الاتجاه: نحو الأمام فقط

بسم الله الرحمن الرحيم

في منتصف الطريق ونحو الأمام

هل تتذكر بداية الأحلام التي تراها؟ هذ تذكرت بداية أي حلم حلمت به يوماً؟

لا أعتقد ذلك ولا يوجد أي منا ممن يتذكر بداية الأحلام التي نراها عندما نغيب بوعينا عن هذا العالم.

هل يعني لك هذا شيئاً؟ هل ينبؤنا ذلك بشيء ما؟ هل هناك صلة لذلك بهذا الكون الذي نعيش فيه؟ ربما، لنرَ.

نحن نعي ذواتنا ونعلم أن هذا الوعي لذاتنا هو ما يجب أن يكون أهم ميزة لنا عن باقي المخلوقات في هذا الكون. ولكن هل تتذكر متى بدأت تعي ذاتك؟ في كل مرة أتأمل فيها الأطفال أتسائل هل كنا نعي ذاتنا كما نعيها اليوم عندما كنا أطفالاً؟ متى انقدحت هذه الشرارة فينا؟ لست أذكر ولا أظنك تذكر أيضاً، فنحن كما في الأحلام لا نجد أنفسنا إلا ونحن على منتصف الطريق. وهذا قد يدعونا للتساؤل: هل نحن في حلم من نوع آخر أم الأمر شيء آخر؟

الأمر نفسه نجده في خلق الإنسان، فحتى آدم عليه السلام أبو البشر جميعاً لم يجد نفسه إلا وقد صار واعياً لذاته ورأى الملائكة تسجد له، لم ير كيف خلقه الله، والأمر في الحقيقة أنه لا يمكن له أن يرى خلق نفسه. فهو أيضاً قد وجد نفسه في منتصف الطريق، لم يدرك بدايته ولن يكون له أن يدركها من سبيل. هل هذا غريب أيضاً؟

الأمر نفسه موجود في الكون الذي نعتقد أنه بدأ بالانفجار العظيم، فكوننا لو كان له وعي كما لنا لما تذكر بدايته أيضاً ولقال لنا كل ما أذكره أني وجدت نفسي أتمدد وتتشكل في قلبي المجرات والنجوم.

إنظر إلى الأعداد، هل تستيطع أن تجد عدداً يمكن أن نقول عنه أنه بداية الطريق؟ بداية الأعداد؟ لا طبعاً فمفهوم الـ +-∞ يضعنا دائماً في منتصف الطريق، فنحن لا ندرك البداية وكل ما ندركه أننا على الطريق.

الأمر نفسه في الزمن، فهل يمكن أن يكون للزمن بداية؟ لا أعتقد ذلك، هل هذا يعني أن الزمن يسير نحو الأمام فقط لأن العودة للخلف مستحيلة؟. إن كان الزمن شيئاً من خواص هذا الكون الذي نعيش فيه فهو يخضع لهذا القانون الذي أعتبره من قوانين كوننا. لا شيء يمكن له أن يدرك بدايته.

ربما لذلك علاقة بأسماء الله الحسنى: الأول والآخر. فلا شيء قبل الله ولا شيء بعده. تبارك الله أحسن الخالقين.

قد يرتبط الأمر بطريقة ما بحواسنا وبالطريقة التي ندرك بها (أي بحواسنا) هذا الكون (تذكر أن إحساسنا بكل شيء متأخر عن الحقيقة بفارق زمني صغير، وهذا نفسه يشير إلى أننا حتى عندما نحس بشيء ما فنحن أمامه). الطريف في الأمر أننا نتعلم عن حواسنا بحواسنا، هذا قد يضعنا في حلقة مفرغة. ولكن نظرة إلى كوننا والطريقة التي بني بها تعلمنا أن نثق بحواسنا ولا نشكك بها. لا ينبغي لنا السير بالطريق إلى الخاف، الطريق الوحيد المتاح لنا هو السير للأمام، الخوض في حلقات مفرغة من التساؤل حول ما تجلبه لنا حواسنا هو مناقضة لبنية هذا الكون والطريقة التي بناها الله بها. السير نحو الأمام هو السبيل الوحيد لمعرفة ما حدث في الماضي. يجب أن ندرك ذلك ونفهمه جيداً.

أن ندرك أننا (وكما كل شيء في الكون) دائماً محكومون بأن نجد أنفسنا في منتصف الطريق يعني أن نسلم بأن ما نراه وما ندركه هو أقرب ما يمكن أن يكون للحقيقة التي نبحث عنها.

لنبتعد قليلاً عن هذا الكلام (بعد أن قرات ما سبق ستدرك أن ابتعادنا عن هذا الكلام هو السبيل الوحيد لفهمه 🙂 ).

لنذهب إلى الرياضي النمساوي كورت غودل Kurt Godel ذو الخمسة والعشرين ربيعاً، لقد أثبت غودل أن كل نظام مكون من بديهيات وقواعد رياضية محددة (بشرط أن يكون واسعاً بما يكفي وأن يكون خالياً من التناقض) لا بد لهذا النظام أن يحتوي على بعض الإفادات التي لا يمكن البرهان لا على صحتها ولا على عدم صحتها – باستخدام أي وسيلة من داخل النظام.

بمعنى آخر إن ما يترتب على كلام غودل هو أن مفهوم الحقيقة الرياضية لا يمكن التعبير عنه في مشروع صوري، وأن الحقيقة الرياضية أبعد من أن تحتويها الصورية وحدها. وربما كان ذلك واضحاً من دون نظرية غودل. إذ كيف لنا أن نعرف ما هي البيديهات وقواعد الإجراء التي يحب أن نتبناها في حالة ما، عندما نحاول وضع نظام صوري؟

إن دليلنا في تقرير القواعد التي يجب أن نتبناها لا بد أن يكون دائماً هو فهمنا الحدسي لما صحته واضحة من ذاتها. وذلك بفرض أننا نعرف مسبقاً معاني رموز النظام.

إن الوضوح الذاتي أو المعنى هي مفاهيم سنظل دائماً بحاجة إليها، حتى من دون نظرية غودل.

إلى ماذا أريد أن أصل من هذا الكلام؟ إلى شيئين.

  • النقطة الأولى هي أننا في نقاشاتنا يجب أن نقر بأننا لا نستطيع أن نمضي بها قدماً دون ان يكون لدينا هذا الإيمان بالحدس بما هو صحيح وما هو خاطىء. فلا يمكننا أن نعرف كل شي، لأننا بحاجة لتعريف التعريف لأجل ذلك!
  • النقطة الثانية الخوض في مثل هذه الحلقات المفرغة مناقض لطبيعتنا ولطبيعة الكون، فكما سبق فنحن دائماً نجد أنفسنا في وسط الطريق ولا يمكننا بحال من الأحوال أن نعود لبدايته أبداً.

وهذا الأمر مثبت كما سبق وأن برهن غودل. فالأمر سيان سواء في البنى الرياضية أو في البنى الفكرية والنقاشات الفلسفية التي يجب أن تخرج من هذه الدائرة المفرغة.

هذا يذكرني بقضية كانت ولا زالت تشغل بالي، وهي سلسلة لماذا؟ فهذه الفكرة تتوافق مع ما سبق. فنحن لا نستطيع أن نصل لبداية الطريق ولذلك فإن سلسلة أسئلة لماذا في أية قضية لا يمكن أن تنتهي، لأننا وببساطة لا يمكن لنا أنندرك بداية الطريق، الأمر مستحيل كلياً.

هذا يتوافق مع قضية أخرى أؤمن بها، وهي أننا لا نستطيع أن ندرك جوهر الأشياء والحقائق (وهي قضية يتفق علي عزت بيغوفيتش معي بها في كتابه الإسلام بين الشرق والغرب – لست كيف سمع بها!). وإذا كنت كما أنا ترى أن كل ما سبق متفق مع نفسه فهذه هي نظرتي للكون وللحقيقة، وهي متسقة حتى اللحظة.

سأستغل الفرصة لأعرض لك فكرة أخرى تكت للقضية السابقة بصلة، قد لا تكون واضحة تماماً ولكنها موجودة.

هل تعتقد أن في الرياضيات التي نتعامل بها في حياتنا اليومية ثغرة ما؟ شخصياً توصلت حديثاً إلى وجود ثغرة مهمة تتفق مع رؤيتي السابقة للكون.

في الرياضيات النظرية أو لنقل البحتة يتعامل العلماء مع رموز ومعادلات وأرقام، تجد هذه الأرقام أهميتها عندما يتم التوصل لمعادلة ما يفترض بها أنها تعبر عن الكون. هنا يبرز دور الفلسفة في نقل المعادلة إلى أرض الواقع (وهي أحد أسباب الخلافات الكبيرة بين العلماء كما أعتقد).

الفكرة التي أريد بسطها هنا خطرت لي وأنا أقرأ في كتاب العقل والحاسوب وقوانين الفيزياء (الذي اقتبست منه النص السابق الذي يتحدث فيه المؤلف العبقري (الذي أعبتره أقرب مؤلف لعقلي وقلبي معاً) عن نظرية غودل. فوفقاً للنظرة العلمية إلى قوانين نيوتن فإنه يمكن فيها قلب الزمن في هذ القوانين، أي أن القانون عكوس بالنسبة للزمن، وعندما نصادف الزمن بقيمة سالبة في قانون ما، فهذا يعني أنه يمكن العودة بالزمن للخلف بناء على هذا القانون.

ما أريد الحديث عنه هنا ليس مفهوم العودة بالزمن إلى الخلف، ولكن الطريقة التي فسر بها العلماء القانون ليصلوا إلى هذه الحقيقة. أي الأمر الذي أريد الحديث عنه هنا هو الطريقة التي يقوم العلماء بها بتحويل القانون إلى كلام يعبرون به عن كوننا والكيفية التي يسير بها.

النقطة هي أننا من حيث لا ندري نرتكب خطاً كبيراً جداً. فنحن نعامل الأعداد السالبة والموجبة على حد سواء (عندما نقوم بتلك النقلة من القانون لتفسيره)، وهذا برأيي خطأ كبير. فنحن عندما نبدأ بتحويل ما نراه في الكون إلى رموز فنحن نتعامل مع مكونات الكون. ومن ثم نلعب بتلك الرموز، قد نحصل من هذا اللعب إلى معادلة فيها رقم سالب، نعيد هذا الرقم نحن بالتعبير على أنه مكون من مكونات الكون، ونفسر الكون باستخدامه. ولكن المشكلة هي أن لا وجود للأعداد السالبة في الكون!. الكون فيه أعداد موجبة فقط، فبالتالي الحلول التي نحصل منها على أعداد سالبة يجب أن لا تعني شيئاً ولا تعبر عن شيء عن طبيع الكون. لأن الكون بالأساس لا يحتوي على أعداد سالبة.

فليكن لدي 10 ليرات، أخذت مني 20 ليرة يصبح لدي: 10-20=-10

في الواقع أنا ليس لدي شيء إنما أنت مدين لي بـ 10 ليرات، وتعبير -10 ليرة هو مجاز عن قولي لدي (عندك) +10 ليرات. وهذا صحيح لأنك تملكها حقاً. أي أنا ليس لدي -10 ولا يوجد مبلغ مالي اسمه -10.إشارة الناقص هي تعبيرعن شيء آخر، تعبير عن +10 موجودة لديك بالفعل.

نفرض أن سيارة تتحرك على الشارع الذي هو مستيقم الأعداد. إذا قلنا لك أنها تقدمت عشرة منازل وعادت عشرين فأين هي الآن؟ تقول لي في المنزلة -10. كلامك صحيح ولكنها حقيقة في المنزلة +10 من الجهة المقابلة. إشارة الناقص معادلة لقولنا “الجهة المقابلة”. أما على أرض الواقع فهي +10 إلى اليمين و+10 إلى اليسار.

أي الأعداد السالية هي اختصار لتلك الجمل. إذا يجب أن لا تعامل الأعداد السالبة (عند وجودها في معادلة ما ومحاولة نقل تلك المعادلة للواقع – التفسير) معاملة الأعداد الموجبة. أحد الأخطاء برأيي هنا مثلها يحصل عند وجود عالم الزمن t في معادلة ما وبطريقة ما يكون سالباً فيتم ترجمة هذه المعادلة على أن العودة بالزمن ممكنة!!!!!!.

ما علاقة كل ذلك بما سبق؟ الأمر نفسه يتكرر بشكل أو بآخر. نحن لا نستطيع العودة للوراء، والعودة للوراء مناقضة للطبيعة ولبنية هذا الكون.

الأمر يذكرنا بأن الله هو الأول والآخر.

تسلق الحبل أو السقوط

أحياناً نعتقد أننا نسطيع أن نأخذ قسطاً من الراحة في هذه الدنيا دون أن نخسر شيئاً. لكننا واهمون في ذلك.

نحن في هذه الدنيا كمن يتسلق الحبل صعوداً نحو السماء. أن تتسلق الحبل يعني أن تبذل الكثير من الجهد، وهذا هو السبيل الوحيد للصعود بك نحو الأعلى. وكذلك الأمر في حياتنا، عندما تريد أن تتقدم في حياتك نحو الأفضل فأنت مطالب بالجهد الكبير، الجهد الذي يوازي تسلق حبل نحو السماء.

إذا أردت أن تأخذ قسطاً من الراحة، فالأمر مشابه تماماً لحالتك وأنت تتسلق الحبل صعوداً نحو السماء. إذا أردت أن تستريح فعليك بذل الجهد أيضاً حتى تحافظ على المستو الذي وصلت له في حياتك. البقاء على نفس الارتفاع الذي تسلقت للوصول له يتطلب منك بذل الجهد. هو ليس كجهد التسلق، ولكنه ليس بالجهد القليل. لدرجة أنه بعد فترة وجيزة ستشعر أن التسلق أسهل من الوقوف في مكانك.

الأمر نفسه في حياتنا، عندما نريد التوقف لبرهة، لشهر، لسنة عن السير نحو الأمام، ما اعتقدت يوماً أنه مفيد، هو أمر لا يمكن أن يتم دون بذل جهد أيضاً، وهو أمر لا يجب أن يطول كثيراً. لأنه يصبح أصعب من التقدم بعد فترة وجيزة. ومشكلة كثير من الناس أنهم يعتقدون أنهم إن توقفوا عن بذل الجهد في حياتهم فهم يقفون عند الحد الذي وصلوا إليه في حياتهم. الأمر ليس كذلك على الإطلاق. ولتعرف كيف أن الأمر ليس كذلك على الإطلاق عد لمثالنا في تسلق الحبل.

ماذا يحدث لك عندما تفلت يديك وتتوقف عن بذل الجهد؟ إنك ستبدأ فوراً بالسقوط. ستتولى الجاذبية العودة بك إلى نقطة البداية، إلى الصفر، وبتسارع وليس بسرعة منتظمة. ستخسر ما كسبته في حياتك بتسارع كبير، ولن تشعر إلى عندما ترتطم بالأرض أو تحس أنك ابتعدت كثيراً عما كنت تعمل على تحقيقه.

هذه هي الدنيا التي نعيش فيها، هي تسلق حبل نحو السماء. إن أردت الوصول للسماء فأنت مطالب ببذل الكثير من الجهد. إن أردت التوقف وأخذ استراحة دون أن تخسر شيئاً مما حققته فأنت أيضاً مطالب ببذل الجهد للتمسك بالحبل. ويجب أن لا يطول هذا الحال، لأنه بعد فترة قصيرة يصبح التوقف أصعب من التقدم نفسه. وإن توقفت عن بذل الجهد في حياتك، وافلت الحبل فلا فرار من السقوط، ستبدأ بالسقوط مباشرة، وبتسارع كبير ستخسر ما كنت كسبته ببذل الكثير من الجهد.

لذلك كن على يقين بأن لا راحة لنا إلا في لقاء ربنا.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s