بين الاستقراء والاستنتاج 2

SanAgustin_EN-US867788056

نتابع في هذه المقالة ترجمة الفصل الثاني من كتاب Philosophy of Science: A Very Short Introduction
وقبل أن أبدأ، سأناقش معك رأيي الشخصي في المقالة الأولى، التي كانت عن الفرق بين الاستقراء والاستنتاج، ومناقشة مقالتنا هذه ستكون متضمنة فيها بالاقتباس، وما سوى ذلك فهو الترجمة الحرفية لصفحات الكتاب.

 أولاً دعنا نناقش فكرة المقالة السابقة الرئيسية المتمثلة بالفرق بين الاستقراء والاستنتاج. بداية يجب أن نعرف أن الاستنتاج يستدم أكثر ما يستخدم في الرياضيات. فالرياضيات كعلم قائمة كلها على الاستنتاج، فإن كانت الورقة والقلم بيدك، فلا تخف من الاستقراء لأنك في الرياضيات لن تستخدم الاستقراء، كل ما ستعمل عليه هو الاستنتاج. وهذا يعطي الرياضيات تلك المتانة المبهرة.

ويناقشة الكاتب مشكلة أن العلماء يعتمدون على الاستقراء بدل اعتمادهم على الاستنتاج، وهذا ليس مفضلاً، نظرياً. فالاستنتاج أقوى ولو أن كل علومنا قائمة على الاستنتاج لكنا في أمان مطلق. ولكن دعنا نسأل أنفسنا السؤال التالي: هل يمكن استخدام الاستنتاج خارج أروقة صفحات كتب ومسائل الرياضيات؟ بصيغة أخرى: هل يمكن أن نخرج بنظرية علمية – غير رياضية – مبنية على الاستنتاج؟ أو متى يمكننا ذلك على الأقل؟

لنأخذ المثال الذي تحدث عنه الكاتب، مثلاً متلازمة داون DS والتي بين فيها الكاتب أن العلماء تحدثوا أو خرجوا بنتيجة مفادها أن كل المصابين بهذه المتلازمة لديهم صبغي زائد في خلايا جسمهم، هو الذي يسبب الأعراض والمشاكل التي تحدث لديهم، ومن العينة التي قاموا بفصحها عمموا ذلك مستخدمين الاستقراء وخرجوا بنظريتهم تلك. لدينا هنا مشكلتان.

المشكلة الأولى وهي جواب سؤالنا السابق، هل يمكننا أن نخرج بتلك النظرية مستخدمين الاستنتاج؟ شخصياً لا أعتقد بذلك أبداً ابداً أبداً. ستسأل لماذا؟ حسن، تذكر الرياضيات معي، لماذا برأيك نستطيع الاستنتاج فيها جيئة وذهاباً أينما وكيفا تحركنا؟ أحد أهم الأسباب أنها (أي المتحولات والمجاهيل التي نطبق عليها النظريات) معزولة. كيف هي معزولة تسأل؟ أقصد بمعزولة أنها غير خاضعة لأي متحولات أخرى نجهلها. فمثلاً في نظرية فيثاغورث عندما نستنتج أن نربع طول الوتر يساوي مجموع مربعي الضلعين القائمتين فنحن هنا نتعامل مع (لنقل) كون خاص بنا، نحن من خلقنا (أي حددنا فقط) كل عناصره، وهنا لم نضع فيه سوى بعض العناصر التي يؤثر بعضها ببعض بطريقة نحن من حددها، وعناصرنا هي الأضلاع والعلاقات المتبادلة بينها هي الزاوية القائمة، لا أكثر ولا أقل. لا يوجد في كوننا هذا شيء سوى ذلك. لذلك نستطيع التحرك بسهولة طالما أننا في بيئة معزولة، معروفة كل عناصرها والعلاقات المتبادلة فيما بينها.

أين المشكلة في متلازمة داون إذاً؟ في الطبيعة وعلى أرض لواقع، وخارج صفحات كتب الرياضيات والفيزياء، نتعامل مع متحولات ومجاهيل لا نعرف عنها الكثير، ولا نحيط بكل العلاقات المتبادلة بينها، ولا نعرف هل هذه هي كل العناصر التي يجب أن تحتويها نظريتنا… لذلك لا نستطيع بحال من الأحوال أن نستخدم الاستنتاج هنا. تذكر مثلاً الاستقراء التالي: لم ينفجر حاسوبي حتى اليوم   ←   لن ينفجر اليوم. هذا استقراء، دعنا نحاول برهانه بالاستنتاج. نقول: الحاسوب مكون من عناصر غير متفجرة + تشغيله ليس سوى إمرار التيار الكهربائي في عناصره ← لن ينفجر. هذا استنتاج. لكن سنسأل أنفسنا لماذا عناصره ليست متفجرة، أو كيف توصلنا لذلك، هل بالاستقراء أم بالاستنتاج؟ ستقول بالاستنتاج مجدداً:  عناصر الحاسوب هي دارات كهربائية تمرر التيار الكهربائي + المواد التي تمرر التيار الكهربائي لا تنفجر ← عناصر الحاسوب غير متفجرة. لكن كيف عرفنا بأن المواد التي تمرر التيار الكهربائي لا تنفجر؟ لأنها مكونة من ذرات تتحرك الكتروناتها عند مرور التيار. إلى هنا يبدوا الأمر واضحاً أنه استنتاج. لكننا نهمل هنا نقطتان مهمتان جداً، الأولى هي أن الحاسوب مكون من عناصر لا نعرف عنها كل شيء تماماً، نعرف الكثير ولكن ليس كل شيء، الأمر الثاني هو التفاعل بين مختلف المكونات والتفاعل مع البيئة المحيطة التي لا نلم بكل ما يحدث فيها أيضاً، بالتالي لا نستطيع أن نضمن أن الحاسوب لن ينفجر. فقد تكون إحداى المقاومات قد افتربت من حد الانفجار بسبب الحرارة الزائدة في غرفتك أو بسبب تراكم بعض المواد عليها من البيئة المحيطة… بالتالي لن نستطيع أن نستنتج أن الحاسوب لن ينفجر. الأمر ينطبق على كل الأمثلة السابقة التي أورناها عن الاستقراء. فشادي سوري وكل السوريين يشربون الشاي ← شادي يشرب الشاي، هو استنتاج من حيث المبدأ ولكن بالتدقيق فيه نلاحظ أنه ليس استنتاج إنما استقراء تحول لاستنتاج بعد إهمال شيء ما. فكيف نعرف أن السوريين يحبون الشاي؟ وكيف نضمن أنهم كلهم يشربون الشاي؟ سنقع في طريقنا لمعرفة ذلك باستقراء شئنا أم أبينا!. لأننا نتعامل مع بيئة لا يد لنا في كثير مما يحدث فيها، خلاف الرياضيات التي نحدد نحن فيها عناصر النظرية وتعاملها مع بعضها البعض.

المشكلة الثانية تتوضح في مثال متلازمة داون. فيكمن أن تقول لي: نستطيع الاستنتاج كما يلي، وجود صبغي زائد في الجسم يؤدي لمجموعة من الأعراض، ندعو هذه الأعراض متلازمة داون. هنا ستخرج بنظرية عبر الاستنتاج تقول أن كل مرضى متلازمة داون لديهم صبغي زائد، أي أنك سلكت الطريق العكسي من الملاحظة الأولى وتوصلت لنظريتك. وهذا أمر مقبول لحد الآن، أي هو استنتاج، ونحن من يعرف ما هي متلازمة داون. ولكن هل تستطيع أن تجيب على هذه الأسئلة (بنعم)؟

هل تضمن أن وجود صبغي إضافي سيسبب ظهور الأعرض؟ ففي الطريق الذي سلكناه في برهان أن وجود الضبغي الإضافي لا بد وأننا استخدمنا الاستقراء.

هل تضمن أن هذه الأعراض لا تظهر إلا بمثل هذه الحالة؟ (هنا أوافقك إن حاججتني بالتعريف، فكثر من الأمراض في الطب تتشارك بالأعراضو سيكون من العبث إطلاق اسم واحد عليها).

وقبل أن ننهي كلامنا عن المقالة الأولى دعنا نتسائل السؤال التالي: بما أننا خلصنا إلى أنه لا يمكن (برأيي) استخدام الاستنتاج في العلوم للأسباب السابقة، هل الطبيعة بمكوناتها وقوانينها استقرائية؟ أي كل قوانينها تخرج فقط بالاستقراء ولا يمكن استنتاجها؟

شخصياً أعتقد العكس. فنحن لا نستطيع أن نستنتج قوانين الطبيعة، وهي ليست استقرائية بنفس الوقت! السبب في ذلك هو أننا نجهل مكونات البيئة كلها ولا نحيط بالعلاقات المتبادلة بينها بشكل كامل. لذلك يفيد أن نقول التالي: عندما نتجاسر ونخرج بنظرية عن الطبيعة، فنحن لا نستقرأ إنما نسنتج مع قليل من المقامرة بصحة الاستنتاج وبالتالي النظرية أو خطأه.

خذ على سبيل المثال: في الاستنتساخ وفي إحدى المراحل يقوم العلماء بتعريض الخلية لشرارة كهربائية فتقوم الخلية بسبب ذلك بمتابعة الانقسام، نحن لا نعلم ماذا حدث لي تتابع الانقسام بالكهرباء، ولكننا لم نتوقف عند ذلك، إنما تابعنا الطريق واستنسخنا دوللي، في الطريق هناك الكثير من هذه العثرات ولكنها لم تمنعنا من الوصول لنتجية هي ليست استقرائية. فما فعلناه في الحقيقة هو أننا أغضضنا الطرف عنها ومضينا، هذا كل مافي الأمر، قليل من المقامرة لا أكثر. 🙂

هذا كان عن المقالة السابقة، المقالة التالية هي متابعة للسابقة، ولكن سأضع رأيي بين <قوسين> كلما كان لي رأي مخالف لسمير عكاشة 🙂

مشكلة Hume

رغم أن الاستقراء لا يمتلك ذلك الإحكام المنطقي، لكنه يشكل وسيلة معتبرة نستخدمها في تشكيل معتقداتنا حول عالمنا. فكون الشمس قد أشرقت صباح كل يوم حتى الآن لا يبرهن بالضرورة على أنها ستشرق غداً، ولكنه يعطينا شعوراً جيداً بأنها ستفعل ذلك غداً. ولو أنك صادفت شخصاً يقر بأنه لا يعرف أكانت الشمس ستشرق غداً أم لا، فالأغلب أنك ستعتبر هذا غريباً وأمراً خارجاً عن المعقول!.

ولكن مالذي يبرر كل هذا الإيمان الذي نضعه في الاستقراء؟ كيف نقنع شخصاً يرفض الاستدلال بالاستقراء بحجة أنه خطأ؟

<ليس استقراء برأيي، إنما استنتاج فيه مقامرة ناتجة عن جهلنا ببعض الأمور والعلاقات المتبادلة بين عناصر الطبيعة، وكلما تقدم العلم قل هذ الجهل، ولكننا لن نصل لعلم مطلق أبداً، نشبه وضعنا هذا بمقارب القطع الزائد، يقترب ويقترب ولكن لا يصل.>

David Hume فيلسوف اسكتلندي من القرن 18 أعطى جواباً بسيطاً لكنه جوهري لهذا السؤال. كانت حجته بأن استخدام الاستقراء أمر لا يمكن تبريره منطقياً على الإطلاق. اعترف Hume على أننا نستخدم الاستقراء في كل يوم في العلوم، ولكنه أصر على أن هذا الاستخدام للاستقراء أمر فطري متأصل فينا. ولو طلب منا تقديم تفسير منطقي لاستخدامنا الاستقراء فلن نستطيع ذلك، تبعاً لـ Hume.

كيف توصل Hume إلى هذه النتيجة المذهلة؟ بدأ Hume بملاحظة أننا كلما قمنا بالاستدلال بالاستقراء فإننا نستخدما ما سماه Uniformity Of Nature انتظام الطبيعة UN. ولنفهم ما يقصده Hume بذلك دعنا نتذكر بعض استدلالات الاستقراء من الفصل السابق.

فلقد استدللنا بالاستقراء من
لم ينفجر حاسوبي في وجهي حتى اليوم   ←   لن ينفجر اليوم، ومن
كل مرضى DS الذين تم فحصهم يعانون من وجود صبغي إضافي   ←   كل مرضى DS لديهم هذا الصبغي الإضافي، ومن
كل الأجسام المرضودة تخضع لقوانين نيوتن في الجاذبية”   ←   كل الأجسام في الكون تخضع لقوانين نيوتن في الجاذبية

في كل الحالات السابقة يبدوا أن استقرائنا يعتمد على افتراض أن الأجسام التي لم نقم بفحصها ستكون مماثلة لتلك التي فحصناها في الخواص المعنية باستدلالنا. هذا هو ما عناه Hume بالـ UN انتظام الطبيعة.

ولكن كيف نعرف أن UN هي قضية صحيحة؟ يسأل Hume. هل يمكننا أن نبرهن أنها صحيحة بطريق ما (بالمعنى الحرفي للبرهان)؟

لا، يجيب Hume، نحن لا نستطيع ذلك. لأنه يسهل علينا أن نتخيل وجود كون تكون فيه الطبيعة عشوائية تماماً وتغير الأجسام فيها من تصرفاتها كل يوم. ففي هذا الكون قد تنفجر الحواسيب  بلا سبب واضح، وقد تسبب لنا المياه العذبة تسمماً بلا إنذار، وقد تتوقف كرات البلياردوا عند تصدمها بدل تغيير مسارها… . وبما أن مثل هذا الكون الغير منتظم قابل للتخيل فإننا لا نستطيع الجزم بشكل صارم على أن قضية الـ UN هي قضية صحيحة. لأننا إذا استطعنا برهان ذلك، سيكون الكون الغير منتظم مستحيل الوجود منطقياً.

وانطلاقاً من أننا لا نستطيع أن نبرهن على صحة قضية انتطام الطبيعة UN، فنحن رغم ذلك نأمل أن نجد دلائل تجريبية جيدة تصب في صالحها. فرغم كل شيء فقد صمدت فرضية UN حتى اليوم وهذا يعطينا سبباً جيداً لأن نعتقد بأنها قضية صحيحة. لكن هذا الجدل والاستنتاج بصحتها هو استقراء بحد ذاته، يقول Hume. وهو (أي جدلنا بصحة UN) يعتمد بنفسه على قضية UN وصحتها. فأي استدلال يفترض صحة قضية UN منذ البداية لا يستطيع بالتالي البرهان على صحتها.

<لست أدري مالذي كان يجول في بال Hume في تلك الأيام :)>

لنضع الأمور بطريقة أخرى، من المؤكد أن الطبيعة كانت تتصرف بانتظام إلى لحظتنا هذه، وهذا أمر حقيقي. لكننا لا نستطيع الاستناد لهذه الحقيقة لكي نجادل بأن الطبيعة ستظل كذلك. لأن هذا يفترض أن ما حدث في الماضي هو دليل موثوق يمكننا الاعتماد عليه لمعرفة ما سيحدث في المستقبل – والذي هو نفسه افتراضنا بأن الـ UN قضية صحيحة. لذلك فإننا إن حاولنا البرهان على صحة قضية UN مستندين على الدلائل التجريبية فسينتهي بنا المطاف إلى حلقة مفرغة.

وقوة فكرة Hume تكمن في قدرتك على استخدامها في إقناع شخص لا يؤمن بالاستقراء لكي يؤمن به. قد تقول له: إنظر، لقد أبليى الاستقراء حسناً إلى الآن، فباستخدامه شطر العلماء الذرة، وهبطوا على سطح القمر، واخترعوا الحواسيب… بينما الذين لم يستخدموا الاستقراء ماتوا أبشع ميتة عندما أكلوا الزرنيخ معتقدين بأنه مادة مغذية، وقفزوا من المباني العالية معتقدين بقدرتهم على الطيران… لذلك فإن كل ذلك يجب أن يدقعك لاستخدام الاستقراء في عمليات الاستدلال.

<قاموا بكل تلك الانجازات لأن بعض الجهل بـ كيف حصل هذا؟ لم يوقفهم عن العمل! فكل انجازات العلم كانت بالصدفة وبالتجربة التي كانت تنتظر نتائجها! علماء آخر زمن! من البنسلين إلى العناصر المشعة وشطر الذرة… كلوا صدفة!>

ولكن هذا لن يقنع المتشكك. فجدلنا بأن الاستقراء صحيح لأنه عمل بشكل جيد حتى الآن هو استقراء بحد ذاته. فجدال كهذا لن يعمل مع شخص ليس لديه إيمان مسبق بالاستقراء. ولكن كانت تلك فكرة Hume الأساسية.

من كل ما سبق نصل لما يلي – أشار Hume إلى أن استدلالنا بالاستقراء يستند إلى افتراض صحة قضية انتظام الطبيعة UN. لكننا لا نستطيع إثبات صحة قضية انتظام الطبيعية UN ولا نستطيع إيجاد دليل تجريبي على صحتها من دون المساس بالسؤال نفسه. لذلك فاستدلالنا بالاستقراء يعتمد على افتراضنا معرفة العالم كله حتى الذي ليس لدينا عنه أية أرضية معرفية. وبذلك أثبت Hume أن ثقتنا بالاستقراء هي ثقة عمياء – بلا مبررات منطقية إطلاقاً.

هذا الجدال المثير للاهتمام أفرز تأثيراً قوياً على فلسفة العلوم ولا يزال حتى اليوم. (ومحاولة Popper الغير ناجحة لإقناع العلماء بضرورة استخدام الاستنتاج فقط، كانت بتشجيع من اعتقاده بأن Hume أظهر اللامنطقية التامة في استخدامنا للاستقراء).

وتأثير الجدل الذي جاء به Hume ليس عسيراً على الفهم، فنحن كثيراً ما نفكر بأن العلم نموذج مثالي عن الاستدلال المنقطي، ونضع إيماناً عميقاً بما يقوله لنا العلماء عن العالم. في كل مرة تطير بنا الطائرة نضع أرواحنا في أيدي العلماء الذي صمموها. ولكن العلم يستند كثيراً إلى الاستقراء، والاستقراء كما يقول Hume ليس مبرراً منقطياً بالكامل، فالعلم لا يمتلك تلك الأرضية الثابتة التي نعتقد بوجودها.

هذه الحالة المربكة تعرف باسم Hume Problem of Induction.

تفاعل الفلاسفة مع هذه المشكلة بطرق مختلفة بشكل كبير، ولا تزال القضية ساخنة إلى يومنا هذا. يعتقد البعض بأن مفتاح الحل يكمن في الاحتمالات Probability – وهو اقتراح معقول تماماً وجدير بالتصديق. فمع أنه من المنقطي القول بأن المقدمات في الاستقراء لا تضمن النتيجة تماماً، ولكنها تجعل منها محتملة جداً. فالمعرفة العلمية حتى وإن كانت غير مؤكدة تماماً، إلا أنها محتملة الحدوث بشكل كبير جداً.

<جهلنا ببعض الأمور هو الذي أظهر هذه الاحتمالية، لا أكثر ولا أقل، وكلما ظاد علمنا تقلصت الاحتمالية، لكنها لن تصل الصفر في نظريات الطبيعة، برأيي.>

ولكن هذه الاستجابة لمشكلة Hume تثير صعوبات خاصة بها، ولذلك فهي ليست مقبولة تماماً عالمياً. وسوف نعود لهذه القضية لاحقاً.

استجابة أخرى شائعة لمشكلة Hume هي الاعتراف بأن الاستقراء لا يمكن أن يكون مبرراً بشكل منقطي. والجدل بأن هذه القضية ليست مشكلة كبيرة، كيف يمكن للبعض تبني مثل هذه الموقف؟

بعض الفلاسفة جادلوا بأن الاستقراء هو أساسي جداً بالنسبة في الكيفية التي نفكر ونستدل بها، وهو لذلك ليس شيئاً يمكن أن يتم تبريره.

Peter Strawson فيلسوف معاصر مؤثر جداً  يدافع عن وجهة النظر هذه بالحجة التالية، إذا شك شخص ما بشرعية تصرف ما فإنه سيلجأ لكتب القانون ويقارن هذا التصرف بما تقوله كتب القانون. ولكن افترض أن شخصاً ما شك بشرعية كتب القانون نفسها وقال بأنها ليست منطقية! وهذا قلق غريب حقاً. لأن القانون هو الذي يحكم بشرعية ومنطقية التصرفات التي نحتكم له بها. وسيكون من غير المعقول تماماً أن نستعلم عن مدى شرعية ومنطقية القانون نفسه. ويجال Strawson بأن الاستقراء هو بالمثل من الثوابت التي نستخدمها لنقرر هل الادعاءات حول عالمنا صحيحة أم لا. فعلى سبيل المثال نحن نستخدم الاستقراء للحكم على مدى صحة ادعاء شركة أدوية عن النتائج المذهلة لعقارها الجديد، و سيكون من المعقول أن نسأل أنفسنا هل الاستقراء ذاته عملية صحيحة أم لا!.

<طبعاً لا أظنك توافقه في حجته هذه، فلنا الحق في التساؤل عن شرعية القوانين! ولن نعتبرها مسلمة وما يخرج عنها هو استنتاج إن لم نغض الطرف عن شيء ما في الطريق، عنها وعن شرعيتها هنا.>

هل نجح Strawson في حل مشكلة Hume؟ البعض يجيب بنعم والآخر بلا. ولكن معظم الناس يوافقون على أنه من الصعب جداً إيجاد تبرير مرضٍ للاستقراء. (يقول Frank Ramsey وهو فيلسوف من جامعة كامبردج 1920s بأن البحث عن تبرير للاستقراء كالبكاء على القمر).

هل يجب أن نقلق حول هذا كله؟ هل يجب أن تتزعزع ثقتنا بالعلم؟ أسئلة صعبة يجب أن تفكر فيها ملياً بنفسك.

<فكر تنشوف وشاركنا أفكارك العظيمة :)>.

3 تعليقات على “بين الاستقراء والاستنتاج 2

  1. ألم تكن نظرية فيتاغوروس استنتاجا قبل أن تتحول إلى استقراء ..؟
    اليست بداية كل استقراء استنتاج ..؟
    وكل استقراء هو حجر اساس لاستنتاج اخر … تكامل ..
    أم ان الفكرة عندي عن الاستقراء والاستنتاج مغلوطة ؟

  2. في الحقيقة لقد تهت بين هذه الأسئلة 🙂 هل “أستنتج” أنك “لما” قرأت بين الاستنتاج والاستقراء 1؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s