تفسير الظواهر – علمياً

Explanation in science

تفسير الظواهر علمياً

من أهم أهداف العلم محاولة شرح وتفسير ما يحدث من حولنا في العالم. أحياناً نبحث عن تفسير ظارهة ما لأسباب عملية تماماً. فنحن نبحث عن أسباب ضعف طبقة الأوزون لوضع حد لذلك ولاتخاذ إجراءات عملية لذلك الهدف. وأحياناً نبحث عن التفسير لإرضاء فضولنا الفكري لا أكثر، لكي نفهم المزيد عن طريقة عمل الكون من حولنا. وتاريخياً يتحرك العلماء لمحاولة تفسير الظواهر من حولهم بدافع من كلا السببين.

وكثيراً ما ينجح العلم في هدفه في السعي وراء تفسير ظارة ما. فمثلاً يستطيع الكيميائيون إخبارك عن سبب اشتعال الصوديوم باللون الأصفر. ويستيطع علماء الفلك تفسير حدوث الكسوف والخسوف. ويستطيع علماء الاقتصاد شرح أسباب تدهور الين في ثمانينات القرن الماضي. كما يستطيع علماء الوراثة شرح سبب ميل الصلع للانتشار الوراثي ضمن العائلات. ويستطيع علماء الفيزلوجيا العصبية تفسير حدوث الأذية العصبية عند حرمان خلايا الدماغ من الأكسجين فترة طويلة من الزمن. والأمثلة المشابهة لا تكاد تنتهي للظواهر المحيطة بنا والتي مكن تفسيرها علمياً.

ولكن ماذا يعني تفسير ظاهرة ما علمياً؟ ماذا نعني بالضبط عندما نقول بأننا نستطيع تفسير هذه الظاهرة علمياً؟ سؤال اهتم به الفلاسفة منذ عهد أرسطو، ولكن اهتمامنا هنا سيكون حول وجهة نظر الفيلسوف الأمريكي Carl Hempel همبل ومساهمته في الموضوع في خمسينات القرن الماضي 1950s.

تعرف مساهمة همبل Hempel بـ نموذج همبل المعرف بالقوانين لتفسير الظواهر.

لاحظ همبل أن محاولة تفسير الظواهر علمياً هو في الحقيقة محاولة للإجابة عن مجموعة من الأسئلة من نوع “لماذا؟”. أمثلة عن هذه الأسئلة: لماذا ليست الأرض كروية تماماً؟. لماذا تعيش النساء أطول من الرجال؟ وبذلك يكون تقديم نفسير علمي لظاهرة ما هو البحث عن أجوبة مرضية لمجموعة من أسئلة لماذا الخاصة بهذه الظاهرة المراد تفسيرها.

وإذا استطعنا تحديد السمات الأساسية التي يجب أن تتوافر في هذه الأسئلة يمكنا حينها الإجابة عن سؤالنا: ماذ يعني تفسير الظاهرة علمياً.

يفترض هميل أن تفسير الظواهر علمياً يمتلك نفس البناء الخاص بالاستدلال Argument. أي مجموعة من المقدمات Premises متبوعة بنتيجة هذا الاستدلال Conclusion. النتيجة التي نحصل عليها من هذا البناء تنص على أن الظاهرة (المراد تفسيرها) حقيقة وأمر واقع، و المقدمات هي التي تخبرنا بأن هذه النتيجة صحيحة.

25

لذلك وبافتراض أن أحدهم سأل: لماذا ينحل السكر بالماء؟ هذا السؤال هو سؤال من نوع “لماذا؟”. وللإجابة عنه يقول همبل بأننا بحاجة إلى بناء استدلال تنص نتيجته على أن السكر ينحل بالماء. ومقدمات ذلك الاستدلال هي التي تؤكذ صحة هذه النتيجة. بذلك لتوضيح معنى تفسير الظاهرة علمياً نحن بحاجة للتحديد الدقيق للعلاقة التي يجب أن تقوم بين مجموعة المقدمات ونتيجتها، وذلك لكي نعتبر تلك المقدمات تفسيراً لتلك النتيجة.

إذاً جواب همبل عن سؤالنا (ماذا يعني تفسير الظواهر علمياً) يتضمن 3 أشياء:

  1. المقدمات يجب أن تضمن وصولنا للنتيجة (أي يجب أن يكون الاستدلال استنتاجاً).
  2. يجب أن تكون جميع المقدمات صحيحة.
  3. يجب أن تحتوي المقدمات على “قانون عام” واحد على الأقل General Law.

القوانين العامة هي قوانين من قبيل:

  • كل المعادن تنقل الحرارة.
  • تسارع الجسم يتناسب عكساً كتلته.
  • كل النباتات تحتوي على الكلوروفيل…

وهذه تختلف عن الحقائق المحددة General Facts والتي نحتاج إليها إلى جانب القانون للوصول إلى النتيجة المطلوبة لتفسير ظاهرة ما. مثل قولنا: هذه النبتة على مكتبي تحتوي على الكلوروفيل، هذه القطعة هي معدن، تعرضت لأشعة الشمس فترة طويلة… أي أن قولنا: تعرضت لأشعة الشمس = حقيقة محددة. أما القانون العام الذي يمكن أن نستخدمه مع مثل هذه الحقيقة المحددة (للوصول لنتيجة معينة أو تفسير ظاهرة معينة) فهو من قبيل = التعرض للمشمس يسبب أمراضاً جلدية.

تدعى القوانين العامة بقوانين الطبيعة Laws of Nature. ونموذج همبل يحتوي على النوعين السابقين من المقدمات: القوانين العامة (قانون واحد على الأقل) والحقائق المحددة. بذلك يكون تفسير الظواهر علمياً كما يرى همبل هو عبارة عن إظهار أن حدوثه يمكن أن يُستنتج من قانون عام مضافاً له بعض الحقائق المحددة التي يجب أن تكون صحيحة.

كمثال عن ذلك: لنفترض أنني أريد أن أفسر سبب موت النبتة الموجودة على طاولتي. يمكن أن يكون التفسير كما يلي:

  • لكون الضوء لا يدخل مكتبي بشكل كافٍ.
  • لم يصل ضوء كافٍ إلى النبتة.
  • ولأن ضوء الشمس ضروري للتركيب الضوئي.
  • الذي يمكّن النبات من صنع الكربوهيدرات.
  • والتي لا يمكن للنبات أن يعيش بدونها.
  • ß لذلك ماتت النبتة على مكتبي.

يتطابق هذا التفسير تماماً مع نموذج همبل، فهو يفسر موت النبات باستنتاج هذا الموت مستخدمين قانوين عامين:

  • ضوء الشمس ضروري للتركيب الضوئي.
  • والتركيب الضوئ ضروري لحياة النبات.

كما يستخدم بعض الحقائق المحددة:

  • النبات لا يحصل على كمية كافية من الضوء.

ولأن هذين القانوني العامين صحيحان ولأن الحقائق المحدةة صحيحة فإن موت النبات محتم (أي نتيجة الاستدلال السابق محتمة). لذلك فإن هذا الاستدلال يشكل تفسيراً جيداً للظاهرة التي نفسرها (موت النبات على مكتبي).

يمكن كتابة نموذج همبل كما يلي:

25

والظاهرة التي نريد تفسيرها هي نفسها يمكن أن تكون أحد تلك القوانين العامة التي نستخدمها في تفسير ظواهر أخرى. فكل قانون عام له برهانه أيضاً قبل أن يصبح قانوناً ونستطيع استخدامه في برهنة وتفسير ظواهر أخرى.

وأحياناً تكون الظواهر التي نريد تفسيرها عامة بشكل أكبر. فمثلاً قد نرغب في تفسير سبب إصابة الجلد بالسرطان لدى تعرضه للشمس بشدة. لتفسير مثل هذه الظواهر نحتاج لقوانين أكثر أساسية (في مثالنا هنا قوانين حول تأثير الشمس على الجلد)، بالإضافة إلى حقائق محددة ككمية الأشعة الموجوة في أشعة الشمس التي تعرض لها الجلد. بذلك نرى أن الهيكل العام لتفسير الظواهر هو نفسه سواء أكانت تلك الظواهر عامة أم محددة.

وبذلك يسهل علينا معرفة سبب تسمية نموذج همبل بالنموذج المغطى بالقوانين. لأنه وتبعاً للهيكلية السابقة فإن أساس تفسير الظاهرة ههو البرهان على أنها تحدث استناداً لقانون من قوانين الطبيعة يغطي هذه الظاهرة.

هناك حتماً شيء مغرٍ في هذا النموذج. فإظهار كون الظاهرة نتيجةً لقانون عام يجلعها أكثر قابلية للفهم ويزيل الغموض الذي يكتنفها. والتفاسير التي يقدمها العلماء تتطابق غالباً مع نموذج همبل المعرف بالقوانين.

على سبيل المثال: فسر نيوتن سبب دوارن الكواكب حول الشمس في مدارات إهليليجية بإظهار أن ذلك يمكن أن يستنتج من قانونه الخاص بالجاذبية العامة General Gravitation مضافاً له بعض الافتراضات الثانوية. تفسير نيوتن هذا يتطابق تماماً مع نموذج همبل. فالظاهرة يتم تفسيرها بإظهار أنها يجب أن تكون هكذا مستخدمين قوانين طبيعية مع بعض الحقائق المحددة. وبعد تفسير نيوتن هذا لم يعد هناك أي غموض يلف سبب دوران الكواكب حول الشمس بمدارات إهليلجية.

هيجل كان يعلم أن نموذجه لا يتطابق مع التفسير العلمي لكل الظواهر بشكل مباشر. فمثلاً لدى سؤالنا: لماذا تغرق بكين بالدخان؟ قد يجيب البعض: لأن السيارات تنفث الملوثات في الجو. وهذا تفسير مقبول تماماً من وجهة نظر علمية. لكنه لا يحتوي على أية قوانين وبذلك لا يتطابق مبدئياً مع نموذج همبل.

يجيب همبل عن ذلك بأننا لو خضنا في تفاصيل التفسير بشكل أعمق قليلاً فإن الوانين سرعان ما ستدخل في الصورة. فبافتراض وجود قانون كالتالي: (إذا أطلق غاز Co أول أكسيد الكربون إلى الجو بكميات وافية فإن الدخان سيتشكل). فإن التفسير العلمي للظاهرة السابقة سوف يتضمن بالتأكيد هذا القانون بالإضافة إلى حقائق محددة ككون عودام السيارات تحتوي على أول أكسيد الكربون وأنه توجد في بكين أعداد هائلة من السيارات.

في الحياة اليومية لا نغوص دائماً للعمق الذي يكفل ظهور القوانين لدى تفسيرنا للظاهر علمياً إلا إذا كنا نتحرى الدقة أو كان هناك ضرورة لذلك. لكن بمجرد الغوص في التقاصيل بشكل أكبر فإن القوانين الطبيعية ستظهر في الصورة وسيتطابق التفسير مع نموذج همبل المغطى بالقوانين بشكل تام.

وقد ذكر همبل أن هناك نتائج مثيرة عن نموذجه هذا فيما يخص تفسير الظواهر علمياً، وهي تتعلق بـ العلاقة بين “تفسير” الظاهرة و”توقعها“.

فقد قال همبل بأن تفسير الظاهرة والتنبؤ بها هما وجهان لعملة واحدة. ففي كل مرة نفسر فيها ظاهرة ما علمياً مستخدمين نموذج همبل المغطى بالقوانين معتمدين على قانون ما يغطي هذه الظاهرة مع مجموعة من الحقائق المحددة فإننا نتنبؤ بنفس الظاهرة إن لم نكن نعلم بها مسبقاً.

لتوضيح ذلك تذكر مرة أخرى تفسير نيوتن لدوران الكواكب حول الشمس بمدارات إهليلجية. هذه الحقيقة كانت معروفة منذ القدم قبل أن يفسرها نيوتن بوقت طويل، وكان أول من اكتشفها هو عالم الفلك كبلر Kepler. ولكن لوأنها لم تكن معروفة فإن نيوتن كان يمكن أن يتنبأ بها مستخدماً قانونه في الجاذبية العامة مع مجموعة من الحقائق الإضافية. عبر همبل عن ذلك بقوله أن كل تفسير لظاهرة ما هو تنبؤ بها فيما لو كانت تلك الظاهرة غير معروفة لنا.

والعكس صحيح أيضاً، فهمبل يقول لنا بأن أي توقع لظاهرة ما هو بالنتيجة تفسير لهذه الظاهرة بعد وقوعها. كمثال عن ذلك لنفترض أن علماء الحيوان توقعوا انقراض أحد أنواع الغوريلات في حلول عام 2150. مستخدمين معلومات متوافرة لديهم عن الخراب الذي تتعرض له مواطن تلك الحيوانات بالإضافة لمعلومات أخرى. وبفرض أن هذا حدث فإنه وبعد انقراض تلك الحيوانات فإننا يمكن أن نفسر هذا الانقراض بنفس النموذج الذي توقعنا به حصول هذه الظاهرة أساساً.

إذاً التنبؤ بالظاهرة وتفسيرها هما وجهان لعملة واحدة. (الاختلاف هو في توقيت كل منهما، فأحدهما يسبق وقوع الظاهرة والثاني يتلوه).

وعلى الرغم من أن نموذج همبل يخدم في كثير من التفسيرات العمية للكثير من الظواهر، إلا أنه يواجه أمثلة تحيد عنه بشكل غريب. تندرج هذه الأمثلة في صنفين. فمن جهة هناك مجموعة من التفاسير العلمية الأصيلة اتي لا تنطبق على نموذج همبل هذا ولا حتى بشكل تقريبي. هذه الحالات تجعلنا نحكم على نموذج همبل بأنه “محدود” Restricted وضيق لدرجة أنه لا ينطبق على هذه التفسيرات العلمية الأصيلة. ومن جهة أخرى هناك حالات تنطبق على نموذج همبل ولكنها حدسياً لا تعتبر تفسيرات علمية حقيقية. هذه الحالات تجعلنا نحكم على نموذج همبل بأنه “واسع” Liberal جداً لأنه بنطبق على مثل هذه الحالات.

سندرس هنا نموذجاً عن الفئة الثانية من الحالات – المعبرة عما يسمى مشكلة التناظر.

مشكلة التناظر The Problem of Symmetry

لنفترض أنك مستلق على شاطى البحر في يوم مشمس، وقد لاحظت بالقرب منك راية معلقة على سارية ترسم ظلاً على الشاطىء بطول 20 متراً.

التقاط

يطلب منك أحدهم تفسير ذلك (لماذا طول ظل السارية 20 م). تفسير مقنع لذلك يمكن أن يكون على الشكل التالي:

  • الضوء الصادر عن الشمس يسافر بخطوط مستقيمة.
  • وهو يسقط على السارية والتي هي بارتفاع 15 م.
  • زاوية ارتفاع الشمس هي 37 درجة.
  • وباستخدام مجموعة من قوانين المثلثات يمكننا أن نستنتج بأن:
  • طول الظل (قاعدة المثلث) سيكون 20 م. (ظل 37 = 15/20).

يبدو هذا الجواب كتفسير علميٍ ممتاز لسؤالنا السابق. يمكننا إعادة كتابته كالتالي مستندين لنموذج همبل السابق:

Explantaion in Science (2)

نلاحظ مما سبق أن طول الظل قد تم استنتاجه انطلاقاً من زاوية ارتفاع الشمس ومن طول السارية، بالإضافة إلى بعض قوانين البصريات والمثلثات. ولأن هذه القوانين صحيحة وأن الحقائق المستخدمة (طول السارية = 15) أيضاً صحيحة فإن ههذا يعني تطابق ما سبق مع نموذج همبل بشكل تام.

ولكن المشكلة تبرز كما يلي: لنفترض أننا بدلنا بين الظاهرة التي نريد تفسيرها (طول الظل = 20) وبين الحقيقة المحددة المستخدمة في التفسير (طول السارية = 15). ينتج معنا مايلي:

Explantaion in Science (3)

هذا التفسير أيضاً يتطابق مع نموذج همبل المغطى بالقوانين. لكن هنا استنتجنا أن طول السارية 15 انطلاقاً من طول الظل وزاوية ارتفاع الشمس بالإضافة إلى القوانين السابقة نفسها. أي أننا تبعاً لنموذج همبل فإننا نفسر كون طول السارية بطول 15م. ولكن ألن يبدو غريباً أن نفسر طول السارية بهذه الطريقة؟! فطول السارية هو 15م لأن النجار الذي صنعها هو قد قرر صنعها بهذا الطول فجاءت بطولها الحالي، والأمر لا علاقة له لا بالشمس ولا بزاوية ارتفاعها ولا بطول الظل الذي ترسمه على الشاطىء. لذلك فنموذج همبل فضفاض جداً (واسع جداً) لدجة أن يشمل هذه الحالة والتي بلا تعتبر تفسيراً علمياً كما هو واضح.

الغاية من المثال السابق هي إيضاح أن نموذج همبل ينطوي على نوع من اللاتناظر. فطول السارية يمكن له أن يفسر طول الظل ولكن طول الظل لا يمكن أن يفسر طول السارية. وبشكل عام إذا كان X يفسر Y باستخدام قوانين عامة وحقائق محددة – فإن العكس غير صحيح. أي أن Y لن تفسر X باستخدام نفس القوانين والحقائق. يمكن التعبير عن ذلك بالقول بأن التفسير العلمي للظواهر هو علاقة غير متناظرة. ونموذج همبل لا يحترم هذه الخاصية من اللاتناظر. بكلمات أخرى ينطوي نموذج همبل على نوع من التناظر الذي لا يوجد على أرض الواقع. لذلك يفشل نموذج همبل في الإجابة بشكل واضح تماماً عن سؤالنا الأول: ماذا يعني تفسير الظواهر علمياً.

مثال السارية السابق يظهر أيضاً خطأ افتراض همبل بأن التفسير والتنبؤ بالظاهرة هما وجهان لعملة واحدة. والسبب في ذلك واضح. لنفترض أنك لم تعرف ما هو ارتفاع السارية، وأن شخصاً ما قد أخبرك بأن ظول الظل هو 20م وأن زاوية ارتفاع الشمس هي 37 درجة. بذلك ستستنتج أن طول السارية 15م مستخدماً قوانين الضور والمثلثات والحقائق المجددة السابقة. ولكن كما رأينا فإن هذه المعلومات لا تفسر حقاً سبب كون ارتفاع السارية بـ 15م. لذلك فإن التنبؤ والتفسير ينفصلان هنا. فالمعلومات التي أفادتنا في التنبؤ بطول السارية لم تفدنا في تفسير ذلك الطول بعد أن عرفناه – الأمر الذي يعارض ما قل به همبل.

مشكلة اللاعلائقية The Problem of Irrelevance

لنفترض أن لدينا طفلاً صغيراً في المستشفى في غرفة للتوليد مليئة بالنساء الحوامل. يلاحظ الطفل وجود شخص في الغرفة (والذي هو رجل يدعى جون John) كما يلاحظ أن هذا الرجل غير حامل خلافاً لكل من في الغرفة من النساء الحوامل. يسأل الطفل الطبيب الموجود في الغرفة لماذا جون ليس حاملاً؟ يجيب الطبيب: جون يتناول حبوب منع الحمل منذ سنوات، وأولئك الذين يتناولون حبوب منع الحمل لا يحملون، لذلك جون ليس حاملاً.

دعنا نفترض جدلاً أن ماقاله الطبيب (حول تناول جون لحبوب منع الحمل) صحيح – فـ جون (مريض عقلياً) وهو بالفعل يتناول حبوب منع الحمل، والتي باعتقاده تساعده على تجنب الحمل. نلاحظ أنه حتى في هذه الحالة فإن حواب الطبيب لسؤال الطفل ليس مقنعاً لنا. فالتفسير الصحيح الذي يجب أن يقدمه الطبيب لشرح عدم حمل جون يجب أن يكون: لأن جون رجل والرجال لا يحملون.

على أية حال، فالتفسير الذي قدمه الطبيب للطفل بداية يتطابق مع نموذج همبل بشكل تام. فالطبيب استنتج تفسير الظاهرة – كون جون غير حامل – مستخدماً قانوناً عاماً (من يأخذ حبوب منع الحمل لا يحمل) والحقيقة المحددة التي تقول بأن جون بأخذ تلك الحبوب. وبما أن كلاً من القانون العام و الحقيقة المحددة صحيحان، ولأنهما يخلصان بنا لنفس النتيجة التي نبحث عن تفسيرها فإن الطبيب قد قدم تفسيراً ملائماً تماماً عن سؤال الطفل لماذا جون ليس حاملاً. لكن في الحقيقة الأمر ليس كذلك!. فنموذج همبل كما ذكرنا متسامح جداً لدرجة أنه يخرج لنا بتفاسير علمية تبدو خاطئة بديهياً – كما في حالتنا السابقة.

ما نريد أن نخلص إليه هو أن النموذج الذي نستخدمه لتفسير ظاهرة ما يجب أن يشتمل على معلومات لها صلة بالظاهرة نفسها وبوقوعها. وهنا مكمن الخطأ في جواب الطبيب لسؤال الطفل. فرغم أن ماقاله الطبيب للطفل صحيح (فـ جون حقاً يأخذ حبوب منوع الحمل) إلا أن أخذه لتلك الحبوب لا علاقة له بعدم حمله – فهو لن يكون حاملاً حتى وإن لم يكن يتناول تلك الحبوب. لهذا السبب لا يشكل جواب الطبيب جواباً جيداً لسؤال الطفل. نموذج همبل بذلك لا يحترم السمة الأساسية المتعلقة بتصورنا لتفسير الظاهرة.

تفسير الظواهر والسببية

مما سبق وجدنا أن نموذج همبل يواجه العديد من المشاكل ولذلك فإنه من الطبيعي أن نبحث عن بديل مقنع لمعنى تفسير الظواهر علمياً.

يعتقد بعض الفلاسفة أن مفتاح الحل يمكن في مفهوم السببية، وهذا اقتراح مثير حقاً. لأنه في كثير من الحالات يكون معنى تفسير الظاهرة هو البحث عن مسببها الفعلي. فمثلاً لو كان محقق في الكوارث الجوية يبحث عن تفسير لتحطم طائرة ما، فهو في حقيقة الأمر يبحث عن سبب ذلك التحطم. فالسؤالان: “لماذا تحطمت الطائرة؟” و”مالذي سبب تحطم الطائرة؟” هما سؤالان متناظران (مترادفان). بالمثل لو كان لدينا عالم في الأحياء يحاول تفسير سبب تناقص تنوع الأحياء في الغابات المطرية عما كان عليه، فهو في حقيقة الأمر يبحث عن السبب الذي أدى إلى ذلك التناقص في التنوع. نلاحظ بذلك أن الفارق بين تفسير الظاهرة وسببها هو فارق صغير تماماً.

مسحورين بهذا الرابط قرر العديد من الفلاسفة التخلي عن نموذج همبل المغطى بالقوانين لحساب الفسيرات المرتبطة بالسببية. تختلف التفاصيل بينهما ولكن الفكرة الكامنة وراء كل منهما هي أن تفسير الظاهرة علمياً هو البحث عن مسبب تلك الظاهرة الذي سبب حدوثها. وفي كثير من الحالات الفارق بين النموذجين صغير جداً، لأنه لكي تستنتج تفسير ظاهرة ما من قانون عام هو أن تذكر سبب حدوث تلك الظاهرة فقط. مثلاً لتنذكر تفسير نيوتن لسبب دوران الكواكب في مدارات إهليلجية. رأينا أن هذا التفسير يتطابق مع نموذج هميل المغطى بالقوانين لأن نيوتن استنتج أن مدارات الكواكب حول الشمس هي إهليلجية مستخدماً قانونه في الجاذبية، مع بعض الحقائق الأخرى. لكن تفسير نيوتن هذا كان سببياً أيضاً – لأن المدارات الإهليلجية للكواكب ناتجة عن التجاذب بين الكواكب وبين الشمس (أي التجاذب هو سبب هذا الشكل الإهليلجي).

رغم ذلك لا يتطابق نموذج همبل مع نموذج السببية بشكل تام – ففي حالات يحيد أحدهما عن الآخر ويفترقان. وفعلاً العديد من الفلاسفة يفضلون نموذج السببية على نموذج همبل لأنهم بذلك يتجنبون الكثير من المشاكل التي يوقعهم بها نموذج همبل المغطى بالقوانين. تذكر مثالنا عن السارية على شاطىء البحر. فحدسنا يخبرنا أن طول السارية يفسر لنا طول الظل على الشاطىء ولكن طول الظل لا يفسر لنا طول السارية، أي العكس ليس صحيحاً. بشكل آخر فإن طول السارية هو سبب الطول المحدد للظل على الشاطىء، أما طول الظل فهو ليس السبب في طول السارية المحدد. بذلك وخلافاً لنموذج همبل فإن النموذج السببي يعطينا الجواب الصحيح في مثال السارية وظلها – ويحترم حدسنا عن أن سبب كون السارية بذلك الإرتفاع لا يعود لطول الظل.

ما أردنا الوصول إليه من مثال السارية السابق هو أن نموذج همبل لا يستطيع أن يتلاءم مع حقيقة أن تفسير الظواهر هو علاقة غير متناظرة. والنموذج السببي كما هو واضح هو أيضاً لاتناظري. فإذا كان X سبباً في حدوث Y فإن العكس ليس صحيحاً أيضاً. فحدوث تماس كهربائي يسبب حدوث الحريق ولكن الحريق لا يكون سبباً لحدوث تماس كهربائي كما هو واضح. لذلك يمكننا أن نقترح بكل ثقة بأن سبب وجود اللاتناظر في تفسير الظواهر هو وجود اللاتناظر في العلاقة السببية بالأساس. فإذا كان تفسير الظاهرة هو البحث عن مسببها، فإن ذلك يقتضي أن يكون التفسير لا تناظرياً كون السببية هي لا تناظرية أساساً. نموذج همبل يقع في مشكلة التناظرية لأنه لا يحترم هذه العلاقة السببية.

والحال نفسه في مثال حبوب منع الحمل. فتناول جون لحبوب منع الحمل لا يفسر كون جون غير حامل لأن تناوله لها ليس السبب في عدم حمله. فالسبب الحقيقي في عدم حمل جون هو كون رجلاً لا أكثر. ولذلك فنحن نعتقد بصحة هذا الجواب أكثر من اعتقادنا بصحة جواب الطبيب للطفل. جواب الطبيب للطفل يتناسب مع نموذج همبل ولكن لأنه لا يحتوي على السبب الحقيقي وراء عدم حمل جون فهو لا يعتير تفسيراً علمياً أصيلاً لجواب الطفل. وكما ذكرنا فالغاية من مثال حبوب منع الحمل هي أن ننوه إلى أن التفسير العلمي الصحيح يجب أن يحتوي على معلومات لها علاقة بالظاهرة المراد تفسيرها بالفعل. بعبارة أخرى التفسير الأصيل يجب أن يذكر سبب الظاهرة المراد تفسيرها. والنموذج السببي في التفسير لا يصطدم بمشكلة اللاعلائقية هذه التي يواجهها نموذج همبل.

ومن السهولة بمكان انتقاد نموذج همبل لأنه لا يحترم الخيط الرفيع الفاصل بين التفسير والسبب، والعديد من الفلاسفة قد انتقده فعلاً لذلك. ولكن الانتقاد كان غير عادلٍ في بعض الأحيان. لأن همبل ينتمي لفلاسفة المنهج التجريبي Empiricism، وفلاسفة المنهج التجريبي يتعاملون بحذر شديد مع موضوع السببية. فالمنهج التجريبي في الفلسفة يقول بأن كل معارفنا تأتي من تجاربنا، وديفيد هيوم David Hume الذي كان من قادة هذا المنهج يقول بأنه من المستحيل اختبار وجود العلاقة السببية، ولذلك توصل إلى أن السببية غير موجودة – قائلاً بأن السببية نسج من خيالنا!. وهذه نتيجة يصعب بالفعل تقبلها. فبينما يكون من الموضوعية القول بأن سقوط الكأس كان سبب تحطمه يقول ديفيد هيوم بأن ذلك كلام خاطىء وينكر ذلك. ويقول عوضاً عن ذلك إنه من الموضوعي فقط القول بأن معظم الكوؤوس التي سقطتت قد تحطمت بالفعل. ولكن مفهوم السببية يتضمن أكثر مما سبق. فمقهوم السببية يقتض أن سقوط الكاس هو سبب تحطمه أي الأول هو السبب في حدوث الثاني ولكن تبعاً لهيوم فإن مثل هذا الرابط لا يوجد في العالم الحقيقي. فكل ما نراه هو كأس يسقط في لحظة ما، وفي لحظة تالية نرى تحطم الكأس. دون أن نلتمس تجريبياً أي رابط بين الأول والثاني. لذلك السببية غير موجودة وهي مجرد خيال!.

معظم الفلاسفة التجريبيين لا يوافقون على هذه النتيجة المفزعة بكليتها. ولكن كنتيجة لأعمال هيوم Hume فإنهم كانوا حذرين جداً في التعامل مع مفهوم السببية. لذلك كان من غير اللائق وغير المحتمل أن يتحدث فيلسوف من الفلاسفة التجريبيين (كـ همبل) عن مفهوم السببية في سعيه لإيضاح مفهوم تفسير الظواهر علمياً. فإذا كان هدف أحدهم البحث عن توضيح لفمهوم تفسير الظواهر علمياً فإنه لن يميل لاستخدام مفهوم هو بدوره بحاجة للإيضاح، ولا شك أن مفهوم السببية كان بالنسبة للتجريبيين من المفاهيم التي تحتاج لكثير من الإيضاح. لذلك عدم احتواء نموذج همبل على أي ذكر للسببية لم يكن سهواً منه. وفي الوقت الراهن توصل الكثير من الفلاسفة إلى أن مفهوم السببية مفهوم لا غنىً عنه رغم كونه مشكلة لكثير منهم – وبدونه لا يمكننا فهم العالم من حولنا بشكل واضح وجيد. لذلك تميل الكفة في وقتنا الراهن لصالح النموذج السببي أكثر مما كان عليه الحال في أيام همبل.

وبكل تأكيد فإن النموذج السببي يشمل بكل تأكيد العديد من التفسيرات العلمية للظواهر المدروسة، ولكن هل تنتهي القصة هنا؟ في واقع تحيد فيه بعض الظاهر عن السببية يجيب العديد من الفلاسفة بلا. أحد الأمثلة على ذلك يأيتنا مما يدعى “التعريفات النظرية” في العلم. تشمل التعريفات النظرية تعريف مفهوم ما بالإستعانة بمفهوم آخر، يستعار عادة من فرع آخر من العلوم. فقولنا: الماء هو H2O – مثال على ذلك. كما قولنا: الحرارة هي متوسط الطاقة الحركية للجزيئات. في كلا الحالتين نصادف مفاهيم شائعة يومية الاستخدام تُشرح بمفاهيم علمية أقل انتشاراً وشيوعاً. وعادة تمدنا التعاريف النظرية يما يبدو وكأنه تفسيرات علمية. فعندما اكتشف العلماء أن الماء هو H2O فهم بذلك شرحون ما هو الماء. وكذلك الأمر بالنسبة للحرارة فعندما اكتشفوا أن الحرارة هي الطاقة الحركية للجزيئات فهم شرحوا لنا ما هي الحرارة علمياً. ولكن في كلا الحالتين فإن الأمر ليس سببياً. فكون المادة مكونة من H2O لا يتسبب بكون المادة ماءً – فهي فقط ماء. وامتلاك مقدار معين من الطاقة الحركية لا يتسبب بامتلاك مقدار معين من الحرارة – إنه فقط امتلاك ذلك المقدار من الحرارة. إذا كانت هذه الأمثلة مقبولة كأمثلة للتفسير العلمي فإن النموذج السببي لا يمكن أن يحل القضية تماماً، ولن تنتهي القصة عنده.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s