لقيطة اسطنبول Elif Shafak

رواية

Super1site_V_500_10(16)

رواية لقيطة اسطنبول – إليف شافاق

هل أنصحك بقراءة هذه الرواية؟

ABSOLUTELY NO

هل صادف وشعرت وأنت تنظر إلى لوحة فنية لفنانٍ عالمي مشهور تباع في المزاد العلني بآلاف الدولارات – هل صادف وشعرت بأن اللوحة تفاهة جداً واستغربت كيف ينفق الناس أمولاً طائلة على مثل هذا الهراء! (ربما تكون اللوحة لبيكاسو مثلاً وهي عبارة عن مثلثات وما أشبهه ولكنها تباع بسعر قد لا تستطيع أنت جمعه في كل سنين حياتك المهنية!! – نعم هذا ما يحدث فعلاً!. والأسوأ أنه في بعض معارض الفن الحديث تباع لوحات فارغة بمثل هذه المبالغ الخيالية أيضاً – ابتسم يا صديقي فأنت تعيش في العالم!).three-musiciansThree Musicians by Pablo Picasso

يشبه الأمر الشعور الذي قد تشعره بعد أن تنهي رواية ما لكاتب مشهور ولكن هذه الرواية تشبه تلك الصور المثلثية الشكل لبيكاسو!!. فرغم أن الكاتب مشهور جداً إلا أنك تشعر بأن الرواية أتفه من أن تستحق القراءة! وأنك بعد أن قرأتها تستغرب لماذا وكيف قررت قراءتها!.

من قال أنك يجب أن تقرأ في الأدب التركي إذا كنت تعيش في تركيا! من زرع تلك الفكرة الغريبة في رأسك!! – تباً!.

يحدث الأمر نفسه في الرسم كما في الرواية. فقد يكتب كاتب رواية وتحظى بشهرة واسعة وتكون الرواية جيدة وربما رائعة وتحظى بالقبول لدى شريحة واسعة من الناس. لكن ما يحدث هو أنه ربما يبدأ الكاتب في كتابة رواية أخرى وسيضطر الناس للإعجاب بها رغم أنها قد تكون سيئة جداً – ولكن متلازمة الكاتب المشهور ستغلب على حكمهم على الأغلب ولن يجرؤ أحد على انتقاد الرواية والحط من شأنها أو على الأقل لن يعبر عن رأيه. وبذلك وبعد رواية ناجحة تصبح كل روايات الكاتب ناجحة بالقدر نفسه! ونحن من ندفع الثمن – نحن من يقرؤها!.

هذا ما حدث معي في قراءتي في الأدب التركي – لكاتبة مشهورة، الكاتبة إليف شافاق والرواية لقيطة اسطنبول.

يحدث أني أكاد أقسم لنفسي بعد مثل هذه الروايات أني لن أقرأ رواية بعد اليوم – وهذه الرواية من تلك الروايات! – فقد كدت أقسم!. ربما قراءة الروايات هي فعلاً مغامرة لا يمكن التنبؤ بنتائجها. فقد تقرأ رواية تحوز على أعلى التصنيفات ولكنك رغم ذلك تكرهها وتكره اللحظة التي بدأت فيها بقراءة هذه الرواية (حصل هذا معي عدة مرات). وقد تقرأ رواية بالصدفة وتكون غير مشهورة كثيراً ولكنها تمسّ فيك أشياء ريما لا تستطيع أنت أن تدركها لولا هذه الرواية، حيث تنقلك الرواية لتعيش أحداثاً تضيف الكثير لحياتك ولا يمكنلك أن تتكشفها بدون قرائتك لتلك الرواية.

قراءتي للرواية ستستمر لأني أحب فكرة أن تعيش قصة أخرى في مكان آخر في عالم آخر – ولكن لذلك ثمناً أدفعه كما حصل في هذه الرواية!. المشكلة هي حين يظن الكاتب أنه موهوب حقاً ويبدأ بكتابة كلمة من الشرق وكلمة من الغرب ويظن أنه مهما كتب أو أسرف في شيء ما فإنه سينال القبول لدى القراء لأنه ببساطة نال ثقتهم مسبقاً!. بسبب ذلك ستظل قراءة الرواية بالنسبة لي مغامرة لا يمكن التنبؤ بها أبداً.

هذه الرواية تتحدث عن قصة حياة فتاة لا أب لها تعيش في اسطنبول وعن أسرتها وأمها التي تدعوها خالتي وعن قصة فتاة أخرى وكيف تتداخل القصتان معاً. ربما هناك شيء مشترك بالأدب التركي (أقول ربما لأن ماقرأته حتى الآن ليس سوى بضع روايات) وهو أن الكاتب يظل يوهمك بأن الأحداث المهمة قادمة في الفصل التالي ويظل الكاتب يدج لك سيناريوهات وتفاصيل غريبة تشعرك بأن لها أهمية في الحبكة الروائية والمعالجة التي سيعالج بها أحداث الرواية – تظل تشعر بهذا الشعور حتى تتفاجىء بانتهاء الرواية دون أن تفهم المغزى من كل تلك التفاصيل ودون أن تخرج بعالجة موضوعية لقضية شائكة طرحتها الرواية!. حدث ذلك على مستوى أعلى في الرواية السابقة إرحل قبل أن أنهار!.

وفي خضم الرواية تتحدث الكاتبة عن عدة قضايا تخص المجتمع التركي، ولكن هناك موضوعان يبرزان لك بشكل مباشر لدى قراءتك لأحداث الرواية:

• الأول هو الانقسام الموجود في المجتمع التركي بين محاولة مواكبة الحداثة بشكل أعمى وبتقليد أعمى وبين المحافظة على أصالة وثقافة هذا الشعب.

• والثاني هو قضية المجازر الأرمنية وقضية عدم اعتراف الأتراك بها.

قضية الانقسام في المجتمع التركي قضية يمكن أن تلحظها بشكل واضح تماماً إن زرت تركيا. قضية اللحاق بركب الحداثة قضية معقدة ومركبة وتتعامل معها الدول والثقافات بشكل مختلف. طبعاً ربما تسأل ما هي الحضارة وما هي الثقافة والحداثة؟ ما أقصده هو ببساطة أن هناك دول تحاول اللحاق بركب الدول المتقدمة علمياً وبمظاهر هذا التطور الذي يمكن أن نسميه بالحداثة. ولكن المشكلة تكمن في أن بعض الدول تنهج النموذج الأعمى لهذا اللحاق بركب التطور.

فلكل مجتمع هوية ثقافية تراكمت عبر السنين وشكلت له هويته المميزة. هذه الهوية تعتبر الإرث الذي يجب على كل مجتمع أن يحافظ عليه كما يسعى كل منا للحفاظ على شخصيته مستقلة عن الآخرين. ومرور السنين لا تكوّن فقط الهوية الخاصة بالمجتمع بل تغير أيضاً من تفاعله مع الكون من حوله وذلك عبر تطور هذا التفاعل بما نسميه الثورة العلمية التي تمكننا يوماً بعد يوم من الاستفادة أكثر فأكثر من الكون من حولنا – وهذا هو التطور والحداثة. في المجتمع الغربي الذي يمثل اليوم رائد الحداثة كانت الهوية الثقافية والتطور العلمي يتمازجان على طول الطريق حتى وصل المجتمع الغربي لحالته اليوم، لهذا التماذج مظاهر تمس الحياة اليومية للشعب هي مظاهر الحياة الغربية.

هوية مجتمع غربي (تشكلت عبر السنين) + تقدم علمي = حداثة (تطويع للكون) + مظاهر حداثة غربية (تمس مظاهر الحياة وتفاصيلها)

الآن لنفترض وجود دولة ما تريد اللحاق بركب التطور. هذه الدولة حتماً تمتلك هوية ثقافية لأن هذه الهوية تتشكل تلقائياً مع مرور الزمن. الواجب عليها استقدام أساليب التقدم والتطور من المجتمع الغربي. وهذا متاح للجميع لأن العلم متاح للجميع. الخطوة التالية هي محاولة المزج بين التقدم العلمي وهوية هذا المجتمع وما سينتج هو حداثة مع مظاهر حداثة خاصة بهذا المجتمع.

هوية مجتمع شرقي + تقدم علمي = حداثة علمية (تطويع للكون) + مظاهر حداثة شرقية

المشكلة التي تحدث هي أن الدول الشرقية والعربية منها خصوصاً بدأت فعلياً باستيراد المناهج العلمية والمقررات الدراسة ويعد ذلك خطوة في سبيل الوصول للتقدم العلمي ولكن المشكلة هي أنها لا تنتظر المعادلة السابقة لتأخذ وقتها وتخرج لنا بمظاهر حداثة خاصة بهذا المجتمع ومتماشية مع قيمه وعاداته وتقاليده – ولكنها عوضاً عن ذلك استوردت أيضاً (مع العلم ومناهجه وأسانيده) مظاهر الحياة الغربية الحديثة!. وبالنظر إلى ماسبق ترى أن هذه تعد أغبى خطوة يمكن لدولة أن لشعب أو لحضارة أن تقدم عليها!. وهي استيراد النتائج بدل القيام بانتاجها!.

والمشكلة الأكبر أن البعض يكتفي باستيراد النتائج ومظاهر الحداثة ظناً منه بأن ذلك كفيل بنقل الحداثة إلى تلك الدولة! وتتربع الدول العربية على عرش هذه الدول وبالأخص منها الدول النفطية دون تمييز!.

بالعودة للقضية التركية فلا يمكن تشبيه تركيا بالدول العربية النفطية فهي تمتاز بصناعة وقدرات علمية قوية جداً، فمنذ وقت ليس ببعيد عن هذا التاريخ بدأت تركيا بانتاج البندقيةالخاصة بها واختبارها وهي خطوة لا تزال الدول العربية بعيدة عنها مئات السنين!. ولكنها من ناحية أخرى ومع استيرادها للعلم وأساليبه إلا أن هناك اتجاهاً موازياً يحاول أيضاً أن يستورد مظاهر الحداثة الغربية بكل تجلياتها!.

هذه الخطوة قام بها وبدأها مؤسس الدولة التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك. وكان من خطواته في هذا السياق أنه استبدل الحروف التي كانت تكتب بها اللغة التركية (وهي الحروف العربية) بالحروف الإنكليزية! ويقول المفكر الإسلامي على عزت بيجوفيتش معقباً على هذه الخطوة بأنها فصلت وفصمت الشعب التركي عن كل تراثه المكتوب بالأحرف العربية!.

ولا شك أنه هذه الخطوة كانت مدفوعة بقناعة غبية (برأيي) بأن استيراد مظاهر الحداثة أمر ضروري للحاق بركب الحضارة. ناسين أن هذه المظاهر هي نتائج لمعادلة لها مدخلات معينة. اختلاف المدخلات سيعني حتماً اختلاف المخرجات!! فالشعب التركي ليس له نفس الإرث الثقافي للمجتمع الغربي وبالتالي فإنه عندما يبدأ السير في طريق الثورة العلمية فإنه سينتج مظاهر حداثة خاصة به ومتميزة عن غيره ومتماشية مع عاداته وتقاليده وإرثه الحضاري.

تحدث المشكلة ويحدث الانقسام عندما تستورد العلم ومظاهر التطور معاً وبشكل أعمى!. فالمعادلة السابقة ستعطي مخرجات حتماً ومخرجاتها هي عبارة عن مظاهر تطور متماشية مع المجتمع التركي – ومع وجود مظاهر الحداثة الغربية المستوردة نسخاً ولصقاً سيحدث الصدام بين المظاهر المنتجة محلياً بشكل طبيعي وبين المظاهر المستوردة من مجتمع آخر!!.

لماذا لم تعجبني الرواية

عندما يتحدث كاتب عن مجتمع ما ويحاول رسم صورة واضحة لهذا المجتمع فهو يحاول أن يبرز أكثر القضايا التي تهم هذا المجتمع. وإلى حد كبير نجحت الكاتبة في إظهار أبرز سمتين للمجتمع التركي وهي الانقسام بين الحداثة والأصالة والقضية الثانية هي قضية شائكة في السياسة التركية وهي مسألة الاعتراف بالمجازر الأرمنية.

لكن في هذا السياق مالذي يضطر الكاتبة لذكر أجزاء خاصة جداً من حياة شخصيات الرواية كتوصيف لقاء جنسي بين شخصيتين من شخصيات القصة؟ وهل هذا التوصيف يخدم شيئاً في سياق الرواية؟! هل يصب في ذلك في سياق توصيف المجتمع التركي ومحاولة إبراز علاج لتلك المشاكل؟ هل هذه العلاقات جزء طبيعي من نسيج المجتمع التركي؟

أم أن الكاتبة لم تعتبر تلك الحوادث مشاكل أساساً وكان وصفها لمثل تلك اللقاءات في ثنايا الرواية أمراً طبيعياً باعتباره سلوكاً طبيعياً لدى الشخصيات وبالتالي سلوكاً طبيعياً لدى أفراد المجتمع التركي أو على الأقل أن الأمر طبيعي!.

يتوقف الأمر حقيقة على موقف الكاتبة من هذا السلوك. في مجتمعاتنا الشرقية المحافظة والتي لم تنزلق بعد بشكل كبير إلى هذه الأنواع الفجة من المظاهر السلوكية المستوردة نسخاً ولصقاً من طبيعة حياة المجتمع الغربي المبني على الفردانية وفيه تعتبر مثل هذه الأنماط السلوكية طبيعية بل وحتى حتمية في غياب الروابط الأسرية القوية التي تنبذ الفردانية وتعلي شأن المجتمع على شأن الفرد.

ولو افترضنا أن موقف الكاتبة هو ضد هذه المظاهر السلوكية فهل ذكرها بهذا الشكل هو خطوة في العلاج تحت مسمى توصيف الواقع أولاً؟ لا شك أن هذا الافتراض غير صحيح لأن الرواية لم تتطرق أساساً لأي شكل من أشكال معالجة هذه الأنماط السلوكية ولا حتى ذكرتها بشيء من النقد!.

هذه المشكلة وهي إظهار جزء من الحياة الجنسية للأفراد في الروايات وحتى في المسلسلات العربية في هذه الأيام تندرج أيضاً تحت التقليد الأعمى للغرب ومظاهر حياته. والمصيبة والطامة أن الإعلام العربي خصوصاً المرئي منه والمكتوب يحاول تصوير هذه السلوكيات الشاذة على أنها سلوكيات طبيعية في المجتمع الشرقي!.

قد يظن البعض أن هناك مؤامرة في هذا السياق تهدف إلى إفساد الشباب العربي ولكن هذه الرؤية السطيحة لن تعطي أية حلول لأنه من الصعب القبض على المتآمرين! ولكن السبب الحقيقي وراء مثل هذه الإنجرافات هي المشكلة السابقة الذكر والمتلخصة في التقليد الأعمى بدل انتظار مخرجات المعادلة المحلية!.

أحد تجليات المشاكل السابقة التي نراها في مجتمعنا العربي هي أنه تكاد لا توجد (إلا ما ندر) روايات مناسبة للهوية الثقافية الإسلامية لعدم وجود كتاب يعتزون بهذه الهوية أساساً!. فترى بعض الروايات تتسابق لتجريد الإنسان العربي من هويته الشرقية وأحلام مستغانمي وزيدان وغيرهم أمثلة على هذا الاتجاه!.

رحمك الله يا رافعي – لو أنك كتبت في الرواية لكنت سددت باباً سار فيه غيرك فأفسدوا!.

أدعو الله أن يتنبه من يستطيع أن يكتب في هذا المجال ممن يعتزون بهويتهم الإسلامية ليكتب ما ينفع جيل هذه الأمة إنه على ما يشاء قدير.

Screenshot_2016-07-25-18-48-16-1

Screenshot_2016-07-25-19-09-21-1 Screenshot_2016-07-25-19-43-28-1 Screenshot_2016-07-25-19-45-15-1 Screenshot_2016-08-10-20-47-31-1 Screenshot_2016-08-10-21-25-59-1 Screenshot_2016-08-11-05-37-39-1-1 Screenshot_2016-08-12-05-55-04-1