عن الذكاء الاصطناعي الحقيقي

هل يمكننا إنتاج وعي حقيقي؟

السؤال يدور في فلك الذكاء الإصطناعي. قناعتي الشخصية التي أعتقد أنها لن تتغير لسبب سأوضحه هي “لا”. والسبب بسيط للغاية.

بداية يمكن أن نقول عن مجموعة أسطر برمجية بأنها ذكية نوعاً ما إذا كانت تستجيب بشكل جيد لأسئلتنا. برامج (تحدث مع الكومبيوتر) التي كنا نشغلها في بداية حقبة ظهور الحواسب الشخصية كانت من ذلك النوع، كأن تسأل البرنامج عن اسمه فيخبرك باسمه ويعود ليسألك عن اسمك وهكذا. وعندما تسأله سؤالاً لا يملك له استجابة معينة يقوم هو بطرح سؤال عليك كنوع من التهرب الذكي من سؤالك الذي لا يملك جواباً له. هذه الاستجابة البسيطة تُعد حركة ذكية من مبرمج البرنامج ليُظهر لك البرنامج على درجة ما من الذكاء. أو سيخبرك ببساطة بأنه لا يعرف. (هذا الكلام بُعبر بشكل ما عن اختبار تورنغ).

برأيي الشخصي أن التقدم الحاصل في هذا المجال هو زيادة في التعقيد فحسب. أي أن المبدأ يدور في نفس الحلقة وما حدث هو أن قاعدة بيانات البرنامج أصبحت ضخمة كفاية لتجيب عن أي سؤال. ومع تعزيز وتطوير النواحي الخاصة بإظهار البرنامج لمظهر الذكاء الحقيقي والتي بدوها أصحبت متقدمة جداً (متقدمة من ناحية الضخامة فقط).

كل هذا يعني أن استجابة البرنامج أصبحت أفضل فقط لضخامة القاعدة التي أصبح يستند عليها. لا تحول جوهري آخر. بمعنى أن استجابة البرنامج يمكن توقعها بمعرفة طريقة عمل البرنامج (أي بالاطلاع على أسطره البرمجية). وما دمنا قادرين على توقع النتائج بمعرفة الخوارزمية فأنا أعتقد أنا هذا لا يمكن تسميته بالذكاء الاصطناعي الحقيقي.

المعيار الحقيقي بالنسبة لي لما يمكن تسميته بالذكاء الاصطناعي الحقيقي هو عدم قدرتنا على توقع نتائج خوارزمية هذا الحاسب رغم معرفتنا لتلك الخوارزمية.

بمعنى أنه يمكننا الوصول للذكاء الحقيقي عندما لا نستطيع نحن توقع استجابة البرنامج رغم معرفتنا لأدق تفاصيل طريقة بناءه – وهذا أمر مستحيل لأننا من يبرمج البرنامج ويضع له طريقة عمله. ما يحصل مع تقدم الزمن هو زيادة التعقيد فقط. وهذا يجعلنا نظل نسير في نفس الشارع. شارع الذكاء الاصطناعي الغير حقيقي. كل ما يحدث هو أننا نزداد سرعة لا أكثر.

المعضلة تكمن في أننا بحاجة لصناعة شيء لا نعرف كيف يعمل وهذا من ناحية المنطق أمر مستحيل. لذلك أعتقد شخصياً أننا لن نصل لذكاء اصطناعي يضاهي الحقيقي. أي أننا لن نصل لوعي حقيقي. كل ما سنصل له زيادة في مستويات التعقيد لا أكثر. بمعنى أنك تستطيع أن تسمي هذه الآلة بالذكية لكنك لن تسميها بالواعية. ذكاؤها هنا لا يعبر عن الوعي وإنما يعبر عن براعة في كتابة الخوارزمية.

قد يحصل وأن نبني خوارزمية تستطيع تعليم نفسها أشياء جديدة والتصرف بناء على ما تتعلمه، ولكن في النهاية نحن نستطيع توقع ما يمكن لها أن تتصرف به بناء على معرفة كل المدخلات التي قامت بمعالجتها.

ولكنك قد تسأل السؤال التالي: ماذا تقصد بالوعي الحقيقي؟ كلمة الحقيقي هنا ماذا تقصد بها. قد أجيبك بأن أقول: وعي يشبه الوعي الذي أمتلكه أنا. والذي أفترض أنك تمتلكه. هذا سيقودنا لمشكلة وهي كيف تعرف أن الوعي الذي أمتلكه أنا هو نفسه الوعي الذي تمتلكه أنت؟ كيف لك أن تعرف مثلاً أن الآلة التي أمامك (عندما لا تكون مطلعاً على طريقة عملها) تمتلك وعياً حقيقاً بالمعنى الذي سبق؟

هنا وقبل الخوض في معنى كلمة حقيقي هذه يجب أن نميز أني عندما أقول حقيقي فأنا أقصد الجوهر لا غير. بالنسبة لاختبار تورنغ الذي يتعامل مع المظهر الخارجي فقط دون أن يُعنى بالجوهر فالموضوع مختلف. لذلك لا بد لنا من الاتفاق على قاعدة ما.

القاعدة تقول بأنه صحيح أنك لا يمكن أن تعرف فيما إذا كان وعيك هو نفس وعيي أو طبيعة وجوهر ذكائك هو نفس طبيعة وجوهر ذكائي ولكن لا مشكلة في أن نتفرض أنك صاحب الوعي الوحيد في هذا الكون. أو أن أفترض أنا أني صاحب الوعي الوحيد في هذا الكون. وبناء عليه يجب عليك فقط أن تصدق أني ذكائي حقيقي. وبعدها تبدأ تعرض علي الآلات التي تبتغي إقناعي بأنها ذات ذكاء اصطناعي حقيقي. هذا الإيمان هو الوحيد الذي يجب أن تأخذه دون دليل – لأنه لا سبيل لحل هذه الإشكالية أبداً.

لماذا؟ لنفترض أننا وصلنا لمرحلة متقدمة من التقنية بحيث صار ممكناً أن أطلع على طريقة تفكيرك. أي أن وعيك يمكن أن ينتقل لوعيي. ولكن هنا ستبرز الإشكالية التالية: عندما ينتقل وعيك لوعيي تماماً (عبر مجموعة أسلاك مثلاً) وعندما نصل لدرجة 100% من انتقال وعيك لوعيي فنحن هنا أمام مشكلة وهي أنه لن يعود بالإمكان التمييز بيني وبينك!. أي كيف سأشعر بنفسي بـ 100% وأشعر بك بـ 100%؟! الأمر مستحيل تماماً حتى لو توافرت التقنية اللازمة لنقل شعورك لعقلي. لأننا هنا صرنا شخصاً واحداً لا شخصين. أي لست أنا الذي أحاول أن أعرف هل أنت تفكر كما أفكر أو تشعر كما أشعر.

يمكن تبسيط هذه الفكرة بالمثال التالي: لنفترض أن أمامك مكعبين من البلاستيك. هذان المكعبان يمثلان كينونتين مختلفتين. هما أنت وأنا. إذا أردت أن أحاول أن أتقمص عقلك لأرى كيف تشعر أنت فيجب أن يكون التقمص 100%. لنرى ماذا سيحصل في حالة المكعبين. لنفترض أن المكعبين متشابهين تماماً في كل شي. لكن مالذي يجعل منهما بالنسبة لك كينونتين؟ الموقع. صحيح؟ فهما بالنسبة لك يقعان في موقعين مختلفين وهذا يعطي لأحدهما صفة مختلفة عن الآخر. أي أننا إذا وضعنا جدولاً فيه كل صفات هذين المكعبين فإن أحد حقول هذا الجدول ستختلف ما يجعل من كل منهما كينونة مستقلة.

إذا افترضنا أنهما يشتركان بالموقع أيضاً! وبدون الخوض في موضوع الذرات وما إلا ذلك (واتجاه دوران السبين…) سنفترض أن خواصهما تشابهت تماماً حتى على مستوى الموقع. هنا ألا تلاحظ أنهما أصبحا كينونة واحدة؟! مالذي يجعلنا نعقتد بأنهما لا زالا كينونتين مختلفتين؟ لن تستيطع ولا دليل على ذلك أبداً. ولا يمكن بطبيعة الحال التمييز بينهما. أي أنهما أصبحا شيئاً واحداً.

بالمثل عندما أتقمص عقلك بنسب 100% فلا أستطيع حينها الحكم على عقلك وهل هو يفكر كما أفكر أنا. لأني لأفعل ذلك فأنا بحاجة لجملة مقارنة والتي هي عقلي ولكن عند اكتمال التقمص لن يعود بوسعي معرفة ما أردت معرفته.

إذاً لا يمكن لي بطريقة علمية أن أتأكد أن وعيك يماثل وعيي أبداً لأني سأخسر وعيي في سبيل ذلك، وبدونه لا أستطيع الحكم على وعيك لأنه جملة المقارنة المطلوبة لذلك الحكم. الأمر مستحيل تماماً. إذاً لا بد لنا من الإيمان – الإيمان بأننا نتملك وعياً متشابهاً.

يمكن لبيان المشكلة مثلاً أن نعكس التجربة: تخيل أن أقول لك بأني لست إنساناً حقيقاً إنما أنا آلة. هل لديك طريقة تستطيع بها التأكد من أني آلة؟ لو فكرت بهذا السؤال ستجد أنه بالمثل لا طريقة ولا سبيل لذلك.

إذاً الذكاء الاصطناعي الحقيقي يتعلق بالجوهر الذي تُبنى على أساسه الآلة. بالنسبة لما نصنعه فهو لا يماثل بحال من الأحوال ذكائنا الذي يمكن أن نصفه بالواعي. فالآلات اليوم يمكن وصفها بالذكية لكن لا يمكن وصفها بالواعية. ولا أعتقد بأننا سنصل لمستوى يمكن أن نقول فيه عن آلة ما أنها واعية. يتبع.

One comment on “عن الذكاء الاصطناعي الحقيقي

  1. تعقيب: TED: Can we build AI without losing control over it? | منارة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s