أفكار متفرقة (1) — إعادة ترتيب فقط؟

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

كنت قد خصصت مدونة صغيرة للأفكار الصغيرة Shadi Memo على أمل أن أترك هذه المدونة للأفكار التي تستحق تدوينات طويلة 🙂 فتبين لي أن معظم الأفكار تكون صغيرة ولكن يمكن أن نعتبرها بذوراً تستحق أن نرعاها لتتحول لأفكار متكاملة :). لذلك ربما أجعل تلك المدونة مخزناً لبذور الأفكار هذه وهنا نشتل شجيراتها.
في هذه التدوينات التي ستحمل عنوان أفكار متفرقة أحب أن أشارككم بعضاً من الأفكار التي أحب دوماً أن أبحث فيها.

إعادة ترتيب فقط؟

إذا نظرت لكل الأدوات من حولك والتي تساعدك في حياتك من أبسط الأدوات كالملعقة مثلاً إلى أعقدها كالحاسوب فيمكن ببساطة أن نقول عن هذه الأدوات: “إعادة ترتيب” لعناصر طبيعية بحيث نستفيد منها كونها تخضع لقوانين الفيزياء التي نعرفها. أي أن استفادتنا منها تتحقق بعنصرين:

1. الأول هو خضوع كل العناصر (المكونات) لقوانين كوننا (الثابتة).
2. كون هذه العناصر مرتبة بشكل معين بحث تتحقق منها فائدة ما (إعادة ترتيب).

مثال بسيط هوالآلة الحاسبة. هيكل الآلة الحاسبة هو هيكل بلاستيكي تم صبه باستخدام الحرارة (حيث أن البلاستيك تسهل قولبته بالحرارة – خضوع لقانون ثابت) ثم جرى الصب بشكل معين (إعادة ترتيب) ليصبح الهيكل مناسباً لما سيتم وضعه فيه. أي الأمر تم باستخدام العنصرين السابقين فقط وهما استغلال الخضوع للقانون وإعادة الترتيب.

المعالج في الآلة الحاسبة هو عبارة عن ترانزيستورات صغيرة transistors، الترانزيستور هو عبارة عن ترتيب معين لبعض العناصر نصف الناقلة بحيث تتصرف بشكل قاطع للدارة. إذا الترانزيستور هو إعادة ترتيب لبعض أنصاف النواقل (إعادة ترتيب أولى لتشكيل الترانزيستور الواحد) بغرض الاستفادة منها في قطع ووصل الدارة كونها تتبع وتخضع لقوانين ثابتة متلعقة ببنيتها. ومن ثم يتم وضع الملايين من هذه الترانستورات (إعادة ترتيب أخرى تتم على ملايين الترانزيستورات لتشكيل المعالج) بحيث تحقق هدف معين مطلوب في الآلة الحاسبة. (لاحظ وجود عدة مستويات لإعادة الترتيب سنتكلم عنها لاحقاً وسنسميها مستويات التعقيد والأهداف المرحلية التي تهدف لتحقيق هدف نهائي).
إذا في النهاية كل مافي الآلة الحاسبة هو عبارة عن استخدام لعناصر طبيعية مرتبة بشكل معين لتحقق هدف معين كونها تخضع لقوانين الكون الثابتة.

ولأن قوانين الكون ثابتة ومحققة دوماً نستطيع القول أن السر يمكن دائماً في إعادة الترتيب بشكل معين ليتحقق هدف معين. أي أن الحل دوماً لأي مشكلة (في البحث عن الأدوات) هو محاولة إيجاد الترتيب المناسب لا أكثر. وما تبقى سيتم بشكل تلقائي كون العناصر تخضع لقوانين ثابتة.
إذاً كل ما حولنا من أدوات نستفيد منها – تتحقق فائدتها لنا بفضل ترتيب معين خضعت له مكوناتها (التي تخضع بدورها لقوانين الكون) لا أكثر ولا أقل. الحل إذاً دوماً في إعادة الترتيب، أو لنقل إن العامل الكامن وراء الفائدة المحققة من أي أداة هو إعادة ترتيب.

حتى على صعيد الـ Software فإن أي كود برمجي ليس إلا إعادة ترتيب لمحارف معينة. كل البرامج التي تستخدمها ونظام التشغيل – كل شيء يحيط بك وتستفيد منه في النهاية هو إعادة ترتيب لعناصر موجودة مسبقاً وتخضع لقوانين ثابتة. هذان العنصران يُخلّقان الأداة والفائدة منها.

الشعر الذي تقرأه والقصص والكتب ليست إلى إعادة ترتيب للحروف بشكل معين بحيث تخلق هدفاً وفكرة معينة يوصله الكاتب إليك. أي أن أعظم الأبيات الشعرية على سبيل المثال ليست إلا إعادة ترتيب للحرف لا أكثر ولا أقل :)!.
خذ مثلاً هذه الأبيات الشعرية الرائعة من مطلع معلقة لبيد:

عفَتِ الدِّيـــــارُ مَحَلَّها فَمُقامُـــها *** بِمِنىً تَأَبَّـــد غَوْلُــها فَرِجامُــــها
فَمَدافِـعُ الرّيّانِ عُرِّي رَسْمُـــــها *** خَلَقاً كما ضَمِنَ الوحي سِلامُها
دِمَنٌ تَجَرَّمَ بَعْــدَ عَـهدِ أنيســــها *** حِجَجٌ خَلَوْنَ حَلالُها وحَرَامُــها
رُزقَت مَرَابِيعَ النجومِ وَصابَـها *** وَدْقُ الرَّوَاعِدِ جودُها فرِهامُها

لا مشكلة إن لم تفهم معاني الأبيات، فلغتنا العربية ليست للأسف بالمستوى المطلوب لفهم هذه الأبيات الشعرية الرائعة المعنى (يمكنك أن تقرأ معناها في كتب شرح المعلقات وأجملها كتاب شرح المعلقات للزوزني).

إذاً لبيد أذهلنا بمعاني هذه الأبيات ودقة وصفه بمجرد إعادة ترتيب لبعض الحروف لا أكثر ولا أقل. طبعاً الموهبة موجودة لديه لكن في النهاية المنتج الذي بين أيدينا ليس إلا إعادة ترتيب، أي السر (موهبته) هي في قدرته على إيجاد ترتيب معين للحروف بحيث تعطينا هذه المعاني الرائعة.

القرآن الكريم كلام الله سبحانه وتعالى، هو إعادة ترتيب معينة بحيث ينتج منها هذه الآيات الكريمة المعجزة في معانيها!.
إذاً كل شيء من حولنا هو إعادة ترتيب لعناصر معينة (عناصر مادية أو غير مادية كالحروف والأكواد البرمجية…). ولا يخفى عليك في كل ما سبق وجود من يقوم بهذه المهمة – إعادة الترتيب. أي أن إعادة الترتيب هذه ليست ذاتية أو تحصل من تلقاء نفسها، إنما هناك من يقوم بهذه المهمة وفي “وعيه” هدف معين يسعى لتحقيقه من إعادة الترتيب هذه – بمعنى أن إعادة الترتيب هذه تهدف مسبقاً وقبل تخليق الأداة لتحقيق هدف معين.
يتأتى لنا من كل ما سبق وجودة عدة عناصر لأي آلة أو أداة أو منتج ذو قيمة:

• عناصر ومكونات مادية أو غير مادية.
• قوانين ثابتة تخضع لها المكونات السابقة.
• فاعل يقوم بفعل إعادة الترتيب.
• هدف معين موجود في “وعي” الفاعل يسبق تخليق الأداة أو المنتج.

كما يجب أن نلاحظ وجود عامل مهم موجود في أي أداة أو منتج ذو قيمة، وهي وجود عدة مراحل للتعقيد (إعادة الترتيب) يكون لكل منها هدف مرحلي مستقل واجتماعها يحقق الهدف المرجو من الآلة أو المنتج ككل. لتوضيح هذه الفكرة نعود لمثال الآلة الحاسبة.

ففي مثالنا الآلة الحاسبة نجد أنها مكونة من عدة أجزاء لكل منها بدوره أجزاء فالشاشة مثلاً مكونة من رقائق مرتبة (إعادة ترتيب مرحلية) بطريقة معينة لتصلح لإظهار الأرقام بشكل معين، ولوحة المفاتيح أيضاً لها أجزاء متعددة تتعاون لإيصال المدخل الرقمي للمعالج الذي هو بدوره مؤلف من عدة أجزاء تعمل معاً لتحقيق هدف معين. نلاحظ هنا وجودة عدة مستويات للتعقيد وما نقصده بمستويات التعقيد هنا هو أن الصانع (الفاعل الذي يقوم بإعادة الترتيب) يضع الهدف النهائي في “وعيه” ويقوم بتصنيع الأجزاء التي لها أهداف مرحلية أصغر ولكنها في النهاية تصب في مصلحة الهدف النهائي للمنتج.

وكلما كان التعقيد أكبر في الآلة (كالحاسوب مثلاً) نجد أن مستويات التعقيد تكون كثيرة جداً. ففي الحاسوب نجد آلاف الأجزاء التي تؤدي مهام معينة (كونها مرتبة بطريقة معينة تخدم هذه الأهداف المرحلية) وكل هذه المهام الصغيرة تصب في النهاية في سبيل تحقيق الهدف النهائي من المنتج.

الهدف من كلامي السابق هو التأكيد على أن مستويات التعقيد مرتبطة حتماً بوجود “وعي” يقف وراء إعادة الترتيب هذه ويضع في اعتباره أن تحقق الأجزاء التي لها نتائج مرحلية، أن تحقق الغاية النهائية المنشودة من المنتج أو الآلة.
لتوضيح الفكرة أكثر نأخذ مثالاً يحتوي على مستويات بسيطة من التعقيد، كالقوس والسهم. فالقوس مؤلفة من قسم منحن ووتر يربط بين نهايتيه (إعادة ترتيب) تهدف إلى الاستفادة من خصاص الوتر (قوانين ثابتة) في دفع السهم الذي هو الجزء الآخر من المنتج. ولنأخذ مثالاً أخيراً مكون من مرحلة واحدة من التعقيد (إعادة الترتيب) وليكن مثلاً المسمار والذي هو عبارة عن حديد تمت إعادة ترتيب ذراته بحيث يأخذ شكلاً معيناً بحيث نستفيد منه في اختراق الجدار عند تطبيق ضغط معين على قمته. المسمار هنا يحتوي على مستوى واحد من التعقيد (إعادة الترتيب) وليس له أجزاء لكل منها هدف مرحلي معين تصب في مصلحة هدف نهائي، إنما هو له هدف واحد فقط كونه مؤلفاً من مستوى واحد من مستويات التعقيد.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن – هل الأمر نفسه ينطبق على المادة الحية؟
السؤال السابق يمكن تفريعه لعدة أسئلة جزئية:

• هل الحياة بأبسط أشكالها (خلية جرثومية مثلاً) ليست إلى إعادة ترتيب لعناصر طبيعية؟
• هل نشأ هذا الترتيب بالصدفة؟ إذا كان نشأ بالصدفة فهل نستطيع إعادة مجاراة نشأته؟ وإذا كان لا فمن المرتب؟ (هذا إذا كان الموضوع يقف عند إعادة الترتيب فيما يخص الحياة).
• هل الوعي (الخاص بأشكال الحياة الراقية) هو نتاج لإعادة ترتيب أيضاً أم أن له عناصر أخرى لم تُعرف بعد؟ وهل يمكننا تخليق وعي اصطناعي من إعادة ترتيب فقط؟

دعنا قبل الخوض في المادة الحية ننظر لمستويات التعقيد الموجودة في الطبيعة بشكل تلقائي (باستثناء المادة الحية).

فكر في السؤال التالي:

• ما هي الأدوات، المنتجات التي يمكن أن نجدها في الطبيعة من حولنا بشكل ذاتي؟ أي بدون أن يقف ورائها فاعل يقوم بإعادة الترتيب.
• بمعنىً آخر ما هي مستويات التعقيد التي يمكن أن تصل لها منتجات الطبيعة التي تتكون بالصدفة والعشوائية؟
• وبمعنىً آخر في ضوء عنوان الفكرة – ما هي مستويات إعادة الترتيب التي يمكن أن نجدها في الطبيعة؟ (باستثناء المادة الحية طبعاً).

سأترك هذه البذرة مفتوحة للتفكير وأتمنى أن أسمع رأيك فيها. إنظر إلى الطبيعة من حولك باستثناء المادة الحية وأخبرنا ما هي مستويات التعقيد التي يمكن أن نجدها.

2 comments on “أفكار متفرقة (1) — إعادة ترتيب فقط؟

  1. تعقيب: أفكار متفرقة (2) — هل الحياة إعادة ترتيب فقط؟ | منارة

  2. تعقيب: TED: Militant atheism | منارة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s