أخطأوا الطريق

بسم الله الرحمن الرحيم

أخطأوا الطريق…

هل يُشترط أن تُؤمن بنظرية التطور لتكون ممن يواكبون التطور؟ تأمل السؤال من كل زاوية ممكنة وأجب عنه قبل أن تكمل قراة المقالة. وأخبرني بما أجبت ولماذا.

الإجابة لدى الكثير ممن سأتحدث عنهم هنا هي نعم.

اشتركت مؤخراً بتجمع الباحثون السوريون والذي يهدف لنشر ما يستجد من تطورات علمية باللغة العربية. العمل يتم ضمن غروبات على Facebook تقوم بترجمة القالات العلمية حسب اختصاص غروب ومن ثم نشرها على الموقع الرسمي. ومن باب التخصص اشتركت في غروب الطب وغروب التطور والبيولوجيا، وهنا تعرفت على طائفة جديدة تماماً من الناس، هي معرض حديثي هنا.

كان لدي هدفان من اشتراكي في غروب التطور والبيولوجيا. الأول هو المساعدة في الترجمة والثاني هو الالتقاء بمن يؤمن بنظرية التطور والنقاش معهم حول النظرية وحول بعض النقاط التي هي بالنسبة لي عقبات تحول دون اقتناعي بفكرة هذه النظرية. لم يكن هدفي من النقاش معهم ثنيهم عما يؤمنون به، على العكس تماماً – كل ما هناك هو أنني أريد أن أفهم كيف تجاوزوا تلك العقبات ووصلوا للإيمان بالنظرية بعدها لأني لا أفهم كيف يمكن تجاوز مثل تلك العقبات وصولاً للاقتناع بتلك النظرية. فلدى اطلاعك على أية نظرية علمية ومهما كان مستوى درايتك بأساسيات العلم الذي انبثقت منه، لا بد وأنك في سياق قراءتك عنها – أو اطلاعك على براهينها – قد واجهت عقبات منطقية تتناسب مع ما تعلمه عن ذلك العلم. كيف يمكن لك أن تتجاوز تلك العقبات؟ بطريقتين:

  1. الأولى أن تسأل من هو أعلم منك بهذا العلم، وتشرح له العقبة المنطقية التي تحول دون فهمك (أو اقتناعك أو تصديقك أو إيمانك) بهذه النظرية. وهو بدروه سيعرف أين مكمن الخلل في العقبة (بالنسبة لك) ويحاول شرحها لك بلغة تفهمها، أي أنه سيدور بك حول تلك العقبة ويسلك بك طريقاً آخر للوصول إلى النتيجة نفسها التي عجزت عن الوصول إليها بالطرق التي تعرفها. أي أنه سيبسط لك أو يشرح لك أو يضيف لمعلوماتك ما يمكنك من إزالة تلك الغشاوة عن فهمك للنظرية. وبذلك تتجاوز العقبة وتكون قد ازددت علماً بالنظرية وطريقة برهانها أو الوصول للنتائج التي تتنبأ بها. يمكن تشبيه العملية بالفيديو التالي 🙂

*********************

  1. الثانية هي أن تتعلم وتبذل أنت الجهد الكافي للارتقاء بما تعرفه عن هذا العلم. أي أنك ستحاول اكتشاف ذلك الطريق الجديد بنفسك وتحاول بنفسك حل تلك الإشكاليات بمزيد من القراءة عن النظرية والطرق التي توصل بها العلماء لها. وهذا يعني أنك ستقرأ في نوعين من الكتب. نوع يحاول شرح النظرية بشكل عام ليبسط لك ما تعنيه وما تتنبؤ به. والثاني هو النوع الذي يبسط فيه المؤلفون البراهين على صحة النظرية ومطابقتها للواقع وصحة النتائج التي تتبؤ بها، وهنا يفترضون أنك تعرف أساسيات هذه النظرية. وبعدها يمكن لك أنت أن تقوم بدور الشخص الي سألته في الطريقة السابقة.

بالنسبة لي – تقف بيني وبين النظرية عوائق كثيرة، لعل أقدمها يعود لسنوات الدراسة الثانوية عندما تعلمنا لأو مرة ماذا يعني التطور وماذا تعني هذه النظرية. كانت تلك الحواجز بسيطة ومعقدة في آن واحد. فهي بسيطة لدرجة أنها بشكل عام منذ ذاك الحين وإلى الآن لم تتغير. أي أنها بقيت على حالها ابتداء من بداية تعلمنا عن هذه النظرة إلى اليوم الحالي وقد قطعت شوطاً طويلاً في القراءة عن النظرية وعن أدبياتها العلمية. وهي معقدة لأن هناك جدراناً من اللامنطق لا زالت تفصلني عن الوصول لقناعة ولو جزئية بالنظرية. فأنت قد تقتنع قناعة جزئية بالنظرية وهنا لا تكون العقبات التي تفصلك عن القناعة التامة بالحجم والأهمية كما في تلك التي تكون حائلاً دون أدنى اقتناع بالنظرية.

ولأن أعضاء تلك الغروبات هم افتراضاً من أصحاب الكفاءات والخبرات العلمية فكنت أرجو أن يكون الحوار معهم مثمراً لي ولهم على حدٍ سواء بغض النظر عن النتيجة. ولك أن تعرف أن العقبات التي أتحدث عنها هنا لا تمت لنظرة الدين للموضوع على الإطلاق. فهي عقبات منطقية تماماً واجهتني أثناء قراءتي عن الموضوع في أمهات الكتب التي تتحدث عن التطور وتخص جزئيات وتفصيلات النظرية. أي هي عقبات تخص البراهين المستخدمة لإثبات صحة النظرية أو في معرض الحديث عنها وعن تفاصيلها. وكنت أريد أن أعرف كيف مروا على تلك العقبات وصولاً للإيمان بصحة النظرية. مفترضاً أن إيمانهم بها هو نتيجة اقتناعٍ تام وليس نتيجة اتباعٍ تام لما يخرج به الغرب من نظريات. ولأنهم مع النظرية ويؤمنون بصحتها فهذا يعني أنهم مروا على تلك العقبات ولكنهم تجاوزوها بطريقة ما، وهذا ما كنت أبحث عنه تماماً.

فالأمر يبدو لي مستحيلاً! كيف لهم أن يؤمنوا بها رغم كل تلك العقبات التي مررت بها في رحلتي مع التطور!. هل يعقل أنهم لم يواجهوها؟! أم تراهم واجهوها ومن ثم تجاوزوها بطريقة ما؟ ما هي تلك الطريقة التي عجزت حتى اليوم عن الوصول لها رغم الكم والكيف الذي قرأته عن النظرية!. سؤال يحيرني!. ولكن يبدو أن لديهم الإجابة على سؤالي هذا؟! كيف، تسألني؟ إليك كيف!

الصادم في الموضوع هو أنني وبعد أي تعليق على أيٍ من المقالات التي تخص التطور والتي هي قيد الترجمة أو بعد نشرها – وبعد أن أعلق متحدثاً عن إحدى تلك العقبات أو لمجرد ذكر رأيي في النظرية بهدف إثارة الحوار – كنت أواجَهُ بنفس الرد دائماً من مختلف الأشخاص!.

كل الردود كانت على الشكل التالي:

’’يبدو أنك لا تعرف الكثير عن نظرية التطور. حاول أن تقرأ عن الموضوع هنا‘‘

وحتى أن أحد الإخوة علق على إحدى تدويناتي هنا بنفس الطريقة، مقتنعاً تمام الاقتناع أني لا أفقه شيئاً عن التطور، وتعدى ذلك لأمور أخرى. دون أن يكلف نفسه عناء سؤالي أو مناقشتي بظاهر هذه الاعتراضات على الأقل!. ردة الفعل هذه تعكس الكثير من أعماقهم المخبأة!. والتي لا يدرون عنها، ربما!.

لن أسرد لك الكتب والمراجع التي بحثت فيها عن نظرية التطور. ولن أسرد لك العقبات التي واجهتني في خضم قراءتي عن هذه النظرية، لأني أعمل على ذلك في مكان آخر. ولكن أؤكد لك أني أبحث في النظرية منذ زمن طويل جداً وذلك لأهميتها (بالنسبة لي) وأهمية اتخاذ الموقف الصحيح منها على كل النواحي. كنت أقرأ عنها بكل جدية، ولكن حالي كان كشارب الماء المالح – لم تزدني القراءة عنها إلى حيرة وتعجباً!. والعجب كل العجب من الكم الهائل الذي تلقاه النظرية من تأييد سواء على المستوى الغربي أو على مستوى تلك الفئة التي التقيتها في ذلك التجمع والغروب. حتى أن بعضهم يوازن بينها وبين نظرية الجاذبية لنيوتن أو النسبية لأينشتاين!! تخيل يا رعاك الله.

وهنا ستجد أن الانبهار بالثقافة الغربية لا يوازيه في الكم والشدة إلا الانبهار بمنتجات تلك الثقافة. وأقصد بالثقافة هنا ما تفرزه العلوم من نظريات وأقصد بمنتجات تلك الثقافة الانبهار بالمادي منها. لعل الثاني كان الأسبق لدينا، ولكن كيف يمكن لنا أن ننبهر بنظرياتهم دون أن نُعمل فيها فكرنا! بغض النظر عن نسبة التأييد لتلك النظريات بين علمائهم، هل يتوجب علينا أيضاً ابتلاع وهضم تلك النظريات لمجرد أنها أتت من الغرب! هل بتنا على هذه الدرجة من السذاجة والإمعية!؟!. وهنا لا أقصد بالنظريات نظريات مثل النسبية أو الكمومية وغيرها من النظريات التي تحتل مكانة عريقة في العلوم ولها أرجل ثابتة تبقيها راسخة على أرض المنطق والمعقول. إنما أتحدث عن نظريات كنظرية التطور، والنظريات النفسية والسيكولوجية وغيرها، من النظريات التي لا تمتلك تلك الأرجل الثابتة. إن كنت ممن يعتقد بصحة نظرية التطور فربما لن يعجبك حُكمي هذا عليها هنا، وربما ستقول لي هل أن تصف النظرية بهذا الوصف رغم كل تلك الأدلة والبراهين على صحتها! تذكر أني هنا لن أتحدث عن العقبات والمشاكل المنطقية التي أواجهها عن النظرية، إنما أتحدث عن طبيعة وخلفيات الموقف الذي يتخذه من يؤمن بها تجاه من لا يؤمن بها، حتى عندما يكون ذلك الرفض معزولاً عن الدين ونظرته للموضوع. فهم يعتقدون أن كل من يرفض النظرية إنما يرفضها لأسباب تتعلق بالدين، أو لأن الدين أخبره بعكس ما تقوله النظرية!. وسيكون للحديث عن العقبات بقية إن شاء الله وهناك يمكن أن نتناقش أنا وأنت عن الكيفية التي تجاوزت بها هذه العقبات وصولاً للاقتناع بالنظرية. وأرجو أن تكون هنا وهناك ممن لا يتسرعون بالحكم علي والرد بطريقة تشبه ردود من أتحدث عنهم هنا.

ومن بين كل النظريات التي أتتنا من الغرب تنفرد نظرية التطور بميزة خاصة جداً. وهي أن هذه النظرية لا تؤدي إلى أي نوع من التطبيقات العملية، وتبقى في المجال النظري مهما حاول العلماء الغرب جرها لأرض الواقع ومحاولة بناء التطبيقات العملية عليها. ويبدو ويظهر لكل ذي بصيرة أن الهدف منها هو التحرش بالدين لا أكثر! مستترين بحجة فهم أصل الإنسان ونشأته. كما أنها الوحيدة (أو تكاد تكون) التي يُبنى على موقفك منها الكثير في حياتك الدينية. كما أن الأخذ بها (بعيداً عن الدين وعن قصة الخلق الدينية) له تبعاته على صعيد النفس البشرية نفسها. على صعيد الأخلاق والضمير البشري نفسه!. على صعيد الصورة التي ننظر بها لأنفسنا من جهة ولعقولنا من جهة أخرى.

أي أنها النظرية الوحيدة التي تصطدم مع الدين بشكل مباشر متعمد لا لبس فيه ولا غموض، وكأن الهدف منها هو إثبات بطلان الدين لا أكثر ولا أقل. أي أنها (شئنا أم أبينا) تمس الدين في صلبه. فنحن إن أبعدنا الدين عنها فهي التي تقترب وتصاول الاصطدام به!. ولعلك شاهدت برنامج THE COSMOS وإن كنت قد شاهده فلا أعتقد أنه فاتك الغمز واللمز وكل التلميحات المباشرة والتي تهدف لإيصال بطلان قصة الدين بدعوى ماوصلنا إليه في الفيزياء والفلك والعلوم الأخرى. وهم بذلك يتجردون عن الأسلوب العلمي في مناقشة الأفكار عن قصد أو دون قصد – وكأن الهدف من البداية هو إبطال صحة ما أتانا عن طريق الأديان. وسأثبت لك ذلك في المقالة التي سأتعرض فيها لهذه العقبات بالتفصيل إن شاء الله. وستعرف حينها أنهم كفّوا عن كونهم علماء عندما استخدموا ذاك الأسلوب في مناقشة الأفكار والاستدلال بها. فأنا عندما أصدر حكماً أو نظرية ما مستنداً للدين، يجب عليك أن لا تتسرع وتحكم على الدين بالبطلان إن كان الحكم الذي توصلت له خاطئاً. أليس من المفترض أن تُشكك بي وبالطريقة التي استنتجت بها هذا الحكم أو تلك النظرية! قبل أن تنسب الخطأ الذي رأيته في حكمي ونظريتي للدين؟!!!. أليست هذه هي طريقة التفيكر العلمية المفروض اتباعها هنا؟!. فقبل أن تتبجح وتقول إن الدين الذي قال لنا بأن عمر الأرض 6 آلاف سنة خاطىء لأننا بتنا متأكدين تماماً أن عمر الأرض والكون قبلها ملايين السنين؟ أليس من المفترض أن تبحث عن الذي استنتج ذلك العمر مستنداً للنصوص الدينية وتشكك أو تتعرض بالبحث للطريقة التي استنتج بها هذا الحكم؟ لماذا هذا التسرع والقفز للحكم على الدين؟!. لا يوجد تفسير منطقي لذلك سوى معاداة الدين والرفض اللامنطقي له دون الاستناد إلى أية أدلة منطقية علمية!!!.

هذه الثغرة في طريقة التفكير والحكم على الأمور تجدها في كل مكان!. فهناك من يخلط بين الدين وبين منهجه وفكره ويعتقد أنه هو ممثل الدين وهو الدين نفسه، وأي نقد موجه له هو نقد موجه للدين بالضرورة! وهذا سوف يخرجك من دائرة الدين بنظره والبقية معروفة!!!. نفس الأمر تجده في السياسة كما في كل ناحية من نواحي الحكم على الأشخاص أو الأفكار!.

ومن ناحية دور الإعلام في الموضوع فتجد أن الإعلام بدوره ينحاز كثيراً عن طريقة التفكير المفروض اتباعها قبل الحكم على النظرية. يشبه الأمر ما يحدث في السياسة عندما يخرج سياسي ما ويتبجح عن الأمن والأمان والمنجزات التي يقوم بها في مكان ما، تعرف في قرارة نفسك أنه يكذب. وهو يعرف أنك تعرف كذبه، ولكنه ظهر على التلفاز وقال ما عنده دون أن يكون لديك وسيلة لتكذيبه أو الاحتجاج على ما قاله أو أظهار هذا الكذب للناس الذين يشاهدونه. لقد قال ما عنده وهو يبتسم ثم ذهب. انت هنا ستغضب ولا مجال لمنع هذا الغضب عندما ترى كل هذا الكذب من حولك. وأن يتكرر نفس الأمر في برنامج من المفترض أن يكون برنامجاً علمياً يستند إلى أسس وقواعد المنطق والبحث والاستدلال! أن يظهر مقدم البرنامج ويقول لك ما عنده ويتعرض للدين في كل مناسبة ممكنة دون أن تستطيع مناقشته والقول له بأنه كان عليه أو على معد البرنامج الحديث عن إمكانية وجود الخطأ في طريقة استنتاج تلك الأحكام من الدين وليس في الدين ذاته. لماذا تسحبون هذا الخطأ وتجرونه لتلقوه على الدين بينما هناك خطوات كثيرة يمكن أن يكمن الخطأ فيها!!!. لن تستطيع فعل شيء، لقد ظهر البرنامج وشاهده الملايين دون أن تستطيع قول شيء!. تباً لهم!.

ولا يخفى عليك أنه وفي كل مقالة تتحدث عن التطور ينبري الكثير من المعارضين لها بالنقد والاعتراض متجاوزين ذلك إلى الاستهزاء والسخرية. موقف لا يجاريه في تفاهته إلى الموقف المقابل الذي ينظر إلى أولئك على أنهم متخلفون لا يفقهون شيئاً عن العلم بشكل عام وعن نظرية التطور بشكل خاص. موقف واجهت نسخته الملطفة في كل تعليق أو اعترض قمت به على النظرية أو أحد أركانها. وإن أحببت – زُر أي مقالة عن التطور وإقرأ الكم الهائل من التعليقات على النظرية، ولن تجدها تخرج عن أحد هذين الموقفين إلا ما ندر وندر.

ولتحقيق الغاية من انضمامي للغروب حاولت التعريض بهدفي، ولقيت الاستجابة من إحدى مشرفاته. طبعاً (تستطيع أن تتنبأ بأنها) بعد أول أو ثاني جملة في حوارنا واجهتني بنفس الرد السابق الذكر، مقتنعة بأني لا أفقه شيئاً عن الموضوع أيضاً!. شيء يدعو للاستغراب أليس كذلك؟

عرضت لها إحدى أكبر العقبات التي تواجهني في فهمي واقتناعي بالنظرية لأرى كيف يمكن أن تشرح لي طريقة تجاوزها لها (هذه العقبة باختصار هي غياب النماذج البينية). كنت أنتظر منها بضع كلمات تخبرني عن مكمن الخلل في فهمي لتلك العقبة. هذا هو المفترض في وضعنا هذا، فأنت إن كنت ضليعاً في علم ما أو مطلعاً على كم جيد منه ثم أتاك حديث عهد به يعرض لك عقبة ما – فلا شك أنك قادر على لمس جوهر الخلل في فهمه للعلم التي أدت به لتلك العقبة – وبالتالي مساعدته في تجاوزها، أي مساعدته على إيجاد طريق يلتف به حول تلك العقبة مستخدماً أشياء أخرى يعرفها هو ولكنه لم يوظفها بالشكل المناسب. طريقة النقاش كانت غريبة جداً جداً. بدا وكأني لن أصل معها للب الموضوع. بدا وكأني عاجز عن جعلها تنظر إلى مكمن الخلل، إلى تلك النقطة التي يقف عندها العقل ويصطدم بجدار من اللامنطق. النقطة التي يقول لك العقل فيها لم أعد أفهم شيئاًّ! لا أعرف ولم أفهم كيف قفزوا هذه القفزة؟. ويمكن القول بأن النقاش كان يتميز بميزتين:

  1. العجز عن مس جوهر العقبة ومواجهته بالمنطق السليم!. إنما كنا ندور (أو تدور) حوله باستمرار متجاهلين وجوده أو جاهلين به!.
  2. رمي المقالات والمقالات التي تتحدث عن أشياء لا تكاد تمس تلك العقبة، وطلب قرائتها لأنها تشرح عن الموضوع بشكل أكثر، ولردم الفجوة بين فهمي للنظرية وبين النظرية على حقيقتها!. على اعتبار أني جاهل في هذا العلم أو أكاد أكون، بنظرهم!.

كنت أستغرب منها ذلك تماماً! وحاولت بسط العقبة بشكل مبسط لدرجة تشبه شرح وتبسيط إحدى النظريات المتقدمة لطالب في المرحلة الثانوية، وكأني أقول لها انظري ههنا بالذات، هنا في هذه النقطة التي يجب أن يقع خيالها الآن على اللطخة الصفراء في عينك! على أعلى نقاط تركيزك!. كل ذلك لإبراز العلة والنقطة التي أريدها أن تراها بكل وضوح ومن ثم تخبرني كيف تجاوت أو عللت لنفسها هذا المطب – دون جدوى. كما لو أنك تُشّرِحُ جثة ما وتزيل الطبقة تلو الأخرى من العضلات والأنسجة وبعد كل العناء تقول لمن أمامك – هاك القلب!. فيقول لك أنت لا تعرف شيئاً عن التشريح!! بعد أن تكون قد شرّحت له الجثة كلها!!!!. شيء يدعو للاستغراب. إما أنني لم أنجح في توجيه نظرها بشكل جيد نحو النقطة الحاسمة في العقبة أو أنها لسبب ما كانت عاجزة عن رؤيتها.

في النهاية لم نصل لشيء. كنا كأننا ندور في حلقة مفرغة. فأنا أحاول توجيه الحديث عن القلب وهي تتحدث عن العظام والمعدة والأمعاء. وترمي لي بالمقالات التي تتحدث عن مقدمات علم التشريح وعن الأدوات اللازمة له وعن أخلاقياته…. !!!. تَخيل يــــا رعــاك الله.

بعد فترة طويلة من التفكير توصلت لأفضل رد على ذلك الرد الذي يواجهوني به في كل مرة. فقد اقتنعت بأن التفسير الوحيد لظنهم بأني لا أفقه شيئاً عن التطور، وأنهم مؤمنون تماماً بها ما هو إلى نتيجة سبب واحد – وهو جهلهم بالتركيبة المدهشة المعقدة لأصغر جزيء من جزيئات الـ DNA. وجهلهم بالطريقة التي يدير بها هذا الجزيء عمل الخلية ويتواصل معها وتتواصل معه لضمان استمرار الخلية حتى انتهاء عمرها وموتها بالموت الخلوي المبرمج. جهلهم بأدنى المقومات والبنى المطلوبة في خلية ما لتتكاثر وتُعتبر خلية حية أو تركيباً يتكاثر ويحافظ على وجوده!. نضيف إلى ذلك جهلهم بالاحتمالات وفلسلفتها وما الذي تعنيه حقاً عندما يكون احتمال حدث ما صغيراً لدرجة تفوق قدرة عقلنا على تصور صغرها. وأمور أخرى كثيرة وكثيرة جداً. كل ذلك يجعلهم ينظرون للموضوع نظرة سطحية (وعميقة بنظرهم) تجعلهم يظنون أني أنظر للموضوع بنظرة سطحية!. هذ المشكلة لا أجد اسماً لها سوى أن نقول أنها تتعلق بالخوض بالتفاصيل الدقيقة. فقد تبدو العملية منطقية بالنظر إليها عن بعد ولكن ما إن تبحث في التفاصيل الدقيقة لحدوثها على أرض الواقع يتبين لك استحالة حدوث هذه الأمور التي يقولون عنها!. وهذا ليس بالأمر الجديد على العلم. فأرخميدس ظن في وقت ما أن باستطاعته تحرك الكرة الأرضية لو كان عنده نقطة استناد مناسبة وعتلة بالطول الكافي. ولكن البحث في تفاصيل تلك التجربة التي تبدو منطقية تماماً بالنظر إليها من هذا البعد ولكن ما إن تحاول الخوض في تفاصيلها لمحاولة الاقتراب من تنفيذها على أرض الواقع حتى يتبين لك استحالة هذا الأمر مع أنه ممكن من الناحية النظرية فقط!. ولكن في حق التطور يصعب تصديق إمكانيته حتى من الناحية النظرية!!!. فكيف يظلون يكررون ويرددون بضحة هذه النظرية وضرورة اغيير مفهومنا عن الإنسان وأصله!.

قد تقول في نفسك: ما الذي تريد هذا أن تصل إليه بالضبط ومن ثم توصله لنا؟

ما أريده أن يصلك هو التالي – هناك في المجتمع ومن حولك وفي كل مكان كثرة كثيرة اغترت بما لدى الغرب واعتقدت بصحته تماماً دون أن تتخضعه لأدنى مناقشة أو تحليل منطقي. ولأن جمهرة كثيرة من علماء الغرب يرددون بصحة نظرية التطور واستحالة نفيها فترى أولاء القوم يرددون نفس الكلام حتى وإن كانوا من المختصين في مجالات تمس الموضوع من زاوية أو أخرى وحتى وإن كانوا قد قرؤوا عن النظرية واقتنعوا بما قرؤوه – تبقى المشكلة كما قلت لك في الخوض في التفاصيل. والسبب في ذلك مادي قبل أن يكون فكرياً. أي أن حب نمط الحياة الغربية والمتعة الظاهرية التي اعتدنا على مشاهدتها عند مشاهدة ما يصل إلينا من صور عن الحياة الغربية هي بلا شك أقوى أسباب هذه الإمعية الفكرية التي تعاني منها تلك الفئة. هذه الصورة النمطية التي اعتدنا على مشاهدتها تتسبب في تحويل مسارات المنطق في الحكم على أي شيء يأتينا من الغرب بحيث يصعب ويندر أن يخضع لأدنى مساءلة منطقية من قبل ذواتنا قبل تبني هذه الفكرة أو تلك. وإن دخل وخضع لأي مستوى من المساءلة المنطقية فإن تلك المساءلة غير عميقة يما يكفي لصمان ترشيح الصحيح فقط مما يصل إلينا منهم.

هذا من جهة، من جهة أخرى يتبع ذلك الانبهار بتلك الصورة (التي هي نمطية تماماً) وينتج عنه انسلاخ طبيعي عن القيم والأخلاق التي تربينا عليها أو التي ندعي أننا نتبناها – وبالنتيجة عن تعاليم ديننا الحنيف. فيسهل كثيراً على من يعتقد بخطأ ما يقوله الدين عن أصل الإنسان ونشأته أن يقول بخطأ كثير من تعاليم الدين في نواحٍ أخرى تمس نمط الحياة بشكل عام.

وما يدعو للاستغراب وما يؤكد لي ابتعاد تلك الفئة عن أبسط مبادىء العلم والتفكير العلمي هو أنهم يسحبون الخطأ المنسوب للدين المسيحي (بافتراض أنه قال بأن عمر الأرض هو 6 آلاف سنة (وهذا بدوره سحب وإفلات خاطىء بحد ذاته)) ويلقونه على الدين الإسلامي على افتراض أنه يقول بالشيء ذاته. أي أن أحداً منهم ممن شاهد وتابع النسخة المدبلجة لبرنامج The COSMOS صدق كل ما قاله مقدم البرنامج عن خطأ ما يقول به الدين، ولأن دينه هو الإسلام فقام بآلية تلقائية بتصور وجود خطأ ما أيضاً في قصة الخلق من وجهة نظر الإسلام. وهذا سحب وإفلات خاطىء مركب على عدة درجات!!!!.

إذاً هناك تشوه في طريقة التفكير حتى لدى فئة تحمل أعلى الشهادات العلمية! هناك خلل منطقي في حكمهم وطريقة تفكيرهم لا أجد له أي تفسير سوى ذلك الانبهار بالغرب من الناحية المادية (والذي هو انبهار خاطىء لأنه مبني على صورية يوصلها الغرب لنا عبر كل وسيلة ممكنة) والذي أدى لكل تلك النتائج لاحقاً على مستوى الأفكار بل وحتى طريقة التفكير ذاتها!.

شيء أخير أريد أن أوصله لك. وهو أنك مهما اعتقدت بصحة ما تؤمن به فقد يأتي يوم أو شخص أو كتاب يغير من قناعتك هذه ويجعلك تتبنى أفكاراً أخرى قد تعارض ما آمنت به مسبقاً. لا عيب في ذلك إطلاقاً طالما أنك لا تتمسك بأفكارك ومعتقداتك بشكل أعمى بعيد عن آليات التفكير المنطقي الصحيحة. فطالما أنك تُعمل عقلك بشكل صحيح فقد تتقلب بين الفكرة ونقيضها عدة مرات ولكنك في النهاية لا بد وأن تصل للحقيقة – إن شاء الله تعالى. المهم ألا تخذ مما تعتقده صحيحاً أصناماً تعبدها وتحيد بها عن طريقة التفكير المنطقية الصحيحة.

ربما تؤمن بصحة نظرية التطور، وربما تقول بأني أنا من أخطأ الطريق في الحكم على تلك الفئة، وربما تقول لي أنت فعلاً لا تفقه شيئاً عن نظرية التطور…. لا مشكلة في ذلك أبداً – المشكلة هي أن تقول هذا وتنسحب دون أن نتحاور ونتناقش معاً عن أسباب حكمك هذا. فإن كان رأيك هكذا فلنكن على موعد في تدوينة أخرى أبدأ فيها الحديث عن تلك العقبات. وسيسعدني وأنا جاهز تماماً لمن يأتي ويمسك بيدي ليأخذني إلى طريق جديد لم أعتقد أنه موجود قبلاً – أتجاوز به تلك العقبات. أليس هذا دور العالم بالشيء تجاه الجاهل به؟ هو ذلك ما دام العالم والمتعلم يؤمنان بأننا مهما اعتقدنا بصحة ما نقول به فقد يأتي يوم وننقض ما قلناه نحن أنفسنا.

2 comments on “أخطأوا الطريق

  1. أخي شادي
    لن أريد مناقشتك بتفاصيل النظرية أو إثبات صحتها , لكن أليست 150 سنة من البحوث و الدراسات كافية لإثباتها ؟ أو بالأحرى , هل يمكن أن يتجاهل آلاف من علماء البيولوجيا الثغرات الموجودة في النظرية ؟
    أنا متفق معك تماماً في ما نراه على صفحات الانترنت من نقاشات من الفئة المتثاقفة التي تدافع عن النظرية فقط ليقنعوا أنفسهم و غيرهم أنهم على درجة أعلى من الوعي و الثقافة , و في غالب الأمر يمكن أن تحجّمهم بثلاث أو أربع أسئلة متتالية لتكتشف أنهم لا يفقهون الا القليل عنها . لكن من ناحية ثانية جهل الناس بتفاصيل النظرية لا يجعلها نظرية غير صحيحة , يمكنني تشبيه هذا الوضع بالشاب الذي يبحث عن اسئلة عن دين الاسلام بين “مشايخ” لا يفقهون من دينهم الا القليل , و بذلك يجعل الشباب هذا حجة على الدين .
    في النهاية الطب و البيولوجيا ليست مجال اختصاصي أبداً , أرجو أن لا تفهم من كلامي أي تشكيك في معرفتك . أنا أيضاً أبحث عن جواب لهذا الموضوع , و بصراحة لا أشعر بالراحة كثيراً عن “مطمطة” الدين لتتناسب مع النظرية , و لكن أيضاً من الصعب رفض هذا الزخم الهائل من المعلومات حولها.
    في النهاية لا يسعني الا أن أعبر عن اعجابي بمقالتك , توصيف جميل للواقع, و نظرة جريئة من زوايا ثانية لنظرية التطور.
    جزالك الله خيراً .

    • شكرا لك أخي غيث
      ما أؤمن به هو أنك يجب أن تتجاهل ما تحظى به النظرية من تأييد ودعم، وتنظر إليها نظرة متجردة عن كل ذلك، وتركز كل فكرك على النظرية نغسها بلا قشور. عندها يمكن أن تحكم عليها حكنا موضوعيا متجردا عن الزبد والزخم الذي قد يحيط بها.
      وتاريخ العلم مليء بأولئك الذين تجاهلوا كل ما تحظى بها علوم عصرهم من تأييد وزخم، وقد خرجوا لنا بأفكار ونظريات فريدة تماما ما كنا لنراها لو أنهم وقفوا أمام ما تلقاه نظريات عصرهم من تأييد. إذا أردت أن تقرأ عن ذلك إقرأ كتاب قصة الفيزياء، كتاب جميل تستطيع قراءته والاستمتاع به حتى لو كنت بعيد عن هذا الاختصاص.

      وأؤيدك تماما في رفض مطمطة الدين ليتماشى مع النظرية، والغريب في الأمر أن علماء كبار قد حاولوا فعل ذلك! ظنا منهم أنهم يخدمون الدين!! وتبقى المشكلة خللا في طريقة التفكير والتعاطي الخاطىء مع المشاكل المنطقية التي نريد حلها.

      شكرا لك مرة أخرى 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s