أصدقاء ولكن

Ya pretty much
تصبح الصداقة في مرحلة معينة من عمرنا شيئاً مهما جداً، وفي فترة معينة تصبح محور حياتنا – قبل أن تتحول تلك المحاور إلى محور واحد 🙂 ويبدأ ذلك المحور في زجك في أعاصير الحياة واحداً بعد الآخر، وأحياناً في عدة أعاصير دفعة واحدا! :).
يختلف الأصدقاء، فمنهم المقربون ومنهم المبعدون، ومنهم بين البين (المعارف). ما يهما هنا هم الأصدقاء المقربون، فيمكن القول عمن كان يشاركك في عمليات السطو والسلب في سوق الخضروات – يوم أن كنا صغاراً – بالصديق المقرب، فهو شريكك في المهنة. ويمكن القول عن الذي كان يساعدك في نصب الأفخاخ الشريرة صديقاً مقرباً أيضاً، فقد كان يخاطر بحياته معك! فلا أقل من زجه في نطاق الأصدقاء المقربين.
ونكبر، وتكبر معنا همومنا ومسؤولياتنا! (وقد كنا نظن يوماً أننا لن نكبر) ويرافقنا في أيامنا هذه أصدقاء مقربون. يبتعد بعضهم ويقترب آخرون، وفي مرحلة ما تظن أنكم ستكملون حياتكم معاً وأنه لن يأتي يوم تبتعدون فيه عن بعضكم، ولا تدري أن كل يوم يمر عليكم هو يوم يحمل لبعضكم طرقاً جديدة للسير عليها، فيبتعد البعض ويظل البعض قريباً. في مرحلة ما تظن أن صديقك الذي تقضي معه معظم وقتك سيكون رفيق حياتك إلى النهاية، تعتقد أن صفاته تتوافق كثيراً معك وتحبها فيه، ولكن المشكلة أن الإنسان دائم التغيير!
سنوات تمضي ويبتعد البعض، أو تبتعد عنهم لأنهم ابتعدوا عن تلك الصورة التي كنت ترسمها لهم. ويقترب منك من كنت تظن أنه من معارفك، فتعود لتكتشف أنه اقرب لنفسك مما كنت تتصور! وتبدأ معه رحلة جميلة يكتشف كل منكما الآخر من جديد.
إذاً فأصدقاؤك ليسوا كلاً سواء، منهم القديم “العتيق” الذي لازمك منذ نعومة أظفارك وثبت أمام كل التغييرات وأثبت لك أن معدنه لا يتغير مع مرور الأيام، منهم من باعدت بينك وبينه الأيام أو ما تحمله الأيام وتتركه من آثار على النفس. منهم من تعرفت إليه منذ أمد ليس ببعيد، ولكنك تحس أنك تعرفه منذ زمن بعيد! فهو وصديق طفولتك سواء.
ولكني أريد هنا أن أحدثك عن أصدقاء من نوع آخر، نوع آخر تماماً. هم في عرف الصداقة أصدقاء – أصدقاء ولكن :)، لكنهم ليسوا قريبين منك، فد لا تعرف أسمائهم، قد لا تعرف من أين هم، قد لا تعرف شيئاً عنهم إلا شيئاً واحداً – شئياً اكتشفته مما كتبوا!. كلمات أخبرتك بأن صاحبها يحتل مكانة مميزة في قلبك، لا وبل يتفوق بها أحياناً على أصدقائك المحيطين بك!.
إنهم أصدقاء المدونات – ستسألني كيف؟ وكيف يمكن لهم أن يحتلوا مكانة في قلبك بالكلمات فقط؟
عندما يكتب الإنسان فإنه يعبر عن شيء ما في نفسه، قد تكون مشاعر لا يعرف أن يذهب بها فيفرغها على الأوراق أو على لوح المفاتيح، وقد تكون ميولاً أدبية أو علمية يحب أن يشارك به العالم، ولا يجد سبيلاً لذلك إلا المدونات. وقد تطون طريقة لكتابة المذكرات… تعددت الأسباب ولكن النتيجة واحدة – مدونة فيها من الكلمات الشيء الكثير – لكمات ليست ككل الكلمات :).
قد تكون الكلمات رصفاً للحروف كما الحال في الكثير من المدونات ممن يحب صاحبها أن يكون له مدونة فقط، فيها أخبار غريبة يباهي بها هنا وهناك، أو يريد بها شيئاً ما. ولكني هنا أتحدث عن مدونين من نوع آخر، نوع يكتب بطريقة أخرى، نوع تكون مدونته وكلماته فيها مرآة تعكس الشيء الكثير عما في داخله – داخله الذي يروقك كثيراً وتحب كثيراً أن تتعرف عليه أكثر فأكثر.
تكون الخطوة الأولى هي أن تتابع ما يكتب على المدونة. قد تعلق على مقالة ما، أو تشارك برأيك في موضوع طرحه… وقد يدور بينك وبينه نقاش ما، تكتشف فيه وبعده أن هناك الشيء الكثير بينك وبينه، أشياء تفتقدها ربما في أقرب أصدقائك المقربين حولك. فبالنسبة لأصدقائي المقربين ممن أعيش كثيراً من وقتي معهم وفي صحبتهم قد تصدق أو لا تصدق ألا أحد منهم يعرف أني أكتب في هذه المدونة! ليس الأمر هنا أنهم يجب أن يقرؤوا ما أكتبه هنا ليكونوا حقاً مقربين، فالأمر ميل شخصي في النهاية، ولا يمكنك أن تجبر أحداً على متابعة مقالاتك العظيمة 🙂 في مدونتك – في النهاية المسألة شخصية بحتة ولا علاقة لها طبعاً في حكمك على أصدقائك. ولكن الكلمات – كانت وستظل – أقرب مسافة بين عقلين وبين فكرين، ونستطيع القول بين قلبين :). ويمكن أن نستنتج من ذلك أنها أقرب مسافة بين نقطتين :).
لذلك يكون لأصدقائك في هذا الفضاء الالكتروني مكانة مميزة في قلبك، تحب ان تحاورهم وتقرأ لهم، وهم بذلك ومع كل كلمة يزدادون قرباً في قلبك وتزداد كلماتهم تأثيراً في عقلك. لذلك فهم مميزون حقاً.
ولكن! ولكن ماذا؟
لكنك قد لا تعرف عنهم شيئاً سوى عنوان المدونة، أو الاسم الافتراضي، وقد تعرف البلد الذي يقطنون فيه! ومقارنة مع ما سبق فإن ذلك سيحز في قلبك كثيراً، وستتمنى لو أنك تقابلهم في حياتك، أو أنهم كانوا قريبين منك بحيث يمكن أن تزورهم وتنمي تلك الصداقة معهم. قد يحدث هذا مع البعض منهم، ولكن ليس الجميع. لذلك أيضاً هم مميزون.
والغريب في الأمر أنك تتعرف على مدوناتهم بالصدفة – على الأقل هذا ما حدث معي. أحياناً تكون الصدفة صدفة بحتة! ولكن في عرفي لا يوجد في هذه الدنيا عشوائية صرفة أبداً، لذلك فإن لقائك معهم كان مقدراً منذ البداية، ولم تكن الكلمات إلى وسيلة من الوسائل.
وشخصياً وبعد ما يقارب السنة والنصف على أول مدونة أتابعها لأحد هؤلاء الأصدقاء – فأنا سعيد جداً بالتعرف عليهم، وسعيد أكثر بقراءة كل كلمة يكتبونها أو فكرة ينثرونها في هذا الفضاء الواسع. سعيد لأنهم أصدقائي وهذا يكفيني :).
تعرف أنهم موجودن، هناك في مكان ما من هذه الأرض – تعرف أنك تحب أن تقرأ لهم وتسمع منهم، تحب أن تتناقش معهم، أن تقضي مزيداً من الوقت في رحاب فكرهم وكلماتهم.
تعرف أن كلماتهم هناك كلما شعرت بالوحدة، كل ما عليك فعله هو فتح صفحة جديدة في مستعرضك ودعوتهم لقضاء بعض الوقت معك – هذا كل ما يتطلبه اللقاء :). وهذا شيء مميز حقاً.

قوانين العقل

 Unbenannt

عندما خلقنا الله كرمنا بالعقل، ليس ذلك فقط، بل جعل هذا العقل هو ما يميزنا عن غيرنا من مخلوقات الله عز وجل. العقل وليس غير العقل هو ما يجعل الإنسان إنساناً، والعقل الذي أتحدث عنه هنا ليس تلك الخلايا العصبية التي تقطن في رأسك، فهي موجودة عن سائر الحيوانات، بكمية أكثر عند بعضها. إذا ما هو العقل قد تسأل؟ أين هو هذا الذي يميز الإنسان عن الحيوان؟

هل خطر ببالك أن تسأل نفسك أين هو عقلك؟ هل هو في رأسك؟ أنا هنا لأقول لك أنه ليس في رأسك!. كلام غريب ولكنه الحيقيقة، على الأقل بالنسبة لي.

الدماغ (بالمستوى الخلوي) كما أراه ليس إلا عضواً من الأعضاء التي يتألف منها جسم الإنسان، مثلها مثل القلب والعضلات وسواها. على مستوى رفيع وعالٍ من التنظيم نعم، لكن ليس أكثر من ذلك. ليس أكثر من بلايين الخلايا العصبية المتصلة ببعضها البعض والتي تتفاعل مع بعضها البعض وفق قوانين معينة لا تعلو عن قوانين العالم الذي نعيش فيه. ولكن مما لا شك فيه أن عقلنا (والذي نعده العلامة الفارقة عن سوانا من الكائنات) يعلو عن هذا العالم الذي نعيشه، فهذا الوعي وإدراك الذات والحرية في الاختيار ليس من تلك الخلايا والوصلات العصبية، ليس في ذلك التنظيم الرائع للدماغ وتلك الوسائط العصبية التي تتفاعل فيه بتناغم – نعجز عن الإحاطة به – حتى الآن.

ما يميز الإنسان هو الروح التي تقطن فيه. والتي علمها من أمر ربي، لا ندري عنها شيئاً ولن ندري كما أخبرنا الله سبحانه وتعالى. أما الدماغ فالعلم يفتح لنا كل يوم باباً جديداً على أسراره ومعالمه. أما الروح، تلك التي تجعل منك ما أنت عليه، تلك التي تجعلك سعيداً وأنت تبكي وحزيناً وأنت تضحك! تلك هي التي تجعلك إنساناً تحب وتكره، تغضب وترضى، فهي شيء آخر ولا أحد يستطيع أن يقول لك أنها في رأسك.

الدماغ يقود فعاليات الجسم نعم، ولكن أن نقول أنه العقل فهذا شيء آخر. لا شك أن للروح صلة به بشكل من الأشكال، وهي عبره تقود هذا الجسم وتحركه، وهي بذلك كمن يسمك مقود السيارة ويوجهها، فهل نقول عن مقود السيارة بأنه عقلها؟ أم ستقول لي بأن عقل السيارة هو محركها؟ إذا فعقلك هو في عضلاتك J عقل السيارة في هذه الحالة هو أنت، أنتالذي تختار أن تذهب يميناً أو شمالاً أو تتابع السير إلى أن يهديك الله إلى الطريق.

الروح هي أنت، الوعي الذي يتحدثون عنه ويحاولون كشف أسراره، ولما ولن يستطيعوا لذلك سبيلا هو روحك، إدراكك لوجودك هو معنى أن لك روحاً، ذاك السر فينا، ذاك أمر الروح وما أويتنا من العلم إلا قيليلاً لنخوض في غمار هذا البحر. نحن نتعلم المزيد عن الدماغ كل يوم، ولكن لك مثل أن نتعلم المزيد عن السيارة التي تقودها، أما العقل فهو خارج نطاق قدراتنا. معرفتنا التي تزداد عن الدماغ هي معرفة عن الوسيلة التي بها تقود الروح الجسم، لذلك فهذه المعرفة تفيد في معالجة الأمراض التي يتعرض له الدماغ، وبذلك تستفيد الروح من الدماغ الذي تمت معالجت في قيادة هذا الجسم من جديد. فلو سألنا انفسنا: أين عقل المجنون؟ هل هو موجود؟ بالنسبة لي عقله موجود لأن العقل هو الروح، ولكن هذه الروح باتت عاجزة عن التواصل مع هذاالجسد بالشكل المثالي، وهنا يظهر دور الدماغ الي لم يتأثر، فيبقى يقود وظائف الجسم رغم أن عقل الشخص غير موجود. فالدماغ هنا بات يعمل من دون أن تسيطر الروح عليه تماماً. هذه الروح ستترك هذا الجسم يوماً ما، يوماً مقدراً علينا جميعاً، يوماً سنواجه فيه قدرنا الذي نعد له الآن. وبالنسبة لي بعد أملي في رحمة الله ودعائي بأن يهون علينا ذاك الموقف ويرحمنا فيما بعده، فأنا أشعر بالسعادة لمواجهته. أتعرف لماذا؟ لأنني وللمرة الأولى في حياتي (التي لا تُحَدُّ بهذا الموقف) سأشاهد كيف نترك هذا الجسد وأواجه عالماً جميلاً كنا نحاول أن نفهمه فيما مضى، فهل نشعر بغير السعادة عندما نسافر إلى بلد جديد؟ فما بالك بعالم جديد :).

وبالنسبة لي، عندما يشاء الله سبحانه وتعالى ويمن علينا ويدخلنا الجنة (سوية إن شاء الله) بفضله ومنه وركمه، سيكون فهم أمر الروح من الأولويات هناك 🙂 وسيكون بعدها معرفة الخلل في نظرية الكم والنسبية J ثم سباق سيارات وأمور أخرى لا مجال لذكرها هنا :).

إذاً – والأمر رأي – العقل أو ما نسميه بالعقل مرده للروح، أما الدماغ فهو الوسيلة التي تقود الروح جسمنا، كأن تتواصل مع خلايا الدماغ، من دون أن تعي أنت هذا التواصل، وعبره تقود الجسم. قد يكون الأمر هكذا وقد لا يكون، ولكن هكذا أراه.

بعد هذا الكلام الذي قد يبدو لفاً ودوراناً بلا معنى، أحدثك عن العقل. وأقول لك أن الله عندما خلقنا وكرمنا بالعقل فإنه سبحانه وتعالى لم يخلقنا ويكرمنا بهذا العقل ليقول لنا لاحقاً ضعوا عقولكم جانباً ولا تتفكروا! حاشاه سبحانه وتعالى عن العبث وتنزه عنه وعلا علواً كبيراً. ولكن هذا ما يحاول أن يفعله (بجهل) كثير من العلماء والمحدثين اليوم.

بالنسبة لي – وخلال حياتي – عندما أسمع جملة ما وتمر علي مرور الكرام مع ذاك الإحساس الغريب تجاهها، أعرف أن فيها شيئاً ما، قد لا أدرك ماهو وآخذها على معناها ولكن في صميم نفسي أعلم أن فيها أمراً ما، وأنني يوماً ما سأصل إليه، وإلى ذاك اليوم سأفسرها على ما هي عليه وأعمل بها. يحصل ذلك في الرياضيات والفيزياء والطب وغيرها من العلوم كما يحدث في عملي بديني الإسلام الحنيف.

الجملة التي أحدثك عنها هنا هي التالية: ((النقل قبل العقل)) انتهت.

ما معنى ذلك؟ معناه كما نعلم تقديم النقل على العقل. يمعنى أننا لو صادفنا أمراً في ديننا الحنيف وفيه نص منقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن هذا الأمر يخالف العقل، فإننا نتجاهل العقل ونقدم النقل عليه.

كنت كلما سمعت بهذا الجملة أسأل نفسي وأسألك الآن: هل يمكن أن يخالف العقل النقل؟ هل يمكن مثلاً أم يأمرنا الله بأمر أو يسن لنا رسوله سنة وتكون مخالفة لعقلنا؟ هل هذا ممكن و الله سبحانه وتعالى هو الذي كرمنا بهذا العقل! هل يعقل أن يطلب منا أن نتجاهله! أو لنقل هل يمكن أن يكون شيئاً في هذا الكون الذي خلقه الله وخلقنا لنعيش فيه، هل يمكن أن يوجد فيه شيء يتعارض مع العقل؟

هل لاحظت معي كيف استخدمت كلمة يعقل في سؤالي، وهي المشتقة من العقل.

هنا نترك هذه القضية قليلاً لأحدثك عن موضوع آخر ثم نعود إليها لأوضح لك الخلل فيها. الموضوع التالي هو قوانين العقل. وهذا الأمر كنت أفكر فيه منذ زمن طويل، وكلما قرأت في الفيزياء أو الفلسفة خطر في بالي هذا الموضوع وألح علي أن أكتب عنه لأخرجه من رأسي وأوصفه كما أفكر فيه لأرتاح منه ولو قليلاً، وها أئنذا أفعل بعد أن عانيت من بعض العقول! وخوارزمياتها الغريبة التي لا تعرف للمنطق سبيلاً!!!. وكل ما سيلي من قوانين للعقل هي من وجهة نظري وليست نظريات أو ما شابه، وكل كلمة تالية هي على مسؤوليتي ولا يتحمل أحد عقباها سواي J. ولكني أريد أن أبين لك أن هناك عقولاً تعاني خللاً أو غياباً في الخوارزميات الصحيحة التي خلقنا الله لنعمل بها، ذاك هو العقل الذي خلقنا الله معه.

العقل يعمل بقوانين ثابتة عند كل الناس. والذي يجمع هذه القوانين ويضعها في نطاق واحد هو المنطق. أي أن المنطق هو السواغ الذي تنحل فيه قوانين العقل وتتشكل، كما تدخل الخضار في الحساء وتنحل فيه لتشكل طبق العشاء. أو لنقل بعيداً عن الطعام بأن المنطق هو اللغة التي يعمل بها عقلك وبذلك تصبح قوانين العقل مفردات هذه اللغة.

هذه القوانين لا تختلف بين إنسان وإنسان، لأن مصدرها الروح، والوعي بمعنى آخر، أو لنقل هكذا خلقنا الله. خلقنا الله وأودع فينا الروح التي تعمل بهذا المنطق، هذا أفضل توصيف لموضوعنا.  والروح سواء عند كل الناس لأن مصدرها واحد وهو الله سبحانه وتعالى.

إذاً فنحن محكومون بالمنطق – المنطق المشتق من العقل، شئنا أم أبينا، حتى لو أردنا أن نخالف المنطق، فنحن في ذلك نستخدم المنطق بذاته! حتى لو أردنا أن نتصرف بلا عقلانية فنحن نحتاج عقلنا لذلك، شئنا أم أبينا. سأشبه ذلك بالتالي: تخيل نفسك وحيداً على جزيرة، وعلى هذه الجزيرة نوع واحد من الطعام هو الموز مثلاً (الموز=العقل). في اليوم الأول ستأكل الموز سعيداً ومعتقداً بأنك محظوظ لكون النوع الوحيد المتوفر في الجزيرة هو الموز وليس البصل. في اليوم التالي ستفقد شهيتك، وفي اليوم العاشر ستمله! ستقرر بعدها صنع نوع من الطعام، ستسميه اللحم. ولكن لكونك لا تملك شيئاً سوى الموز فستقوم بفرم  الموز وطهيه مثلاً (صدقني ستفعل ذلك إن كنت على الجزيرة وحيداً وسيكون لك صديق مثل ويلسون :)) وستقول لنفسك هذا لحم، ولكنه في الحقيقة موز. في اليوم التالي ستأكل المعكرونة، والبطاطا في اليوم الثالث. ولكن في حقيقة الأمر كلهم موز. حتى وإن قررت أن تسمي إحدى اختراعاتك بـ “اللا موز”، فستكون من الموز! شئت أم أبيت يا صديقي!.

الأمر نفسه حيال المنطق. لتوضيح هذه الفكرة سأشبه المنطق بالخوارزميات التي يعمل بها العقل ولا يعمل بسواها. سأسميها خوارزميات المنطق. انطلاقاً مما سبق فإننا نستطيع القول بأن العقل لا يعمل بغير هذه الخوارزميات – خوارزميات المنطق. ولو أردنا العمل بشكل غير منطقي فإننا مضطرون لاستخدام خوارزميات المنطق نفسها!.

وقبل المتابعة دعنا نذكر بعض الأمور اللامنطقية ليتوضح لنا منها شيء عن هذا المنطق الذي أتحدث عنه هنا. أنت الآن تقرأ كلماتي هذه، وإن قلت لك أنك الآن لا تقرأ فستقول لي هذا أمر غير منطقي لأني أقرأ كلماتك الآن وقد فات الأوان، إذا فقولي لك أنك لم تقرأ كلمة الأوان في السطر الماضي أمر غير منطقي! لأنك قد قرأتها وانتهى الأمر.

إذا كان لديك هاتف في يدك وقلت لك بأنه لا يوجد شيء في يدك فكلامي غير منطقي. إذا كان في جيبك نقود لنقل 10 ليرات واقترضت منك خمس ليرات وقلت لك لم يتغير المبلغ الذي في جيبك ستقول لي بأن كلامي غير منطقي! وهذا كله صحيح. لأني بكلامي السابق لك أعارض المنطق، أعارض القوانين التي يعمل بها العقل، أو لنقل أعارض الخوارزميات التي يعمل بها العقل.

ستقول لي ماذا عن المشاعر والعواطف؟ هل تعمل هي بدورها وفقاً لتلك الخوارزميات؟ هل هذا يعني أننا مجرد آلات تعمل وفقاً لخوارزميات محددة سلفاً؟ أنا لا أقول ذلك ولكن كلامي كله هو عن طريقة تفكيرنا وليس عن ما ينتج عن تلك الطريقة في التفكير.

مثال عن تلك الخوارزميات مثلاً: (سأضع قواعد العقل ضمن قوسين، وهي تمثل وحدات المنطق التي بُني عليها عقلنا، وسأوضح لك بالأمثلة أن الأمور الغير منطقية التي قد نقوم بها هي أمور منطقية)

  1. أنت جائع
  2. 02.  (عندما نجوع نأكل للتخلص من الجوع)
  3. لنذهب إلى المطبخ ونأكل شيئاً – يقول لك عقلك.

سنفترض أنك ستصوم، وعندما تصوم فأنت لا تأكل رغم أنك جائع وبذلك قد يبدو لك أنك ستقوم بعمل غير منطقي، ولكن لنر:

  1. أنت جائع.
  2. وأنت صائم.
    1. الصوم عبادة أمرنا بها الله سبحانه وتعالى.
    2. أنت مسلم.
    3. (المسلم يطيع أوامر الله سبحانه وتعالى).
  3. لا تأكل – رغم أنك جائع.

لاحظ أن النتيجة التي خرجت بها الخوارزمية – لا تأكل – تتعارض مع نتيجة الخوارزمية الأولى – وهذا يبدوا غير منطقياً، وقد تقول لي بأننا أحياناً نقوم بأمور غير منطقية، ولكن بالنظر إلى الخوازمية الفرعية المتضمنة فيها يتضح لنا أن ما قمنا به هو أمر منطقي، ومنطقي جداً.

وبالعودة للمشاعر، دعني أسألك مثلاً: هل مشاعرنا تخضع للمنطق أم تعارضه؟ خذ وقتك وفكر بالسؤال قبل المتابعة.

إذا كان جوابك بلا، معنى ذلك أنك تعتقد أن مشاعرنا لا علاقة لنا بالمنطق، ويبدو هذا منطقياً في ظاهره. ولكنك بذلك تكون قد عملت بخوارزمية منطقية مستنداً إلى {حقيقة افترضت صحتها} وأقحمتها في الخوازرمية التي كانت نتيجتها قرارك السابق.

  1. سألني شادي: هل العواطف تخضع للمنطق.
  2. لكني أؤمن بأن: {المشاعر تعارض المنطق أو لا تساويه} أحياناً.
  3. جوابي يجب يكون بـ لا.

إذا إذا سلمنا بالقاعدة التي أقحمتها أنت في الخوارزمية فسيكون قرارك منطقياً!، هذا بغض النظر عن أنك افترضت صحتها مسبقاً، وهذا ليس بالضرورة صحيحاً.

سنفترض أنك تعارضني في كل ما قلته مسبقاً، وهذا بدوره يستند إلى خوارزمية تتضمن كلاً من الخوارزمية السابقة وسطراً أخر ربما.

  1. هل يجب أن أوافق شادي على ما قاله؟
    1. سألني شادي: هل العواطف تخضع للمنطق.
    2. لكني أؤمن بأن: {المشاعر تعارض المنطق أو لا تساويه} أحياناً.
    3. جوابي يجب يكون بـ لا.
  2. إذا أنا أعارضه.

لديك امتحان:

  1. لدي امتحان.
  2. يجب أن أدرس للامتحان (لأن الامتحان بحاجة للدراسة).
  3. إذاً سأدرس.
  4. أنجح.

الأمر منطقي جداً. لنفترض أنك لم تدرس، لسبب وليكن أنك أردت القيام بذلك لتثبت لي أنك قمت بأمر غير منطقي. لو أنك لم تدرس ورسبت في الامتحان ستقول لي بأنك قمت بعمل طائش، غير منطقي! ولكن لنرَ.

لنر المنطقي واللا منطقي في ذلك:

  1. لدي امتحان.
  2. يجب أن أدرس.
  3. أريد أن أثبت لشادي أني قمت بعمل غير منطقي.
    1. يجب أن أخالف الخوارزمية السابقة – الخطوة الثالثة بالتحديد من الخوارمية السابقة.
    2. الهدف أن أثبت له شيئاً ما – الخطوة الأولى من هذه الخوارزمية.
  4. يجب أن لا أدرس – وفعلاً أنت لم تدرس.
  5. ترسب.

فهل عملك منطقي أم لا؟ لا نريد أن نخوض في مسألة لماذا أردت أن تحاول هذه المحاولة ولماذا أردت أن تحاول أن تثبت لي أنك تستطيع القيام بعمل غير منطقي، فذلك شيء آخر. ما يهمنا هو أنك رغم محاولتك الابتعاد عن المنطق فأنت في محاولتك تلك استخدمت المنطق نفسه، وليس لك الحرية في فعل غير ذلك. فهل تستطيع بحروف اللغة العربية أن تكتب لي كلمة غير عربية؟ الأمر نفسه مع المنطق، فأنت لديك المنطق وليس لديك شيء سواه، وهذا هو جوهر العقل، ولذلك فانت لا قدرة لديك على مخالفته، كما لا قدرة لك على أكل غير الموز في تلك الجزيرة :).

ماذا نستنتج من كل ما سبق؟ نسنتنج أنك محكوم بهذا العقل، وهذا من تكريم الله سبحانه وتعالى لنا، وأن هذا العقل مصدره الروح وليس الدماغ، والدماغ ليس إلا مطية للروح به تقود هذا الجسم – ولو كان غير ذلك لفقدنا عقلنا عندما نموت، ولكننا لا نفقد عقلنا عندما نموت، لا بل إن قدراتنا العقلية ستزداد بعد أن نغادر هذا الجسد المحدود القدرات، وسنبقى واعين لذاتنا واعين لأنفسنا وسنفكر في أجوبة الملكين في القبر وسنتنعم بمن الله وكرمه علينا برؤية مقعدنا من الجنة، وكل ذلك رغم أن دماغك هذا الذي في رأسك سيكون أكل عليه الدهر وشرب.

نعود الآن لمسألتنا التي انطلقنا منها. هل يمكن للعقل أن يخالف النقل؟ أو لنقل هل هناك في عبادتنا أمور غير منطقية ولكننا نقوم بها؟

من النظرة الأولي قد يكون في عباداتنا شيء من هذا القبيل، ولكننا عندما نفكر في هذه الأمور بروية سنرى خلاف ما رأيناه للوهلة الأولى.

مثال على ذلك: الوضوء للصلاة. فقد يقول قائل إنه يحافظ على نظافة جسمه بشكل مستمر، للفائدة الصحية – فلماذا يجب أن يتوضأ للصلاة؟ سيبدو له الأمر غير منطقياً!. لنحلل الأمر وننظر إلى الخوارزمية الظاهرة له.

  1. أنا نظيف.
  2. أريد الصلاة.
  3. يجب أن أتوضأ، رغم أني نظيف.
  4. الوضوء أمر غي منطقي هنا.

لاحظ كيف أنه استخدم المطق نفسه في نحاولته نفي المنطق عن شيء ما! وهذا ما سيبدو له. ولكن من جهة أخرى هل خوارزميته سليمة؟ لا، لنر لماذا:

  1. أنا نظيف.
  2. أريد الصلاة.
  3. يجب أن أتوضأ للصلاة رغم أني نظيف.
  4. أنا مسلم، ولذلك أنا أصلي.
    1. كوني مسلم (يحتم علي طاعة الرسول فيما يأمرني به).
    2. لأن ذلك من مبادىء الإسلام.
    3. الذي دخلته بإرادتي.
    4. يجب أن أطيع الرسول إذاً.

                                                              i.      الرسول طلب منا الوضوء للصلاة.

  1. يجب أن أتوضاً وإن كنت نظيفاً.

يتبين لنا أن الوضوء إذاً أمر منطقي ولو أنه بدا غير منطقياً للوهلة الأولى. ولكن بتصحيح الخوارزمية والغوص فيها بعمق أكثر تبين لنا لماذا يجب علينا الوضوء. وبالمثل تستطيع أن تستنبط الخوارزمية التي تجعلك تذهب للمسجد للصلاة فيه وإن كام ملاصقاً لمنزلك، وتدرك المنطق في أن زكاة الفطر قبل الأذان تقبل وبعده هي صدقة من الصدقات رغم أن النتيجة واحدة ويبدو التمييز بينهما بناء على سويعات قليلة أمراً غير منطقي!، ولكنه في الحقيقة منطقي من وجهة نظر أخرى.

إذاً ليس في هذه الحياة أمر غير منطقي. لأن الله خلقنا وكرمنا بهذا العقل، وتعالى الله أن يخلق لنا العقل ويحكم عمله بالمنطق ثم يأمرنا بعد ذلك بمخالفته! جل سبحانه وتعالى في علاه.

لذلك أرفض هذه القاعدة التي تقول بأن النقل مقدم على العقل، وتصبح عندي: النقل=العقل. أما إن ظهر لنا أن العقل يخالف النقل فالمشكلة في عقل من قال بذلك، وليس غير ذلك، هو صاحب المشكلة وهو يحاول نقل عجزه عن الغوص في المعاني إليك فيقول لك بأن النقل مقدم على العقل. وهما الشيء نفسه في الحقيقة، لأن النقل قادم من رسول الله أو من كتاب الله، وكل الأوامر فيهما من الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى هو من خلق لنا العقل، بالتالي يتضح لنا أن العقل والنقل يجب أن يكونا بمنزلة واحدة. وإن بدا لنا خلاف ذلك فليس لأن العقل أدنى من النقل ولكن القصور في العقل مؤقت يمكن أن ينحصر في شخص ما أو يمكن أن يكون عاماً ولكن لفترة زمنية معينة، وليس كحقيقة مطلقة.

من الأمثلة التي يحب أن يضربها بعض الناس في هذه القاعدة: أنه لو كان الأمر منوطاً بالعقل لكان المسح على الخفين من أسفلهما لا من أعلاهما. لنر الخوارزمية التي يستخدمونها للوصول لهذه النتيجة ونحاول معرفة العيب فيها.

01. أنا مسلم.

02.أطيع رسول الله فيما أخبرني به، دون أن أسأل لماذا.

03.لأن هناك أموراً لا نعرف الحكمة من ورائها.

  1.  أجاز لنا رسول الله المسح على الخفين.
  2. المنطق يقول بأن {المسح يجب أن يكون من الأسفل لأن الأسفل هو من يتسخ}.
  3. لكن الرسول طلب منا المسح على أعلى الخف

04.لذلك المنطق خاطىء هنا.

05.لذلك نحن نقدم النقل على العقل (أي على المنطق).

أولاً: لاحظ أنه مهما كان السبب وراء تبنيهم هذه المقولة فالسبيل الذي تبنوه فيها للصول إلى قاعدتهم – سبيل منطقي، أي عقلي، أي أن عقلهم هو الذي أصدر هذا الأمر المنطقي فيما يبدو – مستخدمين المنطق لمحاولة دحض المنطق!.

ثم أنهم تبنوا من جديد {قاعدة وسلموا بها}وبناء على التسليم بها خرجوا بتلك النتيجة. ولكن ألم يتضح لنا من مثال الوضوء السابق أن الأمر لا يتعلق بالنظافة؟ بقدر ما يتعلق بالطاعة. فهنا تصبح {القاعدة} خاطئة من أساسها، لأنها لو كانت صحيحة لانتفت الحاجة للوضوء إن كنت نظيفاً! وهم بذلك يناقضون أنفسهم! شاءوا أم أبوا!.

الأمر الذي دفعني لكتابة هذه الكلمات هي نقاش خضته مع أخ لي في الله عن الديمقراطية، وإن كنت قرأت المقالة السابقة التي تحدثت فيها عن الموضوع ستعرف كيف اختلفت معه. المشكلة كانت في المنطق المتبع في الحكم على الموضوع. فهو تبنى خوارزمية فيها الكثير الكثير من المشاكل المنطقية – لذلك كان التوصل معه لنتيجة أمراً عسيراً جداً. وإن شاء الله أكتب عن الديمقراطية مجدداً وأستعرض الخلاف الذي يدور عنها في أوساطنا هذه الأيام – بين منكر لها بالجملة مع خوارزميات لا تمت للمنطق لصلة، وبين مقلد أعمى لها بدون أن يستخدم عقله بما فيه من منطق وخوارزميات!. وبين هذا وذاك هناك الحق – والله ورسوله أعلم.

الآن ستتساءل عن مغزى الصورة التي وضعتها في بداية المقالة، الصورة من فلم Star Trik وليس من الصدفة أن أشاهده وأنا أكتب هذا الكلمات، صدقني الأمر أبعد ما يكون عن الصدفة – سبحان الله. يقول فيها “سبوك” لـ “نفسه” بأن يترك المنطق ويفعل مايراه صحيحاً ويشعر بأنه الصواب. ولو أني كنت كاتب نص ذلك الفلم لكتبت عوضاً عن تلك الجملة:

سبوك، كن منطقياً ودع المنطق جانباً :).

ولأن (ما حدا أحسن من حدا) – ترى في هذه الصور محدثك شادي مع عقله يعيشان في غرفة واحدة، يسكب أحدهما للآخر كواباً من الشاي ولاحقاً يشرح أحدهما للآخر ما يجول في خاطره من أفكار ومعانٍ والآخر مصغٍ باهتمام :).

Tee

  Multi

هنا كنا نتحدث عن المنطق في المنطق :).

 DSC09092

وهنا أخي عبدالله يقوم بالتحدث مع نفسه عن أن كل الكلام السابق غير منطقي بشكل منطقي :).

أنا والديمقراطية

بسم الله الرحمن الرحيم

قبل أن أبدأ، أطلب منك التالي (وكلي رجاء أن تنفذه، كرمال الغوالي (: أحضر ورقة وقلماً، سجل عنواناً: أنا والديمقراطية. ثم أجب عن الأسئلة التالية:

  1. برأيك، ماهي الديمقراطية؟
  2. برأيك، ما هي المبادىء التي تقوم عليها الديمقراطية؟
  3. كيف نشأت الديمقراطية؟
  4. بناء على ما سبق، هل أنت مع أو ضد الديمقراطية؟

ليس الهدف من طلبي هذا أن أمتحنك في موضوع سياسي أو غيره، الهدف هو أن تعرف الأرضية التي تبني عليها موقفك من الديمقراطية، قبل أن أحاول بدوري أن أهز هذه الأرضية، إن استطعت إلى ذلك سبيلا، أو أستعيرها منك فأبني عليها كما بنيت أنت :).

ضع الورقة جانباً ولنتابع.

خَطَبَ فينا مجاهد من المجاهدين في صلاة الجمعة فقال (أنقل إليك الخطبة على لسانه باختصار شديد):

خطبتنا اليوم عن الديمقراطية، وعنوانها: خدعوك فقالوا ديمقراطية.

لا تكاد تخلو نشرة من نشرات الأخبار أو مقالة صحفية ولا حتى جلسة عائلية في وقتنا الراهن من هذه الكلمة، الديمقراطية، التي أحيطت من البهرج والهيبة وحتى التقديس في بعض الأحيان. فهل يا ترى علم جلنا أو لنقل بعضنا معنى هذه الكلمة قبل أن يبهره ذلك البهرج؟

لنترك الإجابة عن هذا السؤال حى تتم الكلمة الأخيرة من هذه الخطبة…

وقبل أن نبدأ نذكر بقاعدة: نحن في شرعنا إذا أردنا أن نعرف حكم الإسلام في مصطلح ما، نعرض هذا المصطلح على ثلاثة مستويات:

  1. أولاً: نبحث له عن معنى في الشرع، أي في القرآن والسنة، فإن وردت فيهما حكمنا على المصطلح بما جاء في القرآن والسنة. قمثلاً مصطلح الربا وارد في القرآن تحريمه، لذلك نقف في الحكم عليه هنا.
  2. ثانياً: إن لم نجد ذكراً لهذا المصطلح في القرآن والسنة بحثنا عنه في اللغة العربية. ثم حَكَمنا عليه بمعناه الذي يحمله في القرآن والسنة. فمثلاً مصطلح الإشتراكية لم يرد ذكره في القرآن والسنة، ولذلك ننقله لهذا المستوى، فهو كلمة عربية ولها معنى محدد، نحكم عليها بناء على هذا المعنى.
  3. ثالثاُ: إن لم نجد هذا المصطلح في القرآن والسنة، ولم يكم بكلمة عربية فكيف نحكم عليه؟ في هذه الحالة نرد المصطلح إلى لغة أهله ونحكم عليه بناء على معاني هذا المصطلح في عرف أهله. ومثالنا هنا الديمقراطية، فهي كلمة لم ترد في القرآن و السنة وليست بكلمة عربية، لذلك وجب علينا قبل أن نعرف حكمها في الشريعة أن نعرف معناها في عرف أهلها ثم نحكم عليها بناء على هذا المعنى.

الديمقراطية Democracy: كلمة مشتقة من لفظتين يونانيتين، Demos الشعب، و Kratos سلطة. ومعناهاالحكم الذي تكون فيه السلطلة للشعب، أي أن هذا الشعب هو الذي يسن القوانين لنفسه ويشرع التشريعات المناسبة له بحيث يكون الشعب هو نفسه السلطة التشريعية.

ويتم ذلك بانتخاب نواب البرلمان الممثلين للشعب وتتم عملية الانتقاء للقوانين والتشريعات بحسب اختيار الأكثرية لها من أعضاء مجلس النواب.

والديمقراطية أول ما ظهرت في أوربا في القرن الثامن عشر كردة عل عنيفة على ظلم الكنيسة النصرانية التي يترأسها البابا لكل من كان يخالفها من العلماء والمفكرين والتنكيل بالناس باسم الله وباسم الدين. فجاءت الديمقراطية كردة فعل فعل غاضبة  على الكنيسة وحكمها الناس باسم الدين. فنادت الديمقراطية بنزع سلطة الكنيسة والدين عن الحكم والدولة وترك الشعب يحكم نفسه بنفسه.

فكانت الديمقراطية بذلك أول ما تبنى عملياً مبدأ فصل الدين عن الدولة وعن الحكم والحياة. ورفع الشعار المعروف “دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله”. وقالت: لله فقط الصلوات في زوايا المعابد والصوامع. وما دون ذلك فيما يتعلق بجميع مرافق الحياة السياسية والاقتصادية و الاحتماعية والتشريعية وغيرها من مجالات الحياة فهي ليست من خصوصيات الله والدين – تعالى الله عما يقولون – كيف؟ والله يأمرنا أن نقول: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} الأنعام 162. وحذر أيما تحذير فيقول عز من قائل: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} النساء 65. قال ابن القيم رحمه الله في كتابه التبيان في أقسام القرآن: أقسم سبحانه وتعالى بنفس المقدسة قسماً مؤكداً بالنفي قله، بعدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع، وأحكام الشريعة وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها، ولم يثبت الإيمان بمجرد هذا التحكيم، بل يجب أن ينتفي الحرج من الصدروضيقه وتنشرح صدورهم لحكمه كل الإنشراح وتنفسح له كل الانفساح وتقبله كل القبول. ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضاً حتى ينضاف إليه مقابل حكمه بالرضى والقبول وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض.

وللحكم على الديمقراطية كما سبق يجب أن نعرف معناها في عرف أهلها، لأنها لم ترد في القرآن والسنة وليست كلمة عربية نحكم عليها بمعناها.

والديمقراطية مهما تعددت أشكالها وأسمائها تجتمع على مبادىء رئيسية أهمها:

أولاً:

تقوم الديمقراطيةعلى مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطات بما في ذلك السطلة التشريعية. ويتم ذلك عن طريق اختيار ممثلين عن الشعب ينوبون عنه في مهمة التشريع وسن القوانين. بينما في دين الإسلام وفي كتابه تعالى الذي نقرأه آناء الليل وأطراف النهار نجد قوله تعالى: {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إلاه} يوسف 40. وقال تعالى: {ولا يشرك في حكمه أحداً} الكهف 26. وقال: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} الشورى 10، وليس إلى الشعب أو الجماهير أو رأي الأغلبية. وقال تعالى: {أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً} الأنعام 144. وقال تعالى: {أم لهم شركؤا شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} الشورى 21، فسمى الذين يشرعون للناس بغير سلكان من الله تعالى شركاء وأنداداً. وقال تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} المائدة.

وقال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} التوبة 31، وجاء في الحديث عن عدي بن حاتم لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ الآية السابقة {اتخذوا أحبارهم ورهبناهم أرباباً من دون الله} قال فقلت: إنا لسنا نعبدهم – أي لم نكن نعبدهم من جهة التنسك والدعاء والسجود والركوع، لظنه أن العبادة محصورة في هذه المعاني وحسب – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلون؟” قال: فقلت بلى. قال: “فتلك عبادتهم”.

ثانياً:

تقوم الديمقراطية على مبدأ حرية التدين والاعتقاد، فللمرء في ظل الديمقراطية أن يعتقد ما يشاء، ويتدين بالدين الذي يشاء ويرتد إلى أي دين وقت ما شاء. وإن كان هذا الارتداد مؤداه إلى الارتداد عن دين الله تعالى إلى الإلحاد وعبادة غير الله عز وجل!. أما نبينا المطاع فيقول: “من بدل دينه فاقتلوه”. وليس فاتركوه أو احترموا حرية رأيه بدخوله وخروجه من دينكم وكيف شاء!.

وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين أنه قال: “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإن فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله”. وقال صلى الله عليه وسلم: “بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغاء على من خالف أمري”.

ثالثاً:

تقوم الديمقراطية على مبدأ حكم الشعب أو الأكثرية مه الحكم الأوحد الذي ترد إليه الخلافات والخصومات، أما في دين الإسلام فالمسلمون مأمورون برد كل أمورهم وقضاياهم إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه وشريعته الغراء. قال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب} الشورى . وقال أيضاً: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً}. النساء59. وقال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون} المائدة.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر عدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونه بآرائهم وأهوائهم وكما يحكم به التتاء من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وفيها الكثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونها على الحكم بالكتاب والسنة. ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى  حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يُحكّم سواه في قليل ولا كثير، قال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما إنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمورا أن يكفروا به} النساء. فاعتبر الله سبحانه وتعالى إيمانهم زعماً ومجرد ادعاء لا حقيقة له لمجرد أنهم أرادوا وفكروا في التحاكم إلى الطاغوت وإلى شرائعه، والطاغوت عرفه ابن القيم رحمه الله في أعلام الموقعين، فقال هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع. فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله من دون الله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله.

رابعاً:

تقوم الديمقراطية على مبدأ حرية الرأي والتعبير أياً كان هذا الرأي والتعبير. ولو كان مفاده طعناً وسباً للذات الإلهية أو النبوية أو الشريعة الإسلامية. إذ لا يوجد في الديمقراطية شيء مقدس يحرم الخوض فيه، فالديمقراطية عين التحرر والانفتاح. أما في شريعة الإسلام فالفعل والاعتقاد والكلام كل مسؤولون عنه أما رب العالمين.

قال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل ولئك كان عنه مسؤولا} الإسراء 36. وقال تعالى: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءؤن * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} التوبة 66.

وكما تفتج الديمقراطية حرية التعبير على مصراعيه فهي تفتح للفرد الحرية في فعل ما يشاء وما يحلو له وما تمليه عليه نوازعه وأهوائه ما دام القانون الذي وضعته “الأكثرية” يجيز له فعل ذلك… حتى لو كان تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحله أو فعل الفواحش أو الموبقات إن كانت الأكثرية ترضى هذا.

أما دين الله فيأمرنا أن نحل الحلال ونحرم الحرام ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونأخذ على يد الظالم والمتجاوز لحدود الله أو نكون محل لعنه وطرده من ولايته – معاذ الله – كما استحقه من قبلنا قوم آخرون.

وقال تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهونن هن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} المائدة 79. وفي الحديث الذي يرويه البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “مثل القائم على حدود الله الواقع فيها كميل قوم استهموا – أي اقترعوا – على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذي في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً”. وقال صلى الله عليه وسلم: “إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه أوشك الله أن يعمهم بعقابه”.

خامساً:

تقوم الديمقراطية على مبدأ الأخذ براي الأكثير لا بل تقديسه وتبني ما تجتمع عليه الأكثرية، ولو اجتمعت على الباطل والضلالة أو حتى تحليل ما حرم الله أو العكس. فالحق في نظر الديمقراطية الذي لا يجوز الاستدراك أو التعقيب عليه هو ما تقرره الأكثرية وما تجتمع عليه لا غير!.

أما في دين الإسلام فالحلال بين والحرام بين، قال تعالى: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين} الأنعام 119. وقوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا} المائدة 3.

والتحليل والتحريم والتشريع في دين الإسلام كله لله تعالى، قال ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى “والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء”.

والحق المعتبر هو ما وافق الكتاب والسنة قل أنصاره أو كثروا، وما يخالف الكتاب والسنة فهو الباطل ولو احتمعت عليه أهل الأرض قاطبة. لا بل إن الله يحذرنا من الميل للأكثرية لأن أكثر الناس غالباً ما تتبع أهواءها، قال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} يوسف 106. وقال تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلى الظن وإن هم إلا يخرصون} الأنعام 116. وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ما صُدق نبي من الأنبياء ما صُدقت، إن من الأنبياء من لم يصدقه من أمته إلى رجل واحد” رواه مسلم.

فإذا كانت الأكثرية هي دائماً على الحق – كما تقول الديمقراطية – فأين يكون موقع هذا النبي وما معه من أمته إلى رجل واحد!!! وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريباً، فطوبى للغرباء، وفي رواية، قيل ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: اس صالحون قليل في ناء سوء كثير، ومن يعصيهم أكثر ممن يطيعهم”.

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لعمرو بن ميمون: الجماعة ما وافق الحق وإن كنت واحدك.

سادساً:

تقوم الديمقراطية على مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع شرائح وأفراد المجتمع بغض النظر عن انتمائاتهم العقدية والدينية، وسويتهم الأخلاقية والعلمية والعقلية، فيستوي في نظر الديمقراطية أكفر وأفجر وأجهل الناس مع أتقى وأصلح وأعلم الناس في تحديد من يحكم البلاد والعباد، وغيرها من الجقوق والواجبات، فالديمقراطية في النهاية تعطي لهذا صوتاً ولذاك صوتاً مماثلاً أيضاً!!.

أما دين الإسلام فهو لا يسوي بين المؤمن والكافر وبين الصالح والفاجر وبين الطيب والخبيث، لا في مقاييس الدنيا ولا في مقاييس الآخرة. قال تعالى: {أم حسب الذين اجترجوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} الجاثية 21. وقوله تعالى: {أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون} السجدة 18.

وقال تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} القلم 35، وقوله تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} الزمر 9، وقوله تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض أم نجعل المتقين كالفجار} ص 28.

وبعد هذا الاستعراض لمبادىء الديمقراطية في عرف أهلها، وبينا معناها وقارناها بما لدينا من مبادىء في شريعة الله نستطيع الحكم عليها.

وبناء على ما تقدم، فإننا نقول جازمين وغير مترددين ولا شاكين في أن الديمقراطية في دين الله كفر بواح لا يخفى إلى على أعمى البصر والبصيرة. وأن من اعتقدها أو دعى إليها أو أقرها ورضيها أو حسنها – من غير مانع شرعي – كافر مرتد عن دينه وإن تسمى بأسماء المسلمين.

فهذه هي الديمقراطية وهذا حكمها وحكم القائل والعامل بها، فهل أنتم منتهون؟.

انتهت الخطبة.

عد للورقة السابقة، ثم دون عليها ما تغير من أجوبتك، وإن لم يتغير شيء فدون السبب والعلة في ثباتك على ما كتبت في ضوء ما سبق. ثم أكمل يارعاك الله قراءة هذه المقالة :).

الناظر لكل ما سبق وللوهلة الأولى يعتقد أن الحق كل الحق مع الحكم على الديمقراطية بالكفر. وفي ذلك يقول أخي في الله عبد الرحمن في تدوينته الإسلام والديمقراطية:

لا يوجد في معظم الأحيان من يعطينا الجواب الصحيح للمسائل التي نواجهها. وغالباً ما يكون “شعورنا” هو الحكم في المسألة. أحياناً نقنّع هذا الشعور ببعض العبارات ونعتقد أنفسنا منطقيين وعقلانيين.

ويتابع قائلاً:

ليس هنالك شيء أسهل من أن نحمل مجموعة أفكار معينة وأن ننادي بها هكذا، بشكل ببغائي دون فهم واستيعاب للواقع، وأن نعتبر من خالفنا كافراً أو متخلفاً ورجعياً. وأن نعتبر أنفسنا حداثيين علمانيين أو ملتزمين مؤمنين. ليس هنالك أسهل من أن نقرأ كتاباً أو كتابين، أو نحفظ آيةً أو آيتين، وأن نسخر وننظر باستعلاء إلى الأفكار والتيارات الأخرى وأن نعتبر قيمنا التي نؤمن بها، سواء أكانت الديمقراطية وحرية التعبير، أم تطبيق الشريعة وحكم الله، أن نعتبر تلك القيم بفهمنا المبتور والمشوه لها قيماً مطلقة يجب أن يحملها أي شخص كي يستحق لقب الإنسان أو المثقف أو العقلاني أو المؤمن أو الملتزم.

إذاً لا بد من التدقيق في الكلام السابق حتى نتوصل للحق، أو ما يقارب الحق ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً. ولا أخفيك أني تأثرت كثيراً بهذا الكلام، وهو مأخوذ عن كتاب كامل عن الموضوع لكاتب أبي بصير الطرطوسي بعنوان: حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية. ولك أن ترجع إليه لتطلع على هذا الحكم بالتفصيل، من وجهة نظر الكاتب.

وكان مما قرأت في نفس الموضوع كتاب: الحريات العامة في الإسلام، لراشد الغنوشي، رئيس حزب النهضة التونسي حالياً. وما أخافني وأرعبني هو القدر الكبير الذي تحولت فيه أفكاري عن الموضوع بعد قراءة كتاب يمثل وجهة نظر أخرى عن الموضوع ذاته!. أصدقك القول بأن ذلك أخافني، ذلك التأرجح الشديد بين هذا الرأي وذاك! ولكني أحسبه جهداً أبذله في سبيل الوصول للحق الذي لا يعلمه إلا الله، عسى الله أن يهدينا بفضله ومنه وكرمه إلى ما ارتضاه لنا من الحق، اللهم آمين.

أعود بك إلى الخطبة ومحاورها. ولكن قبل أن أكمل معك، هناك سؤال يجب أن تجيب عليه على نفس الورقة السابقة (إياك أن تهمل هذه الأسئلة وإجابتك عليها، رجاءً حاراً)، السؤال هو:

  • برأيك هل هناك فرق بين العبارتين:
    حكومة إسلامية – حكومة إسلامية ديمقراطية؟

أي هل تضيف كلمة الديمقراطية برأيك شيئاً لكلمة الإسلامية في توصيفنا لحكومة من الحكومات؟ أي هل هناك حكومة إسلامية ديمقراطية وأخرى إسلامية لا ديمقراطية؟ أو هل معنى الحكومة الديمقراطية غير مشمول في الحكومة الإسلامية؟.

(أصبح عدد الأسئلة لديك: 4، ثم رأيك في الخطبة وما تغير من أفكارك، ثم السؤال السابق).

قبل أن أعرض عليك المعركة التي لا تزال تدور في رأسي، أعرض عليك ورقة بحثية قرأتها فيما سبق عن الموضوع نفسه. الورقة تحمل عنوان: الحرية الدينية.

من الأفكار المهمة التي تعرضها الورقة البحثية، والتي تشترك مع كتاب الحريات العامة في الإسلام لراشد الغنوشي في كثير من المفاهيم – أن الديمقراطية التي ظهرت في الغرب ذات طبيعة ظرفية، ظهرت بتغير الواقع وأحداثه وما رافقها من تغير في الدول بسبب ظلم الكنيسة وتسلطها على الناس. أي أنها ليست تطوراً لأفكار قديمة أو نظرية ظهرت على يد أحد الفلاسفة بينما كان جالساً يتأمل. (ضع ذلك في بالك).

لتسهيل الموضوع قمت بتلخيص النقاط التي استند عليها الخطيب في خطبتهه (مبادىء الديمقراطية) والتي تجدها كاملة في كتاب أبي بصير الطرطوسي، فكانت كالتالي:

تقوم الديمقراطية على نقاط ومبادىء أهمها:

  1. الشعب هو مصدر السلطات (حكم الشعب نفسه بنفسه).
  2. حرية التدين والاعتقاد.
  3. حكم الشعب هو الحكم الأوحد الذي ترد إليه النزاعات.
  4. حرية الرأي والتعبير.
  5. مبدأ اعتقاد والأخذ برأي الأكثرية وتقديسه.
  6. مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع أفراد المجتمع.
    ونضيف إليها من الكتاب:
  7. مبدأ فصل الدين عن الدولة.
  8. كل شيء حتى يحظى بالقبول يجب أن يخضع للتصويت.

إذا تأملت في النقاط السبقة جيداً فإنك برأيي تستطيع أن تختصرها إلى مبدأين تندرج بقية المبادىء تحتهما.

المبدآن هما:

  1. الشعب هو مصدر السلطات، أي الشعب يحكم نفسه بنفسه.
  2. حرية التدين والاعتقاد.

لأن: 3، 5، 6، 8 كلها متضمنة في المبدأ الأول. فإذا كان الشعب هو مصدر السطلة وهو المشرع لنفسه فهو الذي سترد إليه النزاعات لأنه مصدر السلطة، وسيكون قرار الأكثرية هي الآلية التي يشرع بها لنفسه، ولذلك فهو أيضاً يقدس ما تصل إليه لأنها آلية لمبدأ أساسي يعتقد به، ويصبح القبول بما يخضع للتصويت تحصيل حاصل.

و 4، 7 متضمنة في مبدأ حرية التدين و الاعتقاد التي ينتج عنها بالضرورة حرية الرأي والتعبير فلا ثانية بغير الأولى ولا أولى بغير الثانية، كما أن كون السطلة بيد الشعب وأن حرية التدين والاعتقاد معتبرة فهذا يقود بنا للاستنتاج بالفصل بين الدين والدولة (أيضاً تصبح تحصيل حاصل).

وتستطيع إن أحببت أن تدمج كل المبادىء في مبدأ واحد هو أن الشعب هو مصدر السطلة، فهذا أيضاً يعني بدوره أن السلطة ليست بيد الدين إنما بيد الشعب، وبذلك تصبح الديمقراطية ومبادؤها (بنظر الخطيب) متركزة في مبدأ واحد هو أن الشعب هو الذي يحكم نفسه بنفسه وهو مصدر السلطة في الدولة.

وأريد قبل أن أتابع أن أؤكد على أهمية قضية الدمج بين المبادىء هذه في مبدأ واحد (وهو أن السلطة للشعب وهو الذي يحكم نفسه بنفسه) وأنها تكفي للحكم على الديمقراطية. لأن كل المبادىء الأخرى متضمنة فيه وحده، ولا يحق لنا معاملتها معاملة مستقلة كما لو أنها متكافئة او متمايزة ومعزولة عن بعضها البعض، لأنها عندئذ تصبح عرضة للتناقض، فماذا لو أن الشعب صوت على قرار إلغاء حرية التعبير؟! أو إلغاء حرية الدين؟! إو إلغاء مبدأ فصل الدين عن الدولة؟!

لذلك عند حكمنا عليها يجب أن نراعي فقط المبدأ الأول.

الآن لنحاول أن نخرج بحكم الديمقراطية في ضوء ما سبق:

نحن مسلمون بفضل الله ومنه وكرمه علينا، ولذلك فإن العيش في ظل دولة إسلامية (دولة أو خلافة إو إمارة لا تهم التسمية) هو حلم نتمناه اليوم قبل غد. ولكن صفات هذه الدولة هي الآن محط الخلاف، هل يجب أن نقول أنها يجب أن تكون ديمقراطية، أو هل تضيف هذه الكلمة بالأساس معنى تفتقده كلمة الدولة الإسلامية بحد ذاتها؟

إذا كان جوابنا على سؤالنا السابق بأن كلمة الديمقراطية لا تضيف شيئاً للدولة الإسلامية بمعنى أنها محتواة ضمنها، فهل يعني هذا أنها تسمية أخرى لمبادىء موجودة أصلاً ضمن الشريعة الإسلامية ولكن تسميتها اختلفت؟

بالعودة للمبدأ الأول: مصدر السلطة هو الشعب. وفي النظر إلى شريعتنا الإسلامية ندرك تماماً أن المشرع لنا هو الله سبحانه وتعالى، ولا نرتضي حكماً سواه، ولكن يجب أن ندرك قضية مهمة وجوهرية جداً قبل أن نطلق حكمنا على هذا المبدأ، وإطلاق الحكم على المبدأ هذا قبل تمميز هذه النقطة يمكن أن أشبهه لك بالتعمية المقصودة لإيصال وجهة نظر معينة.

الفكرة التي يجب أن ننتبه إليها إلى أن الشريعة الإسلامية لا تحوي أحكاماً صريحة بالنص لكل شيء. فالقرآن والسنة ليست مدونة قانونية فيها حكم لكل قضية تعترضنا! ونسبة الأحكام الصريحة في القرآن والسنة قليلة جداً، وما تبقى هي أحكام تدخل في نطاق الاجتهاد. إذاً نحن نتفق على أن الأحكام الصريحة لا جدال فيها، ولكن نسبتها قليلة جداً، وما تبقى كلها أحكام اجتهادية، بالتالي ندرك أن معظم الأحكام التي ستواجهنا تدخل في نطاق الشورى في الإسلام، حيث أن الشورى هي في الأحكام الاجتهادية فقط، وهي الغالبة طبعاً، فلا اجتهاد مع النص. مع احتواء الشريعة على حدود لكل الأحكام لا يجب أن تخرج الأحكام الاجتهادية عنها.

إذاً ماذا يصبح معنى: مصدر التشريع هو الشعب؟ أو ما هو معنى أن الشعب يحكم نفسه بنفسه؟

هل المعنى المقصود هو في الأحكام الصريحة أم التي تدخل في نطاق الاجتهاد؟ النص لا يخبرك ولا بشيء عن ذلك. إذاً الأمر عائد لمن في تحديد ذلك؟

لا يوجد دليل على أن الديمقراطية بنصوص تعريفها تشمل كلا الأمرين(الأحكام الصريحة والاجتهادية)! ولا دليل على المعنى المعاكس أيضاً.

وبرأيي يعود الأمر لنا في تحديد ذلك، وليس لأحد أن يملي علينا مالذي يشمله تعريف الديمقراطية. فكما ذكرنا أن مكوناتها ليست مترابطة وليست منعزلة عن بعضها البعض. كما أن هذه المكونات لا يشترط أن تعاملها معاملة شاملة ككتلة متكاملة! بمعنى أنك لا تستطيع أن تقول إنك لا يمكن أن تعزل بعضها عن بعض، فكاتبنا السابق يقول لنا أنه لا يمكن أن نأخذ بعض المبادىء دون الأخرى، أي لو أننا قلنا له إننا نريد بالديمقراطية حرية الرأي والتعبير فقط، سيقول لنا أننا لا نستطيع أن نقول أن الديمقراطية هي فقط هذه النقطة، ولكننا سنقول له: إن المبادىء كلها متضمنة في مبدأ واحد وسيكون هو الفيصل في كل شيء. فلا معنى لقوله أننا لا نستطيع أخذها بالتقسيط! فهي أساساً مبدأ واحد، يهمنا أن نعرف ماذا نقصد به، وليس لأحد أن يملي علينا ما يعنيه.

لذلك: لو أن أحداً أخبرنا بأنه يريد أن يشكل دولة تحكم بالشريعة الإسلامية وتكون ديمقراطية بنفس الوقت، فلا غبار على كلامه. لأن الفيصل هو المبدأ الأول، فلو أننا قلنا بأن مصدر التشريع هو الشريعة الإسلامية، تصبح كل المبادىء الأخرى إيجابية تماماً.

يمكنك أن تشبه المبدأ الأول بإشارة سالب أو موجب، وبيقة المبادىء نضعها ضمن قوسين، مضروباً بالمبدأ الأول كالتالي:

المبدأ الأول(المبدأ2. المبدأ3. المبدأ4….)

فإذا كان المبدأ الأول موجباً (وهنا نقصد أن مصدر التشريع هو الشريعة الإسلامية) كان كل يلي من مبادىء موجباً بمعنى أنه إيجابي، يكون معنى حرية الرأي والتعبير أنه لنا حرية الرأي والتعبير ضمن حدود الشريعة الإسلامية، ويصبح معنى احترام رأي الأكثرية أيضاً ضمن حدود الشريعة… أما لو قلنا بأننا نقصد أن مصدر التشريع هو الشعب بعيداً عن الشريعة، يكون المعنى سالباً وكل ما يليه سالباً بالنسبة للمعنى الأول.

وهكذا يصبح من الواضح أهمية معاملتنا للمبدأ الأول وما يعنيه لنا، وانعكاس ذلك على حكمنا على الديمقراطية. فأنا لا أتفق مع الكاتب على الإطلاق في ما توصل إليه في حكمه على الديمقراطية، لأنه عمل بمبدأ التعمية بشكل كبير جداً!!! عدا عن الخلط والدمج بين مبادىء يختلف حكم كل منها، ثم معاملتها معاملة واحدة وإطلاق حكم واحد عليها! وبعيداً عن الخوض في الخلاف الموجود في كثير من تفسيراته للنصوص والأحاديث وحصرها في معنى أراده هو، والتي لن أخوض فيها لأن ذلك لأهل الاختصاص، ولكن لا مانع من المحاولة لاحقاً J.

فهل ينتهون!

هذا كان تقريراً بالمعركة التي تدور في داخلي حتى لحظتي هذه، إن استجد شيء فسأخبرك :).