عن دور المرأة في حياة الرجل والمجتمع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

في زمن نعيش فيه أشد ما يمكن أن يمارس من إساءة لقضية المرأة من كل الأطراف، حتى من المرأة نفسها، ربما يشغل الكثير منا تحديد الأطر التي ينظر من خلالها لدور المرأة في حياة الرجل بشكل خاص وفي المجتمع بشكل عام.

في هذه التدوينة سأتحدث عن الإشكاليات التي تعاني منها صورة المرأة في المجتمع في وقتنا الراهن وكيف تنعكس تلك الإشكاليات في تحديد دور المرأة في المجتمع والأسرة على وجه الخصوص – وكل ذلك وفق رأيي الشخصي لا أكثر.

كيف نؤطر نظرة المجتمع للمرأة؟

تختلف النظرة جذرياً باختلاف المجتمع، فالوضع في الغرب ليس كما في الشرق، والوضع في الولايات المتحدة الأمريكية ليس كما في الهند ليس كما في الدول العربية السعودية مثالاً!. يختلف الوضع والوضع في كل منها ليس إلا نتيجة تراكمات لشروط وظروف قديمة لا تخلو من أخطاء تكون فادحة أحياناً، ولا يخلو مجتمع منها، كما لا يمكن لأي من المجتمعات أن يدعي أن نظرته لقضية المرأة تخلو من أجحاف لها! وذلك لدى كل الأطراف!.

لذلك قبل أن نخوض في قضية المرأة لا بد من الاتفاق على بعض النقاط التي يجب أن تأخذ حقها عند رسم صورة لدور المرأة سواء في المجتمع أو في الأسرة وتذكر أن ما ستقرأه هنا يعبر عن رأيي الشخصي في القضية.

لعل الاختلاف بين المرآة والرجل بنيوياً ونفسياً يكون في مقدمة النقاط التي يجب أن تنعكس على أي كلام يخوض في الموضوع. فحتى لو كما نبحث في القضية من منظور متجرد عن قيم المجتمع الذي ننتمي له، ونتحدث باسم العلم والتطور فقط فإن هذه الاختلافات لا يمكن إنكارها كما لا يمكن التحايل عليها وتجاهلها – ومن السفاهة أن يظن أحدهم أن الحديث في هذه النقاط هو تسطيح لقضية المرأة وحصر لها في طبيعة جسدها أو نفسيتها – فعلى العكس من ذلك لا يكون مراعاة كل ذلك إلا احتراماً للمرأة ومراعاة لجوانب حياتها، ولا يخفى على أحد المشاكل التي تعاني منها المرأة في المجتمعات التي لا تراعي حرمة لهذه الناحية أو تلك وتنطلق في مساواة مطلقة متحررة من أي قيود بين المرأة والرجل للدرجة التي بتنا نرى فيها نساء تقود شاحنات!. (وهنا لا اعتراض على القرار الشخصي الذي تتخذه المرأة في عملها إنما نتحدث عن المجتمع والظروف التي أحاجتها لذلك القرار!).

لذلك (وبرأيي) فإن مراعاة هذه الاختلافات بين الرجل والمرأة (سواء جسدياً أو نفسياً) يجب أن تشكل الأطر الأساسية التي ينطلق منها الأفراد ومن ثم المجتمع في رسم صورة منصفة لدور المرأة.

لو بدأنا بالاختلاف الجسدي فإن بنية المرأة المتعلقة بالإنجاب والإرضاع وطبيعة العلاقة النفسية بين المرأة والطفل – يجب أن تكون هي الإطار الذي يوجه المرأة على أن بداية دورها في بناء المجتمع ينطلق من اعترافها بدورها الأولي في رعاية الطفل. ومرة أخرى أقول أني لا أقزم ولا أحدد دور المرأة بناء على جسدها أو طبيعة عاطفتها، ولكني أحاول أن أقول بإن الإنصاف يقتضي أخذ كل ذلك بعين الاعتبار وليس الإنطلاق وراء شعارات المساواة العمياء بين الرجل والمرأة!.

بذلك يكون أول موجه لنا في رسم دور المرأة في المجتمع والأسرة هو تربية أطفالها والعناية بهم، وليس ذلك إلا لأنها هي الأقدر والأكفأ على ذلك من الرجل الذي تفرض عليه بنيته وطبيعته الجسدية والنفسية أدواراً أخرى في الأسرة والمجتمع على حد سواء. وهذا يقودنا باتجاه أن يكون بيت المرأة هو العرين الأول لها والملجأ من شرور تلك المجتمعات التي ولسخرية المفارقة تفترض أنها تدعو بحرية المرأة دون النظر إلى ضعف جسدها! ولكنها في المقابل لا تهتم إلى بتعريتها – قلباً وقالباً – وتجعل منها سلعة دخلت في كل شيء حتى في الإعلان عن المشروبات الغازية!.

لذلك فإننا في كلامنا هذا عن توصيف المنزل بأنه عرين للمرأة فهذا لا يتضمنأي تقييد لها ولحريتها، إنما على العكس من ذلك تماماً فيه كل المراعاة لنفسيتها وطبيعة بينة جسدها التي لا تقوى على مواجهة تيارات الحياة الجارفة التي تكون في بيئة العمل والتي لا يختفي أثرها عن نفسية المرأة بسهولة! بينما يكون أثرها أخف وأهون على الرجل الذي تسمح له طبيعته النفسية والجسدية بتحمل تلك الضغوط اليومية.

إذاً فإن مراعاة هذه النواحي في المرأة هي احترام لها وليس تقييد لحريتها – أنها خلقت (أو تطورت لا إشكال) بهذه الطريقة واحترام ذلك هو بالنهاية احترام لها ومساواة حقيقة بينها وبين الرجل – لأنه وكما يقول أحدهم ليس من العدل (أو المساواة) أن تطلب من سمكة وقرد تسلق شجرة وتدعي أن ذلك مساواة أو عدل بينهما!. الأمر نفسه ينطبق على النظر لقضية المرأة في المجتمع حيث إن المناداة بالمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة دون مراعاة الفروق بينهما لست سوى محض غباء أو قل إنه (إذا كنا نؤمن بنظرية المؤامرة:)) تستر على رغبة في جرها خارج المنل ليسهل بعد ذلك إغراقها في كل ما يطلبه منها “السوق” – فهي سلعة رابحة – وهي سلعة رابحة لأن السوق يراعي اختلاف جسدها ونفسيتها عن الرجل ويستفيد من كل ذلك – مزيد من السخرية!. أي أن السوق ينظر لهذه الفروقات التي نتحدث عنها ليس للوصول إلى عدالة ومساواة حقيقية بينها وبين الرجل، ولكن من أجل تحقيق “الربح“! لأن هذا السوق مجرد عن أية قيم تحكمه أو توجهه!.

أُطر أخرى لدور المرأة

ويأتي في المرحلة التالية لتحديد صورة واضحة لدور المرأة في المجتمع اختلاف المجتمعات نفسها والقيم التي تتبناها هذه المجتمعات. والتي بدورها تلعب دوراً في توجيه هذه المسألة وتحديدها – ولا يخلو الأمر من الانحراف بلا شك!.

فالقيم والإيديلوجيات التي تتبناها المجتمعات تلعب دوراً مهماً في تحديد الإطار العام لنظرة المجتمع للمرأة. على سبيل المثال المجتمعات التي تتبنى قيماً إسلامية تختلف تماماً عن تلك المجتمعات التي تتبنى شعارات التحرر من الدين!. وهنا أحب أن أشير إلى نقطة مهمة (تستحق تدوينة خاصة بها ولكني سأذكرها هنا بإيجاز لتعلقها بما نتحدث عنه هنا) وهي طبيعة مزروعة في البشر جميعاً بلا استثناء.

هذه الخصلة المزروعة فينا هي أننا نكره حقيقة أي تقييد لتصرفاتنا – لذلك ينظر الكثير (حتى من المسلمين أنفسهم) إلى موضوع الحدود التي يرسمها الإسلام لتصرفاتهم على أنها تقييد للحرية!. وفي هذه النظرة مزيج من الغباء والمادية الصرفة!. الغباء في تسطيح النظر للموضوع والمادية في كونها الغاية من هذه النظرة المسطحة والقاصرة – ففي نهاية الأمر ينظر من ينظر هذه النظرة للحدود بهدف إطلاق الحرية للجسد ليس إلا!. ولكن حقيقة الأمر أن التقييد موجود في كل مجتمع وفي أي منظومة قانونية تحاول تنيظم حركة الناس وليست حكراً على دين معين. ولكن الأمر هو أننا عندما نكره مافي دين ما من تقييد فإننا نعزله عن سياق المنظومات القانونية وننظر له كدين – وهذه مقارنة مغلوطة منطقياً!. فلا توجد على سطح الأرض منظومة قانونية تحكم حياة الناس لا تحتوي على تقييد لحركة الناس بطريقة أو بأخرى – وكون الإسلام يفرض بعض القيود على أشياء لا تعجب “ثقافة السوق في نظرته للمرأة” لا ينبغي أن يخرج الدين (الإسلام مثالاً) عن سياق المنظومة القانونية التي تحاول في النهاية ضبط حركة الناس – ويصبح النظر له من منظور آخر غباءً مطلقاً.

إذاً يمكننا القول بأن أي تقييد تفرضه أية منظومة قانونية (أو دينية في نفس السياق – سياق الحدود) هو تقييد يصب في مصلحة الكل – لأنه تقييد لك أنت (لصالح المجتمع) كما أنه تقييد للمجتمع كله (لصالحك).

لذلك وبناء على القيم والمنظومات الفكرية التي تتنشر في مجتمع ما فإن النظرة للمرأة تختلف بين المجتمعات ككل. ولا يخلو أي منها من الإجحاف بحق المرأة.

كيف أخطأ الغرب إذاً؟

أخطأت الثقافة الغربية في النظر لهذه القضية على عدة مستويات لعل أهمها هو المناداة بالمساواة المطلقة مع الرجل في كل شيء! وهذا الأمر جذاب للوهلة الأولى – إذ لا شيء يجذبك (عندما تكون مضطداً أو صاحصب قضية الاضطهاد) من المناداة بمساواتك “بالإطلاق” مع الطرف الآخر!. ولكنك عندما تنظر للاختلاف بين الطرفين وتنظر إلى أن هذه المساواة لا تراعي هذه الاختلافات تدرك حينها أن هذه الدعوى ليست إلى إيغالاً في الظلم لقضية المرأة للدرجة التي صرنا نرى فيها أدواراً لا تليق بالمراة – وكلمة لا تليق هنا لا تعكس أن أفكار مسبقة أتبناها شخصياً هنا – إنما تعني أنها لا تناسبها بسبب طبيعة بنيتها الجسدية والنفسية على حد السواء.

فتلك المجتمعات التي تتباهى بوجود المرأة في جيوشها (حتى في صفوف القتال كإسرائيل والقوى الكردية على سبيل المثال) لا تفعل شيئاً سوى الإيغال في ظلم المرآة بدعوة مساواتها مع الرجل – ولا تختلف مساواتها معه هنا عن طلبنا من السمكة والقرد القيام بتسلق الشجرة!. ولكن وهم المساواة المطلقة يغر كل قاصر نظر!.

كما أنهم ظلموا المرآة لأنهم أطلقوا الحرية للسوق أساساً بدون أية قيم تحكم حركته!. ولما وجد السوق في المرأة وسيلة ربح لا تقارن بأي شيء آخر استخدمها في كل شيء (وفعل ذلك لأنه غير مقيد أساساً بأية قيم!). فجعل منها سلعة أولاً كما استخدمها في تسويق كل سلعه على الإطلاق ثانياً!!!. (حتى أن المرأة تُستخدم في الدعاية والإعلان لكل ما يخطر لك). والسخرية أن السوق إنما يستفيد من الفروقات الجسدية والنفسية بين الرجل والمرأة – ليس في سياق المساواة – وإنما في سبيل الربح لا أكثر!.

مخاريط السياق والمقارنة

في نهاية هذه التدوينة أحب أن أشير إلى نقطة أجد أنها تسبب سوء الفهم في كثير من القضايا وقضيتنا هنا (وهم المساواة المطلقة) ليست استثناءً.

 الفكرة من هذا المصطلح هو أننا عندما نطرح بعض الأسئلة أو نناقش بعض الموضوعات كموضوعنا هذا فإننا نطرح السؤال أو القضية بدون أن تحديد أو تقييد لذلك السؤال أو الموضوع!. لننظر إلى الأسئلة التالية مثلاً:

  • هل تؤيد فكرة نشر الثقافة الجنسية في المراحل الثانوية والإعدادية من التدريس؟
  • هل تعتقد أ قيمة العالم تتساوى مع قيمة المجرم في الدول الديمقراطية؟
  • هل أنت مع المساواة المطلقة بين المرأة والرجل؟

هذه الأسئلة بطبيعتها تحمل بذور الاختلاف والتناقض لسبب بسيط وهي أنها مطلقة بشكل كبير – أي أنها عامة ولا تحتوي أية مقيدات أو محددات تسمح للشخص الذي يريد أن يجيب عليها بالتوجه الصحيح!. فكل شخص سينظر للموضوع من زواية خاصة به (مخروط سياق خاص به) ومن قيم وأفكار خاصة به (يتبناها مسبقاً) ثم يجيبك عن السؤال. يأتي شخص آخر ينظر للموضوع من زواية أخرى (مخروط سياق ومقارنة آخر) ويتبنى قيماً وأفكاراً مختلفة ليجيب بشكل مختلف عن الشخص السابق.

الاختلاف بينهما هنا لا يعني أنهما لا يتفقان على جواب لهذا السؤال، وإنما هو يعكس حقيقة أنهما نظرا للموضوع من مخروطي سياق مختلفين ومن الطبيعي هنا أن تكون أجوبتهما مختلفة. فالاختلاف في مثل هذه الأسئلة لا يعكس أي حقيقة عن اختلاف الآراء التي يتبناها الناس بقدر م يعكس اختلاف الزوايا التي ينظرون منها لهذا الموضوع أو ذاك. ولعلك إن حددت بعض الحدود لسؤالك كتحديد طبيعة الثقافة الجنسية مثلاً وطبيعة الموضوعات الواجب طرحها (وضعت حدوداً واضحة لسؤالك) لربما وجدت أن الشخصين الذين كانا مختلفين يتفقان ربما على جوابهما. وهنا كلما كان سؤالك محدداً كان اختلاف الأجوبة يعكس حقيقة اختلاف الناس أكثر وليس اختلاف الزاوية التي ينظر منها الناس للموضوع!.

وفي قضيتنا بالنسنة للمساواة بين الرجل والمرأة فإن الدعوى للمساواة المطلقة هي نوع من هذه الطروحات العامة والغير محددة بحدود واضحة ما يجعل الاختلاف وارداً جداً ويجعل منه غير معبر عن حقيقة نظرة الناس للموضوع!.

متى يحدث الانشقاق؟

يحدث الانشقاق غالباً عندما تهمل المرآة عن قصد أو بغير قصد (منجرفة وراء التيار) طبيعتها التي جُبلت عليها وتنساق وراء متطلبات المساواة العمياء بين الرجل والمرأة – فتراها ترتاد العمل الذي لا تقوى عليه لا نفسياً ولا جسدياً – محاولة إيهام نفسها بأنها قادرة على كل شي، وأن ما تقوم به هو تحرر من قيود فرضها عليها المجتمع الذي تعيش فيه!. بينما في واقع الأمر ما تفعله ليس إلا تمردٌ على نفسها وعلى طبيعتها التي لا تستطيع هي الفرار منها بشكل من الأشكال!.

عندما تجد المرأة تعمل في معامل الصلب والحديد، تقود الشاحنات في المناجم، تعمل في المقاهي، في صفوف الجيوش وقوات الشرطة – فاللوم هنا يقع على المجتمع أولاً لأنه أحاج المرأة للوصول لهذه الأعمال لكي تعيش!. ولكن مجتمعاً يحكمه السوق لن ينتج منه قيم تقيد عمل المرأة! بل على العكس من ذلك تماماً فإن مثل هذا المجتمع الخالي من القيم التي تحترم طبيعة المرأة سيشجع مثل تلك الأعمال ويوهم المرأة بأوهام المساواة وأن ما تقوم به هو فعلاً عمل نبيل وتمرد على قود المجتمعات والقيم المتخلفة بنظر السوق!.

لذلك فإن الخيار في نهاية المطاف مرهون بوعي المرأة لهذه التفاصيل التي يحاول السوق تضليلها فيها، ويحاول إيهامها بأن الانخراط في الحياة مثلها مثل الرجل هو من التطور والتحرر من القيود القديمة التي تفرضها المجتمعات المتخلفة!.

One comment on “عن دور المرأة في حياة الرجل والمجتمع

  1. تعقيب: بين الأصل والفروع | منارة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s