عن حق المرأة في الإجهاض

المعيار الفاصل (النقطة الحاسمة)

لو تحدثنا عن أي شيء يتميز بوجود مراحل متعددة فيه، فلا بد من أن يكون حديثنا مترافقاً مع ما أسميه بالمعيار الفاصل لتغير تلك المراحل. هذا المعيار الفاصل يتميز بأنه جوهري ومميز بحيث أنه يغير من توصيف المرحلة للشيء الذي نتحدث عنه، وهو ما يمثل جوهر التغير من مرحلة لمرحلة. كما أنه حدي، بمعنى أنه يجعل من التغير حدياً وليس متدرجاً، صحيح أنه وجوده يكون نتيجة تراكمية غالباً، لكن وقوعه يكون حدياً فيفصل بين المراحل بحدود واضحة. دعنا نتعرض لمثال مباشر من أجل أن يتضح قصدي بسهولة أكبر.

لنأخذ مثلاً المراحل الدراسية التي يمر فيها الطالب لنجد أنها:

  1. المرحلة الابتدائية.
  2. المرحلة الإعدادية.
  3. المرحلة الثانوية.
  4. المرحلة الجامعية.

هذه أربع مراحل يمر بها الطالب أثناء دراسته. لكن لو تساءلنا ما هو المعيار الفاصل بين المرحلة الابتدائية والإعدادية؟ الجواب ببساطة هو شهادة التعليم الابتدائي (السرتفيكا 😜😂). فكل طالب يحوز تلك الشهادة يصبح تلقائياً طالباً في المرحلة الإعدادية. لاحظ هنا أن حصوله على شهادة التعليم الابتدائي هو نتيجة تراكمية لدراسته في الصفوف الأول ثم الثاني ثم الثالث وصولاً للصف السادس كما هو نتجية لكل الامتحانات التي خاضها والتي حصل في نهاية المطاف على شهادة التعليم الإبتدائي. لكن أيضاً لاحظ أن حصوله على تلك الشهادة هو حدي، فبمجرد نجاحه في آخر امتحان بعلامة نجاح معينة فهو يحوز تلك الشهادة. أي وقوع حصوله على الشهادة هو أمر حدي لكنه بنفس الوقت نتيجة تراكمية لمجهوده خلال كل تلك السنوات.

بالمثل يكون المعيار الفاصل بين المرحلة الإعدادية والثانوية هو شهادة التعليم الإعدادي. وشهادة الثانوية هي المعيار الفاصل بين المرحلة الثانوية والجامعية. ثم تكون شهادة التخرج في الجامعة معيار انتهاء المرحلة ودخول المرحلة التالية… وهكذا.

photo_2017-01-29_19-12-28-copy

من ميزات المعيار الفاصل أيضاً هو أنه يكون محط اهتمامنا فيما إذا كنا في سياق الحكم على موضوع معين هل هو في المرحلة الأولى أم الثانية مثلاً. فعندما ندرس هل الطالب الفلاني هو في المرحلة الإبتدائية أم الإعدادية فإن محط تركيزنا سيكون على امتلاكه شهادة التعليم الإبتدائي من عدمه. وعندما نريد توظيف موظفين مثلاً ممكن حازوا على الشهادة الثانوية فمعيار التوظيف سيكون امتلاكهم للشهادة الثانوية، وفي حال وجود أعداد كبيرة فمعيار التفضيل هو أيضاً الشهادة الثانوية (علامتهم فيها). إذا المعيار الفاصل مهم جداً عندما نتطرق لدراسة حالتين يمر بهما الطالب، أو أي شيء طبعاً.

لنأخذ مثالاً آخر وهو الحالات الفيزيائية التي يمر بها سائل ما كالماء. فالمعيار الفاصل يمكن التعبير عنه بدرجة الحرارة (طبعاً المعيار الحقيقي هنا هو حالة الجزئيات – لكننا للتسهيل نستعيض عنه بدرجة الحرارة). فنقول عن الماء في شروط معينة أنه سائل عندما تكون درجة حرارته أكبر من الصفر وأقل من مئة. ولأن لدينا ثلاث حالات للماء (صلب – سائل – غاز يكون لدينا معيارين فاصلين هما درجتا الصفر والمئة). إذاً لنحدد حالة الماء يكفي أن نعلم درجة حرارته لنستطيع الحكم (معرفة) حالته الفيزيائية ضمن شروط معينة.

photo_2017-01-29_19-12-28

إذاً نستطيع بناء على ما سبق أن نقول أن المعيار الفاصل الي يميز الانتقال من مرحلة لأخرى يتميز بما يلي:

  1. يفصل بين المراحل.
  2. فصله بين المراحل حدي (لا يوجد تدرج في الانتقال بين المراحل – أي لا يوجد بين مراحل).
  3. جوهري (أي أنه يوجوده يُعد جوهر المرحلة وصفاتها منطلقة منه).
  4. هو الذي نستند عليه عند الحكم على شيء ما يتعلق بهذه المرحلة.

ويمكننا أن نضيف صفة خامسة وهو أنه يجب أن يكون مهماً بمعنى أنه قيم بالنسبة لما يصف وعما نتحدث عنه، وليس أية صفة يتصف بها الشيء الذي نوصف مراحله، إنما هو أهم تلك الصفات وعنه (أي عن تلك الصفة) تتفرع وتنتج الصفات الأخرى.

هذه الصفات مهمة لأننا يمكن أن نستخدمها في معرفة المعيار الفاصل لمرحلتين. فيمكن ببساطة أن نستعرض بعض الصفات لنرى أيها تنطبق عليها الشروط السابقة وبالتالي تكون هي المعيار الفاصل غالباً بين مرحلتين من المراحل. هذا مهم أيضاً لأننا كما سنرى فإن بعض الناس إذا ما سألتهم عن المعيار الفاصل لمرحلتين فسيجيونك بصفة ما، ولكن عندما تراقب الانتقال بين المرحلتين وفق رؤيتهم للموضوع فإنك ستجد أن المعيار الفاصل تبعاً لنظرتهم للانتقال هو شيء آخر تماماً – سيتضح مقصدي من هذا الكلام عندما نتكلم عن الإجهاض، وبالأخص متى يمكن للمرأة أن تُجهض جنينها.

عن الإجهاض

الآن لو تحدثنا عن الإنسان وتساءلنا ماالذي يجعل الإنسان إنساناً؟ ما هي السمة التي ينتقل بها هذا الكائن الحي الذي يستعمر الرحم وهو جنين في بطن أمه، ما هي تلك السمة التي تنقله من كونه مجموعة من الخلايا لكونه إنساناً؟

دعنا أولاً نوضح الفرق بين المرحلتين:

  • مجموعة خلايا: عندما نقول مجموعة خلايا فهذا يعني غالباً أن قيمتها محدودة بالوظيفة التي تؤديها، وهي غالباً ليست ذات أهمية. أي يمكن الاستعاضة عنها بمجموعة أخرى، يمكن إتلافها بدون أي مبرر، يمكن التخلص منها… لأنها فقط مجموعة من الخلايا. خذ مثلاً خلايا الطبقة السطيحة من الجلد التي تتساقط بشكل تلقائي، خذ مثلاً خلايا عضلة ما، يمكن أن تتمزق لسبب ما دون أن يؤثر ذلك على الإنسان (أوعلى قيمته كإنسان). حتى خلايا الدماغ يمكن أن نخسر منها دون أن يتغير فينا شيء.
  • إنسان: عندما نتحدث عن الإنسان فنحن نتحدث عن كينونة واعية لها قيمتها وأهيمتها وهي التي تمثل في ميزاننا أعلى القيم وأكثرها أهمية. هذا الإنسان لحياته قيمة علينا فلا يمكننا مثلاً إنهاء حياته بدون سبب وجيه لذلك، بل في بعض الدول لا يوجد شيء اسمه إنهاء حياة إنسان لأي سبب كان!.

إذاً هناك فرق واضح بين مجموعة الخلايا التي تسكن جوف الرحم لتشكل الجنين وصولاً للإنسان. طبعاً الطفل الذي يولد من بطن أمه يُعتبر مباشرة إنساناً عند الجميع، ولكن ما سنبحث فيه هو الجنين ومتى يمكن أن نقول أنه يُعتبر إنساناً له حقوق الإنسان علينا وما المعيار الفاصل في ذلك – تلك هي القضية التي يوجد فيها الإختلاف وهي محط حديثي هنا. أما الطفل الذي ولد لتوه فالجميع متفق على إعطاءه كل حقوق الإنسان رغم أنه لم يمتلك الوعي الذي نمتكله بعد، كون المسألة هنا مسألة وقت فقط (وأرجو أن تتذكر الجملة الأخيرة التي قلتها هنا “مسألة وقت” لأنها ستكون مغالطة لدى فئة معينة عندما يأخذون بها هنا بإيجابية ويأخذون بها بسلبية في موضوع الجنين والإجهاض – فقط تذكرها).

رحلة الجنين تبدأ من كونه نطفة في خصية والده وبويضة في رحم أمه، بعد حدوث التلاقي بين تلك النطفة التي نجحت في الوصول للبويضة تتحول البويضة لبيضة ملقحة. وهنا يمكن أن نقول أن رحلة الجنين قد بدأت. فما يفصله الآن بشكل مبدئي عن الوصول لحالة الجنين الذي ولد لتوه هو مسألة وقت فقط. فبعد تسعة أشهر تماماً سيبدأ الرحم بالتقلص إيذاناً بولادة هذا الطفل.

photo_2017-01-29_19-12-28-copy-2

سنحاول توضيح محطات الرحلة:

  1. المرحلة الأولى هي كون نطفة وبويضة لما يلتقيان بعد.
  2. بعد الالتقاء ينتج لدينا بويضة ملقحة فيها كل ما يلزم للوصول للجنين – وبحاجة للوقت والظروف المناسبة فقط.
  3. تتطور البويضة الملقحة وتمر بعدة مراحل تكون في بدايتها عبارة عن مجموعة من الخلايا فقط (كرة خلايا).
  4. تتطور هذه الكرة المؤلفة من الخلايا وتبدأ بالتمايز وتبدأ بإعطاء البُنى التي ستشكل كل أعضاء الجنين لاحقاً.
  5. بعد فترة يأخذ الجنين شكلاً بشرياً وتبدأ أعضاؤه بالتطور.
  6. وفي نهاية الحمل يكون قد أصبح جاهزاً لينتقل للعالم الخارجي.

بشكل عام هذه هي المراحل التي تمر بها البويضة الملقحة وصولاً للجنين الذي يوشك أن يولد.

يمكننا الآن أن نبحص عن المعيار الفاصل الذي يمكن أن نقول عند وجوده بأن هذا الكائن هو إنسان ويتمتع بكل حقوق الإنسان والتي نخص منها هنا بالذكر هو حق الحياة.

المرحلة التي نبحث فيها هي المرحلة الممتدة من لحظة الإلقاح (اندماج النطفة مع البيضة لتشكيل البويضة الملقحة) وصولاً لمرحلة الجنين التام النمو قبيل ولادته تماماً. أما قبل هذا المجال الزمني وبعده فلا خلاف على سؤالنا عن حق الحياة. فقبل هذا المجال الزمني لا يوجد ما يمكن أن نقول عنه “جنين بشري” وبالتالي لا يوجد أية حقوق وبعد الولادة الكل يتفق على أن الطفل الذي ولد للتو يتمتع بكل حقوق الحياة بغض النظر عن أي شيء آخر. إذاً مجالنا كما أشرنا هو من لحظة الإلقاح وصولاً للحظة التي تسبق الولادة مباشرة.

لو سألنا السؤال التالي: مالذي يعطي الإنسان قيمته كإنسان، هذه القيمة التي تتفرع عنها كل حقوقه كإنسان وعلى رأسها حق الحياة؟

فسوف تجد طيفاً واسعاً من الأجوبة. لعل جواب الروح سيكون في مقدمة تلك الأجوبة، فالإنسان مادامت روحه فيه، أي ما دام على قيد الحياة، فهو يمتلك كل حقوق الإنسان. ولكننا سنبحث بعيداً عن موضوع الروح حالياً. بعيداً عن الروح ربما يكون الوعي والإدراك جواباً ممن لا يؤمنون بوجود الروح وتميز الإنسان بها. فالوعي والإدراك هما الصفة الرئيسة للإنسان وبدونهما لا يمكن أن نسمي الإنسان إنساناً. ولكن هذا يوقعنا بمشكلة أخرى – فحتى لو كان لدينا إنسان فقد لسبب ما صفة العقل وأصبح مجنوناً بما تعنيه هذه الكلمة، فغالب المجتمعات ترفض تجريده من حقوق الإنسانية وعلى رأسها حق الحياة. فهو يبقى يمتلك هذا الحق ما دام أنه كان واعياً في مرحلة سابقة، وكان إنساناً.

كما أن هذا الجواب (الوعي والإدراك والتفكير) لا يتواجد لدى الطفل الذي ولد للتو، وإنما يستغرق امتلاكه لها وقتاً طويلاً، لكنه مع ذلك يتمتع بحقوق الإنسان كحق الحياة. إذاً مسألة الوقت هنا لا تعني أي شيء، فما دام الكائن في نظر من يعتقد بهذا الجواب سيمتلك الوعي والإدراك لاحقاً فهو يمتمع بكل الحقوق حتى وإن لم يمتلك الوعي بعد. أي أن مسألة الوقت لا تأخذ أية أهمية هنا (وهذه نقطة مهمة جداً ستجد أنها تختفي عندما نتحدث عن الجنين ولا مفر من هذا التناقض إلا بتغيير الجواب أي تغيير هذا المعيار الفاصل).

إذاً لدى هذه المجموعة من الناس فالمعيار الفاصل للإنسانية هو الوعي والإدراك ولا يهم موضوع الوقت بالنسبة للطفل الذي ولد حديثاً فهو وإن لم يمتلك الوعي والإدراك فهو سيمتلكه لاحقاً وبذلك يحوز حق الحياة.

لو انتقلنا الآن للمرحلة التي يكون فيها الطفل في رح أمه. فنظرياً وكون موضوع الوقت لا يهم لدى هذه الفئة التي نتحدث عنها، فإن البويضة الملقحة منذ لحظة التلقيح يجب أن تمتلك الحق في الحياة، لأن مسألة حصولها وامتلاكها للمعيار الفاصل الذي تأخذ به هذه الفئة هو مسألة وقت فقط. وما دامت مسألة الوقت لا تهم لديهم بعد ولادة الطفل فمالذي يجعلها تهم قبل ذلك؟!. إذاً منقطياً وبالنسبة لهذه الفئة بالبويضة الملقحة يجب أن تتمتع بكامل الحقوق الإنسانية لأنها بدأت رحلتها التي تنتهي بالإنسان الكامل الواعي المفكر المدرك. كل ما هنالك هو أنها بحاجة للوقت.

ولكن الأمر للأسف ليس كذلك. فهذه الفئة ترى أنه يحق للأم أن تجهض هذا الجنين الذي بدأ رحلته بالإلقاح، تختلف الحدود التي تحد هذا الحق للأم، ولكنه موجود على العموم لدى هذه الفئة. فمنها من يرى بجواز ذلك قبل مدة معينة من الحمل، في الفترة التي لايزال فيها الجنين كتلة غير متمايزة من الخلايا. وهنا هم يقعون في تناقض، فمن جهة هم يؤمنون بأن المعيار الفاصل هو الوعي والإدراك، ولكن عندما تفصل في ما يرونه جائزاً فيما يخص الإجهاض سترى أن المعيار الفاصل لديهم حقيقة هو غير الذي يدعون عندما يكون السؤال عاماً. ففي العموم يكون الوعي والإدراك والفكر هو المعيار الفاصل، ولكن عند الخوص في التفاصيل يصبح التمايز الخلوي هو المعيار الفاصل ويصبح للوقت أهمية كبيرة – وهذا تناقض واضح جداً لكنه لا يظهر إلا عند الخوض في التفاصيل ومحاولة معرفة المعيار الفاصل الحقيقي. كما أنه تجدر الإشارة إلى أن المعيار الفاصل في الحالة الثانية لا يمتمع باي صفة من صفات المعيار الفاصل الذي ناقشنا صفاته العامة من قبل. (تذكر كلامنا هذا كله موجه لمن لا يؤمن بالروح أساساً).

إذاً بالنسبة لهذه الفئة فيجب أن يكون الإلقاح كافياً لإعطاء هذا الكائن كافة حقوق الإنسان البالغ وعلى رأسها حق الحياة، وبناء عليه لا يجوز الإجهاض بعد الإلقاح لأنه يعد جرمية قتل حقيقية حتى وإن كان يطبق على مجموعة غير متمايزة من الخلايا. لكن هذه الخلايا تحمل بين طياتها سر الحياة (بالنسبة لهم – الوعي والإدراك) وكل ما تحتاجه هو الوقت ليظهر بالشكل الواضح الذي لا ينكرونه عند ظهوره.

لكن هذه الفئة وللأسف تقع في التناقض وتؤيد شريحة كبيرة منها حق الإجهاض للمرأة للتخلص من الجنين الذي تكون قد حملته غالباً بإرادتها ودون أي إكراه – إلا أنها تكره عبء الحمل والإنجاب فتقرر أن تجهض هذا الكائن الذي بدأ مسيرته بحصول الإلقاح. وإذا أرادت هذه الفئة من الناس أن تكون موضوعية مع أنفسها فيجب أن تغير من المعيار الفاصل للإنسان ليتماشى مع ما يؤمنون به، وسيجدون للأسف أن المعيار الفاصل الجديد سيكون سخيفاً ولن يمت لحقيقة الإنسان بأية صلة.

ومن السخرية أن بعض القوانين في الدول الغربية تبيح قتل الجنين حتى قبل ولادته مباشرة (حتى لو كان معافىً تماماً) ولكنها تمنع ذلك بعد ولادته مباشرةً!!! وكأن المعيار الفاصل أصبح بالنسبة لهم هو الولادة فقط – وهذا من السخرية بمكان عندما تنظر له من هذه الزاوية التحليلية.

ننتقل للفئة الثانية من الناس – وهي الفئة التي ترى أن الروح التي أودعها الله في الإنسان هي سر إنسانيته وهي المنبع لتلك الحقوق التي يتمتع بها عن سائر الحيوانات وعلى رأسها حق الحياة. (وكل ما يلي سيكون متعلقاً بالدين الإسلامي – لذلك إن لم تكن مهتماً بهذه الزاوية من الموضوع فلن يهمك ما يلي من كلام).

في هذه الفئة (التي تأخذ بالدين عموماً وما يقوله في هذا الموضوع) فإن هناج شبه إجماع على أن الروح تُنفخ في الجنين بعمر الأربعة أشهر. أي أن الكائن الذي يكون في رحم الأم قبل ذلك لا يعدو كونه مجموعة من الخلايا التي تتكاثر وتنتظم مع مرور الوقت. إذا أخنذا نظريتنا في المعيار الفاصل وطبقناها على رأي هذه المجموعة فيجب أن نخرج بالنتائج التالية:

  • يكون الإجهاض مباحاً ومنطقياً قبل الفترة التي يُعتقد ببث الروح فيها لدى الجنين. ويصبح الموضوع مكروهاً كلما اقتربنا من هذا التاريخ المفترض.
  • قبل هذه الفترة يحق للأم الإجهاض حتى بدون وجود سبب طبي لذلك.
  • بعد هذه الفترة يكون الإجهاض جريمة قتل مهما كانت الوضع الطبي للجنين.

بمعنى أنه حتى وإن اكتشف الطبيب أن هذا الجنين سيكون مصاباً بمرض وراثي لا علاج منه (كأمراض العضلات الوخيمة التي تؤدي للشلل شبه التام لاحقاً) فإنه لا يحق للمرأة أن تُجهض جنينها حتى وإن اكتشفت هذا العيب الوارثي وهو لا يزال في رحمها جنيناً – لأن موضوع الوقت هنا أيضاً لا يحمل أية أهمية لأنك لا تستطيع أن تطالب بقتل إنسان أصيب بالشلل مثلاً بعد وقوع حادث له. إذاً الوقت هنا لا يحمل أية أهمية أيضاً ولا موضوع اكتشاف المرض قبل حصوله لا يحمل أية أهمية أيضاً لأنك أيضاً لا تمتلك حق قتل شخص عرف للتو أنه مصاب بالسرطان مثلاً.

إذاً في هذه الفئة المعيار الفاصل هو الروح – ويمتلك الجنين حق الحياة بمجرد امتلاكه للروح. ومنطقياً لا يحق لنا إن أردنا أن نكون موضوعيين مع أنفسنا أن نسلبه هذا الحق لأي سبب كان.

التناقض الذي تقع في هذه الفئة من الناس هو أنها صحيح أنها تحترم حق الحياة لدى الجنين بمجرد امتلاكه للروح إلا أنها تمنح نفسها حق سلبه هذا الحق عند اكتشاف بعض المشاكل الصحية لديه. ولكن هذا تناقض أيضاً لأننا لا نستيطع كما قلنا أن نسلب إنساناً أصيب لاحقاً بأي مرض من حق الحياة – وموضوع الوقت كما أشرنا لا يغير من الموضوع أي شيء. وإذا ما اعتبرنا أنه يغير فإننا نقع في مغالطة منطقية جديدة وينبغي علينا أيضاً أن نغير من هذا المعيار الفاصل الذي ننادي به.

الفئة الأخير التي أود أن أشير إليها هي الفئة التي ترى أن مجرد حصول الإلقاح كاف لمنح هذا الكائن حق الحياة ويمنع المرأة من امتلاكها كق الإجهاض في أي وق من أوقات الحمل. هذه الفئة غالباً تكون ممن تؤمن بالروح ووجودها ولكنها بنفس الوقت تعتبر أن مجرد الإلقاح كاف لمنح هذا الحق للجنين. هذه الفئة تقع أيضاً في مفارقة منطقية وهي أنهم يؤمنون بمعيار فاصل معين (هو الروح) ولكنهم يغيرونه بشكل من الأشكال عند التطبيق العملي. وهم بذلك يقعون بمفارقة أخرى أيضاَ وهي أنهم بمنحهم حق الحياة للبويضة الملحقة فإنهم يلزمون أنفسهم بأمور أخرى إن أرادوا أن يخرجوا من الالتزامات التي يفرضونها على أنفسهم بهذا القول.

فهم بقولهم إن مجرد الإلقاح يحقق حق الحياة فهم يعتبرون أن المعيار الفاصل (إلى جانب إيمانهم بالروح) هو الإلقاح بحد ذاته. أي أنهم ومن حيث لا يدرون يقعون في مشكلة وهي أنهم الآن يأخذون بمعيارين فاصلين مختلفين تماماً. والمشكلة في أن المعيار الفاصل الثاني يتأتي عنه أمور يجب أن يؤمنوا بها منطقاً وموضوعياً لأنها متفرعة عن هذا المعيار، ولكنهم على أرض الواقع لا يمكن لا نظرياً ولا عملياً أن يأخذوا بها. من هذه المشاكل مثلاً هي أن النطفة والبويضة يجب أن تتمتع بشيء من الحقوق كونها هي لبنة هذا الإلقاح، ومنها أيضاً وكون أي خلية في جسم الإنسان تستطيع أن تلعب دور النطفة (مع تطور العلم) يمكن أن تمتلك هذه الحقوق – وهذا أمر إن أردنا أن نخوض فيه سيقودنا لأمور لا يمكن ضبطها بشكل من الأشكال – إضافة إلى أن هذا المعيار الفاصل (الإلقاح بحد ذاته) لا يمتلك أية صفة من صفات المعيار الفاصل العامة التي تحدثنا عنها مسبقاً.

رأي الشخصي في الموضوع يتماشى مع الفئة الثانية التي تأخذ بنقطة الروح. وأرى أن الفئة الأولى التي تبيح الإجهاض تقع في مغالطات منطقية كثيرة جداً لا يمكن الخروج منها، والفئة الثالثة كذلك الأمر.

في نهاية المطاف يجب أن نأخذ بمعيار فاصل واضح وحقيقي، ومن ثم ناخذ بنتائج هذا المعيار مهما كانت – إذا أردنا أن نكون منصفين وموضوعين مع أنفسنا.

المشكلة الحقيقة لدى المرأة في المجتمع الغربي

المشكلة الحقيقة التي تقع فيها المرأة التي تؤمن بما ناقشناه لدى فئتنا الأولى هي أن دعوتها لحق الإجهاض ليست فقط تناقضاًَ موضوعياً مع المعيار الفاصل المعتمد لدى تلك الفئة، إلى أن الموضوع يمتد ليكون تورية عن شيء آخر قد لا يُعرض للنقاش ويتم الإبقاء عليه دون أية مناقشة. الفكرة الرئيسة هي أن هذا الحمل كان نتيجة لعلاقة ما (لا يهمنا الحكم عليها) وكانت المرأة في هذه العلاقة لا تنوي قطعاً حصول الحمل (لأنها لو كانت تنوي الحمل لما ناقشت الإجهاض أساساً) ولكن حصل الحمل لعدم اتباع طرق منع الحمل بشكل صحيح. في هذه الحالة يصبح الموضوع ليس فقط تناقضاً موضوعياً إنما تصحيحاً لخطأ ارتكبته دون أي مراعاة لحق الحياة الذي يتمتع به هذا الكائن.

فالنظرة التي تسود هي أنها هي صاحبة الحق في قرار متابعة الحمل من عدمه، كونها هي التي ستتحمل كل ما ينجم عن استمرار الحمل ومشاكله الصحية المعروفة. وقرارها هذا استناداً إلى هذه الرؤية يدخلها في تناقض موضوعي وأخلاقي أيضاً – إذا تصبح بهذه النظرة هي التي تمنح حق الحياة وهي التي تسلبه وكأنها هي أصبحت مالكة هذه الحق!. أي أن المعيار الفاصل أصبح قرارها الشخصي، هل تتابع الحمل وتتحمله أم لا!. وهي بذلك تناقض نفسها أيضاً، فهي عندما تريد الإنجاب تتابع الحمل حتى وإن حصل بطريق الخطأ (الناجم عن عدم استخدام موانع الحمل) وعندما لا تريد تقوم بالإجهاض – وبذلك يصبح الجنين مجرد شيء مادي لا قيمة له تارة وله قيمة الإنسان تارة أخرى – وذلك تبعاً لتقلب مزاجها وقرارها الشخصي!. وهذا لا شك قم التناقض وعدم الإنصاف!.

طبعاً الموضوع لا يخص المرأة في المجتمع الغربي فحسب بل يتعلق بكل من ينظر لهذا الموضوع من تلك الزاوية.

 الإنصاف في حق الجنين هو أن نحترم حقه في الحياة دون أن نتلاعب بالمعيار الفاصل الذي نؤمن به والذي يعطي الإنسان فيمته كإنسان. إذا بحثت في الوضوع سيدهشك التناقض الذي تعيشه بعض المجتمعات بقوانينها التي تتعلق بالإجهاض، ليصل الأمر لدرجة أن قتل الجنين في الرحم أمر مباح ومشروع أما خارج الرحم فهو جريمة قتل يعاقب عليها القانون. قانون لا يمكنني إلا أن أطلق عليه صفة الغباء الصرف والتناقض مع أبسط مفاهيم المنطق والموضوعية والإنصاف!. (المعيار الفاصل يصبح هنا المكان فقط! وكل ذلك ليس إلا مجرد حيلة بسيط يريدون منها أن يتهربوا من الجريمة اللاأخلاقية التي يقومون بها! وذلك بأن يقوموا بها والجنين داخل الرحم!). (في هذه الصفحة ستجد بعضاً من تلك الطرف وفي أحد الفيديوهات توضيح لتلك الجريمة التي ترتكب باسم الطب والأخلاق الطبية!).

تحديث 3-2-2017

ربما تلاحظ أن أحد أهم النقاط التي أردت إيضاحها هنا هي الربط بين ما تراه المعيار الفاصل المميز للبشر (الذي يعطي الإنسان قيمته كإنسان) ودور ذلك المعيار الفاصل الذي تتبناه في تحدي الفترة التي يمكن أن نقول عن الإجهاض فيها بأنه أمر لا ضير ولا مشكلة فيه. الربط هذا يغييب عند كثير من الناس، فترى أنه يرى معياراً معنياً يميز البشر ولكنه لا يراعيه أبداً في تحديده للفترة التي يرى فيها جواز الإجهاض – وهذه مغالطة منطقية مع ذاته.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s