواقع أو افتراضياً بواسطة برنامجنا Concious Reader، إلا إذا كنت تفترض دوراً لعوامل أخرى في الوعي إضافة للدماغ، كالروح مثلاً.

☻لا تدخلنا في الدين رجاءً، نحن نتناقش بمنطق علمي.

☺ ومن قال لك أن عزل الدين عن العلم أمر منطقي وعلمي. هنا أنا لا أقول لك أن تأخذ الحقائق العلمية من الدين، لا على العكس تماماً، ولكن يجب أن تتصف بالتفكير والبحث المنهجي العلمي حتى في تعاطيك مع الدين. فمنطقياً يمكن أن يكون الأمر صحيحاً و يمكن أن يكون خاطئاً. فلماذا تبحث بالتجارب في صحة الفرضيات خارج الدين وعندما يتعلق الأمر بالدين ترفضها دون أن تبحث فيها!!!؟

الدين يقول لنا أننا جسد وروح. العلم يرفض الخوض في الروح لمجرد أنها من الدين! بدعوى فصل العلم عن الدين. ولكن هذا يناقض العلم تماماً. فالعلم يقوم على الرفض بعد التحقيق أما أن ترفض القضية من دون التحقيق فيها فهذا ليس من البحث العلمي، بغض النظر عن مصدر الفرضية.

☻ إلى ماذا تريد أن تصل. هل نوقف الابحاث العلمية عن الذكاء بدعوى أنه الذكاء هو من الروح وأن الروح خارج نطاق العلم؟!

☺ على العكس تماماً. البحث يجب أن يظل مستمراً ولكن أن لا ننفي شيئأً لمجرد أنه من الدين. يجب البحث في احتمالاته، فقد يكون صحيحاً وعندها يقودنا العلم للدين، وقد يكون خاطئاً وعندها لن نخسر شيئاً، بل سنبرهن على خطأ هذا الطريق. أما أن نقول أنه خاطىء ويجب عدم البحث فيه من دون أدلة فهذا ينافي أسس البحث العلمي المنهجي الذي يعتمد على التجربة، كما أعتقد.

☻ نعود لموضوعنا عن الوعي، أنا لازلت مصراً على الوعي هو نتاج التعقيد الذي تتميز به الخوارزمية التي يعمل بها دماغ الإنسان.

☺ لا بأس، ولكنك بهذا توقعنا في مشاكل أخرى قد لا نخرج منها. من هذ هالمشاكل السؤال: ماهي درجة التعقيد التي يظهر معها الوعي؟ هل هناك درجة معينة من التعقيد يظهر معها الوعي؟ وعندما تصل حواسيبنا لهذه الدرجة ستحس بذاتها؟ هل درجة التعقيد هذه دقيقة تماماً بحيث أن الدرجة التي خلفها مباشرة من التعقيد على سلم التعقيد لا يمكن أن تولد وعياً، أم أن الأمر مجال من التعقيد كل ما بعده يولد وعياً وكل ما خلفه لا؟! أم أن كل تعقيد مهما كانت درجته يمثل وعياً؟! الأمر الذي يقودنا إلى أن كل برنامج هو واعٍ لذاته بدرجة معينة تتناسب مع التعقيد الذي بُني عليه!! هل هذا يعني أن دراجتي الهوائية التي هي شكل من أشكال الآلة البسيطة ولكنها آلة، واعية لذاتها وأن قلبها يكاد يتوقف عندما أقودها بسرعة!

القول بأن الوعي ناتج عن التعقيد “برأيي” أمر مرفوض ولا حجة له، إنما هو شكل من أشكال التهرب من موضوع البحث في الروح، وإن لم يكن كذلك فلماذا لا أحد يبحث “بمنهج علمي” في الروح؟! لماذا الكل يعتقد أن الوعي متعلق بهذا الجسد؟! هل للأمر علاقة بتلك اليد الخفية التي تجعل كبار العلماء يؤيدون نظرية التطور هروباً من الاعتراف بالإله؟! لمذا لا يبحثون بالمنطق والمنهج العلمي عن الأجوبة حتى في الطرق التي تقود للدين؟!!!!

ربط الوعي بالتعقيد الذي نراه في الدماغ يوقعنا في مشاكل أكبر بكثير من هذه المشاكل التي ناقشتها مع صديقي الافتراضي. منها السؤال: متى يولد الوعي؟

فالدماغ لا يظهر هكذا فجأة، إنما يمر بمراحل يتطور خلالها من بنى بسيطة التعقيد نسبياً إلى الشكل النهائي الذي نراه عليه. فمنذ أن كان مجرد حبر على ورق (نكليوتيدات على دنا) إلى أن يتشكل بشكله النهائي يمر بمراحل كثيرة، فأي منها هي التي تشهد ولادة الوعي؟ هل نعي ذواتنا ونحن في أرحام أمهاتنا؟ هل تتذكر كيف كنت تلعب بالحبل السري وكدت تخنق نفسك ذات مرة 🙂

مشكلة أخرى هي كيف تتشكل لدينا شخصية فريدة تختلف عن شخصية أبوينا. نحن نؤمن بدور البيئة والتربية المنزلية في توجيه شخصية الإنسان ولكن لا أحد يقول بأن شخصيته “كلها” هي نتاج عوامل خارجية، كل منا يؤمن بأنه هو هكذا لأنه هكذا، ليس لأنه ولد هنا أو هناك. عندما يولد طفل لابوين فهو يأخذ مادته الورايثة منهما هذا أمر لا مفر منه، ولكن أن نقول انه ياخذ وعيه منهما لأنه يأخذ تعقيد دماغه منهما فهذا أمر مرفوض ولا معنى له، ولا وجود له على أرض الواقع.

مشكلة أخرى تظهر عندما نحاول فهم الطريقة التي نتعلم فيها ويتعلم فيها دماغنا هذا 🙂 صديقي الافتراضي يرى أن كل شيء يقوم به الدماغ هو نتيجة للتعقيد الذي تشهده بنية الدماغ ومن ثم التجارب التي نخضع لها منذ ولادتنا. هذا يعني برأيه أن الدماغ من أن يكتمل نموه مهيأ أو لنقل مبرمج ليبدأ بتلقي المعلومات وتخزينها ومن ثم الاستفادة منها فيما بعد في كل ما يمكن أن نعزه للدماغ. هذا يعني أن الدماغ منذ الولادة مبرمج على أن يتعلم. أي هناك تعليمات في الخارطة الوراثية للدماغ توضح الكيفية التي يتعلم بها الدماغ. وإذا أخبرناك أن تخبر صديقنا الافتراضي أن الخارطة الوراثية للإنسان لا تجوي أية تعلميات تخص الـ Software الخاصة بالدماغ وإنما كلها تعلميات لبناء الـ Hardware الذي يتمثل بالخلايا فقط، فسيقول لك مباشرة ان التعقيد هو المسؤول عن القضية. لذلك لن نتعب أنفسنا بالخوض في هذه الفكرة معه، ولكن لنعلم أن ذلك يكافىء من حيث المبدأ أن حاسوباً يمكن أن يعمل من دون نظام تشغيل مركب عليه. أي التعقيد الخاص بالحاسوب هو فقط الذي يمكنه من العمل، من دون نظام تشغيل خاص به. وهذا أمر مستحيل طبعاً، مستحيل عندهم على نطاق الحاسوب وممكن تماماً على نطاق الدماغ!!! إتقوا الله!!!.

القفزة النوعية المطلوبة

لو تساءلنا عن شكل القفزة التي قفزها علم الحاسوب منذ بدايته حتى يومنا هذا، عن شكل هذه القفزة ومواصفاتها، وهل هي قفزة نوعية أم أنها مجرد تضخيم لنفس المبدأ؟

قبل المتابعة أوضح لك رأيي الشخصي. برأيي أن كل ما تم من تطويرات للحاسوب منذ بدايته حتى يومنا هذا هو تطوير أحادي الاتجاه. فلا تزال الحواسيب تعمل بناء على الخوارزميات التي نبرمجها عليها. هذا يعني أن كل ما يمكن أن يصدر عنها هو أمر متوقع لمن يملك الخوارزمية التي تمت برمجة الحاسوب عليها. وهذا ليس شأن الوعي البشري. إذ أن كل الحواسيب الذكية فيها والبيسطة تعمل كما نبرمجها نحن، و ليس ناء على تجاربها الشخصية، وحتى الحواسيب التي تتعلم من المعطيات المختلفة التي تواجهها، تتعلم كما نريد لها نحن أن تتعلم. أي أن الحاسوب مهما تعقد تبقى تصرفاته متوقعة بمجرد أن تمتلك الخوارزمية التي تمت برمجته عليها.

بمعنى آخر، إن كل ما نراه اليوم من تطور في ذكاء الحواسيب يعود بالدرجة الأولى لتطور العتاد وليس الخوارزمية، أي تطور سرعة المعاجلة وليس طريقة المعالجة. وهذا فرق شاسع في سعينا نحو الذكاء الاصطناعي الحقيقي الذي نتحدث عنه. مادامت التطورات تتم على صعيد العتاد فسنظل في نفس المجال ونفس الطريق فيما يخص التوجه نحو الذكاء الاصطناعي.

لذلك أعتقد أننا لن نواجه ذكاء اصطناعياً حقيقياً حتى نشهد تطوراً نوعياً في طيقة عمل الحواسيب. وأنا بذلك أقصد العشوائية، أي عندما نعجز عن التنبؤ بما ستفعله الآله عندها تكون الطريقة التي تمت برمجتها بها هي الخطوة الأولى نحو ذكاء اصطناعي حقيقي.

☻ هل تعتقد أن الإنسان عشوائي (ما أقصده هنا عدم قابيلة التنبؤ) في تصرفاته (بغض النظر عن طبيعة التصرفات العشوائية).

☺ هذا صحيح، وهذا رأيي الشخصي. إذ أني أعتقد أن ميزة الإنسان هي الإرادة الحرة التي أعبر عنها هنا بالعشوائية. فحين تقف أمام محل البوظة لتختار نوعاً ما فأنت حر تماماً في اختيار النوع الذي تريده (وإن كان الفريز الأفضل، صدقني 🙂 ). إن قلت لي أن الأمر ناجم عن التعقيد بعد كل ما تحدثناه سابقاً وبعد كل المشاكل التي ظهرت من تبني فكرة التعقيد فسأشتري كل مافي محل البوظة من بوظة، أدخلها في أذنيك وأخرجها من عينيك!!!

☻ عن أي تعقيد تتحدث يا رجل! هلم بنا نتناول بعض البوظة :).

متفرقات

ولأننا لانزال نتحدث في جو الـ DNA كيف نفسر الاختلاف بين الذكر والأنثى من حيث العواطف والمشاعر رغم أن البينة متشابهة تماماً والاختلاف بين الأدمغة للرجل والمرأة هو اختلاف كمي وليس نوعي، أي البينة متشابهة تماماً لكن الاختلاف بالوزن.

وبعيداً عن هذا وذاك، دعنا نتساءل: مع تطور الدماغ شيئاً فشيئاً مع تجاربنا التي نخوضها يوماً فيوم، هل يتغير وعينا ويتجدد بنسخ جديدة مع كل تجربة جديدة وكل سنة جديدة؟ فهل تذكر وعيك وأنت طفل؟ هل نحن في وعي جديد كل يوم؟ هل ينمو الوعي فينا أم ننمو فيه؟ أسئلة لا أظن أننا نملك إجابة عليها، ولا أظن أن الإجابة عليها هي في التعقيد!

ولو تذكرنا قضية الشعور بالألم والسعادة التي تحدثنا عنها في المقالة السابقة في سلحفاة W نلاحظ عدة مشاكل في الفكرة. مؤيدوا الذكاء الاصطناعي يدعون أن الآلة شعرت بالألم بسبب نقص الطاقة ومن ثم توجهت لملأ خزاناتها بالوقود. وهذا يشابه تماماً المبدأ الذي يقودنا لتناول الطعام عندما نشعر بالجوع.

في هذه الموازنة، يقع مؤيدوا الذكاء الاصطناعي في مشكلة من حيث لا يدرون. ستسألني كيف؟ حسن. نحن البشر عندما نجوع نذهب لنأكل، وهذا أمر بديهي، بل هو خوارزمي تماماً. ونقرن نحن الألم بالجوع وبأننا يجب أن نأكل حين نجوع تفادياً للألم وللضرر الذي يحصل من الجوع. ألا تلاحظ أننا نفرض على الآلة أنماطاً من شعورنا نحن؟ فلماذا يفترض مؤيدوا الذكاء الاصطناعي أن الآلة تتألم عندما تنفذ بطاريتها؟ أليس هذا إسقاطاً لمشاعرنا وبرمجتنا عليها؟ أليس طريقة برمجة الآلة على أن تعيد شحن نفسها هي إسقاط لما نعتقد أنه صحيح أو إسقاط لما نحس به على عالم الآلات؟؟

من قال لك أن شعور الآلة عندما تقرب بطاريتها على النفاذ هو الألم؟ هذا هو شعورك أنت عندما تجوع، لكن قد تشعر الآلة بالسعادة بذلك، من يدري؟ لعل الموت هدف بالنسبة لها كما الحياة لنا؟ هل تستطيع أن تفرض على الآلات شيئاً؟

هذا يعني أن القول بأن الآلة تشعر بالألم عندما تنفذ بطاريتها كما يقول البعض ليس إلا إسقاطاً لرؤيتنا للموضوع. إضافة إلا أن الآلة تمتلك حساساً للألم وغيرها من المشاعر التي يحاول البعض إضفائها عليها، بينما لا يمتلك البشر مقياساً لكل المشاعر التي يشعرون بها. هل سمعت يوماً باكتشاف نوع من المستقبلات (الخلايا) المسؤولة عن الملل؟ هناك مستقبلات للجوع وتغيرات الضغط، ولكن نحن لا نقول عن أنفسنا أننا نتفوق على الآلات لأننا نجوع و نعطش، هذه صفات لا نختلف بها عن الآلات أو الحيوانات، هذه أمور مبرجة ولها خوارزميات معروفة، الأمر يخص المشاعر الأخرى الأكثر رهافة.

فكرة خارج السرب

السؤال الذي يحيرني منذ فترة،والذي أخذ شكله النهائي بعد أن شاهدت الفيديو التالي، كان يتمحور حول الـ كيف و لماذا في عالم الخلية. لماذا تنقسم الخلية ومن يقول لها ببدأ علمية الإنقسام واين تقع تلك الأوامر؟! ويبدو الأمر واضحاً جداً إن كنت قد اضطلعت على شيء من علم الجنين، فما يحدث للبيضة الملقحة من انقسامات وهجرات للخلايا لتشكل مجموعات منها نواة للجهاز العصبي ومجموعات أخرى نواة لجهاز التنفس وأخرى نواة الهيكل العظمي… من يقود هذه الهجرات ومن يخبر الخلايا بالاتجاه الذي يجب أن تتطور فيه… أمر غير مفهوم حتى اليوم.

ومن الأخطاء التي أظن أن الكثير لا ينتبه إليها، وخصوصاً ☻ هو أننا نعتقد أن النطاف، ملايين النطاف التي تنطلق لإلقاح البويضة الوحيدة يمكن لكل واحدة منها أن تكون شخصاً مختلفاً فيما لو نجحت في الوصول للبويضة. أنا شخصياً لا أعتقد ذلك، لأن النطفة ليست إلا ناقلاً لقسم من المعلومات الوراثية من الأب، بينما البويضة تحمل القسم المتمم من الأم، ولاحقاً في مرحلة ما تنضم الروح لهذا الكائن الحي في واحدة من ألطف تجليات الله على الإنسان. وهذه قناعتي طبعاً وليست جزءاً من المقالة بشكل عام. ولكني أعود فأصر على أن الاعتقاد بأن كل نطفة كان يمكن لها أن تكون شخصاً آخر يكافىء تماماً أن كل خلية من خلايا جسمك هي واحدة مستقلة بذاتها ولها وعي خاص بها، لأنها تحوي كل المعلومات الموراثية الخاصة بك وليس نصفها فقط!.

ستلاحظ في الدقيقة 4.30 شيئاً (إلى جانب العلمية كلها بشكل عام) معجزاً يحار الوصف فيه! من الذي يقود عملية اتحاد الصبغيات التي تحمل المادة الوراثية إذا كانت التعلميات الواراثية موجودة على هذه الصبغيات!؟ تبارك الله أحسن الخالقين. صدقني سيكون من الإجحاف بحق هذا العقل أن نرمي بكل هذا الإعجاز وراء ظهورنا ثم نقول أن الطفرات هي التي أوصلتنا لهذا المنظر المعجز ابتداء من مكونات على سطح القشرة الأرضية تطورت بالمصادفة لتصل إلى هذا التناسق البديع الذي يعبر بكل وضوح عن عظيم خلق الله! ’’وفي أنفسكم أفلا تبصرون‘‘ تبارك الله أحسن الخالقين.

وأحد جوانب هذا الإبهام الخص بنقص المعلومات “ظاهرياً” يظهر هنا:

المشكلة تظهر في الدقيقة 31 حيث تشير إليزابيث إلى أن شكل البروتين هام وهام جداً في عمل البرتين، ولا يوجد في الـ DNA أية معلومات تشفر الكيفية الفراغية لتشكيل البروتين! سؤالها كان للبيولوجيين:

Where does this increase of information that encodes the shape of a protein comes from? GOOD TO KNOW 🙂 O__o

و للكموميين هذه هي ورقتها البحثية في الموضوع، رأيكم يهمنا 🙂

1 The relevance of continuous variable entanglement in DNA

2 Quantum entanglement between the electron clouds of nucleic acids in DNA

طبعاً لا تظهر هذه المشكلة فقط في مصدر المعلومات المسؤولة عن التشكيل الفراغي للبروتين، إنما كما قلت سابقاً في بدء تطور الجنين، وهناك المشكلة أكير وأعقد بكثير.

طبعاً رح بنط صديقي ☻ ويقلي هاي هيي، ميكانيك الكم هو اللي فيو الوعي! ولحواري معه هنا جولة أخرى :).