بين الاستقراء والاستنتاج

هذه المقالة هي الترجمة “بدون تصرف” لمقدمة الفصل الثاني من كتاب Philosophy of Science: A Very Short Introduction وستكون المقالة التالية إن شاء الله تعالى تعليقي على ماورد فيها.

يميز علماء المنطق بين آليتين مختلفتين للتفكير هما، الاستقراء والاستنتاج. وكمثال على الاستنتاج:

كل السوريين يحبون شرب الشاي
محمد شادي سوري

لذلك، شادي يحب شرب الشاي

الجملتان الأولتان تدعيان مقدمة الاستنتاج، الجملة الثالية تدعى النتيجة. هذا المثال هو مثال على الاستنتاج لأنه يتمتع بالخاصية التالية: إذا كانت المقدمات صحيحة، فهذا يعني أن النتيجة صحيحة. بكلمات أخرى، إذا كان صحيحاً أن كل السوريين يحبون شرب الشاي، وكان صحيحاً أن محمد شادي سورياً، فهذا يعني أن محمد شادي يحب الشاي. يتم التعبير عن هذا المعنى بقولنا أن المقدمات تضمن النتيجة، أي تضمن حقيقة النتيجة. طبعاً في المثال السابق لا يوجد ما يؤكد حقيقة المقدمات، فلا يوجد ما يدل على أن كل السوريين يحبون شرب الشاي، ولكن هذا ليس هو بيت القصيد. ما يجعل هذا الاستدلال استنتاجاً هو العلاقة القائمة بين المقدمات والنتيجة، بمعنى أنه لو كانت المقدمات صحيحة، فهذا يعني حتماً صحة النتيجة. صحة أو عدم صحة المقدمات هي قضية أخرى، لا تؤثر على كون هذا الاستدلال استنتاجاً.

وليست كل الاستدلالت استنتاجاً، فهناك الاستقراء. لنفترض المثال التالي:

في علبة البيض التي اشتريتها وجدت أن أول 29 بيضة فاسدة
كل البيض له نفس تاريخ الانتاج

لذلك البيضة رقم 30 ستكون فاسدة أيضاً.

تبدو هذه النتيجة منطقية تماماً. لكن مع ذلك هذا الاستدلال ليس استنتاجاً، لأن المقدمات لا تضمن النتيجة. حتى لو كانت الـ 29 بيضة الأولى فاسدة، فهذا لا يضمن أن البيضة رقم 30 فاسدة أيضاً. فمن المحتمل أن تكون هذه البيضة سليمة تماماً!. بمعنى آخر، من الممكن رغم كون المقدمات صحيحة أن تكون النتيجة خاطئة، لذلك هذا الاستدلال ليس استنتاجاً. عوضاً عن ذلك يسمى هذا الاستدلال استقراءً. في الاستقراء ننتقل من مقدمات على أجسام أو أشياء قمنا بفحصها إلى حقائق عن أشياء لم نقم بتفصحها، البيضة رقم 30 في مثالنا السابق.

الاستدلال بالاستنتاج أكثر أماناً من الاستقراء. عندما نفكر ونستدل بالاستنتاج فيمكننا أن نضمن – إذا انطلقنا من مقدمات صحيحة – أننا سنصل إلى نتيجة صحيحة حتماً. لكن الأمر هذا لا ينطبق على الاستقراء. فعلى العكس يمكن للاستقراء أن ينقلنا من مقدمات صحيحة إلى نتائج خاطئة. لكن رغم هذا العيب يبدو أننا نعتمد على الاستقراء أكثر من اعتمادنا على الاستنتاج، من دون أن نشعر في غالب الأحيان. على سبيل المثال عندما تقوم بتشغيل حاسبك صباح كل يوم، فأنت واثق من أنه لن ينفجر في وجهك. لماذا؟ لأنك قمت بتشغيله صبحات كثيرة، ولم يسبق له أن انفجر في وجهك صباح يوم ما. ولكن الاستدلال:

من “حتى اليوم، حاسبي لم ينفجر في وجهي عندما أشغله صباحاً”
إلى “حاسبي لن ينفجر في وجهي صباح هذ اليوم”

هو استقراء وليس استنتاج. لأن مقدمات الاستدلال لا تضمن النتيجة. من الممكن نظرياً أن ينفجر حاسبك هذا الصباح رغم أنه لم ينفجر سابقاً وإلى الآن.

أمثلة كثيرة على الاستقراء يمكن أن نجدها في حياتنا اليومية. عندما تدير عجلة قيادة السيرة عكس عقارب الساعة فأنت تتوقع أن تتجه السيارة نحو اليسار وليس نحو اليمين. ففي زمة السير وأثناء قيادتك للسيارة تراهن بحياتك على هذه المعلومة. لكن مالذي يجعلك واثقاً من أنها حقيقة؟!. لو طلب أحدهم منك أن تبرر قناعتك هذه وتبرهن على صحتها، فماذا ستقول له؟ مالم تكن ميكانيكاً، فستقول له: “في الماضي وفي كل مرة قمت بها بتدوير عجلة القيادة عكس عقارب الساعة، كانت تتجه السيارة لليسار. لذلك سيحدث نفس الشيء عندما أقوم بذلك هذه المرة.” مرة أخرى نلاحظ أن هذا استقراء وليس استنتاج. ويبدو أن الاستدلال بالاستقراء جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية.

هل يستخدم العلماء الاستقراء أيضاً؟ يبدو أن الإجابة هي نعم أيضاً. فمثلاً في الداء الوراثي المعروف بمتلازمة داون Down’s Syndrome – DS for short يخبرنا علماء الوراثة أن هناك صبغياً إضافياً في خلايا المريض، يمعنى أنه يمتلك 47 صبغياً عوضاً عن 46. كيف يعرفون ذلك؟ الجواب طبعاً هو أنهم قاموا بفحص الصيغة الصبغية لعدد كبير من المرضى المصابين بهذه المتلازمة ووجدا في جميع الحالات التي قاموا بفحصها أن هناك صبغاً إضافياً في خلايا المرضى. ومن ثم استدلوا باستخدام الاستقراء بأن “كل” المصابين بمتلازمة داون لديهم صبغي إضافي في خلاياهم. من الواضح أن هذا الاستدلال هو استقراء. في الحقيقة كون الحالات التي تم فحص الصيغة الصبغية لا تضمن بالضرورة أن الحالات التي لم يتم فحصها تمتلك صبغياً إضافياً أيضاً. من الممكن، رغم أنه من غير المرجح، أن يكون هناك حالة لا تطابق الحالات المدروسة.

في الحقيقة، يستخدم العلماء الاستقراء في كل مرة ينتقلون فيها من بيانات محدودة (عينة مدروسة محدودة) إلى التعميم بقواعد عامة، وهم يقومون بذلك في معظم الأوقات. فمثلاً في قانون نيوتن للجاذبية، والذي يقول بأن كل جسم في الكون يولد قوة جذب تؤثر على أي جسم آخر. من الواضح هنا أن نيوتن لم يستدل على ذلك بفحصة كل جسم في الكون، فهو غير قادر على ذلك، عوضاً عن ذلك فقد شاهد نيوتن أن هذه القانون ينطبق على الكواكب التي تدور حول الشمس وينطبق على الأرض والأجسام التي فوقها والقمر الذي يدور حولها. من هذه البيانات (المحدودة) قام نيوتن بالتعميم وأطلق قانونه الذي اشتمل على كل الأجسام في الكون. مرة أخرى هذا الاستدلال هو استقراء وليس استنتاجاً، لأن حقيقة أن القانون ينطبق على كل الأجسام التي شاهدها نيوتن لا تضمن أن الأمر نفسه سينطبق على بقية الأجسام.

تختفي سمة الاستقراء الأساسية في العلوم أحياناً بالطريقة التي يتكلم بها العلماء. فمثلاً قد تقرأ في صحيفة اليوم أن العلماء وجدوا “دلائل تجريبية على أن الذرة المعدلة وراثياً آمنة للإنسان”. هذا يعني أن العلماء قاموا بتجربة الذرة المعدلة وراثياً على عدد كبير من البشر ولم يتم رصد أية ضرر على أيٍ منهم. ولكن حتماً هذا لا يعني أن العلماء يستطيعون إثبات أن الذرة المعدلة وراثياً آمنة لكل البشر بنفس الطريقة التي يثبت فيها الرياضيون نظرية فيثاغورث. لأن الاستدلال:

من “الذرة المعدلة لم تؤذٍ أي من البشر التي تمت تجربتها عليهم”
إلى “الذرة المعدلة وراثياً آمنة للبشر كلهم” هو بالتأكيد استقراء وليس استنتاج.

كان على الصحيفة أن تقول بأن العلماء وجدوا دلائل قوية على أن الذرة المعدلة آمين للبشر، لا أن يطلقوا القاعدة “الذرة آمنة للبشر” والتي لا تحتمل الخطاً عندما تصاغ بهذه الطريقة. بهذا التقييد اللفظي، يصبح عدد الفرضيات العلمية المثبة حقيقة قليلاً جداً.

معظم الفلاسفة يعتقدون أن العلم يعتمد كثيراً على الاستقراء، وهذا بدوره محط كثير من الجدل. ولكن بالمقابل كان ذلك مرفوضاً لدى الفيلسوف Karl Poppe. فـ Popper يزعم بأن العلماء يجب أن يعتمدوا على الاستنتاج فقط. سيكون هذا جميلاً إذا تحقق، لأن الاستنتاج حقيقة أكثر أماناً من الاستقراء، كما رأينا.

مبدأ Popper الأساسي كان كما يأتي. على الرغم من أنه من غير الممكن البرهنة على صحة نظرية ما من كمية محدودة من البيانات، إلى أنه من الممكن البرهنة من كمية محدودة من البيانات على أنها خاطئة. لنفرض أن عالمة خرجت لنا بالنظرية التي تقول بأن كل المعادن تنقل الكهرباء. فعلى الرغم من أن كل قطعة معدن فحصتها كانت تنقل الكهرباء إلا أن هذا لا يضمن أن نظريتها صحيحة، للأسباب التي رأيناها. ولكن إذا وجدت قطعة واحدة من المعدن لا تنقل الكهرباء فهذا يبرهن حقيقة على أن النظرية خاطئة. لأن الاستدلال:

من” هذه القطعة من المعدن لا تنقل الكهرباء”
إلى “ليست كل المعادن تنقل الكهرباء”

هو استدلال بالاستنتاج.

فالمقدمات تضمن حقيقة النتيجة. لذلك إذا كانت العالمة مهتمة بإثبات خطأ نظرية ما فيمكنها القيام بذلك بالاستنتاج دون الاستقراء.

والعيب في الجدل واضح، حيث أن عالمتنا – والعلماء – لا تهتم كثيراً ولا تسعى غالباً لبرهان خطأ نظرية ما. على العكس تماماً، فعندما تجمع عالمتنا كمية من المعلومات، قد يكون هدفها هو إثبات أن نظرية العالم المشرف عليها خاطئة، ولكن المرجح أنها تحاول ثبات صحة نظريتها أو نظريته. وللقيام بذلك وللوصول لهذا الهدف سيكون عليها اللجوء للاستقراء بشكل من الأشكال. بذلك كان Popper يسعى لإثبات أن العلم الذي يحاول السير بدون الاستقراء لا يمكن أن ينجح.

رأيكم يهمنا 🙂

5 تعليقات على “بين الاستقراء والاستنتاج

  1. رائع..في الحقيقة لم أكن أعرف الفرق بين ( الاستنتاج ) و ( الاستقراء ) مع أن الفارق بينهما على درجة من الأهمية !

    فجزاكم الله خيرا ..

  2. ما الفرق بين الاستقراء والاستنباط والاستنتاج..او الفرق بين الاستنتاج والاستنباط …وهلم جرا

    • سأجيبك عن معظم جوابك وليس كله 🙂
      عندما يكون لدينا مجموعة من الحقائق ونخرج منها بحقيقة جديدة فهذا يسمى استدلال.
      الاستدلال أنواع، استقراء واستنتاج، وذلك حسب الطريق الاي وصلت بها للحقيقة الجديدة.
      فإذا كان استدلالك من الشكل:
      A=B
      B=C
      »» A=C
      فهذا استنتاج بغض النظر عما تعنيه كل من هذه المجاهيل. والاستنتاج ملزم وحقيقة ما دامت مقدماته حقيقة.
      الاستقراء يختلف عن الاستنتاج، فمثلا نلاحظ أن كل الغربان لونها أسود، فنستدل من ذلك على حقيقية (قانون) جديدة ونقول: كل الغربان لونها أسود. هنا نحن لم نفحص كل الغربان الموجودة في العالم، ولكن الكم الذي فحصناه جعلنا شبه واثقين مما وصلنا له. هذا استقراء. وهو غير ملزم بشكل مطلق، فقد نصادف يوما غرابا أببض. ولكن حتى ذلك الحين يبقى استقراؤنا صحبحا.

      أما الاستنباط فلا أعرف معناه بالضبط باللغة العربية، قد يكون بنفس معنى إحدى المصطلحات السابقة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s