الإيمان والمنطق

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجميعن.

(ربما تحتاج المقالة لإعادة ترتيب الأفكار 🙂 فلا تحكم عليها الآن).

الإيمان واليقين

في سعينا للوصول إلى الحقيقة المطلقة (اليقين) بما لدينا من أدلة وحجج وبراهين، تظل هناك فجوة بين ما لدينا من تلك الأدلة والبراهين وبين الحقيقة المطلقة. هذه الفجوة يملؤها الإيمان، الذي يصل بنا لليقين المطلق.

لنتحدث عن اليقين بالله. نحن نوقن بوجود الله ولكن هل هذا اليقين مطلق؟ رأيي الشخصي أن هذا اليقين ليس مطلقاً، ولكنه أقرب ما يكون إلى الإطلاق ولا يفصل بيننا وبين الحقيقة المطلقة إلا مسافة صغيرة جداً – لكنها موجودة. عندما نقفز فوق هذه المسافة الصغيرة ونصل إلى اليقين المطلق (باختيارنا) نكون مؤمنين بالله عز وجل وموقنين بأنه خالقنا. لأننا لو وصلنا إلى شاطىء الحقيقة المطلقة بالأدلة والبراهين لانتفى دور الإيمان وانتفت الحاجة إليه.

تخيل أن أقول لك وأنت تمسك بقلم في يدك: {أريد منك أن تؤمن بأن هناك قلماً بيدك، بدليل هذا القلم الموجود في يدك}. ماذا ستقول لي؟ ربما قلت لي: [لماذا تطلب مني الإيمان بشيء أراه بعيني؟! أنا موقن بوجوده بيدي فلماذا تطلب مني الإيمان بذلك؟].

(ملاحظة: في نهاية المقالة يجب أن تتغير نظرتك لهذا المثال وستقول لي أنه لا بد من الإيمان حتى وإن كنت أمسك القلم بيدي، ما السبب؟ دعنا نكمل لنتعرف عليه 🙂 ).

أما لو كان المثال السابق بالشكل التالي: { أريد منك أن تؤمن بأن في جيبي قلماً، بدليل هذا الشكل الذي يتشكل عندما أضغط على قميصي، وبدليل هذا بقع الحبر على يدي، وبدليل صدقي الذي تعرفني به}. هنا يتغير الحال فأنت لم تر القلم ولكنك مع بعض الأدلة ولمعرفتك بصدقي “تؤمن” بوجود القلم رغم أنك لم تره بعينك.

لاحظ كيف ارتبط مفهوم الإيمان بوجود حلقة ناقصة بينك وبين الحقيقة المطلقة، بينك وبين رؤيتك للقلم بعينيك. هل سيكون الآن واضحاً بالنسبة لك لماذا ابتدأ الله كتابه بقوله تعالى: {الم – ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين – الذين يؤمنون بالغيب…}. فقد ربط الله مفهوم المؤمنين بالإيمان بالغيب في أولى صفحات كتابه تعالى. لأنك كإنسان مؤمن عليك أن تقفز (بإرادتك) فوق تلك المسافة الصغيرة التي ستفصل بينك وبين الأدلة التي ستوصلك إلى أقرب مسافة ممكنة من شاطىء اليقين المطلق. القفزة هي (اختيارك الحر) بأن تؤمن وتوقن بالحقائق المقابلة على شاطىء اليقين المطلق. وتختلف تلك المسافة بين شخص وآخر، فليست الأدلة الموجودة هي نفسها بين يدي كل إنسان (هذا عدا عن فهمها بشكل صحيح عندما تكون موجودة).

الأمر ينطبق على كل شيء نؤمن به ابتداء بالدين وانتهاء بإيمانك بالأفكار والنظريات العلمية إلى إيمانك بقدرة فريقك المفضل على الفوز في مباراة ما إلى إيمانك بوجود الكائنات الفضائية :). الأمر الذي يختلف بين هذا الإيمان وغيره هو المسافة التي يتوجب عليك قفزها للوصول إلى يقينك – أي إلى المسافة التي يملؤها الإيمان.

والشكل التالي يوضح لنا مثلاً حالات الإيمان بالله تعالى والإيمان بنظرية دارون مثلاً والإيمان بوجود الكائنات الفضائية.

IMG (Medium)

لاحظ من الشكل السابق أنه كلما كثرت الأدلة المؤدية لليقين المطلق بفكرة ما كان الإيمان أسهل وأقوى بنفس الوقت – وكان نتيجة أكثر منطقية أيضاً. عندما تقول أنك مؤمن بوجود الكائنات الفضائية فأنت تستند إلى بعض الأدلة التي ترفعك قليلاً وتقربك من سقف الحقيقة المطلقة، ولكن يبقى عليك أن تقفز قفزة كبيرة في حالتنا هذه حتى تستطيع القول بأنك تؤمن بهذه الفكرة. الحال ليس نفسه في قضية الإيمان بالله تعالى، فالأدلة موجودة في كل مكان، لكنها ليست توصلك لليقين المطلق، ويتبقى عليك أن تختار القفز وتختار هذا الشرف بإقرارك بوجود الله ووحدانيته وصدق رسله وأنبياءه.

ربما تستغرب كإنسان مؤمن بالله تعالى أن أقول بأن إقراري بوجود الله تعالى (وليس إيماني) ليس إقراراً مطلقاً. لأني وبعد كل الأدلة التي رأيتها والتي كانت ترفعني إلى ذلك السقف المطلق، بقيت مسافة قصيرة تفصل بيني وبينه (لأسباب سأبينها لاحقاً)، هنا بت مقتنعاً بأن كل تلك الأدلة لا يمكن أن تؤدي إلا إلى تلك الحقيقة وأنها لا ريب ولا بد موصلتي إلى ذلك اليقين المطلق – فاخترت أن أقفز تلك المسافة الصغيرة وكلي ثقة بأن الأرض التي سأحط عليها هي شاطىء الحقيقة المطلقة التي سنتأكد منها يوم أن نلقى ربنا و’’نرى‘‘ وجهه الكريم – اللهم لا تحرمنا من ذلك يا أكرم الأكرمين يا الله.

لنذكر بأن أينشتاين قال بأنه يستحيل علينا إيجاد تجربة تؤكد لنا حركة جسم ما (المطلقة) من سكونه (وهنا وعلى سيرة المطلق من غير المطلق فأنا أؤيد نيوتن تماماً بأن الكون مطلق وأعارض لايبـنيتز تماماً في معارضته لنيوتن! – وهذا الحديث هو موضوع التدوينة التالية أو بعد التالية:) ). الأمر نفسه بالنسبة لي في مجال الأفكار، فلا يمكننا أن نصل إلى حقيقة مطلقة، فنحن دائماً نظل بحاجة إلى الإيمان. فلماذا نقر بذلك في الفيزياء ونطلب في مسألة الإيمان بالله تعالى الأدلة المطلقة الموصلة لليقين المطلق بدون أن نؤمن بذلك!. هنا يتبين لك غباء من يطلب منك دليلاً علمياً أو مادياً على وجود الله.

ولنتذكر شيئاً مهماً إن كنت ستسألني عن معنى الحقيقة المطلقة والحقيقة الغير مطلقة والفرق بين هذه وتلك. إن رأيت نوراً بعينك وأدركته بعقلك، فحقيقة أنك رأيت نوراً هي حقيقة مطلقة، أي فعل الرؤية تم وانتهى الأمر – هذا يعني أن حقيقة كونك رأيت (لا يهم ماذا رأيت أو هل ما رأيته موجود حقاً أم لا) هي حقيقة مطلقة. أما ماذا رأيت (وهل ما رأيته هو موجود حقاً في العالم الخارجي أم هو مجرد وهم) فهذه حقيقة ليست مطلقة (لأنها ستمر بما سأسميه لاحقاً مُنقصات اليقين – أو أي اسم تختاره أنت ويعبر عن نفس المعنى 🙂 ). التفريق بين هاتين النقطتين أمر جوهري في هذه التدوينة.

فيما يأتي سأحاول التوسع في شرح فكرتي السابقة، إن لم يكن لديك الوقت فآمل أن تكون فكرتي قد وصلتك مما سبق وقرأته :).

الحقيقة المطلقة

من أجمل خصائص الإنسان أنه يسعى دائماً وأبداً ليفهم – ليفهم كل شيء من حوله – تقوده لماذا وكيف وأين متى… يسعى بذلك لفهم الحقيقة المطلقة ولإدراكها. ولكن هل يستطيع الإنسان أن يصل للحقيقة المطلقة دون أن يكون هناك حجب تفصله عنها؟

الجواب بكل تأكيد: لا.

ستسأل مباشرة: لماذا؟ سأخبرك بأن الأسباب التي دفعتني إلى “الإيمان” 🙂 بذلك كثيرة. لعل أولاها هي تلك الحقيقة التي كنت أؤمن بها منذ زمن بعيد جداً، ربما بعيد لدرجة لا يمكن فهمها :). هذه الحقيقة تقول لك باختصار شديد: إن عقلك يقر بوجود ألغاز ومعضلات في هذا الكون، ويقر بنفس الوقت بأنه لم ولن يفهمها يوماً من الأيام. تقول لك بأن إدراك هذا العقل له حدود لا يمكنه تجاوزها، والإدراك هنا شيء والكم (كم المعلومات) شيء آخر. فهذا العقل الذي نملكه لن يستيطيع بإقراره أن يفهم الكثير من ألغاز هذا الكون، فكيف نطلب منه فهم هذا الكون بشكل مطلق؟! أو كيف نطلب منه الوصول للحقيقة المطلقة في قضية ما؟!.

من تلك الألغاز قضية الزمن وبدايته ونهايته أو ما أحب تسميته (+- لانهاية) الزمن. وطبعاً مفهوم (+-لانهاية) ينسحب على كل شيء (الأعداد، الوقت، سلسلة لماذا…) وكل هذه الأمثلة هي تكرار لشيء ما. العقل يقر بوجود تلك المفاهيم أو لنقل بضرورة وجودها ولكن في نفس الوقت يقر بأنه لا يستطيع فهمها أبداً.

العقل والمنطق (المنطق هنا أعني به الطريقة التي يفكر بها هذا العقل – ولنقل الطريقة التي بُني العقل ليعمل بها وليس بسواها) يقران بأنه لا يمكن أن يكون هناك حد لتلك الأمثلة ومع ذلك هو عاجز عن فهمها، فهو لا يستطيع أن يستوعب كيف لا يمكن أن يكون لهذا الكون عمر محدد، أو كيف لا يمكن أن يكون للأعداد نهاية مثلاً.

فهذا الكون موجود منذ اللانهاية السحيقة في القدم، وسيبقى للانهاية!. (بعيداً عن الانفجار العظيم الذي أراه حدثاً في هذا الكون وليس الكون كله – لأني كما سبق وقلت لك لا أتفق مع لايبـنتز بأن الفضاء ليس مطلق. ففي هذه القضية أقف مع نيوتن وأؤيده تماماً بأن الفضاء مطلق Absolute).

هل يستطيع الإنسان الوصول إلى كنه الأشياء الحقيقي؟ برأيي أنه لا يستطيع لأسباب كثيرة. أولها أنه لم ير (لا أقصد بعينه) كيف تم خلق تلك الأشياء (أو لنقل لحظة تكونها حتى لا ندخل في جدلية الخلق). كما أنه محكوم بأدوات تنقص من درجة اليقين المطلق لديه، وهذه الأدوات هي وسائله الوحيدة لتلقي المعلومات.

عندما يقول لك مدرس مادة النبات في السنة الأولى في الجامعة أن الخلية تنقسم لأنها تتلقى أوامر من النواة بذلك، تسأله لماذا ترسل النواة هذه الأوامر، يقول لك الدنا فيها هو من أصدر الأمر تسأله لماذا يقول لك بأن بروتيناً معيناً أخبره بأن يصدر الأمر تسأله لماذا…. ينظر إليك نظرة ودودة ويقول لك بأن العلم لم يستطع الوصول للنهاية بعد. هل تعتقد أن هذه السلسلة من الـ لماذا يمكن أن تتوقف؟ إلى أين ستقودنا إذا استمرينا في البحث عن إجابات لها؟ ما هو المصدر الأول والأوحد لتلك الأحداث؟ برأيي الشخصي أن تلك الحقيقة المطلقة أمر لن نستطيع الوصول إليه مع هذه الأدوات التي نستخدمها في تلقي المعلومات ومع هذا العجز الذي نقر به في طريقة تفكيرنا وتلك الحدود التي يقف عندها العقل مقراً بها تماماً.

لماذا تتجه الإبرة المغناطيسية للشمال المغناطيسي؟ تقول لي لأن الأرض التي تدور بهذا الاتجاه المعين تولد حقلاً مغناطيسياً بهذا الاتجاه فتتجه الإبرة إليه. سأسلك عدة أسئلة هنا: لماذا يتولد حقل مغناطيسي من دوران المعدن في الأرض، ولماذا يتجه باتجاه محدد مع دوران الأرض المحدد، ولماذا لا يتجه باتجاه آخر ولماذا يأخذ هذا الشكل…. كل تلك الأسئلة هي شكل من أشكال عجزنا عن إدراك الـ +-لانهاية وهي دليل آخر على عجز الإنسان.

وهنا يبرز دور الإيمان. ففي كل قضية نتعامل  معها هناك دور منوط بالإيمان حتى نستطيع التقدم في هذا المجال أو ذاك.

في تعاملنا مع ما حولنا نحن نفترض أن كل شيء من حولنا نراه بأعيننا ونحسه بأيدينا أو نشمه بأنفنا أو حتى نسمع صوته بأذننا أو نتذوقه بلساننا – نقر بأن كل شيء من هذا القبيل هو شيء حقيقي. أي أنه موجود هناك في العالم الخارجي من حولنا. لكن كيف تعرف أن شيئاً ما هو حقيقي فعلاً أم لا؟ ما هي أدواتك المعرفية في طريقك للوصول إلى هذه المعرفة؟

لنتذكر فلم The Matrix ولنراجع هذا النص من الحوار بين مورفيوس ونيو:

Neo:       This isn’t real?

Morpheus:  What is “real“?

How do you definereal“?

If you’re talking about

what you can feel

… what you can smell, taste and see

… then “real” is simply electrical

signals interpreted by your brain.

إذاً فما هو حقيقي هو في النهاية بالنسبة لنا عبارة عن إشارات كهربائية تصل للدماغ، يفسرها الدماغ على أنها هذا الشيء الموجود أمامك، وهذا النص الذي تقرؤه الآن. هل هناك طريق آخر؟ هل الحقيقة شيء آخر غير الإشارات الكهربائية التي تنتقل على طول الأعصاب وصولاً للدماغ؟

هل تريد إشكالية أخرى؟ الإشكالية الأخرى هي أننا أدركنا عجز حواسنا بواسطة حواسنا نفسها. هل يمكننا الفرار من هذه الحلقة المعيبة؟ أعتقد أن لا نستطيع، فنحن وجدنا أنفسنا في منتصف الطريق وعلينا المضي قدماً – مسلحين بالإيمان. وتذكر أن هناك حقائق مطلقة نستطيع أن ندركها ككوننا رأينا وسمعنا وأدركنا، أما التفاصيل فهي أمر آخر لا تصل لدرجة اليقين.

هل تستطيع أن تضمن وتؤكد لي أننا لا نعيش في Big Matrix؟ السؤال صعب!.

إذا كان أينشتاين يقول بأنه لا توجد تجربة تستطيع أن تؤكد لك بأن جسماً ما يتحرك أو لا. فإنه بالمثل لا توجد تجربة تستطيع أن تخبرك هل نحن في Matrix أم لا. وبالمثل لا يمكننا الوصول للحقيقة المطلقة. إذاً الإيمان مطلوب في السلم الواصل بين الإنكار والحقيقة المطلقة.

ونلاحظ أن الأمر يختلف – أقصد بالأمر هنا المسافة الفارغة بين النفي والإطلاق في قضية ما – والتي ينبغي عليك ملؤها بالإيمان عندما تقرر أن تؤمن بهذه القضية وبصحتها.  الأمر كما لو أنك تزيد في وضع حجارة البناء سعياً منك للصعود عليها والوصول لسقف الحقيقة المطلقة. كلما زادت الأدلة وظادت البراهين زاد الارتفاع ولكن هذا الارتفاع لا يمكن أن يصل (كما اتفقنا من قبل) على الوصول للحقيقة المطلقة.

يشبه الأمر القطع الزائد ومقاربه – فالقطع باستمرار يقترب من مقاربه لكنه لن يمسه أبداً!.

IMG_0001 (Medium)

هنا يحق لك أن تسأل عن طبيعة هذه الأدلة التي نستخدمها في الوصول إلى الحقيقة المطلقة، قد تسأل هل هذه الأدلة قطعية بحد ذاتها، هل هي مطلقة بحد ذاتها حتى نستطيع الاعتماد عليها في الوصول إلى قطعية وإطلاق القضية بشكل عام؟

IMG_0002 (Medium)

ربما تجد الجواب على هذا السؤال في تدوينة سابقة كتبتها بعنوان (الاتجاه – نحو الأمام فقط).

حواسنا واليقين

لو نظرت من نافذة غرفتك ورأيت الشمس تشرق مبتسمة للدنيا بضوئها ودفئها، ثم سألتك: ما مدى اليقين الذي وقر في قلبك بأنك رأيت الشمس؟

أولاً يجب أن نتذكر مرة أخرى أن لدينا حدوداً لمدى تصديقنا لقضية ما، تبدأ نظرياً من الصفر التام والذي يعني انتفاء صحة القضية تماماً. فأنت لم تأكل معي اليوم، أليس كذلك؟ هنا يكون لديك يقين تام بالنفي لهذه القضية (قضية كونك أكلت معي اليوم). والدرجة الأخرى هي اليقين المطلق بصحة هذه القضية والتي سنفرض أنها تكافىء الواحد وتعني أكبر درجة يمكن للحقيقة أن تصلها. فأنت الآن تقرأ ووعيك بهذه القراءة هي أعلى درجة يمكن لنا أن نتحصل عليها (لاحظ أني قلت لك وعيك بأنك تقرأ وليس وعيك بـ ماذا تقرأ أو هل ما تقرؤه موجود أم لا– فهناك فرق).

هنا نريد أن نميز هذا الأمر الجوهري. عندما نظرت إلى الشمس وقر في عقلك أنك رأيت الشمس، وهذه حقيقة مطلقة استقرت في عقلك بأنك رأيت الشمس. لكن ألا يمكن أن تكون ناسا قد وضعت ما يشبه الشمس في الفضاء ورأيتها أنت؟ هذا أمر ممكن. إذا هل تغيرت درجة الحقيقة بأنك رأيت الشمس؟

دعنا نتأمل الجملة من جديد. رأيتَ الشمسَ.

يجب أن نلااحظ أن درجة اليقين بالجملة ككل تتعلق بدرجة اليقين بجزئي الجملة (الرؤية + الشمس). أي هناك درجة لليقين بحصول فعل الرؤية. وهناك درجة يقين لكنه الشيء الذي رأيته أنت.

فأنت رأيت وهذا شيء لا شك فيه، وهو حقيقة مطلقة. كما أنك تقرأ الآن، فهذه حقيقة مطلقة، أما ماذا تقرأ وهل ما تقرأ موجود أمامك حقاً أم لا أم أنه مجرد وهم أم أنك في حلم… فهذا شيء آخر. ما يهمنا هو أنك تقرأ. أي نخلص إلى القول بأن درجة الحقيقة لفعل الرؤية هو واحد. (أنت رأيت = 1)

الشق الثاني هو حقيقة الشيء الذي رأيته. أي هل ما رأيته هو حقاً الشمس أم أنه مجسم (شمس مفبركة يعني 🙂 ومجسمات ومن هالحكي ). لن نخوض في تعيين الرقم الآن ولكن ما يهمنا هو أنه لا يساوي الواحد. دعنا نقل (أنت رأيت الشمس = 0.9999).

دعنا نمثل ما نقصده بدرجة الحقيقة بوضع رمز قبل كل جملة، كأن نضعها ضمن قوس من الشكل {}.

{أنت رأيت الشمس} =          {أنت رأيت}*{الشمس}

                        =          1 * 0.999

                        =          0.999

لاحظ وجود النقص في الشق الثاني، وهو رؤية الشمس. النقص صغير جداً يقارب 0.0001 فما مصدر هذا النقص برأيك؟ فكر في الأمر وأخبرني رأيك ووجهة نظرك في الموضوع ريثما أتم نقل ما تبقى من هذه التدوينة من الأوراق المبعثرة هنا وهناك :).

لو تأملنا الحوار السابق بين Neo و Morpheus

Neo:       This isn’t real

Morpheus:  What is “real

How do you define “real

If you’re talking about

what you can feel …

… what you can smell, taste and see …

… then “real” is simply electrical

signals interpreted by your brain.

علاقة الحواس بالدماغ تشبه الغرفة المزدودة بنوافذ تطل على العالم الخارجي. فهذا الدماغ الذي تحمله في رأسك لا نوافذ له يطل منها على العالم الخارجي سوى هذه الحواس. فكل ما يدخل إلى هذا الدماغ يمر عبر تلك البوابات. وهنا نتذكر مقطعاً آخر من فلم The Matrix ودعنا نشبه الحواس بحراس البوابات التي يمكن منها الولوج للدماغ :). ولنشبه الحقيقة بالمقاتل The One :). (وما بين الأقواس هو إضافات من فكرة التدوينة للحوار الأصلي).

Morpheus:  … but they are (five senses) the gatekeepers

They’re guarding all the doors (that lead to the brain)

and holding all the keys (to the absolute truth)

Sooner or later, someone (a truth) will

have to fight them

Neo:       Someone

Morpheus:  I won’t lie to you, Neo

Every single man (every Truth) or woman who

has fought an agent, has died (become less than 1)

But where they have failed,

you will succeed.

دعنا نقرر بعض الأفكار:

  • العلميات التي تحدث في العقل تحدث واليقين بحدوثها يقين تام لا نقص فيه. لأننا إن شككنا في مقدار هذا اليقين فنحن نشكك بكل شيء. (تذرك: الاتجاه نحو الأمام فقط).
  • المعلومات التي تصل إلى الدماغ عبر الحواس فيها مقدار من نقص اليقين. أي لا يمكننا القطع بحقيقة تلك المعلومات. بعبارة أخرى تتسبب هذه البوابات في نقص في مقدار اليقين لكل المعلومات التي تُدخلها إلى الدماغ.

من هذا وذاك نخلص إلى القاعدة التالية: كل معلومة تمر بالحواس يصيبها قدر من النقص في اليقين. السبب هو طبيعة هذا الطريق الذي تعبره المعلومات للوصول إلى الدماغ. أي أن السبب هو بنية الحواس الخمسة وطريقة عملها. (سيكون ذلك موضوع التدوينة التي تلي نيوتن ولايبـ نيتز).

إذاً: ما يحدث في العقل يقينه مطلق. وما يحدث خارج العقل ويدركه العقل، يكون اليقين بإدراكه ليس مطلقاً – والسبب هو الحواس الخمسة.

دعنا نعد لمثال الشمس للتوضيح – متذكرين تعريف كلمة “حقيقي” كما عرفها مورفيوس نفسه. تخيل أنك ترى الشمس في سماءٍ صيفية لا غيوم فيها. اليقين بأنك “رأيت” هو يقين مطلق، أما اليقين بأنك رأيت “الشمس” فهو ليس مطلقاً. لماذا؟ لأن الشمس قد تكون انفجرت واختفت أثناء تناولك طعام الإفطار ولكي لا يصيبك شيء من الخوف لغيابها ولأنك غالٍ على قلب وكالات الفضاء العالمية فقد سارعت تلك الوكالات إلى وضع قرص منير على بعد مناسب من كوكب الأرض ليبدو كالشمس الحقيقة. ولما خرجت أنت لتأمل الشمس لم ترَ أي فرق وسررت بما اعتقدت أنه شمسنا الحقيقية. ولكن الحقيقة المرة التي لا تعلمها هي أن ما رأيته ليس الشمس نفسها.

ربما ستقول لي أن هذا مستحيل الحدوث، ولكنه ليس كذلك. ويمكننا ضرب أمثلة أقل حدة من هذا المثال وكثير منها يحدث معك في حياتك اليومية. فأنت قد تسمع صوتاً وتظنه صوت أبيك يأمرك بشيء ما. أنت سمعت الصوت واليقين بأنك “سمعت” أي اليقين بأن المنطقة من قشرة الدماغ المسؤولة عن “إدراك الصوت” قد تنبهت هو يقين مطلق. ولكن السؤال التالي هو صوت من سمعت؟ هل صوت أبيك؟ أم صوت جاركم يأمر ابنه؟ أم أنك تخيلت ذلك لكثرة ما تتعرض له من أوامر؟ كل تلك الاحتمالات واردة ولاحظ أنه حتى في حالة تخيلك للصوت فإن قشرة الدماغ المسؤولة عن إدراك الأصوات تكون قد تنبهت. هذه الحالة هي ما تحدث في الأحلام.

ففي الأحلام يتعرض دماغك لتنبيه يشابه تماماً التنبيهات التي تحدث فيما لو كنت واعياً. فالأحلام تحدث في إحدى فترات النوم التي تسمى بالـ Rapid eye Movement والتي يُلاظ فيها ارتفاع نشاط الدماغ لدرجة تقارب درجة اليقظة. الآن تخيل معي أنك رأيت شخصاً “ما” تحبه “كثيراً” في منامك. اليقين بأنك رأيته يقين تام. ولكن هل رأيته في الحقيقة على أرض الواقع؟ الجواب لا. هذه المفارقة تشرح بوضوح تام الفكرة التي أريد أن أوصلها لك من الفرق بين اليقين بما يحدث في الدماغ واليقين بما يحدث على أرض الواقع فعلاً.

العلاقة هنا تصب كالتالي:

{اليقين بأنك رأيت من تحب فعلاً} =      {اليقين بحدوث الرؤية} * {رؤية الشخص نفسه حقاً (عبر الحواس)}

                                    =          1 * 0

                                    =          0 أي أنك لم تره 🙂 (لم تره في الحقيقة).

وهذا منطقي، لأنك في واقع الأمر لم تره في الحقيقة. رأيته في المنام نعم ولكن ليس في الحقيقة. رؤيتك له في المنام تامة لأنها (أو لأن المعلومات التي ولدت هذه الرؤية) لم تمر بالمرشحات التي تسبب نقصاً في اليقين والتي هي في حالتنا هذه الحواس الخمس. ففي المنام قام الدماغ نفسه الذي هو مركز الرؤية بالرؤية دون أي وساطة، ولذلك فاليقين مطلق تماماً لأن الحقائق التي رآها لم تمر بما يسبب لها نقصاً في يقينها.

الآن سأختم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولنتفكر فيه معاً بعدما قرأته وبعد أن تُبين لي رأيك فيما قرأته. عندما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أننا سنرى الله سبحانه وتعالى في الجنة طمأننا إلى أن ذلك سيحدث فعلاً وحقيقة ويقيناً يشبه اليقين الذي يحدث عندما نرى القمر في ليلة صافية خالية سماؤها من الغيوم. فهل نُضام في رؤية القمر في مثل تلك الحالة؟

ونص الحديث:

نظر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى القمر ليلة البدر، فقال: “إنكم سترون الله تبارك وتعالى كما ترون هذا القمر لا تُضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألاَّ تغلبوا على ركعتين قبل طلوع الشمس، ولا ركعتين قبل غروبها، فافعلوا”.

ترى إلى أي يقين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير؟

  • هل كان يشير إلى اليقين “بحدوث الرؤية” للقمر؟ وهو يقين تام.
  • أم كان يشير لليقين بحدوث رؤية “القمر” نفسه دون غيره؟ وهو يقين غير تام.

6 تعليقات على “الإيمان والمنطق

  1. الإيمان و المنطق..عميقة و دقيقة جداً هذه التدوينة، و قد أصابت عقلي بصدمة قوية !
    لقد فتحت أمامي آفاقاً للتفكير و لإعادة التفكير من جديد..
    كنت أعتقد سابقاً بأن موضوع ( الحقيقة المطلقة ) أبسط من ذلك بكثير..

    شكراً لك..لابد بأني سأعيد قراءتها فصدمة واحدة لا تكفيني 🙂 ..
    و بالنسبة للحديث النبوي، أعتقد بأنه لابد قبل الإجابة على السؤال الذي ختمت به التدوينة من جمع ما ورد في موضوع الرؤية من آيات و أحاديث أخرى، بعد ذلك ننطلق في رحلة التفكر فيها..

    دمتم في حفظ الله..

  2. مما لا شك فيه أن مقايس الأخرة تختلف عن مقايس الدنيا، وفي رأيي المتواضع أن اليقين في الأخرة دائماً تام..
    وكما ذكرت أن فى حالة النوم تختفي المرشحات التى تسبب نقص في اليقين، وبما أنه لا يوجد نوم في الدار الأخرة ……
    وصح عنه صلوات ربي وسلامه عليه أنه سئل عن النوم في الجنة فعن جابر رضي الله عنه قال “: قيل: يا رسول الله أينام أهل الجنة؟ قال: لا، النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا يموتون ولا ينامون ”
    فهل هذا يعنى أن اليقين دائما غير تام؟!
    أما هو يقين دائماً تام؟ وهذا ما أؤمن به، أى أن اليقين هناك في الدار الأخرة هو يقين تام في كلا الحالتين- حدوث الرؤية ورؤية الله عز وجل- نسأل الله أن يمتعنا بلذة النظر إلى وجهه الكريم

    • الله آمين.
      ولكن أعتقد أن اليقين التام في الجنة لا علاقة له بغياب النوم. إنما لتغير بوابات الدخول الخاصة بالمعلومات التي نتلقاها من حولنا. ربما لن نتلقى المعلومات من حولنا هناك، ربما ستأتي من داخلنا مباشرة 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s