أنا والديمقراطية

بسم الله الرحمن الرحيم

قبل أن أبدأ، أطلب منك التالي (وكلي رجاء أن تنفذه، كرمال الغوالي (: أحضر ورقة وقلماً، سجل عنواناً: أنا والديمقراطية. ثم أجب عن الأسئلة التالية:

  1. برأيك، ماهي الديمقراطية؟
  2. برأيك، ما هي المبادىء التي تقوم عليها الديمقراطية؟
  3. كيف نشأت الديمقراطية؟
  4. بناء على ما سبق، هل أنت مع أو ضد الديمقراطية؟

ليس الهدف من طلبي هذا أن أمتحنك في موضوع سياسي أو غيره، الهدف هو أن تعرف الأرضية التي تبني عليها موقفك من الديمقراطية، قبل أن أحاول بدوري أن أهز هذه الأرضية، إن استطعت إلى ذلك سبيلا، أو أستعيرها منك فأبني عليها كما بنيت أنت :).

ضع الورقة جانباً ولنتابع.

خَطَبَ فينا مجاهد من المجاهدين في صلاة الجمعة فقال (أنقل إليك الخطبة على لسانه باختصار شديد):

خطبتنا اليوم عن الديمقراطية، وعنوانها: خدعوك فقالوا ديمقراطية.

لا تكاد تخلو نشرة من نشرات الأخبار أو مقالة صحفية ولا حتى جلسة عائلية في وقتنا الراهن من هذه الكلمة، الديمقراطية، التي أحيطت من البهرج والهيبة وحتى التقديس في بعض الأحيان. فهل يا ترى علم جلنا أو لنقل بعضنا معنى هذه الكلمة قبل أن يبهره ذلك البهرج؟

لنترك الإجابة عن هذا السؤال حى تتم الكلمة الأخيرة من هذه الخطبة…

وقبل أن نبدأ نذكر بقاعدة: نحن في شرعنا إذا أردنا أن نعرف حكم الإسلام في مصطلح ما، نعرض هذا المصطلح على ثلاثة مستويات:

  1. أولاً: نبحث له عن معنى في الشرع، أي في القرآن والسنة، فإن وردت فيهما حكمنا على المصطلح بما جاء في القرآن والسنة. قمثلاً مصطلح الربا وارد في القرآن تحريمه، لذلك نقف في الحكم عليه هنا.
  2. ثانياً: إن لم نجد ذكراً لهذا المصطلح في القرآن والسنة بحثنا عنه في اللغة العربية. ثم حَكَمنا عليه بمعناه الذي يحمله في القرآن والسنة. فمثلاً مصطلح الإشتراكية لم يرد ذكره في القرآن والسنة، ولذلك ننقله لهذا المستوى، فهو كلمة عربية ولها معنى محدد، نحكم عليها بناء على هذا المعنى.
  3. ثالثاُ: إن لم نجد هذا المصطلح في القرآن والسنة، ولم يكم بكلمة عربية فكيف نحكم عليه؟ في هذه الحالة نرد المصطلح إلى لغة أهله ونحكم عليه بناء على معاني هذا المصطلح في عرف أهله. ومثالنا هنا الديمقراطية، فهي كلمة لم ترد في القرآن و السنة وليست بكلمة عربية، لذلك وجب علينا قبل أن نعرف حكمها في الشريعة أن نعرف معناها في عرف أهلها ثم نحكم عليها بناء على هذا المعنى.

الديمقراطية Democracy: كلمة مشتقة من لفظتين يونانيتين، Demos الشعب، و Kratos سلطة. ومعناهاالحكم الذي تكون فيه السلطلة للشعب، أي أن هذا الشعب هو الذي يسن القوانين لنفسه ويشرع التشريعات المناسبة له بحيث يكون الشعب هو نفسه السلطة التشريعية.

ويتم ذلك بانتخاب نواب البرلمان الممثلين للشعب وتتم عملية الانتقاء للقوانين والتشريعات بحسب اختيار الأكثرية لها من أعضاء مجلس النواب.

والديمقراطية أول ما ظهرت في أوربا في القرن الثامن عشر كردة عل عنيفة على ظلم الكنيسة النصرانية التي يترأسها البابا لكل من كان يخالفها من العلماء والمفكرين والتنكيل بالناس باسم الله وباسم الدين. فجاءت الديمقراطية كردة فعل فعل غاضبة  على الكنيسة وحكمها الناس باسم الدين. فنادت الديمقراطية بنزع سلطة الكنيسة والدين عن الحكم والدولة وترك الشعب يحكم نفسه بنفسه.

فكانت الديمقراطية بذلك أول ما تبنى عملياً مبدأ فصل الدين عن الدولة وعن الحكم والحياة. ورفع الشعار المعروف “دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله”. وقالت: لله فقط الصلوات في زوايا المعابد والصوامع. وما دون ذلك فيما يتعلق بجميع مرافق الحياة السياسية والاقتصادية و الاحتماعية والتشريعية وغيرها من مجالات الحياة فهي ليست من خصوصيات الله والدين – تعالى الله عما يقولون – كيف؟ والله يأمرنا أن نقول: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} الأنعام 162. وحذر أيما تحذير فيقول عز من قائل: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} النساء 65. قال ابن القيم رحمه الله في كتابه التبيان في أقسام القرآن: أقسم سبحانه وتعالى بنفس المقدسة قسماً مؤكداً بالنفي قله، بعدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع، وأحكام الشريعة وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها، ولم يثبت الإيمان بمجرد هذا التحكيم، بل يجب أن ينتفي الحرج من الصدروضيقه وتنشرح صدورهم لحكمه كل الإنشراح وتنفسح له كل الانفساح وتقبله كل القبول. ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضاً حتى ينضاف إليه مقابل حكمه بالرضى والقبول وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض.

وللحكم على الديمقراطية كما سبق يجب أن نعرف معناها في عرف أهلها، لأنها لم ترد في القرآن والسنة وليست كلمة عربية نحكم عليها بمعناها.

والديمقراطية مهما تعددت أشكالها وأسمائها تجتمع على مبادىء رئيسية أهمها:

أولاً:

تقوم الديمقراطيةعلى مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطات بما في ذلك السطلة التشريعية. ويتم ذلك عن طريق اختيار ممثلين عن الشعب ينوبون عنه في مهمة التشريع وسن القوانين. بينما في دين الإسلام وفي كتابه تعالى الذي نقرأه آناء الليل وأطراف النهار نجد قوله تعالى: {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إلاه} يوسف 40. وقال تعالى: {ولا يشرك في حكمه أحداً} الكهف 26. وقال: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} الشورى 10، وليس إلى الشعب أو الجماهير أو رأي الأغلبية. وقال تعالى: {أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً} الأنعام 144. وقال تعالى: {أم لهم شركؤا شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} الشورى 21، فسمى الذين يشرعون للناس بغير سلكان من الله تعالى شركاء وأنداداً. وقال تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} المائدة.

وقال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} التوبة 31، وجاء في الحديث عن عدي بن حاتم لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ الآية السابقة {اتخذوا أحبارهم ورهبناهم أرباباً من دون الله} قال فقلت: إنا لسنا نعبدهم – أي لم نكن نعبدهم من جهة التنسك والدعاء والسجود والركوع، لظنه أن العبادة محصورة في هذه المعاني وحسب – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلون؟” قال: فقلت بلى. قال: “فتلك عبادتهم”.

ثانياً:

تقوم الديمقراطية على مبدأ حرية التدين والاعتقاد، فللمرء في ظل الديمقراطية أن يعتقد ما يشاء، ويتدين بالدين الذي يشاء ويرتد إلى أي دين وقت ما شاء. وإن كان هذا الارتداد مؤداه إلى الارتداد عن دين الله تعالى إلى الإلحاد وعبادة غير الله عز وجل!. أما نبينا المطاع فيقول: “من بدل دينه فاقتلوه”. وليس فاتركوه أو احترموا حرية رأيه بدخوله وخروجه من دينكم وكيف شاء!.

وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين أنه قال: “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإن فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله”. وقال صلى الله عليه وسلم: “بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغاء على من خالف أمري”.

ثالثاً:

تقوم الديمقراطية على مبدأ حكم الشعب أو الأكثرية مه الحكم الأوحد الذي ترد إليه الخلافات والخصومات، أما في دين الإسلام فالمسلمون مأمورون برد كل أمورهم وقضاياهم إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه وشريعته الغراء. قال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب} الشورى . وقال أيضاً: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً}. النساء59. وقال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون} المائدة.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر عدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونه بآرائهم وأهوائهم وكما يحكم به التتاء من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وفيها الكثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونها على الحكم بالكتاب والسنة. ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى  حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يُحكّم سواه في قليل ولا كثير، قال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما إنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمورا أن يكفروا به} النساء. فاعتبر الله سبحانه وتعالى إيمانهم زعماً ومجرد ادعاء لا حقيقة له لمجرد أنهم أرادوا وفكروا في التحاكم إلى الطاغوت وإلى شرائعه، والطاغوت عرفه ابن القيم رحمه الله في أعلام الموقعين، فقال هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع. فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله من دون الله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله.

رابعاً:

تقوم الديمقراطية على مبدأ حرية الرأي والتعبير أياً كان هذا الرأي والتعبير. ولو كان مفاده طعناً وسباً للذات الإلهية أو النبوية أو الشريعة الإسلامية. إذ لا يوجد في الديمقراطية شيء مقدس يحرم الخوض فيه، فالديمقراطية عين التحرر والانفتاح. أما في شريعة الإسلام فالفعل والاعتقاد والكلام كل مسؤولون عنه أما رب العالمين.

قال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل ولئك كان عنه مسؤولا} الإسراء 36. وقال تعالى: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءؤن * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} التوبة 66.

وكما تفتج الديمقراطية حرية التعبير على مصراعيه فهي تفتح للفرد الحرية في فعل ما يشاء وما يحلو له وما تمليه عليه نوازعه وأهوائه ما دام القانون الذي وضعته “الأكثرية” يجيز له فعل ذلك… حتى لو كان تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحله أو فعل الفواحش أو الموبقات إن كانت الأكثرية ترضى هذا.

أما دين الله فيأمرنا أن نحل الحلال ونحرم الحرام ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونأخذ على يد الظالم والمتجاوز لحدود الله أو نكون محل لعنه وطرده من ولايته – معاذ الله – كما استحقه من قبلنا قوم آخرون.

وقال تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهونن هن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} المائدة 79. وفي الحديث الذي يرويه البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “مثل القائم على حدود الله الواقع فيها كميل قوم استهموا – أي اقترعوا – على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذي في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً”. وقال صلى الله عليه وسلم: “إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه أوشك الله أن يعمهم بعقابه”.

خامساً:

تقوم الديمقراطية على مبدأ الأخذ براي الأكثير لا بل تقديسه وتبني ما تجتمع عليه الأكثرية، ولو اجتمعت على الباطل والضلالة أو حتى تحليل ما حرم الله أو العكس. فالحق في نظر الديمقراطية الذي لا يجوز الاستدراك أو التعقيب عليه هو ما تقرره الأكثرية وما تجتمع عليه لا غير!.

أما في دين الإسلام فالحلال بين والحرام بين، قال تعالى: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين} الأنعام 119. وقوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا} المائدة 3.

والتحليل والتحريم والتشريع في دين الإسلام كله لله تعالى، قال ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى “والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء”.

والحق المعتبر هو ما وافق الكتاب والسنة قل أنصاره أو كثروا، وما يخالف الكتاب والسنة فهو الباطل ولو احتمعت عليه أهل الأرض قاطبة. لا بل إن الله يحذرنا من الميل للأكثرية لأن أكثر الناس غالباً ما تتبع أهواءها، قال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} يوسف 106. وقال تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلى الظن وإن هم إلا يخرصون} الأنعام 116. وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ما صُدق نبي من الأنبياء ما صُدقت، إن من الأنبياء من لم يصدقه من أمته إلى رجل واحد” رواه مسلم.

فإذا كانت الأكثرية هي دائماً على الحق – كما تقول الديمقراطية – فأين يكون موقع هذا النبي وما معه من أمته إلى رجل واحد!!! وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريباً، فطوبى للغرباء، وفي رواية، قيل ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: اس صالحون قليل في ناء سوء كثير، ومن يعصيهم أكثر ممن يطيعهم”.

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لعمرو بن ميمون: الجماعة ما وافق الحق وإن كنت واحدك.

سادساً:

تقوم الديمقراطية على مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع شرائح وأفراد المجتمع بغض النظر عن انتمائاتهم العقدية والدينية، وسويتهم الأخلاقية والعلمية والعقلية، فيستوي في نظر الديمقراطية أكفر وأفجر وأجهل الناس مع أتقى وأصلح وأعلم الناس في تحديد من يحكم البلاد والعباد، وغيرها من الجقوق والواجبات، فالديمقراطية في النهاية تعطي لهذا صوتاً ولذاك صوتاً مماثلاً أيضاً!!.

أما دين الإسلام فهو لا يسوي بين المؤمن والكافر وبين الصالح والفاجر وبين الطيب والخبيث، لا في مقاييس الدنيا ولا في مقاييس الآخرة. قال تعالى: {أم حسب الذين اجترجوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} الجاثية 21. وقوله تعالى: {أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون} السجدة 18.

وقال تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} القلم 35، وقوله تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} الزمر 9، وقوله تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض أم نجعل المتقين كالفجار} ص 28.

وبعد هذا الاستعراض لمبادىء الديمقراطية في عرف أهلها، وبينا معناها وقارناها بما لدينا من مبادىء في شريعة الله نستطيع الحكم عليها.

وبناء على ما تقدم، فإننا نقول جازمين وغير مترددين ولا شاكين في أن الديمقراطية في دين الله كفر بواح لا يخفى إلى على أعمى البصر والبصيرة. وأن من اعتقدها أو دعى إليها أو أقرها ورضيها أو حسنها – من غير مانع شرعي – كافر مرتد عن دينه وإن تسمى بأسماء المسلمين.

فهذه هي الديمقراطية وهذا حكمها وحكم القائل والعامل بها، فهل أنتم منتهون؟.

انتهت الخطبة.

عد للورقة السابقة، ثم دون عليها ما تغير من أجوبتك، وإن لم يتغير شيء فدون السبب والعلة في ثباتك على ما كتبت في ضوء ما سبق. ثم أكمل يارعاك الله قراءة هذه المقالة :).

الناظر لكل ما سبق وللوهلة الأولى يعتقد أن الحق كل الحق مع الحكم على الديمقراطية بالكفر. وفي ذلك يقول أخي في الله عبد الرحمن في تدوينته الإسلام والديمقراطية:

لا يوجد في معظم الأحيان من يعطينا الجواب الصحيح للمسائل التي نواجهها. وغالباً ما يكون “شعورنا” هو الحكم في المسألة. أحياناً نقنّع هذا الشعور ببعض العبارات ونعتقد أنفسنا منطقيين وعقلانيين.

ويتابع قائلاً:

ليس هنالك شيء أسهل من أن نحمل مجموعة أفكار معينة وأن ننادي بها هكذا، بشكل ببغائي دون فهم واستيعاب للواقع، وأن نعتبر من خالفنا كافراً أو متخلفاً ورجعياً. وأن نعتبر أنفسنا حداثيين علمانيين أو ملتزمين مؤمنين. ليس هنالك أسهل من أن نقرأ كتاباً أو كتابين، أو نحفظ آيةً أو آيتين، وأن نسخر وننظر باستعلاء إلى الأفكار والتيارات الأخرى وأن نعتبر قيمنا التي نؤمن بها، سواء أكانت الديمقراطية وحرية التعبير، أم تطبيق الشريعة وحكم الله، أن نعتبر تلك القيم بفهمنا المبتور والمشوه لها قيماً مطلقة يجب أن يحملها أي شخص كي يستحق لقب الإنسان أو المثقف أو العقلاني أو المؤمن أو الملتزم.

إذاً لا بد من التدقيق في الكلام السابق حتى نتوصل للحق، أو ما يقارب الحق ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً. ولا أخفيك أني تأثرت كثيراً بهذا الكلام، وهو مأخوذ عن كتاب كامل عن الموضوع لكاتب أبي بصير الطرطوسي بعنوان: حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية. ولك أن ترجع إليه لتطلع على هذا الحكم بالتفصيل، من وجهة نظر الكاتب.

وكان مما قرأت في نفس الموضوع كتاب: الحريات العامة في الإسلام، لراشد الغنوشي، رئيس حزب النهضة التونسي حالياً. وما أخافني وأرعبني هو القدر الكبير الذي تحولت فيه أفكاري عن الموضوع بعد قراءة كتاب يمثل وجهة نظر أخرى عن الموضوع ذاته!. أصدقك القول بأن ذلك أخافني، ذلك التأرجح الشديد بين هذا الرأي وذاك! ولكني أحسبه جهداً أبذله في سبيل الوصول للحق الذي لا يعلمه إلا الله، عسى الله أن يهدينا بفضله ومنه وكرمه إلى ما ارتضاه لنا من الحق، اللهم آمين.

أعود بك إلى الخطبة ومحاورها. ولكن قبل أن أكمل معك، هناك سؤال يجب أن تجيب عليه على نفس الورقة السابقة (إياك أن تهمل هذه الأسئلة وإجابتك عليها، رجاءً حاراً)، السؤال هو:

  • برأيك هل هناك فرق بين العبارتين:
    حكومة إسلامية – حكومة إسلامية ديمقراطية؟

أي هل تضيف كلمة الديمقراطية برأيك شيئاً لكلمة الإسلامية في توصيفنا لحكومة من الحكومات؟ أي هل هناك حكومة إسلامية ديمقراطية وأخرى إسلامية لا ديمقراطية؟ أو هل معنى الحكومة الديمقراطية غير مشمول في الحكومة الإسلامية؟.

(أصبح عدد الأسئلة لديك: 4، ثم رأيك في الخطبة وما تغير من أفكارك، ثم السؤال السابق).

قبل أن أعرض عليك المعركة التي لا تزال تدور في رأسي، أعرض عليك ورقة بحثية قرأتها فيما سبق عن الموضوع نفسه. الورقة تحمل عنوان: الحرية الدينية.

من الأفكار المهمة التي تعرضها الورقة البحثية، والتي تشترك مع كتاب الحريات العامة في الإسلام لراشد الغنوشي في كثير من المفاهيم – أن الديمقراطية التي ظهرت في الغرب ذات طبيعة ظرفية، ظهرت بتغير الواقع وأحداثه وما رافقها من تغير في الدول بسبب ظلم الكنيسة وتسلطها على الناس. أي أنها ليست تطوراً لأفكار قديمة أو نظرية ظهرت على يد أحد الفلاسفة بينما كان جالساً يتأمل. (ضع ذلك في بالك).

لتسهيل الموضوع قمت بتلخيص النقاط التي استند عليها الخطيب في خطبتهه (مبادىء الديمقراطية) والتي تجدها كاملة في كتاب أبي بصير الطرطوسي، فكانت كالتالي:

تقوم الديمقراطية على نقاط ومبادىء أهمها:

  1. الشعب هو مصدر السلطات (حكم الشعب نفسه بنفسه).
  2. حرية التدين والاعتقاد.
  3. حكم الشعب هو الحكم الأوحد الذي ترد إليه النزاعات.
  4. حرية الرأي والتعبير.
  5. مبدأ اعتقاد والأخذ برأي الأكثرية وتقديسه.
  6. مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع أفراد المجتمع.
    ونضيف إليها من الكتاب:
  7. مبدأ فصل الدين عن الدولة.
  8. كل شيء حتى يحظى بالقبول يجب أن يخضع للتصويت.

إذا تأملت في النقاط السبقة جيداً فإنك برأيي تستطيع أن تختصرها إلى مبدأين تندرج بقية المبادىء تحتهما.

المبدآن هما:

  1. الشعب هو مصدر السلطات، أي الشعب يحكم نفسه بنفسه.
  2. حرية التدين والاعتقاد.

لأن: 3، 5، 6، 8 كلها متضمنة في المبدأ الأول. فإذا كان الشعب هو مصدر السطلة وهو المشرع لنفسه فهو الذي سترد إليه النزاعات لأنه مصدر السلطة، وسيكون قرار الأكثرية هي الآلية التي يشرع بها لنفسه، ولذلك فهو أيضاً يقدس ما تصل إليه لأنها آلية لمبدأ أساسي يعتقد به، ويصبح القبول بما يخضع للتصويت تحصيل حاصل.

و 4، 7 متضمنة في مبدأ حرية التدين و الاعتقاد التي ينتج عنها بالضرورة حرية الرأي والتعبير فلا ثانية بغير الأولى ولا أولى بغير الثانية، كما أن كون السطلة بيد الشعب وأن حرية التدين والاعتقاد معتبرة فهذا يقود بنا للاستنتاج بالفصل بين الدين والدولة (أيضاً تصبح تحصيل حاصل).

وتستطيع إن أحببت أن تدمج كل المبادىء في مبدأ واحد هو أن الشعب هو مصدر السطلة، فهذا أيضاً يعني بدوره أن السلطة ليست بيد الدين إنما بيد الشعب، وبذلك تصبح الديمقراطية ومبادؤها (بنظر الخطيب) متركزة في مبدأ واحد هو أن الشعب هو الذي يحكم نفسه بنفسه وهو مصدر السلطة في الدولة.

وأريد قبل أن أتابع أن أؤكد على أهمية قضية الدمج بين المبادىء هذه في مبدأ واحد (وهو أن السلطة للشعب وهو الذي يحكم نفسه بنفسه) وأنها تكفي للحكم على الديمقراطية. لأن كل المبادىء الأخرى متضمنة فيه وحده، ولا يحق لنا معاملتها معاملة مستقلة كما لو أنها متكافئة او متمايزة ومعزولة عن بعضها البعض، لأنها عندئذ تصبح عرضة للتناقض، فماذا لو أن الشعب صوت على قرار إلغاء حرية التعبير؟! أو إلغاء حرية الدين؟! إو إلغاء مبدأ فصل الدين عن الدولة؟!

لذلك عند حكمنا عليها يجب أن نراعي فقط المبدأ الأول.

الآن لنحاول أن نخرج بحكم الديمقراطية في ضوء ما سبق:

نحن مسلمون بفضل الله ومنه وكرمه علينا، ولذلك فإن العيش في ظل دولة إسلامية (دولة أو خلافة إو إمارة لا تهم التسمية) هو حلم نتمناه اليوم قبل غد. ولكن صفات هذه الدولة هي الآن محط الخلاف، هل يجب أن نقول أنها يجب أن تكون ديمقراطية، أو هل تضيف هذه الكلمة بالأساس معنى تفتقده كلمة الدولة الإسلامية بحد ذاتها؟

إذا كان جوابنا على سؤالنا السابق بأن كلمة الديمقراطية لا تضيف شيئاً للدولة الإسلامية بمعنى أنها محتواة ضمنها، فهل يعني هذا أنها تسمية أخرى لمبادىء موجودة أصلاً ضمن الشريعة الإسلامية ولكن تسميتها اختلفت؟

بالعودة للمبدأ الأول: مصدر السلطة هو الشعب. وفي النظر إلى شريعتنا الإسلامية ندرك تماماً أن المشرع لنا هو الله سبحانه وتعالى، ولا نرتضي حكماً سواه، ولكن يجب أن ندرك قضية مهمة وجوهرية جداً قبل أن نطلق حكمنا على هذا المبدأ، وإطلاق الحكم على المبدأ هذا قبل تمميز هذه النقطة يمكن أن أشبهه لك بالتعمية المقصودة لإيصال وجهة نظر معينة.

الفكرة التي يجب أن ننتبه إليها إلى أن الشريعة الإسلامية لا تحوي أحكاماً صريحة بالنص لكل شيء. فالقرآن والسنة ليست مدونة قانونية فيها حكم لكل قضية تعترضنا! ونسبة الأحكام الصريحة في القرآن والسنة قليلة جداً، وما تبقى هي أحكام تدخل في نطاق الاجتهاد. إذاً نحن نتفق على أن الأحكام الصريحة لا جدال فيها، ولكن نسبتها قليلة جداً، وما تبقى كلها أحكام اجتهادية، بالتالي ندرك أن معظم الأحكام التي ستواجهنا تدخل في نطاق الشورى في الإسلام، حيث أن الشورى هي في الأحكام الاجتهادية فقط، وهي الغالبة طبعاً، فلا اجتهاد مع النص. مع احتواء الشريعة على حدود لكل الأحكام لا يجب أن تخرج الأحكام الاجتهادية عنها.

إذاً ماذا يصبح معنى: مصدر التشريع هو الشعب؟ أو ما هو معنى أن الشعب يحكم نفسه بنفسه؟

هل المعنى المقصود هو في الأحكام الصريحة أم التي تدخل في نطاق الاجتهاد؟ النص لا يخبرك ولا بشيء عن ذلك. إذاً الأمر عائد لمن في تحديد ذلك؟

لا يوجد دليل على أن الديمقراطية بنصوص تعريفها تشمل كلا الأمرين(الأحكام الصريحة والاجتهادية)! ولا دليل على المعنى المعاكس أيضاً.

وبرأيي يعود الأمر لنا في تحديد ذلك، وليس لأحد أن يملي علينا مالذي يشمله تعريف الديمقراطية. فكما ذكرنا أن مكوناتها ليست مترابطة وليست منعزلة عن بعضها البعض. كما أن هذه المكونات لا يشترط أن تعاملها معاملة شاملة ككتلة متكاملة! بمعنى أنك لا تستطيع أن تقول إنك لا يمكن أن تعزل بعضها عن بعض، فكاتبنا السابق يقول لنا أنه لا يمكن أن نأخذ بعض المبادىء دون الأخرى، أي لو أننا قلنا له إننا نريد بالديمقراطية حرية الرأي والتعبير فقط، سيقول لنا أننا لا نستطيع أن نقول أن الديمقراطية هي فقط هذه النقطة، ولكننا سنقول له: إن المبادىء كلها متضمنة في مبدأ واحد وسيكون هو الفيصل في كل شيء. فلا معنى لقوله أننا لا نستطيع أخذها بالتقسيط! فهي أساساً مبدأ واحد، يهمنا أن نعرف ماذا نقصد به، وليس لأحد أن يملي علينا ما يعنيه.

لذلك: لو أن أحداً أخبرنا بأنه يريد أن يشكل دولة تحكم بالشريعة الإسلامية وتكون ديمقراطية بنفس الوقت، فلا غبار على كلامه. لأن الفيصل هو المبدأ الأول، فلو أننا قلنا بأن مصدر التشريع هو الشريعة الإسلامية، تصبح كل المبادىء الأخرى إيجابية تماماً.

يمكنك أن تشبه المبدأ الأول بإشارة سالب أو موجب، وبيقة المبادىء نضعها ضمن قوسين، مضروباً بالمبدأ الأول كالتالي:

المبدأ الأول(المبدأ2. المبدأ3. المبدأ4….)

فإذا كان المبدأ الأول موجباً (وهنا نقصد أن مصدر التشريع هو الشريعة الإسلامية) كان كل يلي من مبادىء موجباً بمعنى أنه إيجابي، يكون معنى حرية الرأي والتعبير أنه لنا حرية الرأي والتعبير ضمن حدود الشريعة الإسلامية، ويصبح معنى احترام رأي الأكثرية أيضاً ضمن حدود الشريعة… أما لو قلنا بأننا نقصد أن مصدر التشريع هو الشعب بعيداً عن الشريعة، يكون المعنى سالباً وكل ما يليه سالباً بالنسبة للمعنى الأول.

وهكذا يصبح من الواضح أهمية معاملتنا للمبدأ الأول وما يعنيه لنا، وانعكاس ذلك على حكمنا على الديمقراطية. فأنا لا أتفق مع الكاتب على الإطلاق في ما توصل إليه في حكمه على الديمقراطية، لأنه عمل بمبدأ التعمية بشكل كبير جداً!!! عدا عن الخلط والدمج بين مبادىء يختلف حكم كل منها، ثم معاملتها معاملة واحدة وإطلاق حكم واحد عليها! وبعيداً عن الخوض في الخلاف الموجود في كثير من تفسيراته للنصوص والأحاديث وحصرها في معنى أراده هو، والتي لن أخوض فيها لأن ذلك لأهل الاختصاص، ولكن لا مانع من المحاولة لاحقاً J.

فهل ينتهون!

هذا كان تقريراً بالمعركة التي تدور في داخلي حتى لحظتي هذه، إن استجد شيء فسأخبرك :).

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s