مزرعة الحيوانات George Orwell

مزرعة الحيوانات Animal Farm

Animal Farm

الرواية ذائعة الصيت لمؤلفها البريطاني جورج أورويل George Orwell  والتي تقف إلى جانبها في مستوى الشهرة روايته 1984.

تدور الرواية على ألسنة حيوانات مزرعة مانور التي تقرر في يوم ما وبناء على رؤية أحد حيواناتها الكبيرة بالسن أنه حان الوقت لتقوم بالثورة وتتوحد صفوفها لتتخلص من ظلم البشر واستعبادهم واستغلالهم للحيوانات.

الرواية رائعة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. ولعله من لطيف القدر أني لم أقرئها حتى اليوم – لأكون حين قرائتي لها قد عايشت أجزاء من تاريخ إحدى الثورات، وعايشت في الوقت نفسه أجزاء من تاريخ كيان افتراضي مر براحل نمو تشبه افتراضاً مراحل الثورات.

وبعد قرائتك للرواية ستجد أن تفاصيلها تنطبق على أي مكان يتواجد فيه أي شكل من أشكال السلطة. سواء كانت هذه السلطة على أرض الواقع أم في العالم الاقتراضي – السلطة هي السلطة وسيحدث فيها ما حدث في تفاصيل الرواية.

ويبدع الكاتب في تحليل مسارات الثورات ومآلاتها فيصف كيف تبدأ الثورة أحلاماً في رؤوس مُشعليها. وتنتهي الرواية بالنهاية الحتمية التي لا نزال نشاهدها يوماً بعد يوم في كل ثورة وفي كل سلطة وهي أنك تنتهي بحالة لا تستطيع بعدها التمييز بين من قاموا بالثورة وبين ما قامت عليهم الثورة!!.

وفي الرواية وصف لكل نماذج الشخصيات التي يمكن أن تصادفها في معايشتك لأي ثورة أو أي سلطة – فهناك مثلاً القطيع الذي لا شأن له إلا الهتاف للقائد مهما كان الموقف، فلا شأن له إلا الأكل والشرب وهذا الهتاف للقائد. وقد مثله الكاتب ببراعة بقطيع الأغنام.

كما ور الكاتب الصراع الحتمي الذي يحصل على السلطة بين الأطراف التي تقوم بالثورة في بدايتها وكيف يقوم أحد هذه الأطراف بالتخلص من البقية باستخدام القوة والبطش ثم تبدأ عملية شيطنة الآخر في كل شاردة وواردة وبالمقابل يتم تقديس القائد شيئاً فشيئاً حتى نصل لمرحلة أن يعود له الفضل في كل شيء – ويرافق ذلك طبعاً تشويه التاريخ والحقائق من قبل الأطراف التابعة للقائد الجديد. بالإضافة لتشويه الدستور الذي قامت عليه الثورة بما يتناسب ورغبات القائد الجديد.

يظهر في الرواية أيضاً الخوف من التغيير لدى الشعب (الحيوانات) وكيف يتم إغراقها بالعمل الزائد وإيهامها بأن حالها بعد الثورة قد أصبح أفضل بكثير من حالها قبل الثورة. صحيح أن الطعام قد قل وأن العمل قد زاد ولكن الأهم من هذا وذاك هو الكرامة!.

ولا ينسى الكاتب وظف محاولة السلطة في توظيف الدين لتخدير الشعور العام لدى الشعب بالآمال بالعدل والمساواة في العالم الآخر. ويكون الغراب هنا هو من يأخذ دور رجال الدين الذين يتلفون حول السلطان.

كما ستجد كيف أن من يصل للسطلة وبعد أن يتخلص من الخصوم يبدأ ببناء حاشية من حوله تكون مصالحها مرتبطة بوجوده فتعمل هي على تمكين هذا الوجود لضمان بقاء مصالحها ورفاهية عيشها التي تكون على حساب بقية الحيوانات بحجج مختلفة – منها أنها هي العقل المدبر للمزرعة وأنها بحاجة لتلك الرفاهية لتستطيع التفكير بشكل جيد لخدمة الصالح العام.

وأجمل المفاراقات هي البدء في تجاوز المبادىء التي قامت عليها الثورة بتعديل في صياغة هذه المبادىء بحيث تتوافق وتصرفات القيادة. ويتم ذلك بمكر وبراعة شديدين بحيث يتم التلاعب بالألفاظ وشرحها بالطريقة المناسبة لمصلحة القيادة الجديدة!. حتى أكبر مبادىء الثورة يمكن تجاوها بمكر وبحة الصالح العام للثورة نفسها!.

وهكذا يصف الكاتب ببراعة شديدة مجريات الثورة منذ بدايتها وحتى نهايتها ويصور الشخصيات التي تراها في كل ثورة بأسلوب مميز حقاً. وفي النهاية تصل للمرحلة التي لا يمكن لك أن تميز فيها بين من قام بالثورة وبين من قامت عليهم الثورة!.

الرواية قيمة جداً وتحتاج لدراسة حقيقية لكل شخصياتها وهو أمر ربما يعود علينا بكثير من الفائدة ونحن نعيش عصر الثورات والسلطات!. سأعود لقرائتها حتماً لأنها بحاجة لدراسة متأنية وتحليل لكل شخصياتها علها تكون عوناً لفهم ما يحدث من حولنا!.

ببساطة، وبعد قرائتك للرواية ستتأكد في أننا نعيش في مزرعة كبيرة – فيها الكثير من أصناف الحيوانات!.

عن الذكاء الاصطناعي الحقيقي

هل يمكننا إنتاج وعي حقيقي؟

السؤال يدور في فلك الذكاء الإصطناعي. قناعتي الشخصية التي أعتقد أنها لن تتغير لسبب سأوضحه هي “لا”. والسبب بسيط للغاية.

بداية يمكن أن نقول عن مجموعة أسطر برمجية بأنها ذكية نوعاً ما إذا كانت تستجيب بشكل جيد لأسئلتنا. برامج (تحدث مع الكومبيوتر) التي كنا نشغلها في بداية حقبة ظهور الحواسب الشخصية كانت من ذلك النوع، كأن تسأل البرنامج عن اسمه فيخبرك باسمه ويعود ليسألك عن اسمك وهكذا. وعندما تسأله سؤالاً لا يملك له استجابة معينة يقوم هو بطرح سؤال عليك كنوع من التهرب الذكي من سؤالك الذي لا يملك جواباً له. هذه الاستجابة البسيطة تُعد حركة ذكية من مبرمج البرنامج ليُظهر لك البرنامج على درجة ما من الذكاء. أو سيخبرك ببساطة بأنه لا يعرف. (هذا الكلام بُعبر بشكل ما عن اختبار تورنغ).

برأيي الشخصي أن التقدم الحاصل في هذا المجال هو زيادة في التعقيد فحسب. أي أن المبدأ يدور في نفس الحلقة وما حدث هو أن قاعدة بيانات البرنامج أصبحت ضخمة كفاية لتجيب عن أي سؤال. ومع تعزيز وتطوير النواحي الخاصة بإظهار البرنامج لمظهر الذكاء الحقيقي والتي بدوها أصحبت متقدمة جداً (متقدمة من ناحية الضخامة فقط).

كل هذا يعني أن استجابة البرنامج أصبحت أفضل فقط لضخامة القاعدة التي أصبح يستند عليها. لا تحول جوهري آخر. بمعنى أن استجابة البرنامج يمكن توقعها بمعرفة طريقة عمل البرنامج (أي بالاطلاع على أسطره البرمجية). وما دمنا قادرين على توقع النتائج بمعرفة الخوارزمية فأنا أعتقد أنا هذا لا يمكن تسميته بالذكاء الاصطناعي الحقيقي.

المعيار الحقيقي بالنسبة لي لما يمكن تسميته بالذكاء الاصطناعي الحقيقي هو عدم قدرتنا على توقع نتائج خوارزمية هذا الحاسب رغم معرفتنا لتلك الخوارزمية.

بمعنى أنه يمكننا الوصول للذكاء الحقيقي عندما لا نستطيع نحن توقع استجابة البرنامج رغم معرفتنا لأدق تفاصيل طريقة بناءه – وهذا أمر مستحيل لأننا من يبرمج البرنامج ويضع له طريقة عمله. ما يحصل مع تقدم الزمن هو زيادة التعقيد فقط. وهذا يجعلنا نظل نسير في نفس الشارع. شارع الذكاء الاصطناعي الغير حقيقي. كل ما يحدث هو أننا نزداد سرعة لا أكثر.

المعضلة تكمن في أننا بحاجة لصناعة شيء لا نعرف كيف يعمل وهذا من ناحية المنطق أمر مستحيل. لذلك أعتقد شخصياً أننا لن نصل لذكاء اصطناعي يضاهي الحقيقي. أي أننا لن نصل لوعي حقيقي. كل ما سنصل له زيادة في مستويات التعقيد لا أكثر. بمعنى أنك تستطيع أن تسمي هذه الآلة بالذكية لكنك لن تسميها بالواعية. ذكاؤها هنا لا يعبر عن الوعي وإنما يعبر عن براعة في كتابة الخوارزمية.

قد يحصل وأن نبني خوارزمية تستطيع تعليم نفسها أشياء جديدة والتصرف بناء على ما تتعلمه، ولكن في النهاية نحن نستطيع توقع ما يمكن لها أن تتصرف به بناء على معرفة كل المدخلات التي قامت بمعالجتها.

ولكنك قد تسأل السؤال التالي: ماذا تقصد بالوعي الحقيقي؟ كلمة الحقيقي هنا ماذا تقصد بها. قد أجيبك بأن أقول: وعي يشبه الوعي الذي أمتلكه أنا. والذي أفترض أنك تمتلكه. هذا سيقودنا لمشكلة وهي كيف تعرف أن الوعي الذي أمتلكه أنا هو نفسه الوعي الذي تمتلكه أنت؟ كيف لك أن تعرف مثلاً أن الآلة التي أمامك (عندما لا تكون مطلعاً على طريقة عملها) تمتلك وعياً حقيقاً بالمعنى الذي سبق؟

هنا وقبل الخوض في معنى كلمة حقيقي هذه يجب أن نميز أني عندما أقول حقيقي فأنا أقصد الجوهر لا غير. بالنسبة لاختبار تورنغ الذي يتعامل مع المظهر الخارجي فقط دون أن يُعنى بالجوهر فالموضوع مختلف. لذلك لا بد لنا من الاتفاق على قاعدة ما.

القاعدة تقول بأنه صحيح أنك لا يمكن أن تعرف فيما إذا كان وعيك هو نفس وعيي أو طبيعة وجوهر ذكائك هو نفس طبيعة وجوهر ذكائي ولكن لا مشكلة في أن نتفرض أنك صاحب الوعي الوحيد في هذا الكون. أو أن أفترض أنا أني صاحب الوعي الوحيد في هذا الكون. وبناء عليه يجب عليك فقط أن تصدق أني ذكائي حقيقي. وبعدها تبدأ تعرض علي الآلات التي تبتغي إقناعي بأنها ذات ذكاء اصطناعي حقيقي. هذا الإيمان هو الوحيد الذي يجب أن تأخذه دون دليل – لأنه لا سبيل لحل هذه الإشكالية أبداً.

لماذا؟ لنفترض أننا وصلنا لمرحلة متقدمة من التقنية بحيث صار ممكناً أن أطلع على طريقة تفكيرك. أي أن وعيك يمكن أن ينتقل لوعيي. ولكن هنا ستبرز الإشكالية التالية: عندما ينتقل وعيك لوعيي تماماً (عبر مجموعة أسلاك مثلاً) وعندما نصل لدرجة 100% من انتقال وعيك لوعيي فنحن هنا أمام مشكلة وهي أنه لن يعود بالإمكان التمييز بيني وبينك!. أي كيف سأشعر بنفسي بـ 100% وأشعر بك بـ 100%؟! الأمر مستحيل تماماً حتى لو توافرت التقنية اللازمة لنقل شعورك لعقلي. لأننا هنا صرنا شخصاً واحداً لا شخصين. أي لست أنا الذي أحاول أن أعرف هل أنت تفكر كما أفكر أو تشعر كما أشعر.

يمكن تبسيط هذه الفكرة بالمثال التالي: لنفترض أن أمامك مكعبين من البلاستيك. هذان المكعبان يمثلان كينونتين مختلفتين. هما أنت وأنا. إذا أردت أن أحاول أن أتقمص عقلك لأرى كيف تشعر أنت فيجب أن يكون التقمص 100%. لنرى ماذا سيحصل في حالة المكعبين. لنفترض أن المكعبين متشابهين تماماً في كل شي. لكن مالذي يجعل منهما بالنسبة لك كينونتين؟ الموقع. صحيح؟ فهما بالنسبة لك يقعان في موقعين مختلفين وهذا يعطي لأحدهما صفة مختلفة عن الآخر. أي أننا إذا وضعنا جدولاً فيه كل صفات هذين المكعبين فإن أحد حقول هذا الجدول ستختلف ما يجعل من كل منهما كينونة مستقلة.

إذا افترضنا أنهما يشتركان بالموقع أيضاً! وبدون الخوض في موضوع الذرات وما إلا ذلك (واتجاه دوران السبين…) سنفترض أن خواصهما تشابهت تماماً حتى على مستوى الموقع. هنا ألا تلاحظ أنهما أصبحا كينونة واحدة؟! مالذي يجعلنا نعقتد بأنهما لا زالا كينونتين مختلفتين؟ لن تستيطع ولا دليل على ذلك أبداً. ولا يمكن بطبيعة الحال التمييز بينهما. أي أنهما أصبحا شيئاً واحداً.

بالمثل عندما أتقمص عقلك بنسب 100% فلا أستطيع حينها الحكم على عقلك وهل هو يفكر كما أفكر أنا. لأني لأفعل ذلك فأنا بحاجة لجملة مقارنة والتي هي عقلي ولكن عند اكتمال التقمص لن يعود بوسعي معرفة ما أردت معرفته.

إذاً لا يمكن لي بطريقة علمية أن أتأكد أن وعيك يماثل وعيي أبداً لأني سأخسر وعيي في سبيل ذلك، وبدونه لا أستطيع الحكم على وعيك لأنه جملة المقارنة المطلوبة لذلك الحكم. الأمر مستحيل تماماً. إذاً لا بد لنا من الإيمان – الإيمان بأننا نتملك وعياً متشابهاً.

يمكن لبيان المشكلة مثلاً أن نعكس التجربة: تخيل أن أقول لك بأني لست إنساناً حقيقاً إنما أنا آلة. هل لديك طريقة تستطيع بها التأكد من أني آلة؟ لو فكرت بهذا السؤال ستجد أنه بالمثل لا طريقة ولا سبيل لذلك.

إذاً الذكاء الاصطناعي الحقيقي يتعلق بالجوهر الذي تُبنى على أساسه الآلة. بالنسبة لما نصنعه فهو لا يماثل بحال من الأحوال ذكائنا الذي يمكن أن نصفه بالواعي. فالآلات اليوم يمكن وصفها بالذكية لكن لا يمكن وصفها بالواعية. ولا أعتقد بأننا سنصل لمستوى يمكن أن نقول فيه عن آلة ما أنها واعية. يتبع.

عن الوعي والإرادة الحرة

كنت قد كتبت في تدوينة سابقة عن ضرورة وجود عنصرٍ لا ينتمي لعالم المادة المحسوس فينا لكي ننسب إليه العناصر الفوق مادية التي ننتجها. فمثلاً لا يمكننا أن نعزو الفن والإبداع الفكري كالشعر مثلاً لمجرد إشارات عصبية تدور بين خلايا الدماغ. وأشرت (كما أعتقد) بأن هذا العنصر يستطيع توليد عشوائية صرفة بمعنى أنه فوق قانون السببية. فلا يمكن أن نعزو ما ينتج عنه لأسباب مادية على الأقل. هذا العنصر (بالنسبة لي) هو الروح. والتي هي أنت الحقيقي بمعزل عن هذا الجسد. بمعنى أن هذه الجسد ليس إلا وعاء لتلك الروح لا تفنى بفنائه ولا يتعلق وجودها به.

إن لم تكن تؤمن بوجود هذا العنصر (بغض النظر عن اسمه) فهذا يعني أنك أمام أن تعترف بأننا محكومون بالسببية وأنك وكل إبداعاتك وكل إبداعات البشر منذ الأزل ما هي إلى نتائج حتمية للوضعية التي كانت عليها الذرات (أو مكوناتها) في لحظة الإنفجار العظيم. أي أنك لست إلى تمثيل لنتائج تلك الوضعية التي كانت عليها تلك الذرات في تلك اللحظة. ووعيك هذا التي تحس به ليس إلا وهماً تتخيله.

من الصعب الاعتقاد بذلك، ويميل جميع البشر باختلاف مذاهبهم وعقائدهم للاعتقاد بوجود هذا العنصر الروحي فينا والذي نعزو إليه كل ما نحسه ونشعر به ويصدر عنا من إبداع فكري.

إذا كنت تعتقد بوجود الوعي لدى البشر وترفض أن تعزوه لعنصر فوق مادي (لا يخضع لقوانين المادة) فليس أمامك حل سوى أن تقول بأن هذا الوعي ناتج عن التعقيد في بنية الدماغ البشري. أي أن مستوى التعقيد الهائل في أدمغتنا يسمح بظهور هذا الوعي. ولكن هذا الاعتقاد بدوره يترتب عليه نتائج لا يمكن تصور أبعادها ولا أعتقد أنك مستعد لأن تقبل بها بالمقابل.

فقولك بأن هذا الوعي ليس إلا نتيجة للتعقيد الهائل في مستوى الدماغ يعني مثلاً أن باستطاعتنا في وقت لاحق مثلاً بناء نموذج محاكي لدماغك تماماً (مع اختلاف المكونات) وهذا بدوره يعني أن هذه المحاكاة على الكومبيوتر (عندما تصل لمستوى التعقيد الكافي والمماثل لدماغك) سينتج عنها وعي مماثل تماماً لوعيك. أي أننا استطعنا بذلك توليد نسخة طبق الأصل عن وعيك مع اختلاف المكونات. ليس هذا فقط بل نستطيع لاحقاً ونتيجة لذلك نسخ هذا البرنامج (المحاكي لبناء دماغك) وتخزينه على وحدة تخزين رقمية ما. هنا سنكون قد صنعنا نسخة من وعيك أيضاً ولكنها بوضعية السبات. بمعنى أنها لا تعمل ولكنها نسخة حقيقية عنك، عن وعيك. وبإدراج وحدة التخزين هذه في حاسوب مناسب يمكن لهذا الحاسوب أن يقرأ التعلميات الموجودة فيها ويحاكيها مباشرة وبذلك يعمل وعيك وكأنه بعث من رقاد.

لا شك أن مثل هذا السيناريو مستبعد تماماً ففكرة الاعتقاد بأن هذا الوعي ناتج عن التعقيد فقط فكرة ساذجة وينتج عنها نتائج لا يمكن لصاحب الفكرة أن يقتنع بها.

يبقى هناك احتمال آخر وهو العشوائية المشاهدة على المستوى الكمومي. أي أن هناك احتمالاً بأن يكون هذا الوعي الذي نحسه ناتجاً عن حوادث كمومية تحدث في الدماغ المعقد. أي أن اجتماع التعقيد ومصدر للعشوائية (من المستوى الكمومي) يُنتج لنا هذا الوعي. هذا التفسير أيضاً ينطوي على نتائج قد لا ترغب بالإيمان بها.

فهذا على سبيل المثال ينطوي على أن وعيك هو عشوائي بمعنى أنك لا تستطيع التحكم به، لأنك لا تملك التحكم بالعشوائية التي تحدث (كما لا أعتقد) على المستوى الكمومي. وهذا يعني عدم وجود إرادة حرة إنما وهم بالإرادة الحرة.

إذا لا بد من الاعتقاد بوجود عنصر لا مادي غير خاصع لقوانين هذا الكون يمثل ذاتنا الحقيقية وهو بالنسبة لي يعادل الروح.

الآن بعد الانتهاء من هذه النقطة نتعرض لإشكالية أخرى. من أين تأتي أنت؟ مالذي يشكل وعيك الذي تعرفه الآن أنت؟ مالذي ساهم بتشكيلك؟ هل هي الحوادث والتجارب التي تعرضت لها هي التي شكلت وعيك أم أن فيك شيئاً أصيلاً كان له الدور الأكبر في تشكيل وعيك كما تعرفه الآن؟

لتوضيح هذا السؤال يمكن أن نسأل أسئلة أخرى. في هذه الدنيا هناك أناس سيئون وأنا طيبون. هؤلاء الأناس السيئون مالذي شكلهم بهذه الطريقة؟ هل هناك شيء سيء في ذاتهم أم أن التجارب التي تعرضوا لها هي التي ساقتهم في هذا الطريق؟ بمعنى هل تصرفاتهم السيئة مبنية على شيء أصيل في أرواحهم أم أن ما تعرضوا له فقط هو الذي شكل هذه العناصر السيئة في ذواتهم؟

هل الشر اختيار يقوم به الإنسان أم أن هناك شيئاً في داخله مبني على الشر فيكون تصرفه الشرير ليس سوا قدره؟! هل ولد الأشرار بشرهم أم اكتسبوه من المجتمع حولهم؟

حتى نتمتع بإرادة حرة مطلقة يجب أن نولد ومعنا شيء يُعبر عنا – شيء ما يمكن أن نقول عنه ذاتنا أو نواة ذاتنا. عندها نسأل مجدداً هل يولد البشر بذوات متشابهة؟ لأن متقضى العدل يقتضي ذلك. وهذا يقتضي أن الشر في بعض الناس كله مكتسب من البيئة التي حولهم. ولكن أليس بعض الناس يختارون الانجرار وراء هذا الشر. أي أن البيئة عندما تحاول أن تؤثر عليهم أليس لديهم الخيار لمواجهة هذه الظروف وعدم اكتساب الشر؟

الإشكالية التي أريد التعبيرعنها هي كالتالي: حتى نكون أصحاب إرادة حرة مطلقة يجب أن يكون لنا ذات تشكلها معزول عن الواقع وعن تجاربه. ولكن هنا تبرز الإشكالية وهي من يقرر هذا القسم من ذاتنا؟ ومن يقرر كيف يكون؟ هذا يقتضي أن جزءاً منا مسبق البرمجة قبل أن نبدأ بالاختيار. وهذا يؤثر على خياراتنا التي ستؤثر على بناء ذاتنا في المستقبل. وإذا ولدنا من دون هذا القسم من ذاتنا فهذا يعني أن الظروف هي التي تتحكم بنا وليس نحن!.

هل أنت ملك ذاتك؟

ما الإنسان إلا كل تلك الذكريات التي يحملها؟

كل ما تفعله وكل ما تقوم به مبني على ما تملكه الآن من ذكريات. عندما تعمل فأنت تعمل بناء على المعلومات التي تملكها في ذاكرتك عن عملك. وعندما تقابل صديقك وتتحدث معه فأنت تفعل ذلك لأنه يملك حيزاً من تلك الذاكرة التي تحملها. وعلى ذلك قس. كل شيء تفعله في حياتك مبني على ما تحمله من ذكريات.

هل هذا يعني أنك إذا خسرت كل تلك الذكريات فقد خسرت نفسك؟ وهل هذا يعني أنك تساوي ذكرياتك فقط، لا شيء سوى تلك المعلومات المخزنة بطريقة مافي رأسك؟

ذكرياتك هي عبارة عن أحداث قمت بها وحيداً أو شاركتها مع من حولك. هذا يقودنا إلى أنك تنقسم لقسمين على اعتبار أنك مساوٍ حقيقةً لذاكرتك فقط. قسم منك ملك لنفسك وقسم منك يتشاطر ملكيته معك أولئك الناس الذين شاركتهم تلك الذكريات. فلولاهم لما وجدت تلك الذكريات. هذا يعني أنهم يتشاطرون ملكية تلك الذكريات. وهذا منطقي لأننا نعترف صراحة بدور آبائنا مثلاً في بناء شخصيتنا وكياننا. وليس هذا الاعتراف إلا تعبيراً بشكل آخر عن مشاركتهم في ملكية قسم من ذاكرتنا، وبالتالي مشاركتهم ملكية قسم من ذواتنا على اعتبار أننا أقررنا بأننا مساوون لذاكرتنا.

هذا يقودنا للتساؤل: هل يحق للإنسان أن يملك وحده قرار التخلص من حياته؟

هنا يمكن أن نعيد صياغة السؤال: هل تملك أنت بمفردك حياتك؟

ما وصلنا له من المقاربة السابقة هو أنك لا تملك وحدك حياتك، إنما يتشارك معك في ملكية قسم منها أقاربك ومن حولك. هذا يعني أنك لا نملك وحدك قرار إنهاء حياتك.

وهذا منطقي. لأن قرار إنهاء حياتك سيسبب لهم الألم، هذا الألم لم يكن ليوجد لولا أنك شاركتهم جزءاً من حياتك، أي من ذاكرتك، أي من ذاتك. إذاً أنت بتخلصك من حياتك تسبب لهم الألم رغماً عنهم.

ولكن ماذا لو أنك فقدت ذاتك ولكنهم لم يفقدوك. بمعنى أنك فقدت ذاكرتك ولكنهم لا يزالون يحتفظون بنسخة عن قسم من ذاكرتك، ذلك القسم الذي شاركتهم إياه. يحصل ذلك إن أُصبت بالزهايمر مثلاً. حيث تبدأ ذاكرتك بالتراجع إلى أن تصل لمرحلة أن تنسى كيف تربط حذائك. في هذه المرحلة تكون أنت قد فقدت كل ذاتك. ولكن قسماً من ذاتك لا يزال موجوداً ولكن خارج نطاق وعيك، لأنه مخزن في عقول أولئك الذين من حولك. أي أن قسماً منك انتقل لخارج وعيك. وبينما فقدت نفسك لا يزال قسم منها موجوداً هناك في الخارج. هذا القسم لا يعي ذاته ولكن آخرين يعونه.

عندما تشارك أحدهم جزءاً من أوقاتك، تتحدث معه وتمضي معه ساعات وساعات. فأنت تعطيه جزءاً من ذاتك، شئت ذلك أم أبيت. لأنك تجعل جزءاً من ذاكرته مرتبطاً بك، أي أنك تجعل جزءاً من ذاته مرتبطاً بك. فأنت تعطيه جزءاً من ذاتك وتأخذ بالمقابل جزءاً من ذاته. لهذا السبب قد لا يحق لك أن تطالبه بأن يفقد ذلك الجزء من ذاته رغماً عنه. سواء بقرارك الابتعاد عنه أو بقرارك إنهاء حياتك. الأمر سواء.

يقودنا ذلك إلى أنك ينبغي أن لا تعطي ذاتك وتأخذ من ذات من تعرف أنك ستبتعد عنه – ربما.

تحديث 10/7/2016: قرأت المقطع التالي في رواية إرحل قبل أن أنهار وشعرت بأنه يعبر عن شي مما كتبته هنا

ارحل قبل أن أنهار