رداً على لايبنيتز

بسم الله الرحمن الرحيم

Shadi (Small)

في هذه التدوينة سأحلُ (كما أحبُ أن أفترض 🙂 ) المشكلة بين لايبنيتز ونيوتن، فمضي 300 سنة على المشكلة كافٍ، والخير في أن نسعى للصلح بين الرجلين.

قبل ذلك دعنا نلخص وجهة نظر نيوتن حول الفضاء المطلق، ومن ثم نلخص رد لايبنيتز عليها – ومن ثم سأبين لك أين يقع (من وجهة نظري) الخلل في رد لايبنيتز هذا. فأنا كما سترى أتفق مع نيوتن تماماً وأخالف لايبنيتز جملة وتفصيلاً! وأرى أن اعتراضه على مفهوم الفضاء المطلق خالٍ من أي معنىً و(بيناتنا) هو بالنسبة لي كلام فارغٌ تماماً (فراغ مطلق 🙂 ).

لنبدأ بما يقوله نيوتن عن مفهوم الفضاء المطلق هذا.

نيوتن يقول بالتالي:

  • الفضاء موجود وجوداً لا علاقة له بالأجسام الموجودة فيه (أي لا علاقة له بالأعلاقات الفراغية الحيزية بين الأجسام).
  • أي أن الفضاء هو وعاء فارغ وضع فيه الخالق المادة. أي أن الفضاء (الفراغ) كان موجوداً قبل وضع المادة فيه.
  • الفضاء بالنسبة له يشبه الوعاء الذي نملؤه بالماء مثلاً (الماء هنا هو المادة) غير أن الفضاء لا حدود له خلافاً للوعاء.

أما عن السبب الذي كان وراء اقتراح نيوتن لهذا المفهوم فهو:

  • التمييز بين الحركة النسبية والحركة المطلقة.
  • فأية حركة يجب أن تكون منسوبة لشيء ما. وبذلك فأي جسم يتحرك فهو يتحرك نسبة لجسم ما، وعندما يتحرك نسبة للفضاء المطلق فحركته هنا مطلقة.

أما لايبنيتز فيقول:

  • الفضاء يتألف من العلاقات الحيزية بين الأجسام. أي أنه وجد مع خلق المادة ولم يكن موجوداً قبلها.
  • أي أن الفضاء ليس وعاء مستقلاً عن المادة التي فيه، إنما هو موجود بسبب وجود هذ المادة، أي ليس كينونة مستقلة عنها.

للرد يجب أن أوضح لك نقاطاً أستند عليها وهي كالتالي:

¤   الفضاء لا حدود له. هذا أمر يجب أن تتفق معي عليه شئت أم أبيت (ديمقراطية). فعقلنا (كما أعتقد) لا يمكن إلا أن يقر بذلك ولا يمكن أن يتصور أو يقر بفضاء محدود – لأنه إذا قلت له بأن الفضاء محدود فسيقول لك مباشرة ماذا يوجد وراء هذا الحد. (ما أقصده هنا هو الإشارة لطبيعة تفكيرنا أكثر من الإشارة إلى طبيعة الفضاء).

¤   الحركة بالنسبة لنا هي دائماً حركة جسم نسبة لجسم آخر. فلا يمكن أن نتصور حركة جسم ما دون أن تتغير أبعاده عن جسم آخر (جسم ما). ولنقول عن جسم ما بأنه ثابت ثباتاً مطلقاً فيجب أن تكون أبعاد الجسم عن كل نقطة في الكون لا تتغير.

¤   في فضاء لا حدود له، ولكي نفهم الحركة المطلقة بالنسبة للفضاء المطلق ولحل كل إشكاليات لايبنيتز نستطيع بكل ثقة أن نقول بأن مركز الكون هو أي نقطة فيه. يمكننا أن نختار أي نقطة في ونقول بأنها مركز الكون. بذلك يمكن أن نقول أن الجسم يتحرك حركة مطلقة إذا كان يتحرك نسبة لتلك النقطة.

  • طبعاً لا نستيطع أن نقول عن نقطة أنها هي هي مركز الكون وليس سواها، فنحن لا نستطيع أن نتأكد بأن هذه النقطة ثابتة بشكل مطلق نسبة لكل نقاط الكون الأخرى. لاحظ كيف أن مفهوم الثبات المطلق احتاج لمفهوم النسبة لنقاط أخرى.

¤   مما سبق نسنتنج أن أي جسم يتحرك حركة نسبية لنقطة ما فهو حتماً يتحرك حركة مطلقة. أي أن قولنا بالحركة النسبية هو إشارة لسكون نقطة أخرى (بالنسبة لمركز الكون السابق) أكثر مما هو إشارة لحركة الجسم الذي نتحدث عنه.

¤   إذاً مما سبق يمكننا اختيار نقطة ما من الفضاء واعتبارها مركزه المطلق (طبعاً ستصمد على نطاق معين ولكنها تفشل في الصمود على نطاق أكبر، ولكن بالمقابل فإنه وعلى كل نطاق يمكننا اختيار نقطة أخرى تفي بالغرض على هذا النطاق). فلا يمكننا ونحن نقر بأن الفضاء لا حدود له بالقول بأن هذه النقطة هي مركزه المطلق الحقيقي لأننا بذلك سنتعارض مع ما نفترض صحته (لانهائية الفضاء).

الآن دعنا نرى الطريقة التي (يعتقد) لايبنيتز أنها كافية لدحض مفهوم الفضاء المطلق!.

يستخدم فكرة مبدأ هوية الغير مدرك

Principle of the Identity of Indiscernible” =PII

لايبنيتز أن هذا المبدأ صحيح دون أدنى شك، ورفض به فكرة أن الفضاء مطلق. يقوم مبدأ PII على أنه إذا كان جسمان يتعذر تمييزهما عن بعضها بأي اختلاف فهذا يعني أن هذين الجسمين هما جسم واحد، أي هما الشيء ذاته.

ماذا يقصد لايبنيتز بذلك؟

لكل جسم خصائص معينة كالطول والعرض واللون والشكل الفراغي… كل هذه تسمى صفات هذا الجسم. فإذا كان جسمان يمتلكان نفس الخصائص (نفس كل الخصائص) فلا بد وأن يكونا الجسم ذاته أي لا يمكن أن يكونا جسمين مختلفين.

كلامه صحيح ولكنه يحمل في طياته ما يهدمه (صدقت يا هيجل).

فمبدئياً لا يمكن لك أن جد أي شيئين (لنتجاهل كلمة جسمين حالياً) لهما نفس الصفات. فإن قلت لدي قلمان متشابها تماماً نفس اللون ونفس الحجم ونفس الطول… ولو افترضنا بأن ذلك صحيح على الصعيد المجهري والذري وأنه لا توجد فروق ذرية بينهما وأن الآلة التي صنعتهما دقيقة للغاية (للانهاية :)) لقلت لك ببساطة إنهما يختلفان عن بعضهما بخاصية هي الموقع (الإحداثيات – ولكن الإحداثيات نسبة لم؟ يمكن أن تختار أي نقطة أنت مثلاً وتقول أنهما مختلفان بالموقع بالنسبة لك). وبذلك فهما ليسا الشيء نفسه لأننا وجدنا خاصية لا يتفقان بها. أما إن كانا يملتكان نفس الموقع أيضاً فلا بد وأنك يا صديي تتحدث عن جسم واحد (مبدئياً).

هل لاحظت أن مبدأه هذا هو نفسه يحتاج للنسبية، أي يحتاج لأن ننسبه لشيء ما لأنه لولا ذلك لما كان صحيحاً. وكما سبق وقلنا فإن أي نقطة تصلح لأن تكون مركز الكون – فأنت مثلاً (وعلى هذا النطاق) يمكن أن تعتبر نفسك مركز الكون 🙂 وبذلك يكون مبدؤه صحيحاً والقلمان ليسا قلماً واحداً.

إذاً القانون نفسه (مبدئياً) صحيح تماماً، فلا يمكن لشيئين أن يكون لهما الصفات نفسهما كلها وألا يكونا شيئين مختلفين بعدها، إذا لا بد أن يختلفا عن بعضهما البعض صفة واحدة على الأقل لكي لا يكونا الشيء ذاته.

لنر الآن كيف أساء لايبنيتز استخدام هذا القانون ليقنعنا بأن مفهوم الفضاء المطلق غير صحيح. والمضحك في الأمر أن اسم قانونه يدل على خطأه الذي وقع فيه أثناء محاولته تلك.

لننقل ما قاله عن التجربة الأولى من التدوينة السابقة:

تبعاً لفرضية نيوتن فإن أي جسم يكون له موقع محدد في الفضاء المطلق في أية لحظة. لايبنيتز يطلب منا أن نتخيل وجود كونينيحتويان نفس الأجسام بالضبط. في الكون الأول كل جسم يحتل موقعاً في الفضاء المطلق. في الفضاء الثاني كل الأجسام تكون منزلقة عن موقعها الأول بميلين إلى الشرق مثلاً. لن تكون هناك طريقة يتم بها تفرقة وتمييز هذين الكونين عن بعضهما لأننا لا نستطيع أن نعرف موقع الجسم بالنسبة للفضاء المطلق كما افترض نيوتن نفسه. كل ما يمكن أن ندركه هو معرفة مواقع الأجسام نسبة لبعضها البعض، وهذا سيبقى غير متغير إذا أزيحت كل الأجسام نحو الشرق بنفس القدر.

لا شيء يمكننا به أن نميز فيما إذا كنا نعيش في الكون الأول أو الثاني.

سنعيد ترتيب الخطوات لنكتشف الخطأ:

  1. تخيل وجود كونينيحتويان نفس الأجسام بالضبط.
  2. في الكون الأول كل جسم يحتل موقعاً في الفضاء المطلق.
  3. في الفضاء الثاني كل الأجسام تكون منزلقة عن موقعها الأول بميلين إلى الشرق مثلاً.
  4. لا شيء يمكننا به أن نميز فيما إذا كنا نعيش في الكون الأول أو الثاني.

أين وقع في الخطأ في استنتاجه السابق؟

خطأه هو في الخطة الأولى. فهو قد تخيل وجود كونين يحتويان العناصر نفسها وأحدهما هو انزياح للآخر، وافترض أنك تخيلت ذلك وتابع في استنتاجه. استنتاجه صحيح تماماً فيما لو تمت الخطوة الأولى. ولكن هل يمكنك حقاً تخيل كونين دون أن يضمهما كون واحد؟

هل يمكنك أن تتخيل دائرتين لا يمكن لدائرة ثالثة أن تحتويهما؟ ألم نتفق على أن الكون لا حدود له! هذه الخاصية تجعل من المستحيل على عقلك ان يتخيل كونين بهذه الخاصية. تذكر اسم المبدأ الآن: مبدأ هوية الغير مدرك!!!.

فلا يمكن لنا أن نتخيل كونين لهما صفة اللانهائية. ولو كانا كونين منتهيين لضمهما كون ثالث هو مجموعهما أو كوننا هذا الذي نحن فيه.

تجربته الثانية ترتكب نفس الخطأ لكن بشكل آخر :).

بالتالي نحن لا نتحدث عن كونين يشتركان بنفس الصفات لنقول بأنهما كون واحد – فهما كون واحد من الأساس!. ولا يمكن لنا أن نتفرض وجود كونين لهما صفة معينة ونتجاوز عدم إمكانية ذلك ونستنتج بخطوات أخرى حقيقة ما. أسمي هذا النوع من الأخطاء امنطقية بالـ “القفز والإفلات” حيث يتم القفز فوق إحدى الخطوات رغم عدم إمكانية حصولها أو رغم كونها خاطئة ويتم الوصول إلى حقيقة ما تُعتبر صحيحة رغم عملية القفز السابقة. ويتم إفلات الحقيقة التي توصلنا لها على قضايا أخرى. إذاً هذا لا يعني كما يظن لايبنيتز أن نظرية نيوتن حول الفضاء المطلق خاطئة.

بعبارة أخرى يتجاهل لايبنيتز كون الخطوة رقم 1 في الاستدلال السابق غير ممكنة – أي لا يمكن إدراك تصورها – ويتابع!. ثم لنرَ إلى ماذا يشير:

تتمضن نظرية نيوتن أن هناك فرقاً جوهرياً بين أن يكون الكون الأول في مكان ما في الفضاء المطلق وبين كونه مزاحاً باتجاه معين. لكن لايبنيتز يشير إلى أن هذا الفرق غير قابل للإدراك أبداً طالما يتم إزاحة كل عناصر الكون بقدر واحد.

فهو بذلك يناقض نفسه!. فهو يستخدم مبدئاً اسمه “هوية الغير مدرك” ويطلب منا تخيل شيء “لا يمكننا إدراكه!” ثم يطلب منا أن نعترف أن ما تخيلناه (ونحن لم نفعل) هو ف الحقيقة شيء واحد (وهو واحد من الأساس) ثم يقول لك بناء على ماسبق مبدأ نيوتن خاطىء!!!!!.

أما بالنسبة لتجربة الدلو الخاصة بنيوتن فأعتقد أنه ابتكرها لأنه عرف أنه لا يمكن إسكات لايبنيتز إلا بهذه الطريقة :).

أما اقتراح لايبنيتز للتمييز بين الحركة المطلقة والحركة النسبية المعتمد على كون السبب في الحركة من ضمن الجسم نفسه فهو قول لا يحمل أي قيمة علمية ومردود عليه وخاطىء تماماً. تسأل لماذا؟

لنأخذ ثلاثة نقاط على مستقيم ما A, B, C بحيث تقع B في المنتصف. لنحرك B بدفعة منا نحن، نحو A. هنا تبدأ المسافة بين B و A بالتناقص والمسافة بين B و C بالزيادة لأن B تتحرك نحو A. إذا هنا نقول أن B تتحرك حركة نسبية بالنسبة للنقطتين A, C. والحركة النسبية هي حركة مطلقة بطبيعة الحال، أي إن كان جسم ما يتحرك حركة نسبية بالنسبة لنقطة أخرى فهو في حركة مطلقة بالنسبة لمركز الكون بشكل حتمي، لأننا نفترض أن مركز الكون لا يتحرك (على مستوىً معين يخدم تجربتنا الحالية – فلا يمكننا بحال من الأحوال ضمان عدم تحرك هذا المركز، لأننا لا نستطيع أن نراقب الكون كله، لأننا نؤمن بأنه غير متناه وهذا يعني استحالة مراقبته كله). {يذكرني هذا بفرضية كنت قد وضعتها منذ فترة طويلة – تقول الفرضية بأنك حتى تستطيع العودة بالزمن نحو الخلف فإنك بحاجة للتحكم بكل الكون (أو الجملة) التي تريد أن تعيد زمنها للخلف، وهذا مستحيل علينا لأن الكون غير منتهٍ}.

طبعاً تقول لي مباشرة: يمكن ألا تكون النقطة B هي التي تتحرك، إذ يمكن للنقطتان A, C أن تكونا هما اللتان تتحركان على المستقية بحيث تبدو لك B وكأنها تتحرك. هذا صحيح لكن يمكن حل هذه المشكلة ببساطة. كيف؟ هذا السؤال موجه لك. (حله بسيط جداً).

إذا لا يشترط أن يكون سبب الحركة من الجسم نفسه ليكون في حالة حركة مطلقة كما يقول لايبنيتز.

إشكالية أخرى يفرضها لايبنيتز على نفسه. وسأتبع نفس الأسلوب – الذي اتبعه لايبنيتز لينفي مفهوم الفضاء المطلق – لنفي ما جاء به لايبنيتز.

لو عدت للوراء لرأيت أن نيوتن يفترض أن الفضاء هو وعاء. أي أنه يشير بذلك إلى ما يسمى بالفراغ، الفراغ بين الأجسام، الفراغ ماوراء الأجسام. فإذا افترضنا أن هناك في هذا الكون جسمان فقط، فسيكون الفراغ هو ما بينهما وما خلفهما. أما تبعاً لـ لايبنيتز فالكون هو العلاقة بين هذين الجسمين فقط. أي أن ما بينهما (من فراغ) هو نتيجة وجودهما فقط. لنفترض كوناً فيه جسمان فقط (وهذا يسير تصوره) فيكون الكون هو العلاقة بينهما، أي كل الفضاء الشاسع وامتداده اللامنتهي هو نتيجة العلاقة بينهما، لنضف جسماً ثالثاً، سيصبح الفضاء والفراغ هو نتيجة العلاقة بين الأجسام الثلاثة، لنحذف جسمين سيصبح الفضاء هو العلاقة بين الجسم ونفسه. وهذا أمر عسير تصوره!.

يمكننا تصور أن الفراغ بين جسمين هو نتيجة العلاقة المتبادلة بينهما (المسافة) أما أن ننسب كل الكون وكل اتساعه لهذه العلاقة فهذا أمر لا مبرر له ولا يمكن تخيله بشكل من الأشكال.

إشكالية أخرى – وهي إشكالية رئيسية تماماً. لا أتذكر إن كنت قد كتبت عنها من قبل، ولكني أفكر في الكتابة عنها منذ أمد بعيد. وهي تتعل بمبدأ PII بشكل من الأشكال.

هل تعتقد أن هذا المبدأ صحيح؟!؟

من الناحية النظرية المبدأ صحيح حتماً، فكون شيين يتماثلان بكل الصفات من الطول والعرض والموقع في الفراغ… فهذا يعني حتماً أنهما شيء واحد. فحتى نقول عن شيء ما أنه الشيء الفلاني والآخر العلاني فيجب على الأقل أن يختلفا بصفة واحد على الأقل. يمكن توضيح المبدأ بتبسيطه.

تخيل أن كوننا هو مستقيم وأن كل الأشياء عليه هي عبارة عن نقاط. فحتى نقول عن نقطتين أنهما نقطتان مختلفتان وليستا نقطة واحدة فيجب أن تكون أبعادهما عن الصفر أو أي نقطة نختارها غير متساوية. وإلا فهما النقطة ذاتها.

أما في كوننا فالأمر يختلف. (تذكر أنه يختلف في كوننا لأننا لا نعرف مما يتألف كوننا، وهو صحيح في المستقيم لأننا نعرف مافي هذا الكون، فنحن من صنعه وافترضه، وهذه من صفات المفاهيم الرياضية).

لماذا لا يعد هذا المبدأ صحيحاً في كوننا؟ لأننا لا نعرف كنه هذا الكون. لا نعرف كنه مادته.

كيف ذلك؟

دعنا نتحدث عن المادة واللامادة والصورية بينهما.

كنت أقول رفاقي في الصف الثالث الثانوي إن لامست بإبهامك سبابتك، هل تعتقد أن تلامساً حقيقاً قد حدث بين إصبعيك؟ الجواب كان دائماً نعم بكل تأكيد. ما رأيك؟

الكرسي التي تجلس عليها أنت، هل تلامس الأرض حقاً؟ (أي هل تلامس الأرض يقينا؟ :)). قد تقول نعم، ولكن الكواب القطعي هو لا.

هل المسافة بين إصبعيك المتلامسين = 0 تماماً؟ أم هي أكبر قليلاً؟ إذا كانت أكبر قليلاً فلا يمكن أن نقول أنهما متلامستان، أليس كذلك؟

مم تتألف المادة؟ سؤال يراودني… ولكن السؤال الذي يروادني أكثر هو “ما هي (المادة)؟”. هل هناك شيء اسمه المادة؟

إن التصور الذي نحمله عن المادة هو أنها شيء ما لا يتجزأ. شيء ما له (مكون ما) لا يمكن أن يكون هناك (مكون) له. وتفكيرنا دائماً مبني على هذا التصور. فمنذ عهد العلماء اليونان الذين تخيلوا الذرة إلى عهد بور إلى فاينمان نظل نتخيل مكونات المادة أشياء كروية، كل مافي الأمر أننا نكتشف أنها أصغر فأصغر فأصغر. ولكن نظل نتصورها كرات!!!. لماذا؟ لأننا نعتقد أن هناك شئيئاً ما اسمه المادة وشيئاً آخر اسمه اللامادة (كالأمواج الراديوية مثلاً). وفي ظل هذا الوهم ضعنا.

حتى يكون مبدأ PII صحيحاً يجب أن يكون هناك شيء اسمه مادة وشيء آخر اسمه لا مادة. المادة لا يمكن أن تتداخل، أي يمكن أن يحصل تلامس بين مادتين وتصبح المسافة بينهما صفراً لكن ليس أكثر من ذلك، أي لن يحصل تداخل. أي أنهما لن يخترقا بعضهما. أي هناك سد لا يمكن تجاوزه، لأنه مسدود، تملوؤه المادة!. وبذلك يكون أي جسمين مهما تشابها بالصفات فهما حتماً مختلفان بالموقع أي أنهما ليسا جسماً واحداً. حتى الإلكترونات التي من المفترض أنها تتشابه بكل شيء (لننسَ السبين) إلا أنها لا يمكن أن تشترك بنفس الموقع، أي لا يمكن أن تتداخل، لأننا سنفترض أنها ستتصادم. فمفهوم التصادم يعود لمفهوم المادة نفسه وعدم إمكانية تداخلها. (أما عن سبب عدم التداخل فهو شيء آخر تماماً – هل تعرف ما هو؟ هذا هو السؤال الثاني الموجه لك 🙂 ).

ولكن مالذي يدعونا لهذا التصور؟ مالذي يجعلنا نعتقد بأنهما لا يمكن أن يتداخلا؟ لماذا لا يمكن أن يحتلا نفس الموقع ويبقيان مختلفان؟

إن الذي يجعلنا نتصور أن مبدأ PII صحيح نظرياً هو تصورنا المسبق عن المادة.

لكني أعتقد أننا لا يمكن أن نجزم بصحته مالم نفهم كنه هذا الكون وحقيقة تركيبه. {وهذا مالن نفهمه يوماً (برأيي)}. بالتالي لا يمكننا الجزم التام بصحته. يمكننا أن نعتبره صحيحاً في ظل نظام معين – في ظل صورية معينة عن المادة واللامادة. أما صحته المطلقة فهي أمر لا يمكننا الجزم به. أي أننا لا نستطيع استخدامه لنفي مفهوم الفضاء المطلق.

حل السؤال بجعل النقاط تتحرك بثبات على المستقيم، مسننا مثلاً – عندها عندما يتحرك المستقيم فإن كل النقاط عليه تتحرك معاً.

سبب عدم التداخل القوى التي تحكم العلاقة بين مكونات مكونات الذرة.