من أين نبدأ؟

من أين نبدأ؟ من السطح أم من العمق!

سنتحدث هنا عن أشياء من قبيل العمق والسطح. ما سأقصده في العمق والسطح يتوضح من خلال المثال التالي:

لنفترض أن A تتسبب في B. و B تتسبب في C وهكذا. تصبح لدينا السلسلة:

A >> B >> C >> D

نقول عن A أنها العمق و C هي السطح. أي C هي مظهر ونتيجة لـ A بشكل مباشر أو غير مباشر. D هي سطح أبعد من C ولكنها مرتبط بنفس السلسلة السببية.

فمثلاً أنت أعطيتني مئة ليرة. وأنا اشتريت بتلك المئة ليرة صندويشة فلافل (كلشي غليان هالأيام) وأعطيتها لأحد الفقراء. ولكني أثناء ذلك كنت أستمع للموسيقى.

نستطيع القول بأن إعطائي الصندويشة لأحد الفقراء هو السطح، والعمق (أي المسبب الرئيسي) هو إعطاؤك المئة ليرة لي. استماعي للموسيقى نشاط (مظهر) لا علاقة له بالسلسلة السابقة. ولكن مراقباً لا يعلم بما حصل فعلاً قد يعتقد أن إعطائي الصندويشة لأحدهم هو نتيجة لسماعي لخطبة معينة على جهاز الـ MP3. ولكن في حقيقة الأمر لاعلاقة لنشاطي هذا بنشاطي المتعلق بالفلافل.

الشمس تشع النور. النباتات تستخدم هذا النور لصناعة السكر. نأكل نحن السكر (الموجود في الفاكهة) ونستخدمه كمصدر للطاقة. بالتالي عمق مصدر طاقتنا هو الشمس. العمق هو الشمس والسطح هو حرق السكريات في جسمنا أثناء نشاطاتنا المتنوعة ككتابتي هذه التدوينة. طبعاً يمكننا الغوص أكثر في العمق كما يمكننا الصعود أكثر للسطح. (لكن تذكر لن نستطيع الوصول لنهاية الطريق في أي من الاتجاهين). وهنا تستطيع أن تتخيل بنفسك أي مظهر مستقل عن سلسلتنا السابقة كارتدائي لكنزة صوفية سوداء مثلاً أثناء ذلك. قد تعتقد أن كنزتي الصوفية هذه هي مصدر طاقتي إن لم تكن على اطلاع على تلك السلسلة الطاقية السابقة. (مشان نضيع 🙂 بشكل من الأشكال في حالتنا هذه فقط هناك ارتباط سببي لكنه بعيد – اكتبه في تعليق ولك مني هدية عبارة عن سيارة BMW).

الآن لنفترض أن لدينا 3 سيارات.من أين نبدأ (1)

المراقب الأول 1 هو ميكانيكي سيارات يعرف كل تلك التفاصيل حتى مستوى المحرك (حتى العمق). ويعلم مثلاً عدم وجود علاقة بين لون السيارة وسرعتها.

المراقب الثاني 2 لا يعرف شيئاً عن السيارات، إنما يراقب كثيراً سباقات السيارات لا أكثر ويعرف ما يظهر له من صفاتها كلونها وعدد نوافذها… لا أكثر.

تنطلق السيارات السابقة بأقصى سرعة ممكنة على حلبة سباق ويراقب كلا المراقبين ما يحدث. طبعاً في المقدمة السيارة الرمادية الغامقة تتلوها الرمادية الفاتحة تتلوها البيضاء.

لو طلبنا من كل من المراقبين أن يصوغ لنا نظرية تفسر لنا سرعة السيارة. ستكون النتائج كالتالي:

المراقب 1: كلما كبرت سعة محرك السيارة كانت سرعتها أكبر.

لاحظ أن بناء نظريته ينطلق من العمق للسطح. (هذا البناء يتوافق مع العلاقة السببية كما سنرى).

المراقب 2: كلما كان لون السيارة أغمق كانت سرعتها أكبر.

لاحظ أن بناء نظريته ينطلق من السطح وصولاً للعمق. (وواضح “لنا” أن هذا البناء لا يحترم العلاقة السببية أبداً).

لكن من وجهة نظر المراقب 2 فإن هناك علاقة سببية واضحة تماماً بين السرعة لون السيارة كما يظهر له من الواقع. أما في حقيقة الأمر (العمق الحقيقي للأمر) (كما نعلم) فإنه لا علاقة للون السيارة بسرعتها على الإطلاق.

دعنا نضف بعض التفاصيل الأخرى لمثالنا السابق.

من أين نبدأ (2)

مراقبنا 2 كانت لديه النظرية: كلما كان لون السيارة أغمق كانت سرعتها أكبر. ويستنتج من النظرة الأولى للسيارات وهي واقفة أن السيارة رقم 4 ستكون هي الأسرع. كما أنه يلاحظ اختلاف عدد النوافذ ويخرج لنا بنظرية جديدة (مستنداً على المعلومات المتوافرة لديه والنظرية التي خرج بها مسبقاً) مفادها: كلما كان عدد النوافذ أكبر كانت السيارة أسرع (ما عدا حالة اللون الأسود). استثناؤه السابق مبني على اعتبار أن السيارة السوداء بنظره هي الأسرع.

تنطلق السيارات فيلاحظ أن السيارة التي ظنها الأسرع (اعتماداً على لونها) لم تكن كذلك، ولأنه لاحظ وجود شيء مختلف فيها يشذ عما قال به في نظريته الثانية (وهو الشيء الذي تنبأ بشيء منه قبل انطلاق السيارات وجعله استثناء ليحافظ بذلك على صحة نظريته الأولى التي تربط بين السرعة واللون) فإنه يقول لنا: إن سبب بطء السيارة رقم 4 هو أنها لم تمتلك عدداً كافياً من النوافذ – أي أن سبب انخفاض سرعتها ومخالفتها لنظريته الأولى هو عدم موافقتها لمتطلبات نظريته الثانية (التي صاغها من نظريته الأولى ومن ملاحظتاته السابقة للواقع). ويظن بذلك أنه يمس جوهر الحقيقة لأن ما يقوله يطابق الواقع تماما!.

إذاً هذه التجربة تؤكد له صحة كلا نظريتيه. أي أنه يعتقد في سره أن كلا النظريتان صحيحتان لأن الواقع يتماشى معهما تماماً.

من وجهة نظر المراقب 1 فإن كل ما توصل له المراقب 2 هو خاطىء تماماً. لأن ما يعلمه المراقب 1 لا يقول بذلك أبداً!.

ستلاحظ أيضاً أن الاتجاه الذي انطلق منه مراقبنا 2 هو أيضاً من السطح للعمق (أي من مظاهر الأشياء إلى العمق الذي هو سبب تلك المظاهر). وجهته هذه أوقعته في مشاكل سببها عدم احترام وجهة السببية التي تنطلق من العمق للسطح وليس العكس. فعملياً لا علاقة لعدد النوافذ أو لون السيارة بسرعتها. إلا أن المراقب 2 يعتقد بوجود علاقة سببية بين اللون وعدد النوافذ وسرعة السيارة لأن الواقع يخبره ويؤكد له ذلك تماماً. أي أن الواقع الحالي من وجهة نظره يتطابق مع نظريتيه ويتماشى معهما تماماً. وربما (أو من المؤكد) أنك إن تجرأت وعارضته فسيقول لك: التجربة والواقع خير برهان!.

مشكلتنا معه كما ترى هي الاتجاه الخاطىء الذي سار به والذي أوقعه في مشاكل مركبة بعضها فوق بعض!. وبينما إيمانه يكبر بنظرياته يتعاظم الخطأ الذي يقوم به!.

إذاً لو أننا راعينا الاتجاه الصحيح لدى تفسيرنا للظواهر علمياً وهو الاتجاه المنطلق من العمق إلى السطح والمحترم لعلاقة السببية ومستخدمين “الاستنتاج” الذي يعبر عن السببية خير تعبير – لما وقعنا في هذه المشكلة. أما سيرنا بالاتجاه الخاطىء واستخدامنا ” الاستقراء” الذي لا يحترم العلاقة السببية بشكل حقيقي (حتى وإن ظهر للمراقب 2 أنه هناك علاقة سببية) إلا أن الآلية المتبعة (الاستقراء) وعدم استخدام (الاستنتاج) هي التي أوقعت المراقب 2 في هذه الخطأ.

بكلمات أخرى: بالاستنتاج ننطلق من العملق للسطح لكي نصل للحقيقة. أما الاتجاه الآخر فهو مستحيل. بالاستقراء ننطلق من السطح للعمق، وقد نخطأ وقد نصيب. (إصابتنا هذه قد تكون حقيقية وقد تكون زائفة).

تسأل كيف يمكن أن نصيب؟ وكيف يمكن أن تكون إصابتنا حقيقة أو زائفة؟ لنتابع في مثالنا السابق:

من أين نبدأ (3)

لون الإطارات كما تلاحظ أيضاً يتدرج من الأكشف نحو الأغمق. ولكن يصادف أن مصمم السيارات كان قد قرر جعل الإطارات ذات اللون الأغمق هي الأجود. أي أن الإطار الأسود هو أجودها. إذاً المصمم قرر تلوين الإطارات العادية باللون الأبيض وكلما زادت جودتها زادت شدة اللون غمقاً (لسبب شخصي تماماً ولا علاقة له بالجودة أو تمصميم الإطارات على الإطلاق أي السبب ليس موضوعياً إنما شخصي).

يمكنك أن تتوقع النظرية الثالثة التي سيخرج لنا بها المراقب 2 أليس كذلك؟. سيقول لنا: كلما ازداد غمق لون الإطارات زادت سرعة السيارة.

النظرية الأخيرة صحيحة من وجهة نظر المراقب 2 لأن الواقع يدعمها. وهي صحيحة نسبياً من وجهة نظر المراقب 1، وليست صحيحة تماماً لأنه يدرك أن لا علاقة سببية حقيقية بين لون الإطار وجودته من جهة، ولون الإطار وسرعة السيارة من جهة ثانية (انطلاقاً من جهته الأولى :)). مراقبنا 1 توصل لكل ذلك منطلقاً دوماً من العمق للسطح. أما المراقب 2 فقد توصل لقانونه من السطح مرة أخرى للعمق، ولكن يصادف هنا أن يتوصل لنفس التوقع في يخص السيارة الأسرع مع المراقب 1. أي أنه يمكنه أن يخمن السيارة الأسرع (في فضاء العينة السابق) انطلاقاً من لونها وعدد نوافذها ولون إطاراتها.

كل ذلك لا يعني صحة الطريق الذي يسلكه المراقب 2 في صوغ نظرياته. كما لا يمكن سحب صحة نجاح هذا التوقع هذه المرة إلى الحالات السابقة أو حالات جديدة. (التي أخطأ فيها ولكنه صحح خطأه مستنداً إلى نظريته “الخاطئة” الأولى!).

المراقب 1 يعرف أن العلاقة بين لون الإطار وجودته ليست سببية حقيقية. لأنها صحيحة مادام المصنع ملتزماً بقرار المصمم أما إن قرر المصنع تغيير استراتيجيته (ربما طردوا المصمم السابق:)) في تلوين الإطارات (ربما عكسها) فسيظهر سبب كون السببية السابقة سببية وهمية كاذبة. لأنها باختصار سببية غير حقيقية. (أيضاً هي سببية كاذبة لأنها لا تنطلق من العمق فلا سببية بين لون الإطار وجودته).

إذاً إصابة النظرية الثالثة هي ليست إلا صدفة زائفة (بسبب قرار المصمم) وليست مبينة على أسس منطقية (أي زائفة، لأنها ليست مبنية على علاقة سبببية). وإصابته الصواب هنا لا تبرر صحة المنهج الذي يتبعه في صوغ نظرياته وبالتالي لا يبرر صحة النظريات التي توصل إليها مستخدماً الاستقراء وسيلة ومنطلقاً من السطح للعمق.

هنا تستطيع أنت أن تعدل على المثال السابق لتحصل على حالة يصيب فيها المراقب 2 في نظريته إصابة حقيقية (أي يصيب في ما يقول رغم أن منهجه خاطىء – وذلك لأن التعديل الذي ستضيفه سيكون سببياً بشكل ما). يمكنك أن تضيف مثلاً خاصية لها علاقة بحجم الإطار فتجعل الأولى بأصغر إطار والأخيرة بأكبر إطار. مراقبنا 2 هنا سيخرج بالنظرية التالية: كلما كبر حجم الإطار كانت سرعة السيارة أكبر. وهي ستكون نفس النظرية التي يمكن أن يخرج بها المراقب 1 مع اختلاف الطريق بين كل منهما. فالطريق في حالة المراقب الأول صحيح أنه ينطلق من العق ويعلم دور كبر محيط الإطار في زيادة السرعة. أما في حالة المراقب الثاني فإنه استنتج النظرية من مراقبة السيارات لا أكثر وتوصل لنظرية حقيقية لكن ذلك كان مصادفة لا أكثر _(فالطريق الذي يسلكه لا يحترم العلاقة السببية كما ذكرنا وبالتالي يمكن أن يصيب ويمكن أن يخطأ، وإذا أصاب فيمكن أن تكون إصابته زائفة ويمكن أن تكون حقيقية، وإذا كانت حقيقة فهذا لا يبرر صحة الطريق الذي سار عليه ليصل إليها، وبالتالي لا يمكن سحب هذا النجاح على حالات أخرى لأن كل حالة مستقلة عن الأخرى).

إذاً لنفسر الظاهرة تفسيراً علمياً بشكل صحيح يجب أن ننطلق من العمق إلى السطح ونحترم السببية ونحاول استخدام الاستنتاج لا الاستقراء. (طبعاً الانطلاق من العمق بحد ذاته سيفرض علينا استخدام الاستنتاج).

إذاً إذا وصلنا لقانون ما أو نظرية ما من السطح (أي بالاتجاه الخاطىء) فلا شيء يضمن صحة النظرية. أي أنها يمكن أن تبقى صحيحة فترة طويلة من الزمن إلى أن يظهر من يكتشف دور المحرك (القابع في العمق) في سرعة السيارة ويغير من النظرية جذرياً مطيحاً بها ومستنتجاً نظرية صحيحة عوضاً عنها (حتى وإن كانت النظرية الخاطئة السابقة تتنبأ بالواقع بشكل صحيح نسبياً – في فضاء العينة الحالي فقط – أي في سارات هذا المصنع فقط).

وكما رأينا حتى لو كانت النتيجة التي توصل لها المراقب 2 صحيحة من وجهة نظر المراقب 1 فهذه الصحة نسبية ومؤقت لوجود رابط ما سبب وصوله لهذه الصحة (قرار المصمم في مثالنا السابق). كما أنها محدودة بفضاء العينة السابق فقط. ويبقى طريقه خاطئاً كما تبقى صياغته خاطئة وإن خرجت لنا بنفس التوقعات التي ستخرج بها نظريات المراقب 1. (لأن من شروط النظرية أن تفسر أو تتوقع كما سبق ورأينا في التدوينة السابقة تفسير الظواهر علمياً).

رَبْطٌ بما سبق

لنعد إلى نموذج همبل 🙂

وجدنا أن صياغته ممكنة بالشكل التالي:

من أين نبدأ (4)وكما يقول همبل فإن القوانين المستخدم في نموذجه هي بدورهايمكن أن تخضع لنفس النموذج. أي يمكننا صياغة النموذج بشكل آخر:

من أين نبدأ (5)

وهكذا….. يمكن وضع كل ماسبق في نموذج جديد لاستخراج القانون D.

هل يذكرك هذا بشيء؟

هل تذكر أننا قلنا في مكان ما في هذه المدونة أن سلسلة أسئلة لماذا لا تنتهي؟ وقلنا أننا لا يمكن أن نصل لنهاية معها أي لا يمكننا أن نصل لجواب لا يمكننا أن نسأل عن تقاصيله بسؤال من نوع “لماذا”؟

هذه السلسلة المنطقية من الأسئلة وأجوبتها والأسئلة الجديدة المتولدة عن أجوبتها تلك هي سلسلة لا تنتهي من كلا الطرفين.

تذكر أيضاً أن المستقيم لا نهاية له من طرفه الموجب أو من طرفه السالب. وأننا نقر بذلك رغم أننا لا نفهمه.

وتذكر أننا قلنا أيضاً أن الكون لا نهاية له سواء من حيث الاتساع أو من حيث الصغر. ونضيف على ذلك الزمن فلا بداية له ولا نهاية له. كل ذلك أمور نقر بها رغم أننا لا نفهمها. إذا اقتنعنا بنموذج همبل وأنه لا يمكن أن تنتهي سلسلته من جهة، لماذا ينكر البعض ولا يؤمن بحقيقة يأتينا بها الدين كقولنا إن من أسماء الله الحسنى الأول والآخر؟!

انظر كيف خلقنا الله سبحانه وتعالى بطريقة نقر بها بحقيقة أسماءه رغم أننا لا نفهمها وأنه سبحانه وتعالى خلق الكون بنفس الطريقة على كل المستويات. وكل ذلك انعكاس لاسميه الحسنيين الأول والآخر. إذا رأينا ذلك في الرياضيات وفي المنطق ثم أنكرناه في الدين فنحن نتعارض مع أنفسنا ونلغي عقولنا تماماً.

لنذكر أيضاً شيئاً مما قلناه عن الاستقراء والاستنتاج. ولنضف له بعض البهارات قبل أن نربطه بواقعنا.

إذا قرأت تدوينة الاستقراء والاستنتاج السابقة فيمكنك أن تتفق معي على أنه لا يوجد استنتاج تام مطلق، انطلاقاً من أننا لا نستطيع الإجابة عن كل أسئلة لماذا. أي أننا عندما نستنتج شيئاً ما (وفق نموذج همبل) فإننا في استنتاجنا له استخدمنا حقيقة ما أو قانوناً ما لم نستطع بعد الإجابة عن كل أسئلة لماذا الخاصة به. أي أنه ليس حقيقة تامة تماماً. وفي كل مرة نحاول أن نحسن من صحة القانون المستخدم في نموذج همبل نتعرض لنقص جديد لأن القانون الجديد المستخدم في إثبات صحة القانون الأول أيضاً يعتريه بعض النقص لأن أسئلة لماذا اخاصة به بدورها لم تلق كل الإجابات، ولن تلقى يوماً. السبب واضح وهو أننا لا نعرف العمق الحقيقي لكوننا – أي لا نعرف اللبنات الأساسية الحقيقية له – لأننا لم نشهد خلقه ببساطة.

إذاً هناك دوماً نقص لا بد منه. أي أن الاستنتاج هو في حقيقة الأمر ليس تاماً إنما يمكن أن تعتبره تاماً فقط إذا سلمنا بأن القانون المستخدم فيه هو قانون مطلق الصحة. من دون هذا التسليم لن نصل إلى شيء ولن نبني شيئاً آخر استناداً لهذا القانون. وكل ما نفعله في كل مرة هو أننا نزداد في العمق ونزداد قرباً من الحقيقة المطلقة – دون إمكانية الوصول إليها.

أي الاستنتاج المطلق هو القالب فقط، هو الأمر النظري، الموجود في فكرنا فقط (لذلك يمكننا أن نبني منظومة رياضية ما في فكرنا وننطلق من أساسها واثقين أنه العمق الحقيقي كل ذلك لأننا نحن من بنيناها والبناء تام دون أية مُنقصات للحقيقة المطلقة التي تدخل على الخط عند محاولة نقل المنظومة للواقع – ولكن طالما أنها في فكرنا فهي مطلقة)، في العالم الذي يمكن أن نتحكم به. أما في عالمنا هذا الذي لا نعرف حقيقة مكوناته ولم نشهد خلقه فلا يمكننا بشكل من الأشكال صياغة استنتاج مطلق لأننا لا نملك المعرفة التامة بأية لبنة حقيقة (من لبنات هذا الكون) نستطيع أن نستخدمها في بناء حقائق مطلقة الصحة والتي يمكن أن نستخدمها بدورها في بناء حقائق أخرى مطلقة الصحة.

إذا كل ما نفعله حقيقة هو محاولة الأقتراب من الحقيقة لا أكثر دون أن نصل إليها.

من أين نبدأ (6) 1

لنعد إلى الربط – لنتذكر أننا في الرياضيات وحتى نتمكن من البناء لا بد لنا من أن التسليم ببعض الحقائق والأمور التي نسميها في الرياضيات بالمسلّمات. ومن ثم نبدأ في البناء على تلك المسلمات وصولاً لحقائق ونظريات أخرى نستخدمها بدورها لبناء نظريات جديدة. وما ذلك إلا تجاهل لمشكلة اللانهاية في سلسلة لماذا (بكلمات أخرى جهلنا بالعمق الحقيقي) والاعتماد على نقطة ما نسلم بصحتها (حدساً ويقيناً = إيماناً) ونبني انطلاقاً منها. (تلك النقطة التي نبني انطلاقاً منها نعتقد تماماً أنها صحيحة وكل مافي الأمر أننا نجهل السبب = إيمان حقيقي). ولاحظ كيف أن الأمر هو في الرياضيات كما في هو في الحياة الواقعية حيث لا نعرف حقيقة عالمنا الذي نعيش فيه ولا نملك معرفة أية لبنة من لبناته معرفة مطلقة وبالتالي كما سبق وقلنا كل ما نصل إليه من حقائق عن كوننا لا تعدو كونها اقتراباً من الحقيقة لا أكثر كما يقترب القطع الزائد من مقاربه لا أكثر دون أن يصله أبداً (ونحن نوقن تماماً أن مقارب القطع الزائد لا يمكن أن يمس قطعه ونؤمن بذلك دون أن نفهمه أيضاً – مرة أخرى :)).

تذكر أيضاً ما سبق وقلناه عن الإيمان ودوره في قبولنا ببراهين تلك النظريات (كما سبق وقلنا لا استنتاج مطلق الصحة). وأن هذا الإيمان هو استعارة مكنية عن ذلك التسليم بتلك المسلمات التي انطلقنا منها في البناء (وذلك التسليم هو استعارة مكنية أيضاً عن جهلنا بالعمق الحقيقي للكون).

من أين نبدأ (6) 2

قبل أن ننهي مقدماتنا هذه أريد أن أختم بتخمين عن سبب عدم إيمان Hume بالسببية، كما قرأت في التدوينة السابقة. أعتقد أن رفضه لمفهوم السببية نابع من عدم قدرته على رؤية الرابط المباشر بين السبب والنتيجة. فمثلاً عندما يسقط الكأس فإنه ينكسر قد يبدو هذا سبباً ونتيجة، ولكن Hume قد يكون سأس نفسه لماذا انكسر عندما سقط؟ قد نجيبه لأن ذراته تعرضت لقوة باعتدت بينها، قد يسألك لماذا؟ قد تجيبه…. وهكذا. في النهاية هو لم ير الرابط المباشر بين السبب والنتيجة. لذلك لم يؤمن بالسببية. كيف نجيب نحن على ذلك؟

نقول إننا لن نستيطع يوماً رؤية الرابط المباشر بين المُسبب ونتيجته ولكننا ندرك تماماً أننا نسير في الاتجاه الصحيح في كل مرة نضيف سؤال (لماذا) لقائمة الحقائق التي نستهدمها لتفسير ظاهرة ما.

إذاً اعتقادي أنه مخطأ (ربما تصوري عن تصوره ليس صحيحاً لأني لم أقرأ عنه في مكان آخر غير هذا الكتاب) لأنه كما وقد قرأت أنه (برأيي) لا يمكننا الوصول لنهاية سلسلة لماذا هذه (أي لا يمكننا الوصول لعمق الفجوة بين السبب والنتيجة). ويجب أن نؤمن بأنها موجودة رغم عدم قدرتنا على الوصول لها (لأننا نسير في الاتجاه الصحيح). ولأن الوصول لها يعني الوصول للحقيقة المطلقة وهذا مستحيل بالنسبة لنا. يجب أن يظل فراغ يفصلنا عن الحقيقة المطلقة ويجب أن يظل دور للإيمان (التسليم) في يقيننا بالسبب والنتيجة والعلوم بشكل عام.

IMG (Large)

(في هذا الشكل قمنا بفتل الشكل الذي قبله الذي يوضح العلاقة بين تقدم العلم والحقيقة المطلقة).

ويمكن أن نستمر بأشكال أخرى توضح المشكلة السابقة:

فمثلاً يمكن أن نرسم أشكالاً توضيحية تبين لنا تطور تفسير انكسار الكأس بسبب سقوطه. في كل مرة نلاحظ حقائق جديدة كلها تصب في نفس البوبقتة (أي تتجه نحو نفس العمق = نفس الحقيقة المطلقة) وكل منها يقربنا خطوة نحو الحقيقة المطلقة. ويجب أن نلاحظ أن الخطوات مبنيٌ الحديث منها على القديم، ولا غنى عنه لفهم الجديد.

إذاً في كل مرة يتقدم العلم فيها خطوة نحو الأمام سواء بظهور نظرية جديدة أو بتطور نظرية ما فإننا نتقدم خطوة نحو الحقيقة المطلقة. وتقدمنا هذا هو إجابة عن أحد سؤال لماذا. ففي المرة الأولى كان التقدم إجابة عن سؤالنا: لماذا وقع الكأس. فكان الجواب بسبب الجاذبية. أي أن ظهور نظرية الجاذبية كان ضرورياً لهذه الخطوة. ولاحظ أننا قبل أن نجيب على السؤال السابق فلا يوجد سؤال لاحق يليه، ولكن بمجرد الإجابة عليه يظهر سؤال لاحق مبني على جواب السؤال السابق. هذا السؤال لا يمكن أن نسأله قبل ذلك الجواب. فبعد قولنا أنه وقع بسبب الجاذبية سيظهر سؤال مثل ما سبب الجاذبية مثلاً. أما قبل معرفتنا للجاذبية فلا يمكننا السؤال عنها. وتظل السلسلة لا منتهية.

03

يمكننا إسقاط ذلك ببساطة أيضاً على نظريتي نيوتن وأينشاين. فنيوتن جاء بنظرية فسرت مسارات الكواكب بناء على وجود الجاذبية. هذه النظرية اقتربت من الحقيقة المطلقة خطوة نحو الأمام. ثم جاء أينشتاين ليبيبن أن معادلات نيوتن ينقصها ثابت وهو سرعة الضوء. هذا الثابت يعطي إجابات أدق ولو بشكل صغير جداً عما سبق. صحيح أن هذه الإضافة للجواب السابق قد لا تغير شيئاً في حياتنا اليومية (هل يهمك إن كان وزنك 75 كغ أو 75 كغ وجزءاً من مليار جزء من الغرام؟!). ولكن مع ذلك فإن هذه الإضافة جعلت من نظرية أينشتاين أقرب للحقيقة المطلقة وبذلك خطا العلم في هذا المجال خطوة أخرى (مبنية على سابقتها خطوة نيوتن) نحو الحقيقة المطلقة.

وهنا يجب أن نلاحظ أن أينشتاين لم ينسف نظرية نيوتن ولكنه أضاف إليها مجهولاً جديداً جعل من إجاباتها أكثر دقة. فمعادلات نيوتن موجودة ضمن معادلات أينشتاين.

هنا يمكننا أن نقف وقفة عند معنى قولنا نظرية صحيحة ونظرية خاطئة. ومعنى نظريتان في نفس الاتجاه ونظريتان متعاكستان.

إذا قلنا عن نظرية أنها صحيحة إذا وفقط إذا وصلت للحقيقة المطلقة فهذا يعني عدم وجود نظرية صحيحة على الإطلاق، لأننا كما نعلم لن نصل للحقيقة المطلقة. إذاً يبقى لدينا خياران لا ثالث لهما:

  1. إما أن تكون النظريتان متعاكستان فإحداهما صحيحة والأخرى خاطئة (أي أن كلاً منهما تسعى نحو حقيقة مطلقة مختلفة عن الأخرى = هذا يكافىء أن لا تكون إحداهما متضمنة في الأخرى)
  2. أو أن تكونا كلتاهما صحيحتان ولكن إحداهما أصح من الأخرى (هذا يكافىء أنهام تسعيان لنفس الحقيقة المطلقة وأن تكون إداهما متضمنة في الأخرى – كما في نيوتن وأينشتاين).

إذاً نظريتا نيوتن وأينشتاين يمكن القول عنهما بأنهما من النوع الثاني. والشكل التالي يوضح ذلك بشكل أفضل :).

02

بعد هذا كله: هل ستستغرب بعدها علاقة الإيمان بالإسلام (دين الإسلام أقصد هنا)؟!

وهل ستستغرب لماذا سُمي ديننا الحنيف بالإسلام ولماذا هو ضروري (إسلامنا = تسليمنا ببعض الأمور التي لا نفهمها = إيماننا بصحتها = السبب جهلنا بالحقيقة المطلقة) وجود الإسلام مع الإيمان لكي نتمكن من البناء واستعمار هذه الأرض التي نحن خلفاء الله عليها؟!

هل ستسغرب بعدها لماذا لا نفهم بعض الأمور ونسلم لله بها ونؤمن بالنقص الذي لا بد منه في معرفتنا وننطلق في البناء والعمل بعد التسليم لله والإيمان بقضائه وقدره – رغم أننا لا نفهم كثيراً منه؟!.

كل ذلك الترابط ألا يدلك على أن من أبدع هذا الكون وذاك العقل والفكر الذي تحمله هو خالق واحد؟!

فأنت إن لم تسلم وجهك لله تعالى (كما تسلم ببعض المسلمات في الرياضيات) وتؤمن بقضائه وقدره ورسالته وحكمته تعالى (كما تؤمن بصحة تلك المسلمات التي سلمت بصحتها في الرياضيات، فاسحاً المجال لعقلك في الرياضيات ولقلبك في الدين) فإنك لن تستطيع بناء حياتك كما يجب ولن تستطيع بناء حضارة في الأرض (كما لن تستطيع بناء أي نظرية في الرياضيات) وأنت بذلك تعطل نفسك وتحرمها من الخروج بنظريات تستطيع بها بناء حياتك (وبناء الرياضيات معها أيضاً) كما يحب الله ويرتضي لك – لأنه هو من خلقك وخلقك كما يحب ويرتضي سبحانه وتعالى – فلا تشذ بنفسك عن بناء عقلك وبناء الكون من وراء عقلك وتنأ بها عن الإسلام والإيمان بالله تعالى.

01من أين نبدأ (7)

7 تعليقات على “من أين نبدأ؟

  1. هلا سيبنا من كل هالحكي واحكيلنا كيف بدنا نربح BMW
    لازم نشرحلك شو علاقة جرزة الصوف بالدفا والطاقة الشمسية ؟؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s