تفسير الظواهر – علمياً

Explanation in science

تفسير الظواهر علمياً

من أهم أهداف العلم محاولة شرح وتفسير ما يحدث من حولنا في العالم. أحياناً نبحث عن تفسير ظارهة ما لأسباب عملية تماماً. فنحن نبحث عن أسباب ضعف طبقة الأوزون لوضع حد لذلك ولاتخاذ إجراءات عملية لذلك الهدف. وأحياناً نبحث عن التفسير لإرضاء فضولنا الفكري لا أكثر، لكي نفهم المزيد عن طريقة عمل الكون من حولنا. وتاريخياً يتحرك العلماء لمحاولة تفسير الظواهر من حولهم بدافع من كلا السببين.

وكثيراً ما ينجح العلم في هدفه في السعي وراء تفسير ظارة ما. فمثلاً يستطيع الكيميائيون إخبارك عن سبب اشتعال الصوديوم باللون الأصفر. ويستيطع علماء الفلك تفسير حدوث الكسوف والخسوف. ويستطيع علماء الاقتصاد شرح أسباب تدهور الين في ثمانينات القرن الماضي. كما يستطيع علماء الوراثة شرح سبب ميل الصلع للانتشار الوراثي ضمن العائلات. ويستطيع علماء الفيزلوجيا العصبية تفسير حدوث الأذية العصبية عند حرمان خلايا الدماغ من الأكسجين فترة طويلة من الزمن. والأمثلة المشابهة لا تكاد تنتهي للظواهر المحيطة بنا والتي مكن تفسيرها علمياً.

ولكن ماذا يعني تفسير ظاهرة ما علمياً؟ ماذا نعني بالضبط عندما نقول بأننا نستطيع تفسير هذه الظاهرة علمياً؟ سؤال اهتم به الفلاسفة منذ عهد أرسطو، ولكن اهتمامنا هنا سيكون حول وجهة نظر الفيلسوف الأمريكي Carl Hempel همبل ومساهمته في الموضوع في خمسينات القرن الماضي 1950s.

تعرف مساهمة همبل Hempel بـ نموذج همبل المعرف بالقوانين لتفسير الظواهر.

لاحظ همبل أن محاولة تفسير الظواهر علمياً هو في الحقيقة محاولة للإجابة عن مجموعة من الأسئلة من نوع “لماذا؟”. أمثلة عن هذه الأسئلة: لماذا ليست الأرض كروية تماماً؟. لماذا تعيش النساء أطول من الرجال؟ وبذلك يكون تقديم نفسير علمي لظاهرة ما هو البحث عن أجوبة مرضية لمجموعة من أسئلة لماذا الخاصة بهذه الظاهرة المراد تفسيرها.

وإذا استطعنا تحديد السمات الأساسية التي يجب أن تتوافر في هذه الأسئلة يمكنا حينها الإجابة عن سؤالنا: ماذ يعني تفسير الظاهرة علمياً.

يفترض هميل أن تفسير الظواهر علمياً يمتلك نفس البناء الخاص بالاستدلال Argument. أي مجموعة من المقدمات Premises متبوعة بنتيجة هذا الاستدلال Conclusion. النتيجة التي نحصل عليها من هذا البناء تنص على أن الظاهرة (المراد تفسيرها) حقيقة وأمر واقع، و المقدمات هي التي تخبرنا بأن هذه النتيجة صحيحة.

25

لذلك وبافتراض أن أحدهم سأل: لماذا ينحل السكر بالماء؟ هذا السؤال هو سؤال من نوع “لماذا؟”. وللإجابة عنه يقول همبل بأننا بحاجة إلى بناء استدلال تنص نتيجته على أن السكر ينحل بالماء. ومقدمات ذلك الاستدلال هي التي تؤكذ صحة هذه النتيجة. بذلك لتوضيح معنى تفسير الظاهرة علمياً نحن بحاجة للتحديد الدقيق للعلاقة التي يجب أن تقوم بين مجموعة المقدمات ونتيجتها، وذلك لكي نعتبر تلك المقدمات تفسيراً لتلك النتيجة.

إذاً جواب همبل عن سؤالنا (ماذا يعني تفسير الظواهر علمياً) يتضمن 3 أشياء:

  1. المقدمات يجب أن تضمن وصولنا للنتيجة (أي يجب أن يكون الاستدلال استنتاجاً).
  2. يجب أن تكون جميع المقدمات صحيحة.
  3. يجب أن تحتوي المقدمات على “قانون عام” واحد على الأقل General Law.

القوانين العامة هي قوانين من قبيل:

  • كل المعادن تنقل الحرارة.
  • تسارع الجسم يتناسب عكساً كتلته.
  • كل النباتات تحتوي على الكلوروفيل…

وهذه تختلف عن الحقائق المحددة General Facts والتي نحتاج إليها إلى جانب القانون للوصول إلى النتيجة المطلوبة لتفسير ظاهرة ما. مثل قولنا: هذه النبتة على مكتبي تحتوي على الكلوروفيل، هذه القطعة هي معدن، تعرضت لأشعة الشمس فترة طويلة… أي أن قولنا: تعرضت لأشعة الشمس = حقيقة محددة. أما القانون العام الذي يمكن أن نستخدمه مع مثل هذه الحقيقة المحددة (للوصول لنتيجة معينة أو تفسير ظاهرة معينة) فهو من قبيل = التعرض للمشمس يسبب أمراضاً جلدية.

تدعى القوانين العامة بقوانين الطبيعة Laws of Nature. ونموذج همبل يحتوي على النوعين السابقين من المقدمات: القوانين العامة (قانون واحد على الأقل) والحقائق المحددة. بذلك يكون تفسير الظواهر علمياً كما يرى همبل هو عبارة عن إظهار أن حدوثه يمكن أن يُستنتج من قانون عام مضافاً له بعض الحقائق المحددة التي يجب أن تكون صحيحة.

كمثال عن ذلك: لنفترض أنني أريد أن أفسر سبب موت النبتة الموجودة على طاولتي. يمكن أن يكون التفسير كما يلي:

  • لكون الضوء لا يدخل مكتبي بشكل كافٍ.
  • لم يصل ضوء كافٍ إلى النبتة.
  • ولأن ضوء الشمس ضروري للتركيب الضوئي.
  • الذي يمكّن النبات من صنع الكربوهيدرات.
  • والتي لا يمكن للنبات أن يعيش بدونها.
  • ß لذلك ماتت النبتة على مكتبي.

يتطابق هذا التفسير تماماً مع نموذج همبل، فهو يفسر موت النبات باستنتاج هذا الموت مستخدمين قانوين عامين:

  • ضوء الشمس ضروري للتركيب الضوئي.
  • والتركيب الضوئ ضروري لحياة النبات.

كما يستخدم بعض الحقائق المحددة:

  • النبات لا يحصل على كمية كافية من الضوء.

ولأن هذين القانوني العامين صحيحان ولأن الحقائق المحدةة صحيحة فإن موت النبات محتم (أي نتيجة الاستدلال السابق محتمة). لذلك فإن هذا الاستدلال يشكل تفسيراً جيداً للظاهرة التي نفسرها (موت النبات على مكتبي).

يمكن كتابة نموذج همبل كما يلي:

25

والظاهرة التي نريد تفسيرها هي نفسها يمكن أن تكون أحد تلك القوانين العامة التي نستخدمها في تفسير ظواهر أخرى. فكل قانون عام له برهانه أيضاً قبل أن يصبح قانوناً ونستطيع استخدامه في برهنة وتفسير ظواهر أخرى.

وأحياناً تكون الظواهر التي نريد تفسيرها عامة بشكل أكبر. فمثلاً قد نرغب في تفسير سبب إصابة الجلد بالسرطان لدى تعرضه للشمس بشدة. لتفسير مثل هذه الظواهر نحتاج لقوانين أكثر أساسية (في مثالنا هنا قوانين حول تأثير الشمس على الجلد)، بالإضافة إلى حقائق محددة ككمية الأشعة الموجوة في أشعة الشمس التي تعرض لها الجلد. بذلك نرى أن الهيكل العام لتفسير الظواهر هو نفسه سواء أكانت تلك الظواهر عامة أم محددة.

وبذلك يسهل علينا معرفة سبب تسمية نموذج همبل بالنموذج المغطى بالقوانين. لأنه وتبعاً للهيكلية السابقة فإن أساس تفسير الظاهرة ههو البرهان على أنها تحدث استناداً لقانون من قوانين الطبيعة يغطي هذه الظاهرة.

هناك حتماً شيء مغرٍ في هذا النموذج. فإظهار كون الظاهرة نتيجةً لقانون عام يجلعها أكثر قابلية للفهم ويزيل الغموض الذي يكتنفها. والتفاسير التي يقدمها العلماء تتطابق غالباً مع نموذج همبل المعرف بالقوانين.

على سبيل المثال: فسر نيوتن سبب دوارن الكواكب حول الشمس في مدارات إهليليجية بإظهار أن ذلك يمكن أن يستنتج من قانونه الخاص بالجاذبية العامة General Gravitation مضافاً له بعض الافتراضات الثانوية. تفسير نيوتن هذا يتطابق تماماً مع نموذج همبل. فالظاهرة يتم تفسيرها بإظهار أنها يجب أن تكون هكذا مستخدمين قوانين طبيعية مع بعض الحقائق المحددة. وبعد تفسير نيوتن هذا لم يعد هناك أي غموض يلف سبب دوران الكواكب حول الشمس بمدارات إهليلجية.

هيجل كان يعلم أن نموذجه لا يتطابق مع التفسير العلمي لكل الظواهر بشكل مباشر. فمثلاً لدى سؤالنا: لماذا تغرق بكين بالدخان؟ قد يجيب البعض: لأن السيارات تنفث الملوثات في الجو. وهذا تفسير مقبول تماماً من وجهة نظر علمية. لكنه لا يحتوي على أية قوانين وبذلك لا يتطابق مبدئياً مع نموذج همبل.

يجيب همبل عن ذلك بأننا لو خضنا في تفاصيل التفسير بشكل أعمق قليلاً فإن الوانين سرعان ما ستدخل في الصورة. فبافتراض وجود قانون كالتالي: (إذا أطلق غاز Co أول أكسيد الكربون إلى الجو بكميات وافية فإن الدخان سيتشكل). فإن التفسير العلمي للظاهرة السابقة سوف يتضمن بالتأكيد هذا القانون بالإضافة إلى حقائق محددة ككون عودام السيارات تحتوي على أول أكسيد الكربون وأنه توجد في بكين أعداد هائلة من السيارات.

في الحياة اليومية لا نغوص دائماً للعمق الذي يكفل ظهور القوانين لدى تفسيرنا للظاهر علمياً إلا إذا كنا نتحرى الدقة أو كان هناك ضرورة لذلك. لكن بمجرد الغوص في التقاصيل بشكل أكبر فإن القوانين الطبيعية ستظهر في الصورة وسيتطابق التفسير مع نموذج همبل المغطى بالقوانين بشكل تام.

وقد ذكر همبل أن هناك نتائج مثيرة عن نموذجه هذا فيما يخص تفسير الظواهر علمياً، وهي تتعلق بـ العلاقة بين “تفسير” الظاهرة و”توقعها“.

فقد قال همبل بأن تفسير الظاهرة والتنبؤ بها هما وجهان لعملة واحدة. ففي كل مرة نفسر فيها ظاهرة ما علمياً مستخدمين نموذج همبل المغطى بالقوانين معتمدين على قانون ما يغطي هذه الظاهرة مع مجموعة من الحقائق المحددة فإننا نتنبؤ بنفس الظاهرة إن لم نكن نعلم بها مسبقاً.

لتوضيح ذلك تذكر مرة أخرى تفسير نيوتن لدوران الكواكب حول الشمس بمدارات إهليلجية. هذه الحقيقة كانت معروفة منذ القدم قبل أن يفسرها نيوتن بوقت طويل، وكان أول من اكتشفها هو عالم الفلك كبلر Kepler. ولكن لوأنها لم تكن معروفة فإن نيوتن كان يمكن أن يتنبأ بها مستخدماً قانونه في الجاذبية العامة مع مجموعة من الحقائق الإضافية. عبر همبل عن ذلك بقوله أن كل تفسير لظاهرة ما هو تنبؤ بها فيما لو كانت تلك الظاهرة غير معروفة لنا.

والعكس صحيح أيضاً، فهمبل يقول لنا بأن أي توقع لظاهرة ما هو بالنتيجة تفسير لهذه الظاهرة بعد وقوعها. كمثال عن ذلك لنفترض أن علماء الحيوان توقعوا انقراض أحد أنواع الغوريلات في حلول عام 2150. مستخدمين معلومات متوافرة لديهم عن الخراب الذي تتعرض له مواطن تلك الحيوانات بالإضافة لمعلومات أخرى. وبفرض أن هذا حدث فإنه وبعد انقراض تلك الحيوانات فإننا يمكن أن نفسر هذا الانقراض بنفس النموذج الذي توقعنا به حصول هذه الظاهرة أساساً.

إذاً التنبؤ بالظاهرة وتفسيرها هما وجهان لعملة واحدة. (الاختلاف هو في توقيت كل منهما، فأحدهما يسبق وقوع الظاهرة والثاني يتلوه).

وعلى الرغم من أن نموذج همبل يخدم في كثير من التفسيرات العمية للكثير من الظواهر، إلا أنه يواجه أمثلة تحيد عنه بشكل غريب. تندرج هذه الأمثلة في صنفين. فمن جهة هناك مجموعة من التفاسير العلمية الأصيلة اتي لا تنطبق على نموذج همبل هذا ولا حتى بشكل تقريبي. هذه الحالات تجعلنا نحكم على نموذج همبل بأنه “محدود” Restricted وضيق لدرجة أنه لا ينطبق على هذه التفسيرات العلمية الأصيلة. ومن جهة أخرى هناك حالات تنطبق على نموذج همبل ولكنها حدسياً لا تعتبر تفسيرات علمية حقيقية. هذه الحالات تجعلنا نحكم على نموذج همبل بأنه “واسع” Liberal جداً لأنه بنطبق على مثل هذه الحالات.

سندرس هنا نموذجاً عن الفئة الثانية من الحالات – المعبرة عما يسمى مشكلة التناظر.

مشكلة التناظر The Problem of Symmetry

لنفترض أنك مستلق على شاطى البحر في يوم مشمس، وقد لاحظت بالقرب منك راية معلقة على سارية ترسم ظلاً على الشاطىء بطول 20 متراً.

التقاط

يطلب منك أحدهم تفسير ذلك (لماذا طول ظل السارية 20 م). تفسير مقنع لذلك يمكن أن يكون على الشكل التالي:

  • الضوء الصادر عن الشمس يسافر بخطوط مستقيمة.
  • وهو يسقط على السارية والتي هي بارتفاع 15 م.
  • زاوية ارتفاع الشمس هي 37 درجة.
  • وباستخدام مجموعة من قوانين المثلثات يمكننا أن نستنتج بأن:
  • طول الظل (قاعدة المثلث) سيكون 20 م. (ظل 37 = 15/20).

يبدو هذا الجواب كتفسير علميٍ ممتاز لسؤالنا السابق. يمكننا إعادة كتابته كالتالي مستندين لنموذج همبل السابق:

Explantaion in Science (2)

نلاحظ مما سبق أن طول الظل قد تم استنتاجه انطلاقاً من زاوية ارتفاع الشمس ومن طول السارية، بالإضافة إلى بعض قوانين البصريات والمثلثات. ولأن هذه القوانين صحيحة وأن الحقائق المستخدمة (طول السارية = 15) أيضاً صحيحة فإن ههذا يعني تطابق ما سبق مع نموذج همبل بشكل تام.

ولكن المشكلة تبرز كما يلي: لنفترض أننا بدلنا بين الظاهرة التي نريد تفسيرها (طول الظل = 20) وبين الحقيقة المحددة المستخدمة في التفسير (طول السارية = 15). ينتج معنا مايلي:

Explantaion in Science (3)

هذا التفسير أيضاً يتطابق مع نموذج همبل المغطى بالقوانين. لكن هنا استنتجنا أن طول السارية 15 انطلاقاً من طول الظل وزاوية ارتفاع الشمس بالإضافة إلى القوانين السابقة نفسها. أي أننا تبعاً لنموذج همبل فإننا نفسر كون طول السارية بطول 15م. ولكن ألن يبدو غريباً أن نفسر طول السارية بهذه الطريقة؟! فطول السارية هو 15م لأن النجار الذي صنعها هو قد قرر صنعها بهذا الطول فجاءت بطولها الحالي، والأمر لا علاقة له لا بالشمس ولا بزاوية ارتفاعها ولا بطول الظل الذي ترسمه على الشاطىء. لذلك فنموذج همبل فضفاض جداً (واسع جداً) لدجة أن يشمل هذه الحالة والتي بلا تعتبر تفسيراً علمياً كما هو واضح.

الغاية من المثال السابق هي إيضاح أن نموذج همبل ينطوي على نوع من اللاتناظر. فطول السارية يمكن له أن يفسر طول الظل ولكن طول الظل لا يمكن أن يفسر طول السارية. وبشكل عام إذا كان X يفسر Y باستخدام قوانين عامة وحقائق محددة – فإن العكس غير صحيح. أي أن Y لن تفسر X باستخدام نفس القوانين والحقائق. يمكن التعبير عن ذلك بالقول بأن التفسير العلمي للظواهر هو علاقة غير متناظرة. ونموذج همبل لا يحترم هذه الخاصية من اللاتناظر. بكلمات أخرى ينطوي نموذج همبل على نوع من التناظر الذي لا يوجد على أرض الواقع. لذلك يفشل نموذج همبل في الإجابة بشكل واضح تماماً عن سؤالنا الأول: ماذا يعني تفسير الظواهر علمياً.

مثال السارية السابق يظهر أيضاً خطأ افتراض همبل بأن التفسير والتنبؤ بالظاهرة هما وجهان لعملة واحدة. والسبب في ذلك واضح. لنفترض أنك لم تعرف ما هو ارتفاع السارية، وأن شخصاً ما قد أخبرك بأن ظول الظل هو 20م وأن زاوية ارتفاع الشمس هي 37 درجة. بذلك ستستنتج أن طول السارية 15م مستخدماً قوانين الضور والمثلثات والحقائق المجددة السابقة. ولكن كما رأينا فإن هذه المعلومات لا تفسر حقاً سبب كون ارتفاع السارية بـ 15م. لذلك فإن التنبؤ والتفسير ينفصلان هنا. فالمعلومات التي أفادتنا في التنبؤ بطول السارية لم تفدنا في تفسير ذلك الطول بعد أن عرفناه – الأمر الذي يعارض ما قل به همبل.

مشكلة اللاعلائقية The Problem of Irrelevance

لنفترض أن لدينا طفلاً صغيراً في المستشفى في غرفة للتوليد مليئة بالنساء الحوامل. يلاحظ الطفل وجود شخص في الغرفة (والذي هو رجل يدعى جون John) كما يلاحظ أن هذا الرجل غير حامل خلافاً لكل من في الغرفة من النساء الحوامل. يسأل الطفل الطبيب الموجود في الغرفة لماذا جون ليس حاملاً؟ يجيب الطبيب: جون يتناول حبوب منع الحمل منذ سنوات، وأولئك الذين يتناولون حبوب منع الحمل لا يحملون، لذلك جون ليس حاملاً.

دعنا نفترض جدلاً أن ماقاله الطبيب (حول تناول جون لحبوب منع الحمل) صحيح – فـ جون (مريض عقلياً) وهو بالفعل يتناول حبوب منع الحمل، والتي باعتقاده تساعده على تجنب الحمل. نلاحظ أنه حتى في هذه الحالة فإن حواب الطبيب لسؤال الطفل ليس مقنعاً لنا. فالتفسير الصحيح الذي يجب أن يقدمه الطبيب لشرح عدم حمل جون يجب أن يكون: لأن جون رجل والرجال لا يحملون.

على أية حال، فالتفسير الذي قدمه الطبيب للطفل بداية يتطابق مع نموذج همبل بشكل تام. فالطبيب استنتج تفسير الظاهرة – كون جون غير حامل – مستخدماً قانوناً عاماً (من يأخذ حبوب منع الحمل لا يحمل) والحقيقة المحددة التي تقول بأن جون بأخذ تلك الحبوب. وبما أن كلاً من القانون العام و الحقيقة المحددة صحيحان، ولأنهما يخلصان بنا لنفس النتيجة التي نبحث عن تفسيرها فإن الطبيب قد قدم تفسيراً ملائماً تماماً عن سؤال الطفل لماذا جون ليس حاملاً. لكن في الحقيقة الأمر ليس كذلك!. فنموذج همبل كما ذكرنا متسامح جداً لدرجة أنه يخرج لنا بتفاسير علمية تبدو خاطئة بديهياً – كما في حالتنا السابقة.

ما نريد أن نخلص إليه هو أن النموذج الذي نستخدمه لتفسير ظاهرة ما يجب أن يشتمل على معلومات لها صلة بالظاهرة نفسها وبوقوعها. وهنا مكمن الخطأ في جواب الطبيب لسؤال الطفل. فرغم أن ماقاله الطبيب للطفل صحيح (فـ جون حقاً يأخذ حبوب منوع الحمل) إلا أن أخذه لتلك الحبوب لا علاقة له بعدم حمله – فهو لن يكون حاملاً حتى وإن لم يكن يتناول تلك الحبوب. لهذا السبب لا يشكل جواب الطبيب جواباً جيداً لسؤال الطفل. نموذج همبل بذلك لا يحترم السمة الأساسية المتعلقة بتصورنا لتفسير الظاهرة.

تفسير الظواهر والسببية

مما سبق وجدنا أن نموذج همبل يواجه العديد من المشاكل ولذلك فإنه من الطبيعي أن نبحث عن بديل مقنع لمعنى تفسير الظواهر علمياً.

يعتقد بعض الفلاسفة أن مفتاح الحل يمكن في مفهوم السببية، وهذا اقتراح مثير حقاً. لأنه في كثير من الحالات يكون معنى تفسير الظاهرة هو البحث عن مسببها الفعلي. فمثلاً لو كان محقق في الكوارث الجوية يبحث عن تفسير لتحطم طائرة ما، فهو في حقيقة الأمر يبحث عن سبب ذلك التحطم. فالسؤالان: “لماذا تحطمت الطائرة؟” و”مالذي سبب تحطم الطائرة؟” هما سؤالان متناظران (مترادفان). بالمثل لو كان لدينا عالم في الأحياء يحاول تفسير سبب تناقص تنوع الأحياء في الغابات المطرية عما كان عليه، فهو في حقيقة الأمر يبحث عن السبب الذي أدى إلى ذلك التناقص في التنوع. نلاحظ بذلك أن الفارق بين تفسير الظاهرة وسببها هو فارق صغير تماماً.

مسحورين بهذا الرابط قرر العديد من الفلاسفة التخلي عن نموذج همبل المغطى بالقوانين لحساب الفسيرات المرتبطة بالسببية. تختلف التفاصيل بينهما ولكن الفكرة الكامنة وراء كل منهما هي أن تفسير الظاهرة علمياً هو البحث عن مسبب تلك الظاهرة الذي سبب حدوثها. وفي كثير من الحالات الفارق بين النموذجين صغير جداً، لأنه لكي تستنتج تفسير ظاهرة ما من قانون عام هو أن تذكر سبب حدوث تلك الظاهرة فقط. مثلاً لتنذكر تفسير نيوتن لسبب دوران الكواكب في مدارات إهليلجية. رأينا أن هذا التفسير يتطابق مع نموذج هميل المغطى بالقوانين لأن نيوتن استنتج أن مدارات الكواكب حول الشمس هي إهليلجية مستخدماً قانونه في الجاذبية، مع بعض الحقائق الأخرى. لكن تفسير نيوتن هذا كان سببياً أيضاً – لأن المدارات الإهليلجية للكواكب ناتجة عن التجاذب بين الكواكب وبين الشمس (أي التجاذب هو سبب هذا الشكل الإهليلجي).

رغم ذلك لا يتطابق نموذج همبل مع نموذج السببية بشكل تام – ففي حالات يحيد أحدهما عن الآخر ويفترقان. وفعلاً العديد من الفلاسفة يفضلون نموذج السببية على نموذج همبل لأنهم بذلك يتجنبون الكثير من المشاكل التي يوقعهم بها نموذج همبل المغطى بالقوانين. تذكر مثالنا عن السارية على شاطىء البحر. فحدسنا يخبرنا أن طول السارية يفسر لنا طول الظل على الشاطىء ولكن طول الظل لا يفسر لنا طول السارية، أي العكس ليس صحيحاً. بشكل آخر فإن طول السارية هو سبب الطول المحدد للظل على الشاطىء، أما طول الظل فهو ليس السبب في طول السارية المحدد. بذلك وخلافاً لنموذج همبل فإن النموذج السببي يعطينا الجواب الصحيح في مثال السارية وظلها – ويحترم حدسنا عن أن سبب كون السارية بذلك الإرتفاع لا يعود لطول الظل.

ما أردنا الوصول إليه من مثال السارية السابق هو أن نموذج همبل لا يستطيع أن يتلاءم مع حقيقة أن تفسير الظواهر هو علاقة غير متناظرة. والنموذج السببي كما هو واضح هو أيضاً لاتناظري. فإذا كان X سبباً في حدوث Y فإن العكس ليس صحيحاً أيضاً. فحدوث تماس كهربائي يسبب حدوث الحريق ولكن الحريق لا يكون سبباً لحدوث تماس كهربائي كما هو واضح. لذلك يمكننا أن نقترح بكل ثقة بأن سبب وجود اللاتناظر في تفسير الظواهر هو وجود اللاتناظر في العلاقة السببية بالأساس. فإذا كان تفسير الظاهرة هو البحث عن مسببها، فإن ذلك يقتضي أن يكون التفسير لا تناظرياً كون السببية هي لا تناظرية أساساً. نموذج همبل يقع في مشكلة التناظرية لأنه لا يحترم هذه العلاقة السببية.

والحال نفسه في مثال حبوب منع الحمل. فتناول جون لحبوب منع الحمل لا يفسر كون جون غير حامل لأن تناوله لها ليس السبب في عدم حمله. فالسبب الحقيقي في عدم حمل جون هو كون رجلاً لا أكثر. ولذلك فنحن نعتقد بصحة هذا الجواب أكثر من اعتقادنا بصحة جواب الطبيب للطفل. جواب الطبيب للطفل يتناسب مع نموذج همبل ولكن لأنه لا يحتوي على السبب الحقيقي وراء عدم حمل جون فهو لا يعتير تفسيراً علمياً أصيلاً لجواب الطفل. وكما ذكرنا فالغاية من مثال حبوب منع الحمل هي أن ننوه إلى أن التفسير العلمي الصحيح يجب أن يحتوي على معلومات لها علاقة بالظاهرة المراد تفسيرها بالفعل. بعبارة أخرى التفسير الأصيل يجب أن يذكر سبب الظاهرة المراد تفسيرها. والنموذج السببي في التفسير لا يصطدم بمشكلة اللاعلائقية هذه التي يواجهها نموذج همبل.

ومن السهولة بمكان انتقاد نموذج همبل لأنه لا يحترم الخيط الرفيع الفاصل بين التفسير والسبب، والعديد من الفلاسفة قد انتقده فعلاً لذلك. ولكن الانتقاد كان غير عادلٍ في بعض الأحيان. لأن همبل ينتمي لفلاسفة المنهج التجريبي Empiricism، وفلاسفة المنهج التجريبي يتعاملون بحذر شديد مع موضوع السببية. فالمنهج التجريبي في الفلسفة يقول بأن كل معارفنا تأتي من تجاربنا، وديفيد هيوم David Hume الذي كان من قادة هذا المنهج يقول بأنه من المستحيل اختبار وجود العلاقة السببية، ولذلك توصل إلى أن السببية غير موجودة – قائلاً بأن السببية نسج من خيالنا!. وهذه نتيجة يصعب بالفعل تقبلها. فبينما يكون من الموضوعية القول بأن سقوط الكأس كان سبب تحطمه يقول ديفيد هيوم بأن ذلك كلام خاطىء وينكر ذلك. ويقول عوضاً عن ذلك إنه من الموضوعي فقط القول بأن معظم الكوؤوس التي سقطتت قد تحطمت بالفعل. ولكن مفهوم السببية يتضمن أكثر مما سبق. فمقهوم السببية يقتض أن سقوط الكاس هو سبب تحطمه أي الأول هو السبب في حدوث الثاني ولكن تبعاً لهيوم فإن مثل هذا الرابط لا يوجد في العالم الحقيقي. فكل ما نراه هو كأس يسقط في لحظة ما، وفي لحظة تالية نرى تحطم الكأس. دون أن نلتمس تجريبياً أي رابط بين الأول والثاني. لذلك السببية غير موجودة وهي مجرد خيال!.

معظم الفلاسفة التجريبيين لا يوافقون على هذه النتيجة المفزعة بكليتها. ولكن كنتيجة لأعمال هيوم Hume فإنهم كانوا حذرين جداً في التعامل مع مفهوم السببية. لذلك كان من غير اللائق وغير المحتمل أن يتحدث فيلسوف من الفلاسفة التجريبيين (كـ همبل) عن مفهوم السببية في سعيه لإيضاح مفهوم تفسير الظواهر علمياً. فإذا كان هدف أحدهم البحث عن توضيح لفمهوم تفسير الظواهر علمياً فإنه لن يميل لاستخدام مفهوم هو بدوره بحاجة للإيضاح، ولا شك أن مفهوم السببية كان بالنسبة للتجريبيين من المفاهيم التي تحتاج لكثير من الإيضاح. لذلك عدم احتواء نموذج همبل على أي ذكر للسببية لم يكن سهواً منه. وفي الوقت الراهن توصل الكثير من الفلاسفة إلى أن مفهوم السببية مفهوم لا غنىً عنه رغم كونه مشكلة لكثير منهم – وبدونه لا يمكننا فهم العالم من حولنا بشكل واضح وجيد. لذلك تميل الكفة في وقتنا الراهن لصالح النموذج السببي أكثر مما كان عليه الحال في أيام همبل.

وبكل تأكيد فإن النموذج السببي يشمل بكل تأكيد العديد من التفسيرات العلمية للظواهر المدروسة، ولكن هل تنتهي القصة هنا؟ في واقع تحيد فيه بعض الظاهر عن السببية يجيب العديد من الفلاسفة بلا. أحد الأمثلة على ذلك يأيتنا مما يدعى “التعريفات النظرية” في العلم. تشمل التعريفات النظرية تعريف مفهوم ما بالإستعانة بمفهوم آخر، يستعار عادة من فرع آخر من العلوم. فقولنا: الماء هو H2O – مثال على ذلك. كما قولنا: الحرارة هي متوسط الطاقة الحركية للجزيئات. في كلا الحالتين نصادف مفاهيم شائعة يومية الاستخدام تُشرح بمفاهيم علمية أقل انتشاراً وشيوعاً. وعادة تمدنا التعاريف النظرية يما يبدو وكأنه تفسيرات علمية. فعندما اكتشف العلماء أن الماء هو H2O فهم بذلك شرحون ما هو الماء. وكذلك الأمر بالنسبة للحرارة فعندما اكتشفوا أن الحرارة هي الطاقة الحركية للجزيئات فهم شرحوا لنا ما هي الحرارة علمياً. ولكن في كلا الحالتين فإن الأمر ليس سببياً. فكون المادة مكونة من H2O لا يتسبب بكون المادة ماءً – فهي فقط ماء. وامتلاك مقدار معين من الطاقة الحركية لا يتسبب بامتلاك مقدار معين من الحرارة – إنه فقط امتلاك ذلك المقدار من الحرارة. إذا كانت هذه الأمثلة مقبولة كأمثلة للتفسير العلمي فإن النموذج السببي لا يمكن أن يحل القضية تماماً، ولن تنتهي القصة عنده.

أطفال 101 – الوظيفة الغذائية الطبيعية

أطفال3 101

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة و السلام على نبيه الكريم.

في هذه التدوينات سأشارككم (وأخص بالذكر من سيحظون بأول طفل لهم عما قريب 🙂 وسأسميهم بالآباء الجدد 🙂 ) بعض المعلومات الطبية الخاصة بطب الأطفال. أهدف منها إلى أمرين على وجه الخصوص:

  • الهدف الأول إغناء معلوماتكم الطبية عن العناية بالطفل في المنزل. فكثير من الآباء الجدد 🙂 لا يحظون بالوقت الكافي لتلافي هذا النقص في المعلومات الخاصة بالعناية بالطفل المولود حديثاً بشكل خاص وخلال سنينه الأولى بشكل عام. رغم أنهم يحظون بفترة حمل تقارب التسعة أشهر لأ أعرف أين يقضونها؟! 🙂 وهذا النقص سيتسبب بزيارات كثيرة غير مبررة نظرياً لعيادة طب الأطفال.
  • الهدف الثاني توفير الوقت والجهد (والمال إن أمكن) التي يتم صرفها على الزيارات لعيادة طب الأطفال، لأسباب ومشاكل بسيطة يمكن ببعض الجهد والإطلاع تلافيها والتعرف عليها. أو على الأقل معرفة أنها أمور طبيعية لا تستدعي زيارة الطبيب أو القلق على الإطلاق.

وليس أطرف من أن تجلس وتراقب كيف يأتي الآباء الجدد مع أطفالهم بشكايات تأخذ شكلاً درامياً في أغلب الأحيان ويسهل من خلالها معرفة أن من يقف أمامك هم آباء جدد بلا شك. فشكايات من قبيل:

  • دكتور فتحة أنفو اليسار أكبر من اليمين.
  • رجليه ع طول مثنية.
  • حاسة أنو أيديه مو طبيعيات.
  • صوتو وهم عم يتنفس غريب شوي، عم يشنخر!.
  • ما عم ينام.
  • عم يراجع (يتقيء) كتير.
  • لسا لهلأ ما مشي!، و ما عم يشك ع أجريه لهلأ!!!.
  • راسو شكلو غريب شوي، ما؟!
  • صرلوا 5 أيام ما طلع (التغوط).
  • لون تغوطه أخضر! عفونة!!!!!!!.

تنبؤك بما لا يدعو للشك بأن من يقف أمامك هما أب وأم مع طفلهما الأول. وكما سترى فكل ما سبق وكثير مما لم أذكره يكون أمراً طبيعياً لدى الطفل ولكن الأهل يتخوفون منه لقلة خبرتهم مع الأطفال.

سأحاول طرق عدة مواضيع وشكايات تتكرر كثيراً في عيادات الأطفال. وسأبدأ بالحديث عن الموضوع بشكل عام ثم أحاول تناول الشكايات المرضية الخاص به تالياً. وإذا ما أوردت ذكراً لدواء معين فهذا يعني أنك تستطيع إعطاءه لطفلك دون استشارة الطبيب، لأني لن أذكر ما سوى ذلك أو سأشير لضرورة استشارة الطبيب صراحة إن احتاج الدواء لوصفة طبية. ما عدا ذلك فهي أدوية آمنة تماماً ويمكنك استخدامها مع طفلك، ولكن مع ذلك إن لم تكن واثقاً فيمكنك استشارة طبيب الأطفال.

نيتي هي أن أحدث نصوص هذه التدوينات باستمرار، سواء من حيث المادة العلمية الموجودة فيها أو من حيث الصياغة وترتيب المعلومات. لذلك سأذيل التدوينة بملف PDF وأغير إصداره في كل مرة أغير في نص التدوينة.

 

الوظيفة الغذائية الطبيعية

بعد الولادة مباشرة:

  • يٍنصح بإعطاء الطفل بعد ولادته مباشرة جرعة من فيتامين K وذلك لأن الطفل الوليد يكون لديه نقص في عوامل التخثر عند الولادة، ويكون بالتالي عرضة للنزوف. يتم غالباً إعطاء الطفل هذه الجرعة من الفيتامين بعد الولادة مباشرة في المشفى.
  • إذا تمت الولادة في المنزل فيجب الحرص على إعطائه هذه الجرعة من فيتامين K وهي متوافرة في الصيدليات بشكل Ampule وتعطى بالعضل.
  • وينصح بإعطاء الطفل منذ ولادته وحتى عمر السنة جرعات من الفيتامينات بشكل يومي مع مراعاة التالي:
    • منذ الولادة حتى عمر 6 أشهر يعطى الطفل مجموعة فيتامينات حاوية على فيتامين D3 ولا تحتوي على الحديد. لأن الطفل بعد ولادته يمتلك كميات كافية من الحديد من أمه وتبقى كافية حتى عمر 6 أشهر. (يمكنك سؤال الصيدلي عن النوع التجاري المتوفر في بلدك ولكن إحرص على توجيه نظره لمسألة الحديد هذه 🙂 ).
    • بعد عمر 6 أشهر وحتى السنة يعطى الفيتامينات الحاوية على الحديد لأنه يكون قد استهلك مالديه من الحديد وعندها لا بأس بالفيتامينات الحاوية على الحديد.
  • يعتقد كثير من الآباء بضرورة إعطاء الطفل ما يسمى بـ (إبر الكلس) خاصة إذا اعتقد أن موعد مشيه قد تأخر!. ويقوم البعض بإعطاء الطفل أكثر من إبرة واحدة وهذا من شأنه أن يسبب نتائج عكسية تماماً على عظام الطفل.
    • يُعطى الكلس لكل طفل كان يرضع من أمه فقط دون وجود حليب اصطناعي مساعد. وهو متوفر بالصيدليات بأسماء تجارية مختلفة. يمكن شرب الإبرة Ampule عبر الفم إو إعطاؤها عبر العضل – مع مراعاة عدم تكرارها أبداً – إنما هي لمرة واحدة فقط. لأن تكرارها له نتائج عكسية على نمو الطفل طولاً.
  • بالنسبة لموعد الختان فهو أي وقت تختاره شرط أن يكون بعد الأسبوع الأول، لأن الطفل قبل ذلك يكون عرضة للنزوف بسبب نقص عوامل التخثر لديه. كما لا ينصح بتأخيره كثيراً لأن ذلك يتسبب بألم أكثر للطفل. إذا أردت تطبيق السنة النبوية فأجرِ الختان لمولودك الذكر في اليوم السابع.

الإرضاع الوالدي:

مبادىء عامة

  • يُنصح بشدة بالإرضاع الوالدي حتى عمر 12 شهر، وبشكل أخص حتى عمر 6 شهر.
  • يأخذ الرضع الذين يعطون التغذية بواسطة الزجاجة عادة من 6 – 9 رضعات خلال 24 ساعة. يستقر نموذج الرضاعة خلال الشهر الأول من الحياة.
  • غالباً يفضل الرضّع الذين يتلقون الإرضاع الوادي التغذية كل 1 – 3 ساعات.
  • تستغرق عملية الرضاعة بداية 5 دقائق ثم تتطور لـ 10 – 15 دقيقة.
  • بعمر الشهر ينام الرضّع حتى 5 ساعات وهي أقصى مدة يمكن أن تمضي دون أن يحتاجوا لرضعة أخرى.
  • بعد كل رضعة يجب أن تضع الأم طفلها على يدها وتحاول مساعدته على التجشؤ لأن ذلك من شأنه أن يريح الطفل.
  • القلس (أو المراجعة كما يسميها الأهل، ومن الخطأ هنا تسميتها بالإقياء) أمر طبيعي لدى الطفل في بداية عمره، ويمكن التخفيف منه عبر وضع الطفل على سرير مائل قليلاً لتجنب قلس الحليب من المعدة للفم.
  • في فصل الصيف يحتاج الطفل إلى شرب الماء مهما كان عمره، لذلك يجب الحرص على تقديم الماء بالزجاجة للطفل بين الرضعات. عطش الطفل يمكن أن يؤدي لارتفاع حرارة الطفل وبكاءه المستمر.

تنظيم الإرضاع

  • بعد الولادة مباشرة وحتى يومين إلى ثلاثة يفرز ثديا الأم مادة تدعى اللبأ وهي تختلف في تركيبها عن الحليب، لذلك يجب إعطاء الطفل بعضاً من الماء والسكر (يتوافر بشكل صيدلاني) حتى كفاية حليب ثدي الأم.
  • تضع الأم طفلها على ثديها في كل مرة ثم تعطيه الماء والسكر.
  • بعد ثلاثة أيام يصبح الثديان قادران على إفراز الحليب، وعندها يجب إرضاع الطفل بفواصل زمنية متساوية.
  • في البداية يتم الإرضاع كل 5 ساعة حتى ولو كان الطفل نائماً، فيجب أن يتم إيقاظه وإرضاعه عند موعد الرضعة. لأن ترك الطفل حتى يبكي وإرضاعه حينها فقط أمر خاطىء تماماً. تنظيم الرضعات أمر حيوي جداً لكي يكسب الطفل الوزن بشكل جيد ومنتظم. وأكثر حالات سوء التغذية التي تصيب الأطفال هي بسبب هذه العادة الشيءة التي تعتقد الأم بموجبها أن طفلها يجوع عندما يبكي فقط!.
  • وإذا بكى الطفل قبل موعد رضعته التالية فيجب تجنب إرضاعه الحليب، وإنما يُعطى (كمون أو بابونج أو زهورات) ولا يتم إرضاعه إلا في موعد الرضعة التالية.
  • اتباع هذا النموذج في الإرضاع يجنب الطفل المغص الذي تسببه الرضعات غير المنتظمة، فالطفل يحتاج لفترة زمنية معينة حتى يستطيع هضم الحليب الذي شربه في الرضعة السابقة قبل أن يأخذ رضعة جديدة. فإذا تناول مزيداً من الحليب قبل أن يهضم الحليب الذي في معتده سيصاب بالمغص حتماً وهذا هو سبب شائع جداً للبكاء المستمر حتى مع الإرضاع كما يقول لك آباء الطفل!.
  • فالرضاعة الغير منتظمة هي أشيع أسباب المغص لدى الوليد (ويتظاهر المغص بالبكاء المتكرر دون توقف!).
  • كما أن الفواصل الزمنية الطويلة (أكثر من 3 ساعات) بين الرضعات تسبب جوع الطفل وبالتالي البكاء المستمر أيضاً.
  • إذاً يمكن أن يكون البكاء الشديد عَرَضاً للرضعات الزائدة أو الناقصة، لذلك يجب الحرص على تنظيم الرضعات بشكل دقيق وخاصة في الأشهر الأولى من الحياة وعدم الانتظار حتى استيقاظ الطفل أو بكائه لإرضاعه.
  • إرضاع زائد > مغص         > بكاء.
  • إرضاع ناقص > جوع           > بكاء.

استخدام الحليب المساعد

  • يمكن أن تنتقل الأم لحليب المساعد في حالة عدم كفاية حليب الثدي.
  • لمعرفة ذلك يمكن أن تُرضع الأم الطفل من ثديها وبعد انتهاء الطفل من الرضاعة تعطيه ماءً مع سكر بالزجاجة، إذا استمر الطفل بشرب الماء والسكر فهذا يعني أنه لم يشبع من حليب ثدي أمه، وبالتالي يجب الإنتقال للحليب المساعد، أما في حال رفضه الماء والسكر فهذا يعني أنه قد شبع من حليب أمه ولا داعي للحليب المساعد.
  • نوع الحليب المساعد يتوقف على عمر الطفل، بشكل عام يجب تناول حليب رقم 1 من الولادة حتى عمر 6 أشهر. وحليب رقم 2 من عمر 6 شهر حتى 12 شهر (بغض النظر عن العلامة التجارية).
  • يحتاج الطفل في بداية عمره إلى 100 كيلو كالوري لكل 1 كغ من وزنه. وهذا يعادل 2 – 3 أونصة (الأونصة 30 غرام تقريباً) من الحليب كل 3 – 4 ساعات في الشهر الأول.
  • يجب الإنتباه إلى طريقة تحضير الحليب الصناعي، بشكل أساسي عليك قراءة التعليمات على العلبة. وعموماً فإن معظم الأنواع تُحضر بحيث تحتاج إلى ملعقة من الحليب (الملعقة التي تأتي مع علبة الحليب وليس ملعقة من عندك، وتكون ملعقة ممسوجة) مع كل علامة من علامات زجاجة الحليب التي تأتي بترقيمات مختلفة.
  • خلط الحليب بطريقة غير صحيحة يؤدي غالباً إلى تحضير حليب ممدد وغير كافي لتغذية الطفل، ما يؤدي بالنتيجة إلى ضعف كسب الوزن وشكايات مرضية مختلفة بسبب نقص الوارد الغذائي.
  • ولا يجوز خلط الحليب مع مواد أخرى كالنشاء وغيره من أطعمة الأطفال (مثل بيبيلاك وسامي بالنشاء والرز…) مع الحليب لأن ذلك يؤثر على تركيز الحليب ومرة أخرى مشاكل في الوارد الغذائي. الحليب يعطى من دون أية إضافات في زجاجة الحليب أما الأطعمة الأخرى فهي تُعطى في وقتها وباستخدام الملعقة حتى يعتاد الطفل على تناول الطعام بالملعقة.
  • يمكن إدخال أطعمة الأطفال المساعدة (بيبيلاك بالقمح، بالرز…) بعد الشهر السادس بشكل تدريجي (عملياً وعلمياً يمكن ذلك بعد الشهر الرابع ولكن ببطء) ويمكن التنويع بينها لكن بفواصل زمنية كافية (كل ثلاثة أيام مثلاً).
  • تعطى في البداية مرة واحد يومياً ثم تُزاد حسب رغبة الطفل.
  • يجب الحرص على تناول الطفل لمثل هذه الأطعمة بالملعقة وليس خلطاً مع الحليب، ليعتاد الطفل كما ذكرت على تناول الطعام بالملعقة.
  • بعد السنة الأولى يجب إعطاء الطفل 16 أونصة من الحليب يومياً. وفي هذا العمر يمكن نقل الطفل بالتدريج إلى الحليب الكامل الحاوي على الكالسيوم وفيتامين د.
  • الانتقال للحليب الكامل في عمر أبكر من ذلك يعرض الطفل لفقر الدم بنقص الحديد.
  • لا يُنصح أبداً بتناول حليب الأبقار أو الماعز! (أذكر أن امرأة قالت بأنها خصصت معزة بحالها لطفلها!!!! 🙂 ) لأن ذلك يعرض الطفل لمشاكل نقص التغذية بشكل كبير كما أن الطفل لا يحتمله في مثل هذا العمر.
  • يمكن للأهل البدء بإعطاء الطفل بعضاً من طعام المنزل بعد الشهر السادس بشكل بسيط وتدريجي.
  • يمكن إعطاء الطفل الخضروات والفواكه للطفل في مثل هذا العمر أيضاً مع الأخذ بعين الاعتبار بالبدء بالخضار قبل الفواكه لأن الطفل بعد تناوله للفواكه قد لا يحبذ طعم الخضار :)!.
  • كما يجب تناول نوع واحد من الفواكه لثلاثة أيام ثم الانتقال لنوع آخر.
  • إعطاء الطعام الحاوي على الدسم يجب تأجيله لبعد الشهر 8 ويمكن تناول صفار البيض أيضاً أما بياض البيض فيجب تأجيله لبعد عمر السنة لأنه يسبب مشاكل تحسسية للطفل.

الوزن

  • يخسر الرضع بشكل طبيعي حوال 5-10% من وزن الولادة خلال الأسبوع الأول من الحياة بشكل طبيعي. وبعد هذه الفترة يتوقع أن يبدأ الرضيع باكتساب الوزن بمعدل 1 أونصة (20 – 30 غرام) باليوم وخلال الأشر الـ 3 الأولى من الحياة.
  • بشكل عام يتضاعف الوزن خلال 4 أشهر – ويتثلث 🙂 خلال السنة الأولى من العمر.

التغوط

مبادىء عامة

  • إن عدد مرات التغوط، لون البراز وقوامه يتبدل في نفس الرضيع من يوم ليوم ويختلف بالتأكيد بين طفل وطفل.
  • فقد تمر 5 – 7 أيام دون تغوط في الرضّع الطبيعين الذين يتلقون الإرضاع الوالدي، وقد يحدث التغوط 5 – 7 مرات في اليوم الواحد أيضاً. ويمكن أن يتغوط الطفل بعد كل رضعة. وكل ذلك أمور طبيعية.
  • 5 – 7 مرات | كل يوم                  > طبيعي
  • مرة واحدة كل | 5 – 7 يوم              > طبيعي
  • كل ذلك يعتبر طبيعياً لدى الأطفال مادام الطفل يكسب الوزن بشكل جيد ولا يعاني من أية مشاكل أخرى.
  • وقوام التغوط أيضاً لا يهم طالما أنه ليس مائعاً مائياً بشكل شديد، أو قاسياً بشكل شديد.
  • لا يمتلك اللون أية أهمية فيما عدا وجود الدم مع البراز. يتراوح اللون بين الأخضر والأصفر أو غير ذلك، وكل ذلك طبيعي طالما لا يحتوي على الدم. (اللون الأخضر لا يدل على العفونة إنما هو لون طبيعي لدى الطفل).
  • الأطفال الذين يشربون حليباً مساعداً مع حليب الأم يكون تغوطهم أقسى بشكل عام، وأقل تكراراً أيضاً (مرة كل 3 أيام).
  • كما يبدأ التغوط بالقساوة حالما يبدأ الأطفال بتناول الأغذية الطبيعية إلى جانب حليب الأم.
  • للوقاية من تحسس منطقة الحفاض (السماط) والذي يمكن أن يكون شديداً أحياناً لدرجة الأصابة بالتهاب الجلد الحفاضي يجب العناية بالطفل بشكل جيد أثناء تغيير الحفاض، ومن ذلك تبديل الحفاض بسرعة وعدم الانتظار لفترات طويلة. وغسل المنقطة بالماء الدافىء وانتظارها لتجف بعض الوقت ثم وضع الحفاض الجديد. اتباع ذلك يجنب الطفل الكثير من المشاكل الخاصة بمنطقة الحفاض ويريحه كثيراً أثناء النوم.

النوم

مبادىء عامة

  • يصحو الرضع بفواصل مختلفة تترواح بين 20 دقيقة حتى 6 ساعات.
  • يميل الولدان الصغار إلى عدم التمييز بين الليل والنهار حتى الشهر الثالث من العمر تقريباً.
  • ولذلك فليس متوقعاً منهم النوم خلال الليل تبعاً لبرنامج إرضاعهم ( 🙂 هنيئاً للوالدين 🙂 ).
  • يجب أن يوضع الأطفال أثناء نومهم على ظهورهم وتجنب النوم على الجنب خشية حدوث مشاكل التنفس ووفيات الأطفال المفاجئة أثناء النوم، أو ما يعرف بمتلازمة موت الطفل المفاجىء Sudden Infant Death Syndrome | SIDS.
  • يمكن إنقاص خطر SIDS بإزالة الأغطية والألعاب من سرير الطفل، وإقلاع والديه عن التدخين وعدم نومهما معه.
  • يجب الحرص على عدم تركيز نوم الطفل على الوسادة على طرف واحد من رأسه، لأن ذلك يؤدي لتغيير في شكل الجمجمة قد يصبح دائماً إن استمر الطفل بالنوم على طرف واحد من رأسه.
  • لذلك يجب متابعة طريقة وضع الطفل لرأسه على المخدة وتغييرها بين اليوم والآخر (ليس أثناء النوم) ليكون شكل الرأس متناسقاً باستمرار.
  • لا ينصح بالإكثار من ملابس الأطفال، كما يجب الابتعاد عن تثبيت يديه إلى صدره ولفه وكأنه تمثال!!! (ما يعرف عندنا بالقنداق) إنما يترك الطفل على راحته مع ملابس مناسبة لكل فصل.
  • والإكثار من ملابس الطفل في فصل الصيف (مع عدم تقديم الماء له) يتسبب بارتفاع حرارة الطفل وبكاءه المستمر! رغم الرضعات المسمترة!.

أخطأوا الطريق

بسم الله الرحمن الرحيم

أخطأوا الطريق…

هل يُشترط أن تُؤمن بنظرية التطور لتكون ممن يواكبون التطور؟ تأمل السؤال من كل زاوية ممكنة وأجب عنه قبل أن تكمل قراة المقالة. وأخبرني بما أجبت ولماذا.

الإجابة لدى الكثير ممن سأتحدث عنهم هنا هي نعم.

اشتركت مؤخراً بتجمع الباحثون السوريون والذي يهدف لنشر ما يستجد من تطورات علمية باللغة العربية. العمل يتم ضمن غروبات على Facebook تقوم بترجمة القالات العلمية حسب اختصاص غروب ومن ثم نشرها على الموقع الرسمي. ومن باب التخصص اشتركت في غروب الطب وغروب التطور والبيولوجيا، وهنا تعرفت على طائفة جديدة تماماً من الناس، هي معرض حديثي هنا.

كان لدي هدفان من اشتراكي في غروب التطور والبيولوجيا. الأول هو المساعدة في الترجمة والثاني هو الالتقاء بمن يؤمن بنظرية التطور والنقاش معهم حول النظرية وحول بعض النقاط التي هي بالنسبة لي عقبات تحول دون اقتناعي بفكرة هذه النظرية. لم يكن هدفي من النقاش معهم ثنيهم عما يؤمنون به، على العكس تماماً – كل ما هناك هو أنني أريد أن أفهم كيف تجاوزوا تلك العقبات ووصلوا للإيمان بالنظرية بعدها لأني لا أفهم كيف يمكن تجاوز مثل تلك العقبات وصولاً للاقتناع بتلك النظرية. فلدى اطلاعك على أية نظرية علمية ومهما كان مستوى درايتك بأساسيات العلم الذي انبثقت منه، لا بد وأنك في سياق قراءتك عنها – أو اطلاعك على براهينها – قد واجهت عقبات منطقية تتناسب مع ما تعلمه عن ذلك العلم. كيف يمكن لك أن تتجاوز تلك العقبات؟ بطريقتين:

  1. الأولى أن تسأل من هو أعلم منك بهذا العلم، وتشرح له العقبة المنطقية التي تحول دون فهمك (أو اقتناعك أو تصديقك أو إيمانك) بهذه النظرية. وهو بدروه سيعرف أين مكمن الخلل في العقبة (بالنسبة لك) ويحاول شرحها لك بلغة تفهمها، أي أنه سيدور بك حول تلك العقبة ويسلك بك طريقاً آخر للوصول إلى النتيجة نفسها التي عجزت عن الوصول إليها بالطرق التي تعرفها. أي أنه سيبسط لك أو يشرح لك أو يضيف لمعلوماتك ما يمكنك من إزالة تلك الغشاوة عن فهمك للنظرية. وبذلك تتجاوز العقبة وتكون قد ازددت علماً بالنظرية وطريقة برهانها أو الوصول للنتائج التي تتنبأ بها. يمكن تشبيه العملية بالفيديو التالي 🙂

*********************

  1. الثانية هي أن تتعلم وتبذل أنت الجهد الكافي للارتقاء بما تعرفه عن هذا العلم. أي أنك ستحاول اكتشاف ذلك الطريق الجديد بنفسك وتحاول بنفسك حل تلك الإشكاليات بمزيد من القراءة عن النظرية والطرق التي توصل بها العلماء لها. وهذا يعني أنك ستقرأ في نوعين من الكتب. نوع يحاول شرح النظرية بشكل عام ليبسط لك ما تعنيه وما تتنبؤ به. والثاني هو النوع الذي يبسط فيه المؤلفون البراهين على صحة النظرية ومطابقتها للواقع وصحة النتائج التي تتبؤ بها، وهنا يفترضون أنك تعرف أساسيات هذه النظرية. وبعدها يمكن لك أنت أن تقوم بدور الشخص الي سألته في الطريقة السابقة.

بالنسبة لي – تقف بيني وبين النظرية عوائق كثيرة، لعل أقدمها يعود لسنوات الدراسة الثانوية عندما تعلمنا لأو مرة ماذا يعني التطور وماذا تعني هذه النظرية. كانت تلك الحواجز بسيطة ومعقدة في آن واحد. فهي بسيطة لدرجة أنها بشكل عام منذ ذاك الحين وإلى الآن لم تتغير. أي أنها بقيت على حالها ابتداء من بداية تعلمنا عن هذه النظرة إلى اليوم الحالي وقد قطعت شوطاً طويلاً في القراءة عن النظرية وعن أدبياتها العلمية. وهي معقدة لأن هناك جدراناً من اللامنطق لا زالت تفصلني عن الوصول لقناعة ولو جزئية بالنظرية. فأنت قد تقتنع قناعة جزئية بالنظرية وهنا لا تكون العقبات التي تفصلك عن القناعة التامة بالحجم والأهمية كما في تلك التي تكون حائلاً دون أدنى اقتناع بالنظرية.

ولأن أعضاء تلك الغروبات هم افتراضاً من أصحاب الكفاءات والخبرات العلمية فكنت أرجو أن يكون الحوار معهم مثمراً لي ولهم على حدٍ سواء بغض النظر عن النتيجة. ولك أن تعرف أن العقبات التي أتحدث عنها هنا لا تمت لنظرة الدين للموضوع على الإطلاق. فهي عقبات منطقية تماماً واجهتني أثناء قراءتي عن الموضوع في أمهات الكتب التي تتحدث عن التطور وتخص جزئيات وتفصيلات النظرية. أي هي عقبات تخص البراهين المستخدمة لإثبات صحة النظرية أو في معرض الحديث عنها وعن تفاصيلها. وكنت أريد أن أعرف كيف مروا على تلك العقبات وصولاً للإيمان بصحة النظرية. مفترضاً أن إيمانهم بها هو نتيجة اقتناعٍ تام وليس نتيجة اتباعٍ تام لما يخرج به الغرب من نظريات. ولأنهم مع النظرية ويؤمنون بصحتها فهذا يعني أنهم مروا على تلك العقبات ولكنهم تجاوزوها بطريقة ما، وهذا ما كنت أبحث عنه تماماً.

فالأمر يبدو لي مستحيلاً! كيف لهم أن يؤمنوا بها رغم كل تلك العقبات التي مررت بها في رحلتي مع التطور!. هل يعقل أنهم لم يواجهوها؟! أم تراهم واجهوها ومن ثم تجاوزوها بطريقة ما؟ ما هي تلك الطريقة التي عجزت حتى اليوم عن الوصول لها رغم الكم والكيف الذي قرأته عن النظرية!. سؤال يحيرني!. ولكن يبدو أن لديهم الإجابة على سؤالي هذا؟! كيف، تسألني؟ إليك كيف!

الصادم في الموضوع هو أنني وبعد أي تعليق على أيٍ من المقالات التي تخص التطور والتي هي قيد الترجمة أو بعد نشرها – وبعد أن أعلق متحدثاً عن إحدى تلك العقبات أو لمجرد ذكر رأيي في النظرية بهدف إثارة الحوار – كنت أواجَهُ بنفس الرد دائماً من مختلف الأشخاص!.

كل الردود كانت على الشكل التالي:

’’يبدو أنك لا تعرف الكثير عن نظرية التطور. حاول أن تقرأ عن الموضوع هنا‘‘

وحتى أن أحد الإخوة علق على إحدى تدويناتي هنا بنفس الطريقة، مقتنعاً تمام الاقتناع أني لا أفقه شيئاً عن التطور، وتعدى ذلك لأمور أخرى. دون أن يكلف نفسه عناء سؤالي أو مناقشتي بظاهر هذه الاعتراضات على الأقل!. ردة الفعل هذه تعكس الكثير من أعماقهم المخبأة!. والتي لا يدرون عنها، ربما!.

لن أسرد لك الكتب والمراجع التي بحثت فيها عن نظرية التطور. ولن أسرد لك العقبات التي واجهتني في خضم قراءتي عن هذه النظرية، لأني أعمل على ذلك في مكان آخر. ولكن أؤكد لك أني أبحث في النظرية منذ زمن طويل جداً وذلك لأهميتها (بالنسبة لي) وأهمية اتخاذ الموقف الصحيح منها على كل النواحي. كنت أقرأ عنها بكل جدية، ولكن حالي كان كشارب الماء المالح – لم تزدني القراءة عنها إلى حيرة وتعجباً!. والعجب كل العجب من الكم الهائل الذي تلقاه النظرية من تأييد سواء على المستوى الغربي أو على مستوى تلك الفئة التي التقيتها في ذلك التجمع والغروب. حتى أن بعضهم يوازن بينها وبين نظرية الجاذبية لنيوتن أو النسبية لأينشتاين!! تخيل يا رعاك الله.

وهنا ستجد أن الانبهار بالثقافة الغربية لا يوازيه في الكم والشدة إلا الانبهار بمنتجات تلك الثقافة. وأقصد بالثقافة هنا ما تفرزه العلوم من نظريات وأقصد بمنتجات تلك الثقافة الانبهار بالمادي منها. لعل الثاني كان الأسبق لدينا، ولكن كيف يمكن لنا أن ننبهر بنظرياتهم دون أن نُعمل فيها فكرنا! بغض النظر عن نسبة التأييد لتلك النظريات بين علمائهم، هل يتوجب علينا أيضاً ابتلاع وهضم تلك النظريات لمجرد أنها أتت من الغرب! هل بتنا على هذه الدرجة من السذاجة والإمعية!؟!. وهنا لا أقصد بالنظريات نظريات مثل النسبية أو الكمومية وغيرها من النظريات التي تحتل مكانة عريقة في العلوم ولها أرجل ثابتة تبقيها راسخة على أرض المنطق والمعقول. إنما أتحدث عن نظريات كنظرية التطور، والنظريات النفسية والسيكولوجية وغيرها، من النظريات التي لا تمتلك تلك الأرجل الثابتة. إن كنت ممن يعتقد بصحة نظرية التطور فربما لن يعجبك حُكمي هذا عليها هنا، وربما ستقول لي هل أن تصف النظرية بهذا الوصف رغم كل تلك الأدلة والبراهين على صحتها! تذكر أني هنا لن أتحدث عن العقبات والمشاكل المنطقية التي أواجهها عن النظرية، إنما أتحدث عن طبيعة وخلفيات الموقف الذي يتخذه من يؤمن بها تجاه من لا يؤمن بها، حتى عندما يكون ذلك الرفض معزولاً عن الدين ونظرته للموضوع. فهم يعتقدون أن كل من يرفض النظرية إنما يرفضها لأسباب تتعلق بالدين، أو لأن الدين أخبره بعكس ما تقوله النظرية!. وسيكون للحديث عن العقبات بقية إن شاء الله وهناك يمكن أن نتناقش أنا وأنت عن الكيفية التي تجاوزت بها هذه العقبات وصولاً للاقتناع بالنظرية. وأرجو أن تكون هنا وهناك ممن لا يتسرعون بالحكم علي والرد بطريقة تشبه ردود من أتحدث عنهم هنا.

ومن بين كل النظريات التي أتتنا من الغرب تنفرد نظرية التطور بميزة خاصة جداً. وهي أن هذه النظرية لا تؤدي إلى أي نوع من التطبيقات العملية، وتبقى في المجال النظري مهما حاول العلماء الغرب جرها لأرض الواقع ومحاولة بناء التطبيقات العملية عليها. ويبدو ويظهر لكل ذي بصيرة أن الهدف منها هو التحرش بالدين لا أكثر! مستترين بحجة فهم أصل الإنسان ونشأته. كما أنها الوحيدة (أو تكاد تكون) التي يُبنى على موقفك منها الكثير في حياتك الدينية. كما أن الأخذ بها (بعيداً عن الدين وعن قصة الخلق الدينية) له تبعاته على صعيد النفس البشرية نفسها. على صعيد الأخلاق والضمير البشري نفسه!. على صعيد الصورة التي ننظر بها لأنفسنا من جهة ولعقولنا من جهة أخرى.

أي أنها النظرية الوحيدة التي تصطدم مع الدين بشكل مباشر متعمد لا لبس فيه ولا غموض، وكأن الهدف منها هو إثبات بطلان الدين لا أكثر ولا أقل. أي أنها (شئنا أم أبينا) تمس الدين في صلبه. فنحن إن أبعدنا الدين عنها فهي التي تقترب وتصاول الاصطدام به!. ولعلك شاهدت برنامج THE COSMOS وإن كنت قد شاهده فلا أعتقد أنه فاتك الغمز واللمز وكل التلميحات المباشرة والتي تهدف لإيصال بطلان قصة الدين بدعوى ماوصلنا إليه في الفيزياء والفلك والعلوم الأخرى. وهم بذلك يتجردون عن الأسلوب العلمي في مناقشة الأفكار عن قصد أو دون قصد – وكأن الهدف من البداية هو إبطال صحة ما أتانا عن طريق الأديان. وسأثبت لك ذلك في المقالة التي سأتعرض فيها لهذه العقبات بالتفصيل إن شاء الله. وستعرف حينها أنهم كفّوا عن كونهم علماء عندما استخدموا ذاك الأسلوب في مناقشة الأفكار والاستدلال بها. فأنا عندما أصدر حكماً أو نظرية ما مستنداً للدين، يجب عليك أن لا تتسرع وتحكم على الدين بالبطلان إن كان الحكم الذي توصلت له خاطئاً. أليس من المفترض أن تُشكك بي وبالطريقة التي استنتجت بها هذا الحكم أو تلك النظرية! قبل أن تنسب الخطأ الذي رأيته في حكمي ونظريتي للدين؟!!!. أليست هذه هي طريقة التفيكر العلمية المفروض اتباعها هنا؟!. فقبل أن تتبجح وتقول إن الدين الذي قال لنا بأن عمر الأرض 6 آلاف سنة خاطىء لأننا بتنا متأكدين تماماً أن عمر الأرض والكون قبلها ملايين السنين؟ أليس من المفترض أن تبحث عن الذي استنتج ذلك العمر مستنداً للنصوص الدينية وتشكك أو تتعرض بالبحث للطريقة التي استنتج بها هذا الحكم؟ لماذا هذا التسرع والقفز للحكم على الدين؟!. لا يوجد تفسير منطقي لذلك سوى معاداة الدين والرفض اللامنطقي له دون الاستناد إلى أية أدلة منطقية علمية!!!.

هذه الثغرة في طريقة التفكير والحكم على الأمور تجدها في كل مكان!. فهناك من يخلط بين الدين وبين منهجه وفكره ويعتقد أنه هو ممثل الدين وهو الدين نفسه، وأي نقد موجه له هو نقد موجه للدين بالضرورة! وهذا سوف يخرجك من دائرة الدين بنظره والبقية معروفة!!!. نفس الأمر تجده في السياسة كما في كل ناحية من نواحي الحكم على الأشخاص أو الأفكار!.

ومن ناحية دور الإعلام في الموضوع فتجد أن الإعلام بدوره ينحاز كثيراً عن طريقة التفكير المفروض اتباعها قبل الحكم على النظرية. يشبه الأمر ما يحدث في السياسة عندما يخرج سياسي ما ويتبجح عن الأمن والأمان والمنجزات التي يقوم بها في مكان ما، تعرف في قرارة نفسك أنه يكذب. وهو يعرف أنك تعرف كذبه، ولكنه ظهر على التلفاز وقال ما عنده دون أن يكون لديك وسيلة لتكذيبه أو الاحتجاج على ما قاله أو أظهار هذا الكذب للناس الذين يشاهدونه. لقد قال ما عنده وهو يبتسم ثم ذهب. انت هنا ستغضب ولا مجال لمنع هذا الغضب عندما ترى كل هذا الكذب من حولك. وأن يتكرر نفس الأمر في برنامج من المفترض أن يكون برنامجاً علمياً يستند إلى أسس وقواعد المنطق والبحث والاستدلال! أن يظهر مقدم البرنامج ويقول لك ما عنده ويتعرض للدين في كل مناسبة ممكنة دون أن تستطيع مناقشته والقول له بأنه كان عليه أو على معد البرنامج الحديث عن إمكانية وجود الخطأ في طريقة استنتاج تلك الأحكام من الدين وليس في الدين ذاته. لماذا تسحبون هذا الخطأ وتجرونه لتلقوه على الدين بينما هناك خطوات كثيرة يمكن أن يكمن الخطأ فيها!!!. لن تستطيع فعل شيء، لقد ظهر البرنامج وشاهده الملايين دون أن تستطيع قول شيء!. تباً لهم!.

ولا يخفى عليك أنه وفي كل مقالة تتحدث عن التطور ينبري الكثير من المعارضين لها بالنقد والاعتراض متجاوزين ذلك إلى الاستهزاء والسخرية. موقف لا يجاريه في تفاهته إلى الموقف المقابل الذي ينظر إلى أولئك على أنهم متخلفون لا يفقهون شيئاً عن العلم بشكل عام وعن نظرية التطور بشكل خاص. موقف واجهت نسخته الملطفة في كل تعليق أو اعترض قمت به على النظرية أو أحد أركانها. وإن أحببت – زُر أي مقالة عن التطور وإقرأ الكم الهائل من التعليقات على النظرية، ولن تجدها تخرج عن أحد هذين الموقفين إلا ما ندر وندر.

ولتحقيق الغاية من انضمامي للغروب حاولت التعريض بهدفي، ولقيت الاستجابة من إحدى مشرفاته. طبعاً (تستطيع أن تتنبأ بأنها) بعد أول أو ثاني جملة في حوارنا واجهتني بنفس الرد السابق الذكر، مقتنعة بأني لا أفقه شيئاً عن الموضوع أيضاً!. شيء يدعو للاستغراب أليس كذلك؟

عرضت لها إحدى أكبر العقبات التي تواجهني في فهمي واقتناعي بالنظرية لأرى كيف يمكن أن تشرح لي طريقة تجاوزها لها (هذه العقبة باختصار هي غياب النماذج البينية). كنت أنتظر منها بضع كلمات تخبرني عن مكمن الخلل في فهمي لتلك العقبة. هذا هو المفترض في وضعنا هذا، فأنت إن كنت ضليعاً في علم ما أو مطلعاً على كم جيد منه ثم أتاك حديث عهد به يعرض لك عقبة ما – فلا شك أنك قادر على لمس جوهر الخلل في فهمه للعلم التي أدت به لتلك العقبة – وبالتالي مساعدته في تجاوزها، أي مساعدته على إيجاد طريق يلتف به حول تلك العقبة مستخدماً أشياء أخرى يعرفها هو ولكنه لم يوظفها بالشكل المناسب. طريقة النقاش كانت غريبة جداً جداً. بدا وكأني لن أصل معها للب الموضوع. بدا وكأني عاجز عن جعلها تنظر إلى مكمن الخلل، إلى تلك النقطة التي يقف عندها العقل ويصطدم بجدار من اللامنطق. النقطة التي يقول لك العقل فيها لم أعد أفهم شيئاًّ! لا أعرف ولم أفهم كيف قفزوا هذه القفزة؟. ويمكن القول بأن النقاش كان يتميز بميزتين:

  1. العجز عن مس جوهر العقبة ومواجهته بالمنطق السليم!. إنما كنا ندور (أو تدور) حوله باستمرار متجاهلين وجوده أو جاهلين به!.
  2. رمي المقالات والمقالات التي تتحدث عن أشياء لا تكاد تمس تلك العقبة، وطلب قرائتها لأنها تشرح عن الموضوع بشكل أكثر، ولردم الفجوة بين فهمي للنظرية وبين النظرية على حقيقتها!. على اعتبار أني جاهل في هذا العلم أو أكاد أكون، بنظرهم!.

كنت أستغرب منها ذلك تماماً! وحاولت بسط العقبة بشكل مبسط لدرجة تشبه شرح وتبسيط إحدى النظريات المتقدمة لطالب في المرحلة الثانوية، وكأني أقول لها انظري ههنا بالذات، هنا في هذه النقطة التي يجب أن يقع خيالها الآن على اللطخة الصفراء في عينك! على أعلى نقاط تركيزك!. كل ذلك لإبراز العلة والنقطة التي أريدها أن تراها بكل وضوح ومن ثم تخبرني كيف تجاوت أو عللت لنفسها هذا المطب – دون جدوى. كما لو أنك تُشّرِحُ جثة ما وتزيل الطبقة تلو الأخرى من العضلات والأنسجة وبعد كل العناء تقول لمن أمامك – هاك القلب!. فيقول لك أنت لا تعرف شيئاً عن التشريح!! بعد أن تكون قد شرّحت له الجثة كلها!!!!. شيء يدعو للاستغراب. إما أنني لم أنجح في توجيه نظرها بشكل جيد نحو النقطة الحاسمة في العقبة أو أنها لسبب ما كانت عاجزة عن رؤيتها.

في النهاية لم نصل لشيء. كنا كأننا ندور في حلقة مفرغة. فأنا أحاول توجيه الحديث عن القلب وهي تتحدث عن العظام والمعدة والأمعاء. وترمي لي بالمقالات التي تتحدث عن مقدمات علم التشريح وعن الأدوات اللازمة له وعن أخلاقياته…. !!!. تَخيل يــــا رعــاك الله.

بعد فترة طويلة من التفكير توصلت لأفضل رد على ذلك الرد الذي يواجهوني به في كل مرة. فقد اقتنعت بأن التفسير الوحيد لظنهم بأني لا أفقه شيئاً عن التطور، وأنهم مؤمنون تماماً بها ما هو إلى نتيجة سبب واحد – وهو جهلهم بالتركيبة المدهشة المعقدة لأصغر جزيء من جزيئات الـ DNA. وجهلهم بالطريقة التي يدير بها هذا الجزيء عمل الخلية ويتواصل معها وتتواصل معه لضمان استمرار الخلية حتى انتهاء عمرها وموتها بالموت الخلوي المبرمج. جهلهم بأدنى المقومات والبنى المطلوبة في خلية ما لتتكاثر وتُعتبر خلية حية أو تركيباً يتكاثر ويحافظ على وجوده!. نضيف إلى ذلك جهلهم بالاحتمالات وفلسلفتها وما الذي تعنيه حقاً عندما يكون احتمال حدث ما صغيراً لدرجة تفوق قدرة عقلنا على تصور صغرها. وأمور أخرى كثيرة وكثيرة جداً. كل ذلك يجعلهم ينظرون للموضوع نظرة سطحية (وعميقة بنظرهم) تجعلهم يظنون أني أنظر للموضوع بنظرة سطحية!. هذ المشكلة لا أجد اسماً لها سوى أن نقول أنها تتعلق بالخوض بالتفاصيل الدقيقة. فقد تبدو العملية منطقية بالنظر إليها عن بعد ولكن ما إن تبحث في التفاصيل الدقيقة لحدوثها على أرض الواقع يتبين لك استحالة حدوث هذه الأمور التي يقولون عنها!. وهذا ليس بالأمر الجديد على العلم. فأرخميدس ظن في وقت ما أن باستطاعته تحرك الكرة الأرضية لو كان عنده نقطة استناد مناسبة وعتلة بالطول الكافي. ولكن البحث في تفاصيل تلك التجربة التي تبدو منطقية تماماً بالنظر إليها من هذا البعد ولكن ما إن تحاول الخوض في تفاصيلها لمحاولة الاقتراب من تنفيذها على أرض الواقع حتى يتبين لك استحالة هذا الأمر مع أنه ممكن من الناحية النظرية فقط!. ولكن في حق التطور يصعب تصديق إمكانيته حتى من الناحية النظرية!!!. فكيف يظلون يكررون ويرددون بضحة هذه النظرية وضرورة اغيير مفهومنا عن الإنسان وأصله!.

قد تقول في نفسك: ما الذي تريد هذا أن تصل إليه بالضبط ومن ثم توصله لنا؟

ما أريده أن يصلك هو التالي – هناك في المجتمع ومن حولك وفي كل مكان كثرة كثيرة اغترت بما لدى الغرب واعتقدت بصحته تماماً دون أن تتخضعه لأدنى مناقشة أو تحليل منطقي. ولأن جمهرة كثيرة من علماء الغرب يرددون بصحة نظرية التطور واستحالة نفيها فترى أولاء القوم يرددون نفس الكلام حتى وإن كانوا من المختصين في مجالات تمس الموضوع من زاوية أو أخرى وحتى وإن كانوا قد قرؤوا عن النظرية واقتنعوا بما قرؤوه – تبقى المشكلة كما قلت لك في الخوض في التفاصيل. والسبب في ذلك مادي قبل أن يكون فكرياً. أي أن حب نمط الحياة الغربية والمتعة الظاهرية التي اعتدنا على مشاهدتها عند مشاهدة ما يصل إلينا من صور عن الحياة الغربية هي بلا شك أقوى أسباب هذه الإمعية الفكرية التي تعاني منها تلك الفئة. هذه الصورة النمطية التي اعتدنا على مشاهدتها تتسبب في تحويل مسارات المنطق في الحكم على أي شيء يأتينا من الغرب بحيث يصعب ويندر أن يخضع لأدنى مساءلة منطقية من قبل ذواتنا قبل تبني هذه الفكرة أو تلك. وإن دخل وخضع لأي مستوى من المساءلة المنطقية فإن تلك المساءلة غير عميقة يما يكفي لصمان ترشيح الصحيح فقط مما يصل إلينا منهم.

هذا من جهة، من جهة أخرى يتبع ذلك الانبهار بتلك الصورة (التي هي نمطية تماماً) وينتج عنه انسلاخ طبيعي عن القيم والأخلاق التي تربينا عليها أو التي ندعي أننا نتبناها – وبالنتيجة عن تعاليم ديننا الحنيف. فيسهل كثيراً على من يعتقد بخطأ ما يقوله الدين عن أصل الإنسان ونشأته أن يقول بخطأ كثير من تعاليم الدين في نواحٍ أخرى تمس نمط الحياة بشكل عام.

وما يدعو للاستغراب وما يؤكد لي ابتعاد تلك الفئة عن أبسط مبادىء العلم والتفكير العلمي هو أنهم يسحبون الخطأ المنسوب للدين المسيحي (بافتراض أنه قال بأن عمر الأرض هو 6 آلاف سنة (وهذا بدوره سحب وإفلات خاطىء بحد ذاته)) ويلقونه على الدين الإسلامي على افتراض أنه يقول بالشيء ذاته. أي أن أحداً منهم ممن شاهد وتابع النسخة المدبلجة لبرنامج The COSMOS صدق كل ما قاله مقدم البرنامج عن خطأ ما يقول به الدين، ولأن دينه هو الإسلام فقام بآلية تلقائية بتصور وجود خطأ ما أيضاً في قصة الخلق من وجهة نظر الإسلام. وهذا سحب وإفلات خاطىء مركب على عدة درجات!!!!.

إذاً هناك تشوه في طريقة التفكير حتى لدى فئة تحمل أعلى الشهادات العلمية! هناك خلل منطقي في حكمهم وطريقة تفكيرهم لا أجد له أي تفسير سوى ذلك الانبهار بالغرب من الناحية المادية (والذي هو انبهار خاطىء لأنه مبني على صورية يوصلها الغرب لنا عبر كل وسيلة ممكنة) والذي أدى لكل تلك النتائج لاحقاً على مستوى الأفكار بل وحتى طريقة التفكير ذاتها!.

شيء أخير أريد أن أوصله لك. وهو أنك مهما اعتقدت بصحة ما تؤمن به فقد يأتي يوم أو شخص أو كتاب يغير من قناعتك هذه ويجعلك تتبنى أفكاراً أخرى قد تعارض ما آمنت به مسبقاً. لا عيب في ذلك إطلاقاً طالما أنك لا تتمسك بأفكارك ومعتقداتك بشكل أعمى بعيد عن آليات التفكير المنطقي الصحيحة. فطالما أنك تُعمل عقلك بشكل صحيح فقد تتقلب بين الفكرة ونقيضها عدة مرات ولكنك في النهاية لا بد وأن تصل للحقيقة – إن شاء الله تعالى. المهم ألا تخذ مما تعتقده صحيحاً أصناماً تعبدها وتحيد بها عن طريقة التفكير المنطقية الصحيحة.

ربما تؤمن بصحة نظرية التطور، وربما تقول بأني أنا من أخطأ الطريق في الحكم على تلك الفئة، وربما تقول لي أنت فعلاً لا تفقه شيئاً عن نظرية التطور…. لا مشكلة في ذلك أبداً – المشكلة هي أن تقول هذا وتنسحب دون أن نتحاور ونتناقش معاً عن أسباب حكمك هذا. فإن كان رأيك هكذا فلنكن على موعد في تدوينة أخرى أبدأ فيها الحديث عن تلك العقبات. وسيسعدني وأنا جاهز تماماً لمن يأتي ويمسك بيدي ليأخذني إلى طريق جديد لم أعتقد أنه موجود قبلاً – أتجاوز به تلك العقبات. أليس هذا دور العالم بالشيء تجاه الجاهل به؟ هو ذلك ما دام العالم والمتعلم يؤمنان بأننا مهما اعتقدنا بصحة ما نقول به فقد يأتي يوم وننقض ما قلناه نحن أنفسنا.

خواطر مبعثرة – جداً 1

CrabNebula

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

هل توافقني على أن قائمتك الموسيقية المفضلة – تلك التي تستمع لها في تلك اللحظات التي لا تعرف أين تتجه فيها بكليتك! – تستطيع التعبير عنك وعن روحك وطباعك بشكل أفضل من كل الكلمات؟!

وهل توافقني على أن قائمة بكتبك المفضلة – تلك التي أثرت فيك وغيرت في طريقة تفكيرك للأبد، والتي لا تمل من قرائتها مراراً وتكراراً – يمكن لها أن تعبر عن طريقة تفيكرك ووعيك لما يحيط بك ونظرتك للكون بشكل أفضل من كل ما وصِفتَ به يوماً؟أ

سأكتب هنا ما يخطر ببالي أثناء سماعي لقائمتي الموسيقية المفضلة :). سأكتب كل ما يتدفق في رأسي دون أن أعيد النظر فيه، ودون أن أعيد صياغة ما أكتب. لذلك توقع كثيراً من الأخطاء الإملائية :).

شخصياً أحب أن أحمل معي دفتراً صغيراً أينما ذهبت، لأن الفكرة التي بها يمكن أن أغير العالم يمكن أن تأتي في أي وقت، ولأنها تحتوي على العديد من التفاصيل التي يصعب تذكرها أحياناً، لذلك فأنا أحمل معي دفتراً صغيراً أينما حللت. خصوصاً قبل النوم وبعد الاستيقاظ مباشرة!!! (لا أعرف لماذا لا يملك الوحي بعضاً من الأناة :).

من الغرابة بمكان أن يقضي الإنسان حياته كلها يعمل في كل نواحي الحياة سعياً لمكافأة ما، ثم ينكر أن هذه الحياة بكليتها وكل تفاصيلها هي بدورها عمل لمكافأة ما في الآخرة. فأنت تدرس سعياً للحصول على شهادة، وتعمل للحصول على المال وتتزوج لكي تكون أسرة وتشعر بالسعادة معها. كما أنك تتدرب وتجري كل يوم لكي تحصل على جسم أفضل وهكذا… كل عمل تقوم به تتوقع في النهاية أن تُكافىء عليه. فلماذا ينكر البعض أن هذه الحياة هي عمل سنكافىء عليه في الآخرة؟؟!

وأنا أقلب في دفتر مذكراتي رأيت صفحة فارغة أذكر أني تركتها فارغة عن قصد لأني رأيت حلماً أحببت أن أحتفظ به في ذاكرتي، وعلى الصفحة المقابلة كتبت: صفحات بيضاء على دفاتر مذكراتنا – تقابلها أحلام وردية في قلوبنا، لا نستطيع البوح بها حتى لأنفسنا!. نبقيها في عقولنا ولا نستطيع إخراجها من قلوبنا لنجعلها على أوراق يقرؤها من يأتي بعدنا. نحبها كثيراً لذلك تبقى حبيسة في قلوبنا.

ومهما تقادمت بنا الأيام نظل نذكرها ونفكر بها، أحلام راودتنا يوماً ما، أسرار من أسرار روحنا، مست قلوبنا بنفحة من نفحات الرحمن. في النهاية أليست قلوبنا بيد الله سبحانه وتعالى يقلبها كيفما شاء؟. قد نظن لوهلة أننا خبرنا قلوبنا، ولكنها تبقى تفاجئنا وتقول لنا مع الأيام غير ذلك. وتمضي بنا الأيام بدون أن تخبرنا أسرارها – قلوبنا.

إحدى الدروس التي تعلمتها من حياتي هي أن أمارس الأعمال التي لا أحبها (ولكن يجب علي فعلها) في الأوقات التي أحبها، والأعمال التي أحبها في الأوقات التي لا أحبها. بذلك يتحقق شيى من التوازن وتستطيع العمل بشكل أفضل.

كلما قرأت كتاباً من كتب الفلسفة اكتشفت أن أكثر فلاسفة العالم يشاركونني الكثير من آرائي الفلسفية عن الكون والحياة. لذلك قررت التوقف عن قراءة كتب الفلسفة حتى أنتهي من تدوين كل أفكاري ونظرياتي، حتى إذا ما قرأت شيئاً لأحدهم (وكان يتطابق مع ما قلته من قبل أن أقرأه) أبرهن لنفسي أني قلت ذلك قبله، رغم أنه قاله قبلي :).

إذا كنت تحاول تطوير نفسك في ناحية ما، فاحرص على أن يكون هناك امتحان تختبر به ما طورت نفسك فيه. حاولت كثيراً أن أطور نفسي من دون امتحان، لكن الأمر كان دائماً يفشل. كنت أقول لنفسي أني أستطيع تطوير نفسي دون امتحان، لأني أرغب بذلك فما حاجتي للامتحان. إلا أن الالتزام بالتطوير أمر صعب للغاية من دون امتحان. ولعلك تشاركني الرأي أن الامتحان من أفضل وسائل تثبيت المعلومات في الذاكرة، حتى وإن كان يشتمل على جزء صغير جداً مما درسته به، إلا أن له فعلاً مثبتاً على كل ما درسته.

كنت منذ ساعة أتابع برنامجاً تلفزيونياً عن بنية الكون. تحدث عن الاختلاف الذي كان سائداً بين بور وأينشتاين حول بنية الكون. فالأول يرى أن القياس يغير من صفات الأجسام بينما يرى أينشتاين أن صفات الأجسام ثابتة سواء أكنا ننظر لها أم لا، وعبر عن ذلك بقول أنه لا يحب أن يتصور أن القمر موجود فقط عندما ننظر إليه. في هذه الجملة يتفق أينشتاين مع نيوتن في كون أن خصائص الكون لا تتغير بوجودنا أو بدونه، وذلك في خضم حديثه عن الفضاء المطلق. لكن أينشتاين جاء بنظرية تدعم فكرة تناقض فكرة نيوتن عن الفضاء المطلق؟!!! يبدو أن الأمر بحاجة للتدقيق مرة أخرى.

هل تعرف ما هو الفرق بين علوم الحاسوب وبين الطب؟ يعتمد الفارق على قاعدة كنت أؤمن بها منذ فترة طويلة جداً. الفكرة تقول أن كل العلوم بسيطة جداً – على مستوى القاعدة. أي أنك حتى تفهم شيئاً ما فهماً دقيقاً فعليك أن تعود للجذور. تستطيع تعلم علم ما والغوص تدريجياً فيه ولكن حتى تتقنه تماماً وتستطيع فهمه بشكل ممتاز عليك العودة لجذوره، لأنك بالعودة للجذور وحدها تستيطع فيما بعد فهم تفرعات الأغصان. مثلاً حتى تكون من قراصنة الكومبيوتر المحترفين فعليك تعلم لغات البرمجة، ثم تعلم الكثير عن الشكبات، هل يكفي؟ لا عليك أن تتعلم كيف تعمل لغات البرمجة، وكيف تتحول تلك الأسطر البرمجية للغة يفهمها الكومبيوتر. أي كيف تتواصل لغة البرمجة مع المكونات المادية للحاسوب. عندها فقط تستطيع البناء من القاعدة للأعلى وحل أي مشكلة تعترض طريقك في قرصنة أحد المواقع مثلاً. لأنك تعلم ماذا يحدث خلف الستار. الفكرة هي البناء من الأسفل للأعلىـ من الجذور امتداداً للسوق والأغصان. فعندما تفهم الجذور تستطيع تتبعها بسهولة وفهم كيفية تشكيلها لكل تلك الأغصان المتناثرة هنا وهناك. إذاً الغوص للعمق ضروري للفهم الجيد وضروري أكثر للقدرة على التفسير والاستنتاج، وأكثر من هذه وتلك للقدرة على الربط بين مختلف الظواهر التي تبدوا متباعدة في ظاهرها غير مرتبطة – ولكنها في الحقيقة وثيقة الصلة ببعضها البعض. أي أنك تستطيع أن تفهم وتفسر وتستنتج أفضل إذا كنت تعرف الجذر. هذا الأمر ينطبق على الرياضيات تماماً. فأنت لن تستطيع حل مسألة في الهندسة الفراغية مالم تكن على معرفة بكل مسلماتها. أي أننا في تعلمنا للرياضيات نبدأ من الجذور ونصعد للأعلى، وبذلك مهما تفرعت الأغصان نظل على صلة بالقاعدة ونظل قادرين على حل المسألة بعدة طرق لأننا نستطيع الوصول لمستوى الأغصان من عدة طرق إذا صعدنا من الأسفل للأعلى.

أما في الطب فالطلاب لا يدرسون بنفس الطريقة. إنما يدرسون من الأعلى للأسفل. وهذه طريقة أعتقد أنها سيئة جداً وتجعل من كلية الطب كلية نظريةً تماماً وبعيدة عن إعمال العقل والتفكير المنطقي في المرض والإمراضية!. مثلاً نحن ندرس أن هرمون الإنسولين يخفض نسبة السكر في الدم. لكن كيف؟ يقولون لك أنه ضروري لحرق السكر وضروري لإدخاله للخلية. لماذا هو كذلك؟ تمضي سنوات قبل أن تعرف كيف!. وهكذا يتم البناء من الأعلى للأسفل منتظرين منك أن تفصل الأغصان عن بعضها بنفسك، أو لا يفكرون بذلك. لذلك عندما تتخرج تعرف أن هذا الدواء مناسب لذلك المرض ويقوم بالتأثير عليه بطريقة معنية. فهم السبب والعودة للجذور قد تمر بعشرة مستويات، وأذكى الأطباء يعرف منها أربعة أو خمسة على الأكثر، من الأعلى للأسفل. هذا السبب يجعل من الصعوبة بمكان على الأطباء الذين يدرسون بهذه الطريقة أن يستنتجوا ما تتشارك به الأمراض وكيف يمكن لها أن تتداخل مع بعضها البعض.

نعود للفيزياء – باختصار المشكلة في التعارض بين الكم والنسبية وهذا التيه في فهم الكون هو الافتراض المسبق بوجود شيء اسمه الجسيم وآخر الموجة!؟ ثم يتعجبون إذا ظهر شيء يحمل الخاصتين معاً؟!!! وكأننا متأكدون من وجود الجسيم والموجة بخصائص متعارضة لنسنتغرب وجود شيء يحمل خاصتي هذا وذاك!.

هل يحدث معك ما يحدث معي؟ وهي أن الأفكار تتدفق لرأسك ما أن تضع رأسك على الوسادة بنية النوم؟! هل أحمل الدفتر معي للسرير!!!

وهل يحدث معك أن تمر عليك بعض الأيام بكثير من المشاعر التي يصعب تفسيرها! تحس أنك مللت من كل شيء، وأنك بحاجة لشيء ما لكنك لا تعرفه!. لا تعرف ماذا تفعل ولكنك تعود للمنزل وتصنع كأساً كبيراً من الشاي الساخن، وتجلس لتستمع لقائمتك المفضلة بأعلى صوت ممكن. عل الصوت المرتفع وحرارة الشاي الساخن تفصلك قليلاً عن واقعٍ لا تدري ماذا تفعل فيه!.