كيف ينظر الناس إلى رمضان

كيف ينظر الناس إلى رمضان

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

إذا أردت أن تعرف كيف ينظر كثير من الناس إلى رمضان فما عليك إلا التوجه للأسواق قبل موعد الإفطار بساعة أو ساعتين. ستلاحظ وخاصة في الأيام الأولى من رمضان (وأكثر خصوصية في أول يوم) إقبالاً غريباً من الناس على شراء مختلف أنواع الأطعمة والحلويات. ويكون اﻷمر على أشده في العشرة الأولى من رمضان ويتناقص في العشرة الثانية (بحكم الاعتياد ليس إلا) ثم يعود ليزداد في العشرة الأواخر من رمضان. أي أن استهلاك الناس للأطعمة يكون على أشده في العشرة الأولى والأخيرة من رمضان ويتناقص في العشرة الثانية من رمضان.

ما تحليلك للأمر؟

إن تحليل ما سبق يعكس تماماً كيف ينظر (معظم) الناس إلى رمضان.

دعنا أولاً نحلل تصرف الناس المتمثل بشراء ما لذ وطاب من الأطعمة وخصوصاً في اليوم الأول. ماذا يحدث في اليوم الأول من رمضان؟ ما يحدث هو امتناع الناس عن الطعام والشراب لمدة لا تزيد عن نصف يومفي معظم البلدان. قد تزيد وتنقص هنا أو هناك ولكنها في النهاية ليست إلا امتناعاً عن الطعام والشراب لفترة لا تتجاوز نصف يوم. كيف يكون تصرف وردة فعل الناس تجاه ذلك الحرمان المؤقت عن الطعام والشراب؟ ما يحدث هو أنهم يهرعون للأسواق لتعويض هذا النقص الذي فاتهم في تلك الساعات بما لذ وطاب من الأطعمة والحلويات. أي أنهم يقومون بردة الفعل هذه تجاه الانقطاع عن ملذات الحياة اليومية لساعات معدودة. ويتكرر الأمر نفسه في تالي الأيام. إلى أن يصلوا لمرحلة اعتياد نسبي حيث تخف تلك الشهوة تجاه الأطعمة بسبب الاعتياد ليس إلا. ومن ثم ومع اقتراب موسم الأعياد ترى الظاهرة تعود لتثور وتبلغ ذروتها في العشر الأخير من رمضان على اعتبار أن فترة الأعياد تمثل الخروج من هذه الحالة من الانقطاع عن الطعام والشراب والعودة للحياة الطبيعية، فلا بد مع ذلك من الاحتفال بهذه المناسبة.

أي أن مراقبتك لموائد الأفطار في رمضان يمكن أن تأخذ المنحى التالي:

Screenshot from 2015-07-02 01:53:36

إذاً هكذا ينظر كثير من الناس إلى رمضان – انقطاع عن الطعام والشراب لا بد من تعويضه مباشرة سواء برمضان نفسه بإعمار موائد الإفطار بكل أنواع الأطعمة، أو بعد رمضان بنسيان أمر الصيام تماماً في باقي أيام السنة على اعتبار الخوض في هذا الحرمان من الطعام والشراب أمر لا يتم إلى في حالات الفرض أي في رمضان.

ورمضان عكس ذلك تماماً. فليس رمضان إلا فترة لتعويد الإنسان على الابتعاد عن ملذات الحياة اليومية لفترة محدودة ولا يجب بعد هذا الامتناع الإفراط في تنويع الطعام والشراب كما يحدث على موائد إفطارنا!. ولا يهدف هذا الامتناع إلى تعذيب الإنسان بالجوع والعطش إنما يهدف إلى تذكيره بأن ذاته الحقيقية ليست في هذا الجسد الذي تتمثل لذاته في الطعام والشراب، وإنما ذاته الحقيقية هي في روحه القابعة خلف هذا الجسد والتي تغيب وتضعف كلما أكثر أكثر الإنسان من ملذات هذه الجسد، وتظهر وتقوى كلما أقل الإنسان من الطعام والشراب. فالروح لا تصفو وتسمو والمعدة مليئة بشتى أنواع الأطعمة، إنما تصفو عند البقاء على الحدود الدنيا من مقادير الملذات اليومية. وهذا أمر معروف في كل الأديان والحضارات السابقة وليس شيئاً جديداً جاء به الإسلام. إذاً ليس رمضان فترة امتناع عن الأطعمة والأشربة بلا هدف. إنما الهدف هو تذكير هذا الإنسان بأنه ليس هذا الجسد وإنما هو تلك الروح.

ولا شك أن لرمضان أهداف وفوائد أكثر من تقريبنا إلى أرواحنا وتعريفنا بهذا العالم الروحي. ولكن أين تكمن المشكلة؟ تكمن المشكلة في أن الغالبية العظمى من الدعاة يركزون على نواح وفوائد أخرى غير هذه وأحياناً يبالغون ويضخمون فيها وكأنها الهدف من رمضان. ومنها الفوائد الصحية من الصيام وتذكر الفقراء في هذا الشهر الفضيل. وعلى عظم تلك الفوائد إلا أنها ليست كل شيء في رمضان. فلا فائدة صحية تذكر (بل هناك ضرر بالمعنى الحرفي لكلمة ضرر) إن كانت موائدك في رمضان أكبر منها من كل باقي شهور السنة مجتمعة!. ولن يتذكر أحد الفقراء ومعدته تعج بشتى أنواع الأطعمة والأشربة.

إذاً هذا التقشف الذي يفرضه علينا هذا الشهر الفضيل يهدف فيما يهدف إليه إلى تعريفنا بحقيقة ذواتنا وتقريبنا منها أكثر بإبعادنا عما يغذي نقيضها المتمثل بهذا الجسد. ويمكنك أن تعرف مدى اقتراب الناس من هذه الغايات بمراقبة موائد إفطارهم في رمضان. إذ يمكننا أن نصوغ المثل التالي بثقة تامة:

قل لي ماذا أفطرت (أو صف لي مائدة إفطارك) أقل لك ما معنى رمضان بالنسبة لك.

فكلما كانت موائد رمضان لدى أحدنا كغيره من الأشهر أو أقل نوعاً ما دلك ذلك على أن هذا الشخص يدرك أن رمضان ليس شهر تنويع الأطعمة والأشربة والإكثار منها لحد التخمة!. حتى أن هناك بعض الأطعمة والأشربة المخصصة لرمضان بذاته! تخيل معي أن يكون لشهر العبادة أطعمة وأشربة مخصصة له وكأنه مهرجان احتفالي بالأطعمة والأشربة على مدى شهر كامل!!.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s