أهديك روحاً

بسم الله الرحمن الرحيم

تتسابق الكلمات، وكلما حاولت أن أعيدها في رأسي نسيت شيئا منها، لذلك كان لا بد أ أخرجها من رأسي. كنت عزمت أن لا أكتب في هذا الموضوع وهذه الحادثة، ربما أخشى منها، ربما اعتقدت أن كلمات أكتبها عنها ستجعل منها تنظر إلي نظرة غير مريحة، ربما لا يجب أن نكتب عن كل شيء!

أكتب هذه الكلمات، ولست أدري لمن أكتبها، لعلي أكتبها لنفسي ولك. أكتبها لنفسي لأخرجها من ذاكرتي وإن كنت أعلم أنها ستبقى تجول فيها حتى يشاء الله، وأكتبها لك، لأشاركك شيئا كنت قد شعرت به. وهائنذا أتحدث إليك، أخا أو أختا في الله، وأنت تقرأ كلماتي هذه تتسائل كيف أتحدث إليك وقد مضى وقت كتابتي لها؟ ولكني وأنا الآن أكتبها أشعر أنك معي رغم أنك لم تقرأها بعد، وربما شعرت بذلك بعد أن أكتبها، ولعل ذلك هو سر الكلمة! فهي تجمعنا خارج نطاق الزمن الذي يسير فيما يبدو لنا على كل حياتنا!

ففي البدء كانت الكلمة، وفي البدءأنزل الله كلمة إقرأ، وها أنت تقرأ وها أنا أكتب الكلمة!

سأحدثك عن الموت، ربما كام الحديث عن الحياة أرجى، ولكن الموت قابع هناك، يتربص بنا، لذلك لا ضير من الحديث عنه ولو لمرة واحدة. كنت فيما مضى أسمع القائلين بضرورة حمد الله والرجعة إليه عند المصائب، والموت سيدها. أسمع ضرورة تذكير أهل الميت بها ليضمنوا ذلك البيت، بيت الحمد، في الجنة. ولست أفهم لماذا لم أفهم تلك الدعوى وذاك الإصرار. وكأننا نشتري الجنة بكلمات نقولها مهما كان حال قلبنا!

وعندما حل الموت، قريبا مني، حلت معه الكلمات تلك، ولكنها لم تكن كلمات، كانت زلزالا تشهده النفس، زلزالا يضرب سهولك ووديانك وجبالك!

تتذكر أن عليك أن تقول: ”إنا لله وإنا إليه راجعون”. تقولها وتحاول استحضارها، وعندما تتأمل في نفسك وتشاهد الدمار الذي لحق بها تدرك سرها ومعناها.

تقول في سرك إنا لله وإنا إليه لراجعون، ثم تسرق نظرة إلى نفسك التي ضربها ذلك الزلزال فغير من معالمها! ستعرف أن الرجعة لله في تلك المقولة ليست ألفاظا تتلفظ بها، ستدرك ذلك وأنت تشهد ذلك التحول في نفسك!

ستعرف حينها أن الموت غيرك تماما، غير معالم وتضاريس نفسك وأرجعها إلى الله سبحانه وتعالى رغما عنك. ضربك الزلزال فجعل أودية نفسك جبالا وجبالها قيعانا! طرق الذهاب أصبحت للإياب والطرق الملتفة انتظمت واستوت! وبين هذه التغيرات تجد ذلك الطريق الذ برز للوجود! هل كان مختبأ أم أن أشجارا وحشائش أخفته عن عيني؟! تراه مستقيما يصعد بك للأعلى، مخيف و لكنه مريح! إنه بلا شك الطريق لتلك الرجعة إلى الله، هو وبلا شك ثمن ذلك البيت في الجنة إن سرت عليه. طريق العودة الحقيقية لله تعالى.

تبدأ السير عليه، تجد صعوبة في البداية فقد اعتادت النفس على الطرق السهلة المريحة المنحدرة، أما الصعود فلم يكن له وجود في جغرافية النفس! تسير بتثاقل ولكن بمتعة، تصعد الجبل صعودا كما تصعده كل مرة تزور فيها قبره! تجلس قربه تحاول أن تبكي لتريح نفسك من زخم الأسئلة الملحة، تجلس وتقرأ القرآن، تشعر بالأنس في أوحش بقاع الأرض، في المقابر.

تحاول أن ترفع صوتك قليلا عل سكانها يسمعونك، علهم يأنسون بك كما أنست أنت بهم. تحس أنهم يطوقونك، يتحلقون حولك يستمعون لحن عودتك إلى الله وهم فرحين.

تحدث نفسك، هل يسمعني؟ هل هو سعيد بقربي منه أتلو القرآن؟ هل جدتي هناك في أسفل الجبل تسمعني، أم تلك التي في قمته؟ أم هذا الذ توسطهما وكان السبب في تلك الزلازل؟!

تبكي وتبكي، تدعو لأمه أمك بالصبر والثبات، تحاول أن تخرج تلك الإلحاحات من رأسك، تعترف بعجز العقل عن فهم ما يجري من حولك، تضيف إلى قائمة الأمور التي كنت تعتقد أن العقل عاجز عن فهمها لأن الله خلقه كذلك، بندا جديدا. إنك لم ولن تفهم لماذا، مهما احتسبت وتصبرت سيظل السؤال ينهش فيك، سيظل البحث عن حكمة الله يغريك، ستظل تتظاهر بالفهم والثبات، تحاول أن تصبر الآخرين، تقص عليه، القصص، عن طفل رضيع مات في حضن أمه، عن أب شاهد ابنه يموت بين يديه وهو في زهرة عمره! تقص لهم محاولا أن تنسى! لكنه أبدا ينهش فيك ذاك السؤال!

تقول لنفسك هي الدنيا وهكذا أرادها الله، فيثب السؤال من جديد ليقض هذا اليقين ويسأل لماذا أرادها الله هكذا! تلك الـ “لماذا” التي كانت تخوض بك في علوم الأرض، تؤرقك وتقض يقينك بتشككها!

تعود لتصعد من جديد، وشأن كل مكان مرتفع، تنظر من عل لترى مالم تكن تراه في طرق الرخاء! تنظى لترى المدينة وقد كساها الضباب، منظر مهيب في النفس، وهناك في نفسك، من على ذاك الطريق الذي بدأت تعتاد الصعود عليه، ترى معالم غريبة في نفسك! ترى دمارا هنا وخرابا هناك! جمالا هنا ودقة هناك، تعيد النظر من جديد لخارطة الطرق لديك بعد ذلك الزلزال، تراها قد تحسنت، خف انحدارها واستوت انعطافاتها والتفافاتها، بدأت بعضها بالصعود، والأخرى اختفت تماما. هل هي تلك الرجعة الحقيقية إلى الله التي نثاب عليها ببيت الحمد؟ توقن بذلك.

تنزل عائدا، وتهبط في نفسك في طريق مخيف، تخاف من الموت، من أن يفاجئك كما فعل بأمه أمك، تخاف أن يخطف من حياتك نجمة تعلقت بها، أو قمرا اعتدت على ضيائه، هل تحتمل تضاريسك مزيدا من تلك الزلازل؟! التي تعرف يقينا أنها ستكون أشد على كل المقاييس؟!

هل من حقك أن تخاف هكذا؟! هل من الإيمان ذاك؟ تخاف على إيمانك من شكوكك وأسئلتك التي لا تنتهي! تلجأ إلى ذاك الطريق وتحاول الصعود فيه من جديد عل مزيدا من الارتفاع يزيد الصورة مزيدا من الوضوح، تصعد وتصعد، ولكنك تدرك أن الصعود بحثا عن الوضوح سيغيب عنك مزيدا من التفاصيل، ما هو الحل؟ أن ترمي بتلك الأسئلة عرض الحائط؟ أم تحاول البحث عن أجوبتها هنا أو هناك؟ وأنت تعلم أنك قد تتوه في تلك الأراضي!

هو الموت إذا، كأس تذوقه في حياتك مرات ومرات، تزداد مرارته كلما اقترب منك! يزداد الألم وتكثر الأسئلة كلما دنا، حتى لتحسب أنك أنت المسؤول عن موته! تحاول أن تبعد تلك الـ “لو”، وتحاربها، تنتصر تارة وتهزم تارة، تهرب منها لذاك الطريق.

وتعجب وحق لك أن تعجب! لماذا لا نحس بهم عندما كانوا معنا؟ لماذا هذا الحب يفيض بعد أن رحلوا؟ مالذي حدث؟! لماذا يصبحون محاور حياتنا التي تنكسر بموتهم؟

هل هو زلزال الموت مرة أخرى، لا يكتفي بتغيير تضاريس نفسك، بل ويهز مروجا في قلبك كانت لهم، فتنطلق روائح حبهم من تلك المروج تكاد تطغى على كل شيء فيك!

تعجب من الناس! يأتون من خلف الدنيا لعزاء فقيدهم، فلماذا لا يظهرون هذأ الحب في غير الموت! هل للموت جاذبية؟ وللحياة نفور!

تجلس جانبا، لست تدري ماذا تكتب بعد، ولست تدري من سيقرأ كلماتك، ولست تدري أشعر بهزات ذاك الزلزال أم لا! لكني سأقول لك شيئا، شيئا لست أفهمه بعد، شيئا أدعو الله أن يكون جوابه على ذاك الطريق.

إنها ليست الحياة الغريبة، إنما نحن الغرباء!

إنه ليس الموت زلزال، إنها نفوسنا البائدة المتعرجة!

إنه ليس الضباب يحجب عنا الحقيقة، إنه شيء ما ران على قلوبنا!

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون، حقا حقا حقا!…

إليك يا غسان، يا دمعة في العين اغرورقت، يا زهرة في قلبي لما أينعت!

أهديك روحا لست أملكها
عل الجرح الذي أدماك يلتئم

اليوم أدركت عمق الجرح في القلب
ولوعة الفقد وزفرة الألم

وأدركت كيف تحب الأم فلذة الكبد
حبا يحار القول فيه والفهم

تبكي الأم كفلها وما تدري
ألعين تبكي أم القلب يكتلم

ورأيت كبر الحب في قلب الأب
لابنه وإن أخفاه فنثره ليس ينضم

ورأيت من العين الدمع كيف ينسل
بلا اسئذان ليمحى به الهم والغم

وعجبت للناس تنسى الوصل للرحم
حتى إذا ما مر الموت تلتم!

أمي الوفاء أما تدرين أنك أمي
وحبك في القلب حب ليس ينكم

وأبي الجميل ليس القلب يتسع
لحبكما معا ولكن ليس يهتم

أمي الوفاء أما تدرين أن الصبر منزلة
ترام في كبد وباللطف ترزقها الأم…