عن الوعي والإرادة الحرة

كنت قد كتبت في تدوينة سابقة عن ضرورة وجود عنصرٍ لا ينتمي لعالم المادة المحسوس فينا لكي ننسب إليه العناصر الفوق مادية التي ننتجها. فمثلاً لا يمكننا أن نعزو الفن والإبداع الفكري كالشعر مثلاً لمجرد إشارات عصبية تدور بين خلايا الدماغ. وأشرت (كما أعتقد) بأن هذا العنصر يستطيع توليد عشوائية صرفة بمعنى أنه فوق قانون السببية. فلا يمكن أن نعزو ما ينتج عنه لأسباب مادية على الأقل. هذا العنصر (بالنسبة لي) هو الروح. والتي هي أنت الحقيقي بمعزل عن هذا الجسد. بمعنى أن هذه الجسد ليس إلا وعاء لتلك الروح لا تفنى بفنائه ولا يتعلق وجودها به.

إن لم تكن تؤمن بوجود هذا العنصر (بغض النظر عن اسمه) فهذا يعني أنك أمام أن تعترف بأننا محكومون بالسببية وأنك وكل إبداعاتك وكل إبداعات البشر منذ الأزل ما هي إلى نتائج حتمية للوضعية التي كانت عليها الذرات (أو مكوناتها) في لحظة الإنفجار العظيم. أي أنك لست إلى تمثيل لنتائج تلك الوضعية التي كانت عليها تلك الذرات في تلك اللحظة. ووعيك هذا التي تحس به ليس إلا وهماً تتخيله.

من الصعب الاعتقاد بذلك، ويميل جميع البشر باختلاف مذاهبهم وعقائدهم للاعتقاد بوجود هذا العنصر الروحي فينا والذي نعزو إليه كل ما نحسه ونشعر به ويصدر عنا من إبداع فكري.

إذا كنت تعتقد بوجود الوعي لدى البشر وترفض أن تعزوه لعنصر فوق مادي (لا يخضع لقوانين المادة) فليس أمامك حل سوى أن تقول بأن هذا الوعي ناتج عن التعقيد في بنية الدماغ البشري. أي أن مستوى التعقيد الهائل في أدمغتنا يسمح بظهور هذا الوعي. ولكن هذا الاعتقاد بدوره يترتب عليه نتائج لا يمكن تصور أبعادها ولا أعتقد أنك مستعد لأن تقبل بها بالمقابل.

فقولك بأن هذا الوعي ليس إلا نتيجة للتعقيد الهائل في مستوى الدماغ يعني مثلاً أن باستطاعتنا في وقت لاحق مثلاً بناء نموذج محاكي لدماغك تماماً (مع اختلاف المكونات) وهذا بدوره يعني أن هذه المحاكاة على الكومبيوتر (عندما تصل لمستوى التعقيد الكافي والمماثل لدماغك) سينتج عنها وعي مماثل تماماً لوعيك. أي أننا استطعنا بذلك توليد نسخة طبق الأصل عن وعيك مع اختلاف المكونات. ليس هذا فقط بل نستطيع لاحقاً ونتيجة لذلك نسخ هذا البرنامج (المحاكي لبناء دماغك) وتخزينه على وحدة تخزين رقمية ما. هنا سنكون قد صنعنا نسخة من وعيك أيضاً ولكنها بوضعية السبات. بمعنى أنها لا تعمل ولكنها نسخة حقيقية عنك، عن وعيك. وبإدراج وحدة التخزين هذه في حاسوب مناسب يمكن لهذا الحاسوب أن يقرأ التعلميات الموجودة فيها ويحاكيها مباشرة وبذلك يعمل وعيك وكأنه بعث من رقاد.

لا شك أن مثل هذا السيناريو مستبعد تماماً ففكرة الاعتقاد بأن هذا الوعي ناتج عن التعقيد فقط فكرة ساذجة وينتج عنها نتائج لا يمكن لصاحب الفكرة أن يقتنع بها.

يبقى هناك احتمال آخر وهو العشوائية المشاهدة على المستوى الكمومي. أي أن هناك احتمالاً بأن يكون هذا الوعي الذي نحسه ناتجاً عن حوادث كمومية تحدث في الدماغ المعقد. أي أن اجتماع التعقيد ومصدر للعشوائية (من المستوى الكمومي) يُنتج لنا هذا الوعي. هذا التفسير أيضاً ينطوي على نتائج قد لا ترغب بالإيمان بها.

فهذا على سبيل المثال ينطوي على أن وعيك هو عشوائي بمعنى أنك لا تستطيع التحكم به، لأنك لا تملك التحكم بالعشوائية التي تحدث (كما لا أعتقد) على المستوى الكمومي. وهذا يعني عدم وجود إرادة حرة إنما وهم بالإرادة الحرة.

إذا لا بد من الاعتقاد بوجود عنصر لا مادي غير خاصع لقوانين هذا الكون يمثل ذاتنا الحقيقية وهو بالنسبة لي يعادل الروح.

الآن بعد الانتهاء من هذه النقطة نتعرض لإشكالية أخرى. من أين تأتي أنت؟ مالذي يشكل وعيك الذي تعرفه الآن أنت؟ مالذي ساهم بتشكيلك؟ هل هي الحوادث والتجارب التي تعرضت لها هي التي شكلت وعيك أم أن فيك شيئاً أصيلاً كان له الدور الأكبر في تشكيل وعيك كما تعرفه الآن؟

لتوضيح هذا السؤال يمكن أن نسأل أسئلة أخرى. في هذه الدنيا هناك أناس سيئون وأنا طيبون. هؤلاء الأناس السيئون مالذي شكلهم بهذه الطريقة؟ هل هناك شيء سيء في ذاتهم أم أن التجارب التي تعرضوا لها هي التي ساقتهم في هذا الطريق؟ بمعنى هل تصرفاتهم السيئة مبنية على شيء أصيل في أرواحهم أم أن ما تعرضوا له فقط هو الذي شكل هذه العناصر السيئة في ذواتهم؟

هل الشر اختيار يقوم به الإنسان أم أن هناك شيئاً في داخله مبني على الشر فيكون تصرفه الشرير ليس سوا قدره؟! هل ولد الأشرار بشرهم أم اكتسبوه من المجتمع حولهم؟

حتى نتمتع بإرادة حرة مطلقة يجب أن نولد ومعنا شيء يُعبر عنا – شيء ما يمكن أن نقول عنه ذاتنا أو نواة ذاتنا. عندها نسأل مجدداً هل يولد البشر بذوات متشابهة؟ لأن متقضى العدل يقتضي ذلك. وهذا يقتضي أن الشر في بعض الناس كله مكتسب من البيئة التي حولهم. ولكن أليس بعض الناس يختارون الانجرار وراء هذا الشر. أي أن البيئة عندما تحاول أن تؤثر عليهم أليس لديهم الخيار لمواجهة هذه الظروف وعدم اكتساب الشر؟

الإشكالية التي أريد التعبيرعنها هي كالتالي: حتى نكون أصحاب إرادة حرة مطلقة يجب أن يكون لنا ذات تشكلها معزول عن الواقع وعن تجاربه. ولكن هنا تبرز الإشكالية وهي من يقرر هذا القسم من ذاتنا؟ ومن يقرر كيف يكون؟ هذا يقتضي أن جزءاً منا مسبق البرمجة قبل أن نبدأ بالاختيار. وهذا يؤثر على خياراتنا التي ستؤثر على بناء ذاتنا في المستقبل. وإذا ولدنا من دون هذا القسم من ذاتنا فهذا يعني أن الظروف هي التي تتحكم بنا وليس نحن!.

One comment on “عن الوعي والإرادة الحرة

  1. تعقيب: TED: Can we build AI without losing control over it? | منارة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s