Love Withdrawal Syndrome

تُعَرَّف متلازمة الإنسحاب في الطب كما يلي:

“مجموعة من الأعراض النفسية والجسمية الفيزيولوجية التي تصيب شخصاً ما توقف عن عادة أو شيء ما كان معتاداً عليه ويدمنه”.

وفي حياتنا وبعيداً عن البعد الطبي للكلمة يمكن أن نصاب بهذه المتلازمة لدى ابتعادنا عمن نحب – أو لدى توقفنا عن عادات كثيرة ألفناها واعتدنا عليها ولكن لظروف معينة أو لمضي الحياة بنا قدماً كان علينا أن نتوقف أو نبتعد عنهاأو تبتعد هي عنا.

قد تحب منزلاً ولكنك تضطر لتركه وتحب شخصاً أوصديقاً أو أخاً لكنه يبتعد عنك لظروف معينة أو تبتعد عنه أنت لأسباب خارجة عن إرادتك. والأمثلة لا تنتهي عن أشياء نألفها في حياتنا ثم نضطر لتركها والابتعاد عنها. وحينها تبدأ أعراض المتلازمة السابقة بالظهور. فتهتاج نفسيتك وتضطرب وتظن أن حياتك لم يعد لها معنى كما سبق وكان – أو أن تحس بأنك افتقدت للون من ألوان حياتك أو حتى افتقدت لطعم الحياة نفسها. وقد يصل الأمر إلى أن تحس بأنك تتذوق حياةً لا طعم لها وكأنك تراها بدون ألوان!.

ماذا تفعل حينها؟ وكيف يمكنك تجاوز هذه المرحلة من حياتك؟ وهل هذا هو الوضع الطبيعي أن تحب ويبتعد عنك من تحب!. أن تألف ثم ترغمك الحياة على الابتعاد عما ألفت وأحببت أو على أقل تقدير تبعدهم عنك!.

لا شك أن الكل يمر بأطوار من هذه المتلازمة والكل يتعرض لها في مرحلة من مراحل حياته بشكل من الأشكال. وطبياً ليس من السهولة الخروج بالمريض من هذه المتلازمة ويتطلب الأمر أحياناً إعادة المريض إلى حالة إدمانه السابقة بشكل ملطف حتى لا يتعرض جسمه للانهيار. وهذا مالا يحدث في حياتنا، فلا شيء يبتعد عنا رويداً رويداً.

هذا الإنسان بطبعه يألف ومع مرور الزمن كل ما يرافقه ويحبه وتتعلق به نفسه. فإن صار وابتعد عما ألفت نفسه واعتادت فليس من السهولة بمكان إعادة الاستقرار للنفس. وهنا يمكن تشبيه النفس بوعاء كبير فيه ماء، فإن حركت الوعاء بشدة ثم أوقفته فإن الماء بداخله لا يتوقف بسهولة، ويظل يموج ويهتاج فترة طويلة بعد توقف الوعاء عن الحركة. وهذا حال النفس البشرية تظل تهتاج فترة طويلة بعد تعرضها لأي اضطراب فيما حولها.

ونحن في حياتنا لا نتحكم ولا نتسطيع السيطرة على الكثرة الكثيرة من المتحولات والظروف الخارجية التي تسير وتوجه مقداراً كبيراً من حياتنا.

إنظر كيف يصف المفكر الإسلامي علي عزت بيغوفيتش ذلك في كتابه الرائع الإسلام بين الشرق والغرب فيقول:

’’للطبيعة حتمية تحكمها، وللإنسان قدره. والتسليم بهذا القدر هو الفكرة النهائية العليا للإسلام.

فهل القدر موجود.. وأي شكل يتخذ؟ دعنا ننظر في حياتنا لنرى ماذا تبقى من خططنا العزيزة على أنفسنا وما بقي من أحلام شبابنا؟ ألم نأت إلى هذا العالم بلا حول لنا ولا قوة في ذلك، ثم واجهنا تريبتنا الشخصية، ومنحنا قدراً من الذكاء قل أو كثر، وملامح جذابة أو منفرة، وتركيبة بدنية رياضية أو قزمية، ونشأنا في قصر ملك أو كوخ شحاذ، في أوقات عصيبة أو في زمن سلم، تحت سلطان طاغية جبار أو أمير نبيل، وفي ظروف جغرافية وتاريخية لم يتم استشارتنا بشأنها؟

كم هي محدودة تلك التي نسيمها إرادتنا.. وكم هو هائل وغير محدود قدَرُنا.

وإذا شئت إقرأ ماكتبته Lisa Genova عن نفس الفكرة في روايتها الرائعة Still Alice:

There were too many unknown to simply solve for X, the most crucial of those being, how fast will this progress?”

كم هي قليلة إذاً إرادتنا من مجمل كل ما يحدث حولنا!. قد تولد في بلد تعمه الحروب، فهل لك من الأمر شيء؟ وقد تولد في بلد يعمه الرخاء، فهل كنت السبب في ذلك؟ قد تولد غنياً وقد تولد فقيراً، معافاً في بدنك أو سقيماً! أشياء كثيرة ومتغيرات تفوق الخيال لا قبل لنا في معالجتها، ولكن…

ولكننا على أقل تقدير يمكننا التعديل بعد تغير المسار لأسباب خارجة عن إرادتنا. مهما حدث من حولنا يمكننا الإمساك بزمام الأمور. وأولى مفاصل الحل هي عدم التفكير كثيراً في السؤال – لماذا حدث هذا لي؟. فمن شأن هذا التركيز أن يعمق المشكلة ويزيد الطين بلة، بل ويبعدك عن الحل ويشتت من جهدك وتركيزك اللذان هما مفتاح الوصول لأفضل حل في ظل معطيات معين مفروضة عليك.

معالجة المتلازمة السابقة يكمن في جزء منه في فلسفتنا الحياة وفهمنا لها. ولا يمكنك الوصول لحل واصح دون أن تكون لك رؤية واضحة لحياتك ومسلماتك ومعتقداتك. إيمانك بأن تلك المتغيرات موجودة لحكمة ولهدف يسهل عليك الطريق ويساعدك في الوصول لأفضل الحلول. رفضك هذا التسليم سيوقعك في فخ الرفض ومن ثم الابتعاد عن البحث عن الحلول إلى محاولة الوصول لتفسير لما يحدث!.

كما أن تسليمك بأن ما هو مقدر لك سيأيتك ولو بعد حين سيهون عليك كثيراً من ألم الفراق. وسيعينك على التركيز على أمور أخرى هي أهم في وقتك الراهن – عوضاً عن محاولة البحث عن الأسباب والتفسيرات التي لن تغنيك ههنا شيئاً سوى إضاعة الوقت وتشتيت الذهن والوقت. ألم يقولوا إن أحببت شيئاً فأطلقه، فإن عاد إليك فهو لك وإلا فهو لم يكن لك أصلاً. لقد أخطأوا قليلاً في توصيفهم لما يحدث. فلا أحد يمكنه أن يطلق ما يحبه. إلا أن ما يحدث حقيقة هو أن ما ومن نحبه قد يبتعد عنا لأسباب لا قبل لنا بتحديدها أو تغييرها. أسباب أكبر من أن نغيرها أو نتجنب تأثيراتها على حياتنا. إلا أن تسليمك لله تعالى سيعيد إليك ما ومن أحببت – ولو بعد حين – فلا تقلق.

التسليم لله ومن ثم محاولة تعديل مسار الدفة بما يمكنك في وقتك الحالي هو الحل. والحل أن لا تركز على ما حدث إنما أن تركز على ما سيأتي ويحدث، وكيف يمكن لك أن تقود الأسباب بأقصى ما يمكنك. كيف يمكنك أن تعدل من مسار السفينة ولو بضع درجات. فالميل بضع درجات عن المسار الحالي ومع قليل من الوقت سيقودك لجهة أخرى ويوصلك لشواطئك التي كنت تحلم بالوصول إليها. أما محاولتك لطم الأمواج وندب العواصف من حولك فسيقودك إلى الهلاك لا محالة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s