مفاصل الحقيقة – اختلاف تنوع أم تعارض

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

إن أحببت يمكنك قراءة المقالة كملف PDF من هنا Hard_Coded_LOGIC

اختلاف تنوع أم تعارض؟

هل تستطيع وضع جواب شافٍ محدد لهذا الأسئلة: ما هي الحقيقة؟ وهل هي وحيدة؟ وهل طريق الوصول إليها محدد؟

وما معنى الدليل على الحقيقة؟ وهل يتغير الدليل بتغير وجهة النظر إليه؟

ما هو الثابت في سعينا نحو الحقيقة؟ وهل نستطيع أن نقول أن الحقيقة ملزمة؟

إذا أردنا الانطلاق في أي أمر فلا بد من بداية (رغم أننا دائماً ما نجد أنفسنا في منتصف الطريق – كما أحلامنا :)). ولا بد لنا من الاعتماد على أرضية نبني عليها ما يأتي. وكذلك الأمر في سعينا نحو الحقيقة أو في سعينا للإجابة على الأسئلة السابقة. لا بد لنا من أرضية نتفق عليها لنستيطع البناء لاحقاً. أي لا بد لنا من أن نتفق على صحة مبادىء معينة أو مسلمات معينة، وصحة عمليات منطقية معينة لكي نستيطع استخدام هذه وتلك في بناء ما يمكن أن نسميه صرحاً للحقيقة. فتكون المسلمات هي بمثابة لبنات البناءوالعمليات المنطقة هي طريقة البناء”. بذلك يمكننا القول بأننا يمكن أن نبني صرحاً قوياً (صحيحاً) للحقيقة.

من المسلمات التي لا بد لنا من الاتفاق عليها قبل المضي قدما هي أن نتفق على تجنب ما يمكن تسميته بالحلقات المفرغة في النقاش. كأن تقول لي ما معنى حلقة وعندما أعرفها لك بتعريف معين تقول لي ما معنى تعريف وأزيد أنا الطين بلة فأقول لك ما معنى معنى! وهكذا ندخل في حلقة مفرغة كتلك التي كنا نحاول وضع تعريف لها. لا بد لنا من الانطلاق من مبدأ أن فينا شيئاً ما hard-coded ثابتاً لدى الجميع ومتشابهاً لدى الكل. سمه ما شئت، ولكني أحب أن أسميه بالأساس المنطقي المشترك بين البشر. البعض يسميه بالأسماء كلها. فلا يمكننا الانطلاق من الفراغ لبناء شيء لا يسمى فراغاً. (تذكر أننا قلنا في تدوينة سابقة أننا لا نستطيع إلا المضي قدما في الطريق، لا يمكننا العودة والابتداء من الصفر لأننا ببساطة لم نشهد تلك اللحظة، والمنطق يقول لنا أننا لا نستطيع أن نشهد تلك اللحظة).

ويجب أن نتفق على أن هذا الأساس المنطقي المشترك لدى كل البشر هو أصل كل معرفة وأصل كل علم. فحتى يعمل حاسوبك الذي تقرأ عليه هذا الكلام لا بد له من نظام تشغيل معين، وبدونه لا يوجد عمليات منطقية يقوم بها الحاسوب، الأمر مشابه بالنسبة لنا – فنحن نتحدث عن نظام التشغيل الخاص بنا والذي يتميز بأنه أصل تلك العمليات المنطقية. وفي مثالنا هذا يمكن تشبيه ما يخرج لنا به الحاسوب من مخرجات بالعلم. أي أن مصدر هذا العلم هو نظام التشغيل الخاص بهذا الحاسوب، وبدونه لا يوجد أية مخرجات – أي لايوجد علم بدون الأساس المنطقي المشترك لدى البشر جميعاً.

لاحظ أن نظام التشغيل الذي يعمل به الحاسوب معد بطريقة لا يقبل بها إلا نمطاً محدداً من العلميات المنطقية (والتي هي حقيقةً انعكاس لما بُني عليه نظام تشغيلنا نحن). الأمر مشابه بالنسبة لنظام تشغيلنا نحن. فلا يقبل العقل البشري أن الجزء يمكن أن يكون أكبر من الكل مثلاً، لماذا ومالذي يمنعه من ذلك؟ لماذا لا يقبل العقل البشري مثلاً أن الإضافة تعادل الطرح؟ لماذا لا يقبل العقل البشري أن الأعداد يمكن أن تكون منتهية؟السبب يعود لما بني عليه العقل نفسه. فلا يمكن خرق طريقة التفكير هذه أبداً.

ولو قلنا ما هو أساس العلم Science في زماننا هذا؟ وعندما نسمع من يبجل العلم بقوله: العلم هو الحل. فما هو العلم؟ وهل حقاً هو الأساس؟. هل هناك شيء أساسي أكثر من قولنا عن حقيقة ما بأنها حقيقة علمية؟ بمعنىً آخر، عندما تقول لشخص ما عن حقيقة ما بأنها حقيقة علمية بغرض فرض إلزاميتها وإلزامية منهجها عليه، هل هناك شيء أكثر أساسية أو أكثر عمقاً من كلمة علمية في جملتك السابقة؟ يمكن صياغة ما سبق بقولنا هل هناك شيء أكثر إلزاماً من العلم، أو هل هناك شيء أكثر صحة من العلم؟ أو هل هناك شيء أقوى من قولنا عن حقيقة ما بأنها علمية؟.

برأيي الشخصي أن المنطق السابق ذكره والذي هو مدمج في داراتنا العصبية ولا فرار منه هو الأساس الأقوى والأسبق لكلمة علمية. لأن العلوم التي نراها اليوم لم تكن لترى النور لولا فئةٍ من الناس تتمتع بتفكير منطقي منظم قادها لاحقاً للسير على طريق التجربة والبحث العلمي لتصل لاحقاً إلى ما يسمى اليوم بالعلم. كيف يمكننا التعبير عن هذا المنطق المشترك لدى البشر؟ أمثلة أخرى هي من قبيل أن اللاحق يأتي بعد السابق، والواحد قبل الإثنين، والكل مجموع الأجزاء، والنتيجة لها سبب، والواحد أقل من الإثنينأي أن العمليات المنطقية التي لدينا هي الأدوات التي بنى بها العلماء العلم الذي نحبه اليوم.

لا شك أن بعضاً مما قلناه هنا هو مبحثٌ منفرد في الفلسفة، ولكن ما أريد أن أوصله لك هو أن هناك شيئاً مشتركاً لدى جميع البشر، نظام تشغيل مشترك، شيىءٌ لا يمكننا الفرار منه، كما لا يمكن لشخص يتكلم أمام الناس ويقول لهم أني لا أتكلم معكم! وكما لا يمكن أن أخبرك بأنك لا تقرأ هذا الكلام رغم أنك تقرؤه الآن!. هذا الشيء المشترك هو طريقة التفكير الأساسية لدى جميع البشر، الطريقة التي بها بدأ يظهر ما نسميه بالعلم اليوم، وعلمنا اليوم ليس إلا نتيجة لوجود طريقة التفكير هذه لدينا نحن البشر. طريقة التفكير هذه هي نظام تشغيلنا الذي نعمل ونفكر وفقاً له، ولا يمكننا الفرار منه لأنه مدمج فينا Hard-Coded.

إذاً، إذا انطلقنا من هذين الأساسين:

  1. ضرورة وجود مسلمات غير مبرهنة لبناء أي برهان لاحق، والتي تُجنبنا الدخول في الحلقات المفرغة.

  2. وجود طريقةتفكير منطقية أساسية ومشتركة لدى جميع البشر، هي بمثابة نظام تشغيلنا الأساسي.

فيمكننا البدء في بناء شيء ما يمكن تسميته بالحقيقة، ولاحظ أن قولنا (بأنك لتبني شيئاً ما فأنت بحاجة للبنات بناء متعددة، وإن كانت متشابهة) هو أمر منطقي تماماً ولا مفر منه أيضاً. كما أن قولنا في بداية المقالة (إذا أردنا الانطلاق في أي أمر فلا بد من بداية) هو أيضاً أمر منطقي تماماً ولا فرار منه.

شيء آخر من المفيد جداً أن نتفق عليه. وهو أن الحقيقة يجب أن تكون ملزمة وهذا من صفات الحقيقة بحد ذاتها وليس تكرماً منا عليها، فنظام تشغيلنا السابق هو الذي يفرض علينا إسباغ هذه الصفة على ما يمكن أن نصل إليه من حقائق. فكون نظام التشغيل مشترك ومتطابق لدى الجميع فهذا يفرض حقيقة أننا إن توصلنا لحقيقة ما باستخدام العمليات المنطقية التي يتيحها نظام التشغيل هذا فإن هذه الحقيقة تكون موجودة لدى جميع أنظمة التشغيل الأخرى، أي لدى جميع من يحملون نظام التشغيل نفسه. وتكون بذلك ملزمة للجميع.

بمعنى أننا إن توصلنا لحقيقة ما في مجال ما، فكل من يتبعها هو على حق (على حق هنا تعني أمراً منطقياً) وكل من خالفها فهو ليس على حق (إذا طبقنا النفي والذي هو عملية منطقية على ما بين القوسين الماضيين ينتج لدينا أن ما نعنيه بقولنا ليس على حق هو ليس منطقياً). لاحظ أنك لا يمكنك أن تسألني عن معنى كلمة حق كوننا اتفقنا أن لا ندخل في حلقات مفرغة. فإذا كنا نسعى للحقيقة الصحيحة فيجب أن نلتزم بها، أوعلى الأقل أن نعترف بها وإن كنا لا نطبقها في حياتنا. أما أن لا نعترف بها رغم أننا توصلنا لها بطريقة منطقية تماماً، أو أن نسخر ممن يتبعها ونصف مخالفتها بالأمر الطبيعي أو بالتنوع الطبيعي فهذا أمر لا منطقي، ويمكن القول بأنه لا علميإذا كنت ممن يهتمون باتباع المنهج العلمي ويرفضون ما سواه.

فما هو منطقي هو علمي لأن المنطق أو التفكير المنطقي هو أساس العلم وأداته الوحيدة. هو الذي يقود العلماء إلى هذا العلم الذي تحبه وتعشقه. ولولاه لما كان هناك علم، إنما مجرد هراء. يمكننا بعد ما سبق أن نتفق على أنه ليس كل حقيقة هي حقيقة ملزمة. فقولي لك بأني أحب اللون الأحمر لا يعد حقيقة ملزمة لك، لأني في وصولي لهذه الجملة لم أتبع طريقاً منطقياً ملزماً لك، أي لم أتبع عمليات منطقية مشتركة بيني وبينك (نحن الذين نحمل نفس نظام التشغيل) لتكون ملزمة لك أيضاً (كونك تحمل نفس نظام التشغيل). إنما هو أمر يمكن أن نسميه صفرياً، أي أنه لم يستند إلى شيء يمكن توصيفه، إنما هو هكذا. وقولك بأنك تحب اللون الأخضر لا يعني أن أحدنا يجب أن يكون على حق والأخر على باطل. ومقياس ذلك هو أننا لم نستخدم طرقاً منطقية في وصولنا لتك الجملة الخبرية، أو يمكن القول بتحفظ إلى تلك الحقائق. فكون أني أحب اللون الأحمر هو حقيقة لأني فعلاً أحب اللون الأحمر، ولكنه ليس حقيقة علمية لأني لم أتوصل له بطريق منطقي، إنما نبع من ذاتي بشكل تلقائي، أي بشكل صفري. يمكننا الآن أن نسمي ذلك تنوعاً في الآراء. هذا التنوع أمر طبيعي ومنطقي في هكذا نواحٍ. أما قولي لك بأن الأرض تدور حول الشمس فهو أمر لا يمكنك أن تختلف معي به بدعوى الاختلاف الطبيعي في الآراء. لماذا؟ لأن الطريق الذي وصلنا به لهذه الحقيقة هو طريق منطقي، بكلمة أخرى طريق علمي – وكلمة منطقي هنا أكثر أساسية من علمي لأن كلمة علمي هنا جائت توصيفاً لما هو منطقي في بحثنا هذا. ولا ننسى أننا اتفقنا على أن هذا المنطق أو هذا الطريق الذي به وصلنا لتلك الحقيقة هو طريق مشترك بشكل تام بين جميع البشر ومن هنا منبع إلزامية نتائجه لدى جميع البشر. (وجود نفس نظام التشغيل لدى الجميع يفرض صحة وإلزامية ما توصل له أحد أنظمة التشغيل باستخدام العلاقات المنطقية التي يتيحها هذا النظام – ولاحظ أن هذا أمر منطقي بحد ذاته :)).

إذاً المقياس الفاصل بين قولنا مجرد اختلاف رأيوالذي لا يفرض أي نوع من الإلزام (على من تبنى المنطق) وبين قولنا اختلاف في الحقائقوالذي يعني أن أحد الطرفين (الذان يتبنيان التفكير المنطقي) على حق والآخر على باطل – هو الطريق الذي توصلنا به إلى تلك الحقائق أو الآراء. أي يعتمد تحديد ذلك على دراسة الطريق الذي به توصل كل منهما لحقيقته. ففي الحالة الأولى يكون الاختلاف طبيعياً ولا مشكلة فيه لأنه لا وجود لطريق منطقي لما توصلوا له يفرض على الطرف الآخر حقيقة ما، أما في الحالة الثانية فلا بد أن يكون في طريق أحدهما أخطاء منطقية قادته إلى تلك النتيجة الخاطئة، والتي تعارضت مع شخص آخر سلك طريقاً منطقياً سليماً لا أخطاء فيه (طالما الطرفان يحملان نفس نظام التشغيل – وهذا أيضاً أمر منطقي بحد ذاته). وهذا منبع قولنا بأن الحقيقة وحيدة.

إذاً الطريق الذي نتوصل به للحقائق هو الذي يوضح إذا ما كان يمكن الاختلاف عليها أم لا. أي فيما إذا كانت حقائق منطقية علمية أم مجرد آراء ووجهات نظر. فليس كل اختلاف هو اختلاف وجهات نظر. وليس كل اختلافٍ هو تنوعٌ طبيعيٌ كما يحب أن يدعي البعض!.

وهنا يمكن أن نصل لجواب أحد أسئلتنا السابقة – وهو أن الحقيقة وحيدة. لماذا؟ لأن الطريق الذي يوصل إليها طريق وحيد ومشترك لدى الجميع. وهو التفكير المنقطي. ولا يوجد أحد يفكر بطريقة مغايرة لذلك لا يمكن لأحد الإتيان بما هو جديد في الطرق الموصلة للحقيقة.

ما أريد الوصول إليه حتى الآن هو أنك إذا رأيت شخصاً يؤمن بالعلم (أي بالتفكير المنطقي)، ثم وجدته يحيد عن أمر منطقي فاعلم أنك أمام شخص يناقض نفسه (أي أنه يكذب عندما يقول لك أنا أؤمن بالعلم فقط). فهو يؤمن بالعلم من جهة (وطريق العلم هو التفكير المنطقي) ويرفض أموراً أخرى هي منطقية بحد ذاتها!. لذلك فلزاماً عليه أن يلتزم أو يقرّ على الأقل بكل شيء تم الوصول إليه بالطريق المنطقي نفسه. وإلا فهو يناقض نفسه. فأن تقول لي بأنك تؤمن بالعلم من جهة ثم ترفض أن الأرض تدور حول الشمس من جهة أخرى فهذا أمر مرفوض تماماً. ولاحقاً سترى أن هناك حقائق منطقية أخرى لا بد لكل من يؤمن بالعلم أن يقر بها، ليست من قبيل الأرض تدور حول الشمس أو من قبيل الأرض كروية، ولكنها تشترك مع تلك الأمثلة بأنها حقائق منطقية. أي أن الطريق الموصل لكلاهما واحد وهو التفكير المنطقي. لأن التفكير المنطقي كما تلاحظ أكثر عمقاً من قولنا تفكير علمي.

الخلاصة

عندما يبتنى أحدهم طريق العلم والتفكير المنطقي فلا يمكنه أن يعارض شيئاً ما منطقياً بحد ذاته أو تم الوصول إليه بطريق منطقي (لاحظ كون كلمة منطقي أكثر شمولاً من علمي). فأي قضية كان برهانها منطقياً تماماً ستكون قضية ملزمة لمن تبنى طريقة التفكير المنطقية السابقة. أما أن يتبنى منهج التفكير العلمي وينحاز عما هو منطقي فهذا تناقض مع النفس لا يخفى على أحد. شخصياً أسميه نفاقاً فكرياً وجهلاً منطقياً!. من جهة أخرى تكون الحقائق الصفرية غير ملزمة أبداً بطبيعتها كما قلنا لأن الطريق الذي وصلنا به إليها غير موجود (صفري)، أي ليس طريقاً منطقياً. فأنا ليس لدي طريق منطقي أستطيع به أن أبرهن لك على حبي للمعكرونة وأن بغضك لها أمر غير مقبول علمياً أو منطقياً!. المقياس إذاً بين اختلاف التنوع واختلاف التعارض واضح تماماً وهو طريقنا في الوصول إل تلك الحقائق.

والخلط بين هذين النوعين من الحقائق أمر شائع جداً. أي الخلط بين ما يمكن الاختلاف عليه وكون هذا الاختلاف أمراً طبيعياً وبين مالا يمكن الاختلاف عليه وكون الاختلاف عليه تعدياً على ما سميناه بالمنطق والتفكير المنطقي الذي هو أساس ومصدر كل علم. ومصدر هذا الخطأ هو التجاهل لأدلة قضية ما وإسناد هذه القضية لخانة الاختلاف في الآراء!. هذا التجاهل غالباً يكون مقصوداً ومتعمداً. رغم أن أهم أساسيات البحث العلمي هي تقصي الحقائق والبحث في مصداقية (منطقية) أدلة نظرية ما أو قضية ما يدعي أحدهم صحتها وإلزاميتها قبل الحكم عليها.

فأن يدعي الإنسان منهجاً في التفكير ويحيد في نواحٍ معينة عن نتائجه ومقتضياته لهو أمر لا يمكن لعقل أن يبرره!. ولا يمكن إلا أن يسمى نفاقاً فكرياً!. ولا غرابة في أن يقال فيه:

أتنهى بشيء وتأتي بمثله عارٌ عليك إن فعلت عظيم.

يمكننا بنفي بيت الشعر السابق (والنفي علمية منطقي بحتة) الوصول إلى ما يكافىء:

أتؤمن بشيء وترفض مثله خطأٌ منطقي (علمي) هذا عظيم.

يمكننا الآن أن نتحدث عن نقطة أخرى مهمة في بحثنا عن الحقيقة

مفاصل الحقيقة

في بحثنا عن الحقيقة وأثناء النقاش حول الطريق المؤدية لحقيقة ما سيكون من المفيد جداً الاتفاق على مفهوم أحب أن أسميه دائماً بمفاصل الحقيقة، لأنها هي التي تقود النقاش نحو نهاية معينة وفيما بعد يمكن أن تحصر النقاش في نقاط محددة الأمر الذي يسهل النقاش والحوار عن الطريق الأمثل المفضي للحقيقة. وهي مفاصل للحقيقة كون هذه الحقيقة تستند عليها بشكل تام، وانهيارها يعني انهيار الحقيقة كما ينهار البناء تماماً عند تخلخل وانهيار مفاصله. يمكن أن نسميها أيضاً بمفترقات طرق الحقيقة لأنك عندما تسير في طريق مستقيم ثم يواجهك مفترق طرق أول فتختار مثلاً اليمين ثم مفترق طرق ثانٍ فتختار اليسار وهكذابالنهاية فإن النهاية 🙂 التي ستصل لها تعتمد تماماً على مفترقات الطرق التي واجهتها. فليس من المنطقي أن تقول بأنك وصلت لهنا لأنك كنت تقود مسرعاً!. إنما المنطق أن ما وصلت له يتحدد ويتوقف تماماً على مفترقات الطرق التي واجهتها. ولاحظ أن أول مفترق طرق يؤثر بشكل أكبر على وجهتك النهائية. بينما آخر مفترق طرق يؤثر بشكل أقل ويوصلك لوجهة قريبة من الوجهة الأصلية.

قبل تحليل الموضوع بشكل مجرد ربما من المفيد أن نخوض في مثال حي يوضح مفاصل الحقيقة بشكل تام. لنتخيل المسرحية التالية والتي يدور فيها الحوار بيني وبينك. سيكون @ رمزاً لي و# رمزاً لك.

الفصل الأول 🙂

أدخل عليك الغرفة لاهثاً

01. @: لقد أنقذني سوبر مان من حادث وشيك للتو!.

02. #: سوبر مان شخصية خيالية ولا وجود لها على أرض الواقع. أتسخر مني؟!

03. @: صدقني لقد قابلته للتو، ولقد كادت سيارة تصدمني لولا أنه جاء لمساعدتي.

تأخذ أنت هنا نفساً عميقاً وتتابع الحديث معي

04. #: وكيف أنقذك المدعو سوبر مان؟

05. @: لقد كان الأمر وشيكاً، فبينما كنت أحاول عبورالشارع وأنا أحمل غرفتي معي، إذ أنني قررت الانتقال من بيتي للحديقة المجاورة، فقررت نقل غرفتي مبدئياً حتى أجرب الأجواء هناك

تقاطعني هنا قائلاً

06. #: أتسخر مني مجدداً؟ أنت لا تستطيع حمل نفسك، فكيف تريد مني تصديق أنك حملت غرفتك؟

07. @: ألم أخبرك من قبل أني تعرضت لجرعة كبيرة من الأشعة صرت بعدها قادراً على حمل أي شيء مهما كان ثقيلاً؟

08. #: لا لم تخبرني. ومتى حدث ذلك؟

09. @: في الشهر الماضي عندما كنت على متن محطة مير الفضائية.

10. #: ألم يسقطوها في البحر منذ سنوات؟

11. @: كلا لقد كان ذلك أمام الإعلام فقط.

12. #: حسنٌ وكيف أنفذك سوبر مان، لم تخبرني بعد؟!!.

13. @: بينما كنت أعبر الشارع وأنا أحمل غرفتي معي إذا بي أفاجىء بشاحنة مسرعة جداً كادت تدهسني لولا أن سوبر مان رآني من بعيد ولأنه يعلم أنه لن يصل إلي بالوقت المحدد لإنقاذي فإنه استخدم تقنية السراب المتعدد وصنع نسخة منه قريبة مني أنقذتني من الحادث الوشيك!.

14. #: لكني أعلم أن تقنية السرات المتعدد هي من قوى ناروتو الخاصة، متى أصبح سوبر مان يمتلكها؟!!.

أحملق فيك هنا مستغرباً

15. @: يبدو أنك تسرف في متابعة أفلاك الكرتون! هل تعتقد أن ناروتو شخصية حقيقية!!. 🙂

وهنا تنتهي المسرحية عندما تنفجر أنت غاضباً مني وتحمل أقرب كرسي لك وتحركها بقواك الخاصة لترسلها إلي بسرعة الصوت

الآن لو طلبت منك العودة لسطور نص المسرحية السابقة المرقمة بالأرقام، وسألتك: ما هي السطور التي لو افترضنا صحة مافيها من حقائق لكان ما سبق صحيحاً؟ أي ما هي المفاصل التي لو آمنا بها لكان الحوار كله منطقياً ومعقول الحدوث.

يمكن أن نقول بأنه لو كانت الجمل الخبرية التالية صحيحة (والتي نسميها مفاصل الحقيقة) لكانت الحقيقة النهائية التي كنت أحاول إيصالها إليك (وهي أن سوبر مان أنقذني) حقيقة صحيحة ومنطقية تماماً.

  1. كون سوبر مان شخصية حقيقة (01).

  2. كوني أستطيع حمل غرفتي (05):

  3. كوني تعرضت لجرعة عالية من الأشعة (07).

  4. عندما كنت على متن محطة ميرالفضائية (11) التي تم تدميرها بشكل زائف.

  5. وكون ناروتو شخصية حقيقة، وكون سوبر مان لديه بعضاً من قوى ناروتو الخاصة (14).

    هذه النقاط هي مفاصل الحقيقة في مسرحيتنا السابقة. فإن كانت هذه المفاصل صحيحة فلا شك أن النتيجة النهائية صحيحة أيضاً. أما انهيار صحة إحدى هذه المفاصل فهذا يقود لانهيار صحة الحقيقة النهائية التي كنت أحاول إيصالها إليك. (وكما تاحظ بعض هذه المفاصل له مفاصل خاصة به).

إذاً يمكننا حصر النقاش الآن بهذه المفاصل، ويمكننا مناقشة كل منها على حدة. الأمر الذي يسهل النقاش حول صحة الموضوع ككل ويقودنا لطريق أكثر وضوحاً في سعينا نحو استطلاع صحة الحقيقة التي كنت أخبرك بها في بداية المسرحية. ويمكننا الآن مناقشة هذه المفاصل بشكل منفصل عن الموضوع ككل وعن الحقيقة النهائية أيضاً.

يمكننا الآن رسم الموضوع بشكل أكثر تجريداً. فلو افترضنا أننا أمام نظرية أو قضية معينة ولنسمها بالنظرية Z. وأنت تريد مني سرد البرهان على صحة هذه النظرية. لو افترضنا أنني ابتدئت معك بجملة من الحقائق وبدأت بتطبيق الأدوات المنطقية على تلك الحقائق (أو لنقل هذه اللبنات) في سعيي لإقناعك بصحة النظرية Z (أي في بناء صرح للحقيقة المطلوبة). سنرمز لهذه اللبنات التي سأستخدمها في البرهان النهائي على صحةالنظرية Z بالأحرف الأبجدية الإنكليزية.بحيث تكون حقائق كل مستوى مرمزة بحرف ما، وحقائق المستوى التالي بالحرف الأبجدي التالي.

فأقول لك:

بما أن A1 and A2صحيحة فإن هذا يعني B صحيحة. واستناداً إلى صحة B ولأنه لدينا C فهذا يقودنا إلى E.

وهكذا نبدأ الطريق لبرهان النظرية. فكل محطة نمر عليها وتوافقني على ما أقوم به (من عمليات منطقية على لبنات الحقيقة) هي خطوة نحو الطريق للوصول للحقيقة التي أريد إيصالها إليك والتي هي صحة النظرية Z. لنفترض أنك خالفتني فيما قمت به في المرحلة M حيث اعتبرت هذه القضية (M) قضية خاطئة وبرهانها غير صحيح أو غير كامل حتى الآن. هنا سأطلب منك مبدئياً أن تتجاهل هذه النقطة وتتابع معي النقاش متبنياً صحة القضية M ومعتقداً بمنطقيتها. ونتابع السير نحو برهان نظريتنا النهائية. وربما نصل للمرحلة W وتعود لتخالفني الرأي سواء باعتقادك بخطأ القضية W كما في M أو لملاحظتك خطأً في العلميات المنطقية التي أستخدمها وأطبقها على لبنات الصرح الذي نبنيه، وفي الحالتين سأعود وأطلب منك كما سبق أن تعتقد بصحة هذه الخطوة لنتابع معاً. وبعد خطوة أو خطوتين توافقني عليهما نصل أخيراً للبرهان النهائي على صحة القضية Z.

إذاً في رحلتنا هذه مررنا بمرحلتين حرجتين بالنسبة لك هما القضية M and W. إذاً لنقاشنا السابق مفصلان للحقيقة هما M and W. وصحة القضية النهائية بالنسبة لك مبنية على صحة هاتين القضيتن. هنا يمكن أن نركز بعدها بحثنا على هاتين القضيتين دون البحث في الموضوع ككل. الأمر الذي يسهل البحث والنقاش على حد سواء. إذاً تحديد مفاصل الحقيقة هي أولى مراحل النقاش حول صحة قضية أو نظرية ما. فكونك قد وافقتني على باقي المفاصل (باقي اللبنات) فلا داعي للخوض فيهم مرة أخرى. بل يجب تركيز بحثنا في ما اختلفنا فيه فقط.

وهنا يجب أن نلاحظ أن أهمية المفصل M أكبر من W. لأننا بنينا على افتراض صحة الأول أكثر مما بنينا على افتراض صحة الثاني. فانهيار صحة الأول يعني انهيار صحة كل ما يليه من قضايا. أي من القضية N وحتى W. أما إذا ثبت صحة M وخطأ W فهذا يعني انهيار القضايا التالية للمفصل W فقط. أي في حال انهيار المفصل الأول فلا داعي للبحث في صحة أو خطأ المفصل التالي لأن انهيار الأول يعني انهيار كل ما يليه.

يمكن تشبيه الأمر بطوابق بناء ما. ولنفترض أن كل طابق نرتفع به عن الأرض هو خطوة نخطوها نحو طريقنا الموصل للطابق الأخير والذي هو صحة النظرية التي نسعى لبرهانها. من هنا لا بد أن نلاحظ أهمية الأساس أولاً. ثم يجب أن نلاحظ أن انهيار الطابق الأول يعني انهيار كل ما فوقه. أما انهيار الطابق المئة فلا يعني إلا انهيار الطوابق فوق المئة. أما ما تحتها فلا تتأثر بهذا الانهيار.

إذاً يمكننا متسلحين بما سبق مناقشة الخلاف حول أي نظرية علمية (والأحرى أن نقول منطقية)، مدركين أهمية مفاصل الحقيقة التي تسمح لنا بتركيز البحث حول النقاط الخلافية. ومدركين أهمية بعض المفاصل دون غيرها وذلك تبعاً لمكانها في برهان نظريتها. فالأسبق هو الأهم بالنقاش لأن كل ما يلي مبني على صحته، وانهياره يعني انهيار كل ما يأتي بعده.

One comment on “مفاصل الحقيقة – اختلاف تنوع أم تعارض

  1. جميل جداً مولانا
    ولكن لدي تعقيب صغير…
    هب أنني اعتقد يقيناً بوجود سوبرمان وبأنك تستطيع حمل غرفتك… إلخ.
    إن ذلك لا يستلزم أن يكون سوبرمان فعلاً قد أنقذك، هنالك بعض الافتراضات الخفية التي يجب بيانها. لنفكر قليلاً في أول جملة طرحتها:
    شادي يقول بأن (A): سوبر مان أنقذه من حادث وشيك للتو.
    هل يكفي إعتقادي بوجود سوبرمان وبكل ماذكرته حتى تصبح هذه الجملة حقيقة؟
    يحتاج الاعتقاد بصحة أي “نتيجة” إلى مقدمتين: صغرى وكبرى
    المقدمة الصغرى في حالتنا هنا (بالإضافة إلى إيماني بوجود سوبرمان… إلخ) هي: شادي صادق فيما يقوله.
    الآن، حتى استطيع الانتقال من هذه المقدمات الصغرى إلى النتيجة احتاج إلى مقدمة كبرى هي أداة النقل:
    إذا قال الرجل الصادق قولاً فإن قوله صحيح
    لاحظ أن جميع المقدمات الصغرى التي ذكرتها (إيماني بصدقك، بوجود سوبرمان، بقدرتك على حمل الغرفة،…) غير كافية لأن أعتقد بصحة A. يجب أن اعتقد أيضاً بمقدمة كبرى هي أداة الوصل بين المقدمات الصغرى والنتيجة.
    وبالتالي، فإن صورة المحاكمة المنطقية بشكل عام هي:
    إذا كانت القضية (A) صحيحة
    وكانت القضية (A تؤدي إلى B) صحيحة
    إذاً فإن B صحيحة.
    ولذلك من الممكن جداً أن ننطلق أنا وأنت من A ولكن أصل أنا إلى B وأنت تصل إلى C. السبب هو الاختلاف في المقدمات الكبرى. أما إذا اتفقنا في المقدمتين الصغرى والكبرى، فإن إيماننا بالنتيجة يكون حتمياً وملزماً.

    إذاً حتى تكون المناقشة كاملة، يجب أن تظهر لي أيضاً المقدمات الكبرى التي استخدمتها للانتقال بين العبارات.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s