عن حقوق النشر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

لكي نعيش بتكافي في المجتمع فعلينا أن نعمل (بمعنى أن نبذل الجهد لغيرنا) لكي يعمل أحدهم لمنفعتنا (أي أن يبذل جهداً لصالحنا). وهكذا نعيش في المجتمع بتكافل مع بقية أفراد المجتمع بتكافل وتبادل العمل.

تختلف قيمة العمل طبعاً تبعاً للمؤهل العلمي وقيمة الخدمة المقدمة من الشخص الذي يقوم بها. فمثلاً العمل الذي يقوم به الطبيب لمعاينة جرحك مثلاً ومعالجته ليس بنفس قيمة العمل الذي يقوم به الطبيب نفسه لإجراء عملية جراحية معقدة مثلاً. أي هناك تباين في قيمة العمل والقيمة التي يجب أن يستردها مقدم العمل في مقابل خدمته.

وكما تعلم فقد أوجدت المجتمعات النقود كواحدة موحدة لقياس قيمة العمل الذي تقدمه. فمثلاً الطبيب السابق عندم معالجته لجرحك مثلاً فلنقل أنه أخذ مقابل ذلك (10) وحدات من العملة المستخدمة في البلد مثلاً، ولكنه في مقابل العملية فربما أخذ مثلاً (150) وحدة مالية. كما ترى فالعمل الثاني يفوق الأول بـ 15 ضعف من حيث قيمة العمل.

لنقل أن سائق الأجرة يأخذ مقابل توصيلك لمكان عملك (10) وحدات مالية. فهنا قيمة عمله هذا تعادل من حيث القيمة عمل الطبيب الأول. وبهذه الطريقة يتم تبادل قيمة الجهد المبذول لعمل كل شخص ويمكن باستخدام المال كعامل مشترك بين مختلف الأعمال أن يتم تبادل الخدمات بين أي مهنة ومهنة أخرى. وهكذا نعيش في المجتمع وننعم بالخدمات التي نحصل عليها مقابل الخدمات التي نقدمها.

والمال هنا لا يلعب وسيطاً مشتركاً لتسهيل عملية تبادل المجهود، ولكنه يعمل كمخزن لذلك المجهود. فأنت حين تعمل لشهر مثلاً وتحصل على راتب لنقل أنه 1000 وحدة مالية، وتضع النقود في جيبك (قبل أن تطير :)). فهنا أنت قمت باستخدام المال أيضاً بعملية تخزين مجهودك الذي صرفته في عملك خلال الشهر على شكل قابل للتخزين والإنفاق كما تحب لاحقاً (على دفعات).

إذاً المال الذي بين أيدينا يلعب دور الوسيط في تسهيل عملية تبادل المجهود المبذول في مختلف الأعمال (التي تختلف عن بعضها بطبيعتها ومؤهل مقدمها) كما أنه يساعد على تخزين وتأجيل الحصول على المجهود لاحقاً على شكل مجهودات من نوع آخر لاحقاً في زمن تالٍ.

النقطة التي أريد الوصول لها مما سبق ليست موضوع المال، ولكن الفكرة هي أنك عندما تبذل جهداً وتحصل على ثمنه (وثمنه هنا هو عبارة عن استعارة لمجهود آخر ستحصل عليه لاحقاً)، فإنك في الواقع ستحصل على جهد شخص آخر عندما تقدم له المال وتحصل على خدمته في مقابل ذلك، فتكون قد حصلت على خدمة معينة مقابل خدمة أخرى قمت بها أنت سابقاً (والمال وفر هذا التبادل) – والمهم أن ذلك حصل لمرة واحدة فقط. أي أنك حصلت على خدمة أخرى لمرة واحدة فقط مقابل الخدمة التي قمت بها سابقاً. أي أن المال الذي أنفقته في سبيل تلك الخدمة وفر لك خدمة مقابلة (مختلفة ولكن معادلة في القيمة) ولكن لمرة واحدة فقط.

فمثلاً أنت تحمل في جيبك عملك (على هيئة مال) ولنقل أنك تحمل ما يعادل قيمة عمل شهر كامل ولنقل أنه 1000 ليرة. ثم ذهبت للطبيت مثلاً لإجراء عملية جراحية مثلاً وأخذ الطبيب مقابل العملية 1000 ليرة (لنقل أن العملية عملية ليزر لضعف البصر الذي تعاني منه – عافانا الله وإياكم). فهو بعد أن يقوم بتصحيح بصرك يأخذ قيمة عمله 1000 ليرة مثلاً، وتذهب أنت في حال سبيلك بعد أن تستعيد بصرك كما كان بدون نظارات. الطبيب أخذ النقود (أي مجهودك في عمل سابق) مقابل عمله، ولكنه يأخذ ذلك لمرة واحدة, فأنت لست مضطراً لأن تدفع له مرة أخرى في كل مرة تستخدم فيها عيونك مثلاً!. وإنما تدفع الثمن مرة واحدة، مهما كان مقدار استفادتك من هذا العمل لاحقاً.

مثال آخر عندما تصلح سيارتك فالعامل يأخذ أجرة تصليح السيارة لمرة واحدة فقط، ولست مضطراً أنت لدفع قيمة تصليح السيارة في كل مرة تستعمل فيها السيارة وتستفيد من عملية الإصلاح التي قام بها العامل، فأنت تدفع له مرة واحدة ثمن الإصلاح وليس له علاقة بك فيما بعد كيف تستخدم ومقدار استخدامك للخدمة التي قام بها.

تخيل معي مثلاً أن يحق للعامل أن يأخذ ثمن إصلاح سيارتك في كل مرة تقوم فيها بتشغيل سيارتك واستخدامها!! عملياً مالذي سيحدث؟

إذا صل ذلك فهو سيحصل على قيمة جهد إضافية بدون أن يقوم هو ببذل جهد بالمقابل!. ففي المرة الأولى التي يأخذ فيها ثمن الإصلاح يكون ذلك مقابل الإصلاح الذي قام بها عملياً. ولكن إذا دفعت له في اليوم التالي مقابل استخدامك للسيارة فأنت هنا تدفع له مالاً (جهداً) ولكنه يقبضه بلا مقابل!.

يبدو الأمر غير منطقي تماماً، أليس كذلك؟!

الآن دعنا ننظر لعمل من نوع آخر ولكن ما يحصل فيه هو نفس ما حصل معك في مثالنا السابق مع تصليح السيارة ولكن بدل أن يحدث معك كل يوم في كل مرة تقوم فيها بتشغيل السيارةـ فهو يحصل لمرة واحدة مع أشخاص غيرك. أي مثالنا السابق حصل معك لأكثر من مرة ولكن هنا يحصل نفس الشي لمرة واحدة مع أكثر من شخص.

لنقل أنك قمت بإيجاد برنامج للكومبيوتر (لنقل أنه حزمة برامج أوفيس التي تبيعها مايكروسوفت). ما يحصل عملياً هو أنك الشركة قدمت جهداً (لمرة واحدة فقط) في سبيل تطوير الحزمة، ولكنها على أرض الواقع تأخذ مقابلها (عبر بيع النسخ) ثمن التعب الذي بذلته ملايين المرات!. أي أنها تأخذ ثمن الجهد ملايين المرات!. أي يحدث تضيخم للجهد الذي قامت به. فأنت والمشترون الآخرون تعبوا تعباً حقيقاً في دفع ثمن الحزمة، ولكن الشركة تأخذ ثمن عملية النسخ واللصق فقط!. أي ما يحدث هو تضخيم للجهد الذي بذلته هي وسرقة للجهد الذي تبذله أنت!.

من هذا المنطلق فأنا أؤمن بأنه لا يجب أن تكو حقوق النشر والحقوق الفكرية للحزمة على هذا الشكل، لأنها تسرق تعب الناس مقابل تعب واحد قدمته هي في تطوير الشبكة!. لسنا مهتمين هنا بتقديم الحلول البديلة ولكن ما يهمني هو أني لا أؤمن بمثل هذه السرقة!. قد يكون الحل مثلاً في أن تأخذ الشركة ثمن تعبها مرة واحدة فقط، ويكون مبلغاً يعادل التعب الذي تعبته في تطوير الحزمة، ثم يتم بيع الحزمة بتكلفة النسخ على أقراص فقط. من يدفع للشركة؟ كما ليس هذا موضوعي هنا فقد تكو الدولة أو النقابات العمالية أو سواها، المهم أن يتم دفع المبلغ لمرة واحدة ومن ثم يتم قبض ثمن أجور النسخ فقط.

الأمر مشابه تماماً في الحقوق الفكرية للكتب.

فالكاتب حالياً عندما يكتب كتابناً فإنه يأخذ حقوقاً فكرية عليه ويبدأ بقبض ثمنه في كل مرة يُباع فيها الكتاب! تماماً كما حزمة الأوفيس! أي أنه يأخذ أضعاف جهده ويقبض بعد المرة الأولى آلاف المرات ثمن النسخ واللصق فقط، ولكنه يقبض تعباً حقيقاً قمت به أنت عند شراءك الكتاب، بينما هو تعب نسخ الحروف فقط!.

مرة أخرى لا أعتقد بأن مثل هذه الحقوق الفكرية تمثل عدلاً في تبادل الجهد بين الناس!. فالكاتب مهما كانت قيمة إنتاجه فهي لا يجب أن تصل لمرحلة أن يأخذ ثمناً يؤدي لتضخيم ما يأخذه فقط مقابل نسخ كتابه مرات ومرات!.

مرة أخرى قد يكون الحل بأن تقوم الدولة بتقديم ثمن (الجهد) الذي بذله الكاتب في نتاج كتابه، وتقوم بذلك لمرة واحدة طبعاً وذلك أنه بذل الجهد مرة واحدة في كتابته كتابه.

وتذكر أن هناك من يبذل جهداً لا يقل أبداً عن ما يقوم به الكاتب أو شركة تطوير برمجيات مثلاً، كالأطباء والمهندسين والفنانين والرسامين… والقائمة لا تنتهي. هل شاهدت رساماً يأخذ ثمناً كلما نظرت إلى لوحته! أم أنك تشتريها لمرة واحداً وينتهي الأمر!.

هذه الحقوق الفكرية المفتعلة تؤدي لتضيخم في ثروة البعض بحيث يبدأ يقبض جهود الناس الحقيقة مقابل جهد وهمي لم يقم به!. ناهيك أن العلم لا يجب أن يكون مصدراً للتكسب!.

لذلك فأنا شخصياً لا أؤمن بحقوق النشر وأقرأ الكتب بصيغة  pdf المحملة من الإنترنت والنظام على حاسوبي ليس نسخة أصلية بل مكركة، وكذلك برنامج الفوتوشوب والأكروبات ريدر ولا ننسى الألعاب وحتى الموسيقى وغيرها الكثير 😏😜.

TED: Militant atheism

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

نقاط الاشتباك مع المحاضر.

هل هناك حياة بعد الموت؟

من المعروف تماماً أنك لا تستطيع أن تنفي شيئاً ما بسهولة خصوصاً إذا كان عاماً وليس خاصاً بظروف أو بجملة محددة. وفي نهاية المحاضرة يذكر هذه الحقيقة بنفسه:

It’s, in principle, impossible to prove a negative.

 فأنا لا أستطيع أن أقول بأنه لا يوجد كوكب يشبه كوكب الأرض في الكون المرصود. فحتى لو تجاوزنا نقطة أن الكون غير محدود (مبدئياً) فنحن لا نستطيع أن ننفي بدون فحص الكون كله وفحص كل كواكبه! وهي عملية شاقة ومستحيلة عملياً. أما الإثبات فأسهل فلكي تثبت قضية ما فيكفيك مثال واحد لتثبتها، وهذه قضية معروفة تماماً في الفلسفة.

والأمر ل يختلف تماماً في نظرنا للدين. فمن السذاجة أن تأتي وتنفي وجود الدين والعالم الآخر الذي يفترضه الدين ويقوم عليه بالمقام الأول.

يبتدأ المحاضر طبعاً محاضرته بقوله:

I won’t feel anything.

في إشارة لما بعد الموت مفترضاً طبعاً بأنه لا عالم بعد الموت. وهو يتدارك من باب الاستدراك والاحتمال فقط بأنه لو شعر بشيء بعد موته فسيكون سعيداً بأنه قدم شيئاً في فهم سبب وجودنا في الكون. ولكنه للأسف فيما لو تحقق فرضه هذا (وهو محقق لنا) فإنه سيكون أمام مشاكل أخرى! لأنه يتفاخر بعدائه للدين كما سنرى.

كما أنه لا يتوقف عند ذلك إنما يتعداه إلى اتهام من يؤمن بالدين إلى أنه لا يقوم على أي دليل “علمي” كما يسميه على ما يدعونه.

Creationists, lacking any coherent scientific argument for their case.

وهذا اتهام باطل أساساً. وهو بشكل من الأشكال يستند إلى نقطتنا السابقة (عدم قدرتك على نفي قضية ما بشكل مطلق) إضافة إلى أنه يستند إلى تعامل العلماء والباحثين في الغرب مع الدين المسيحي وليس مع الإسلام. فهم في انتقاداتهم للدين يقتبسون ويعارضون نصوص من المسيحية، ولم أسمع أحدهم حتى اللحظة يقوم بمعارضة الإسلام متمثلاً يالقرآن!.

هذا التجاهل للإسلام والتعامل مع مطلق الأديان استناداً للأخطاء التي وقع فيها من استند على النصوص المسيحية في محاولة مواكبة ومواءمة المسيحية مع العلم خطأ منطقي وعلمي بحت!.

بالإضافة إلى أنك عندما لا تستطيع نفي وجود الإله (بالإطلاق) فإنك عند تعاملك مع الدين يجب أن تنظر للأدلة التي قدمها الدين في محاولة إثبات نفسه لأتباعه. والإسلام خلافاً لبقية الأديان هو الدين الذي لا يزال يتحدى العقول حتى اللحظة وكتابه الذي لم يتغير ولم يطرأ عليه أي تغيير (وهذه قضية مهمة بحد ذاتها في هذا البحث) لم يتعرض لحقه من الدراسة المنطقية من منظور البحث عن الأدلة التي يقدمها ليثبت أنه كلام خالق الكون الذي لا نستطيع بحال من الأحول أن ننفي وجوده.

فنحن عملياً لا نستيطع أن ننفي وجود إله فوق قدرة عقلنا على التصور، وفوق المادة وفوق شروطها وقوانيها. كل ذلك أمر لا نستيطع نفيه. وهذه نقطة مهمة عندما نحاول أن نجيب أنفسنا عن طبيعة الأدلة التي يمكن لها أن تقنعنا (منطقياً وفي ضوء استحالة النفي السابقة) بوجود هذا الإله. هذا التصور كفيل بأن يسقط كلمة scientific argument في كلامه السابق، فالدليل لا يُشترط به أن يكون علمياً بقدر ما يشترط به أن يكون منطقياً لأن المنطق هنا أعلى من النظرية العلمية (فالمنطق هو أداة العقل أساساً للوصول للنظرية العلمية).

وهذه نقطة مهمة جداً في النقاش في الأدلة على وجود الإله. فعندما تناقش ملحداً فسيكون من المفيد جداً عندما يسألك عن الأدلة على وجود الإله أن تسأله أنت بالمقابل: ما هي طبيعة الأدلة التي يمكن لها أن تقنعك؟ هذا السؤال يمكن أن يوجه الحوار بشكل أفضل ويلقي الضوء على مكامن الأخطاء المنطقية.

فالأدلة على وجود الإله لا يُشترط بها أن تكون مادية بما نعهده وبما نبحث عنه في سياق بحثنا عن الأدلة على النظريات العلمية التي نبحث فيها. لأننا قلنا بأنه لا يمكننا نفي وجود إله فوق هذه القوانين وفوق هذه المادة التي نوصفها بقوانينا. فالأدلة التي يجب أن نبحث عنها هي الأدلة التي يقدمها الدين الذي يدعي أنه من عند ذلك الإله، وما علينا بعد ذلك هو البحث في منطقية تلك الأدلة وليس في تقييمها هل هي أدلة علمية أم لا؟

photo_2017-02-26_19-36-21.jpg

يتضح لك مما سبق غباء من يقول لك: أريد دليلاً علمياً على وجود الإله!. فالدليل العلمي يُطلق عادة على الدليل المطلوب لإثبات صحة نظرية تدرس وتفسر ظواهر مادية أساساً. لذلك فمن الطبيعي أن يكون الدليل من نفس هذا المستوى (مستوى العلم المادي) وينتمي لنفس المجموعة.

أما عندما نتحدث عن إله فوق المادة فسيكون من الغباء المطالبة بدليل مادي (علمي) على وجوده. فحتى لو ظهر لك الإله بشكل مادي فأبسط ما يمكن أن تقوله في حقه بأنه ظاهرة مادية مثله مثل أي ظاهرة مادية أخرى. وهذا أمر منطقي، فإذا ظهر الإله بشكل مادي فلن يتم توصيفه ودراسته كإله فوق المادة إنما سيتم التعامل معه كأنه ظاهرة تنتمي للعالم المادي. لذلك ولأنه لا يمكن نفي وجود إله فوق المادة فلا يمكن لنا أن نصر بغباء على دليل علمي على وجود الإله.

ما الدليل المقبول هنا في هذه الحالة؟ الدليل يجب أن يكون منطقياً لا أكثر ولا أقل ويجب أن ننظر للأدلة التي يقدمها الدين ونحكم عليها ليس بماديتها (لأنها أساساً لن تكون مادية) إنما بمنطقيتها. ولا ننسى أن المنطق أعلى هنا وهو المخاطب الأولى في هذه الحالة فهو الذي يصوغ نظريات العلم المادية لذلك فهو المخاطب الرئيس في أدلة الأديان التي لا تنتمي لهذا المستوى.

هل ينفي التطور الدين؟

الكاتب يفتخر ويؤكد عداءه وعداء التطور للدين، هذا العداء سببه المشاكل السابقة بالمطالبة الدائمة بدليل مادي على وجود إله لا يمكن النفي والقطع بأنه لا يمكن أن يكون فوق المادة!.

فالكاتب يؤكد على طول محاضرته على عداءه وعداء نظرية التطور للدين.

I think they’re right that evolution is fundamentally hostile to religion.

I believe a true understanding of Darwinism is deeply corrosive to religious faith.

Darwinism is corrosive to religion.

لذلك فهو يسمي محاضرته بالملحد المناضل! Militant Atheism. طبعاً يحث له أن يدعي ذلك في حالتين:

  1. القدرة على نفي وجود الإله ومن ثم الدين.
  2. إثبات صحة نظرية التطور بشكل قطعي.

النقطة الأولى لم يقم لا هو ولا سواه بمحاولة إثباتها لأنه لا يوجد على حد علمي من تعاطى مع الإسلام وكتابه (القرآن الكريم) بشكل منطقي وعلمي وناقشه مناقشة من يبحث عن الدليل المنطقي بشكل متجرد.

النقطة الثانية ليست موضوع هذه المقالة. ولكنه يشير لنقطة طريفة هي محل إشكال لكل من يؤمن بالتطور وكلهم يحاولون نفي علاقة التطور بها وهي إشكالية نشوء الحياة وتعقيدها!. وقد كتبت عن تلك النقطة بالذات في تدوينتين سابقتين (عن موضوع التعقيد):

أفكارمتفرقة (1) إعادة ترتيب فقط؟

أفكار متفرقة (2) تعقيد الحياة.

فهو يقول:

The difficult problem for any theory of biological design is to explain the massive statistical improbability of living things. Statistical improbability in the direction of good design — “complexity” is another word for this.

Complexity is the problem that any theory of biology has to solve.

ثم يحاول أن يفند حجة القول بالتصميم الذكي بسبب هذا التعقيد في بينة الحياة فيقول:

The standard creationist argument: Living creatures are too complex to have come about by chance; therefore, they must have had a designer.

وحجته بسيطة جداً لدرجة أنه يقول بأن دليل التصميم الذكي السابق قد عطل نفسه بنفسه:

This argument of course, shoots itself in the foot. Any designer capable of designing something really complex has to be even more complex himself.

بمعنى أننا حينما نقول بأن الحياة معقدة لدرجة أنها بحاجة لمصمم أكثر تعقيداً منها، فنحن نوقع أنفسنا بمشكلة وهي من أوجد هذا المصمم الأكثر تعقيداً من الحياة؟ هذه هي حجنه ببساطة شديدة!.

الحجة السابقة تعاني من مشاكل عديدة لعل أهمها يتعلق بالنقطة الأولى الذي اشتبكنا فيها مع المحاضر وهي قدرة العقل المحدودة وعدم قدرته على النفي المطلق.

فحتى تكون الحجة السابقة منطقية فيجب أن يكون فهم العقل البشري مطلقاً!. بمعنى أن منقطنا الذي نفكر به يجب أن يكون مطلقاً وقادراً على فهم أي شيء. لكن هل نحن نفهم أو نستطيع تصور أي شيء؟ الحقيقة الأكيدة هي لا قطعاً.

لنعد للسلسلة السابقة:

مادة معقدة (حياة) ← مصمم أكثر تعقيداً ← مصمم للمصمم السابق كثر تعقيداً منه ← مصمم للمصمم السابق وهكذا.

برأيه وجود هذه السلسلة يعني نفي وجود خالق، ولكن هذا خطأ منطقي لأسباب عديدة. أهمها افتراض أن الدليل على وجود الإله ينتمي لنفس مستوى المادة الحية التي نبحث عن تفسير لوجودها. وقد أشرنا فيما سبق إلى أن هذا الإله لا يمكن نفي وجوده في مستوى أعلى من المادة، مستوىً يتطلب من الأدلة أن تكون منطقية بالدرجة الأولى – ولا يمكن لها بحال من الأحول أن تشابه الأدلة العلمية التي نبحث عنها في سياق إثبات النظريات العلمية.

النقطة الثاني هي أننا لا يمكن أن ننفي وجود الإله بسبب تلك السلسلة اللا متناهية. فالسلسلة السابقة هي لا متناهية بالنسبة لعقلنا ولمحدودية تفكيره. مثلها مثل مستقيم الأعداد الا متناهي، مثلها مثل مسألة لا تناهي الكون وعدم قدرة العقل على تصور وجود حدود للكون!. فنحن نتعامل مع تلك الظواهر اللا متناهية دون أي مشاكل فلماذا نثير في السلسلة السابقة وندعي بعدم وجود إله لمجرد وجود مثل هذه السلسلة؟! وهل عقلنا يمتلك المنطق المطلق ليقوى على هذا الإدعاء؟ قطعاً لا.

مسألة من خلق الله لا يمكن أن تكون دليلاً منقطياً على عدم وجود ذلك الإله – لسبب بسيط وهي أننا لا يمكن أن ندعي أن عقلنا يقوى على الفهم المطلق ولا يستطيع أحد إدعاء ذلك.

كما أن نفي المسبب لمجرد وجود سلسلة لا متناهية تقتضي منا مثلاً نفي أن يكون الكون قد نشأ من تلقاء نفسه ونفي أن يكون ذلك الإنفجار العظيم هو مولد هذا الكون، بناء على تبنيه لهذا المنطق الأعوج فيجب أن ننكر نشأة الكون بالمقابل!.

كما يمكن أن تسقط الفكر السابق على تناهي صغر مكونات المادة فما دمنا لا نعرف متى تتوقف مكونات المادة فيجب أن ننفي تكونها!.

عندما يعجز عقلنا عن فهم مسألة ما فهو لا يحق له بحال من الأحوال نفي وجودها أو نفي ما يتعلق بها – لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره وفهمه قولاً واحداً.

تذكر أننا لا نستطيع منطقياً نفي وجود خالق للكون، لذلك لا يصح بحال من الأحوال اعتبار المتسلسلة السابقة دليلاً على عدم وجود الخالق – لأن ذلك يعني أننا نستطيع النفي وهذا غير صحيح قطعاً.

مشكلة التعقيد

مشكلة التعقيد لا ترتبط بنظرية التطور، فالتطور بمحركه الرئيسي (الانتقاء الطبيعي) لا يعمل إلى على المادة الحية. أما ما قبل ذلك فالموضوع متروك للمصادفات وأنى للمصادفات أن تستطيع (حتى بمساعدة القوانين الكونية الثابتة) خلق مادة حية حتى بأبسط أشكالها!.

يزعم المحاضر أن التطور قد حل هذه المعضلة ببساطة!

Darwinian natural selection is so stunningly elegant because it solves the problem of explaining complexity in terms of nothing but simplicity.

وكلامه هذا مغلوط تماماً لأن التطور لا يعمل إلا على المادة الحية التي تتصف بسعيها للمحافظة على وجودها الأمر الذي يتيح لمحرك التطور الرئيس (الانتقاء الطبيعي) العمل (تبعاً للنظرية). أما قبل ذلك فلا تطور ولا انتقاء طبيعي، الأمر مجرد خضوع لقوانين الكون الثابتة. وهذه القوانين لا تستطيع بحال من الأحوال إنتاج تعقيد يصل لتعقيد الحياة التي تتصف بما سبق مناقشته.

بمعنى أن التطور إذا كان صحيحاً فهو قد بدأ بالعمل بعد نشوء الحياة وليس قبلها. وقد يقول قائل بأن التطور يمكن أن يعمل على بعض المركبات ويعطيها أفضلية على غيرها في سياق الوصول للحياة، وهذا الكلام مرفوض تماماً لأنه لا يوجد أي نوع من المنافسة بين تلك الجزئيات وإن كان هناك أفضلية فهي أفضلية بسبب الخضوع للقوانين وليس مردها للمنافسة، وهذا (الأفضلية الناتجة عن القوانين) تعني أن أي سياق يمكن تكراره في المخابر اليوم بتوفير نفس الشروط – وهذا مالم يحدث أبداً في أي مخبر من مخابر العالم.

أي أن المحاضر يقوم بعملية سحب وإفلات لعمل التطور من الحيز الذي يعمل فيه إلى حيز لا يعمل فيه ويدعي أن التطور كان هو السبب في نشوء تعقيد الحياة! رغم أن التطور إن كان صحيحاً فهو ناتج عن تعقيد الحياة وليس مولداً لها.

إشكاليات أخرى في التعامل مع الأديان

ولعل أولى الإشكاليات هي أن الملحدين عندما يفرضون أن الأديان هي إنتاج بشري لا يجدون أي مشكلة في التعامل مع هذا الكم الهائل من الإنتاج الذي لو كان في مجال آخر لكانت أولى كلماتهم إن هذا لا يمكن أن يصدر عن شخص واحد (لن نقول عن بشر مثلاً).

وتتعاضد هذه المشكلة في مشكلة أنهم عموماً يتجاهلون الإسلام ويركزون على المسيحية – فلن تجد عالماً أو ملحداً “منصفاً” يدرس كتاب الإسلام والذي هو القرآن ليرى فيما إذا كان هذا الكتاب بكل ما يحمله يمكن أن يكون إنتاج عقل بشري كما يدعون – وعقل بشري لشخص واحد وهو محمد (صلى الله عليه وسلم).

أي أنك لن تجد تفسيراً للنتجية التي تنتج عن إدعائهم بأن الأديان إنتاج بشري – وهي كون هذا الكم من التعاليم والنصوص الدينية لا يمكن أن تصدر عن شخص واحد (لن نقول عن البشر).

ولعل هذه المشكة تتعاضد مع طبيعة أخرى بشرية وتفسر لنا في النهاية لماذا لا نجد الكثير من المتدينين في صفوف العلماء.

الطبيعة البشرية التي أقصدها هي كره الناس للتقييد، فهم لا يحبون ولا ينجذبون لما يقييد حركتهم وينجذبون بشكل طبيعي وفطري إلى الناحية الأخرى. هذه النقطة بالتعاضد مع تجاهل دراسة الإسلام تُعد تفسيراً معقولاً جداً لندرة المتدينين في أوساط العلماء. فلكي تكون متديناً ومسلماً فيجب أن تدرس الإسلام دراسة واعية منطقية آخذاً بعين الإعتبار أن الدين يمكن أن يكون حقيقة – وأخبرني عن أي عالم قام بمثل هذه الدراسة؟!.

الكل ينطلق من أن الدين عموماً أمر ثانوي وأمر لا دليل “علمي” له وكونهم علماء يدرسون العلم بالمنهج العلمي فهذا الأمر بالتالي لا يستحق الوقت الذي يمكن أن يُصرف على دراسته فعلياً. والنتيجة هي ما ترى، ولكنها كما ترى تراكب لمغالطات منطقية لا أكثر ولا أقل.

وفي نهاية المحاضرة يرتكب مغالطة أخرى وهي أنه يشبه الدين والإدعاء بصحبته بمثال أن يكون لديك إبريق شاي هائل يدور حول المشتري مثلاً، فأنت لا يمكن أن تنفي ذلك بسهولة كما أنك لا تمتلك دليلاً سوى قولك بأنه هناك يدور!.

وهو بذلك يتجاهل حقيقة أن دين الإسلام يمتلك دليلاً ودليلاً يخاطب العقل (المنطق) بالدرجة الأولى ويحثه على التفير فيه وبصته وبإعجازه. ومرة أخرى مرد الأمر يعود إلى تجاهل الدليل الموجود على صحة الإسلام وتجاهل دراسة هذا الدليل بشكل منهجي ومنطقي. فهو يقول:

If you want to believe one particular one of them — unicorns or tooth fairies or teapots or Yahweh — the onus is on you to say why. The onus is not on the rest of us to say why not.

فهو يطالب بالدليل وبأننا نحن من علينا الإتيان بالدليل على صحة وجود إبريق الشاي الذي يدور حول المشتري. ويقابل ذلك المثال مع الأديان – وهنا نقول له بأن الدليل موجود ولكن أمثالك يتجاهلونه ليس إلا خوفاً منه ربما!.

كما ينهي المحاضرة بادعاء سخيف جداً، نذكره بأن عليه أن يأتي بالدليل عليه وليس نحن (the onus is on you) فيقول بأن أينشتاين كان يقصد بالإله في كلامه بالقوى الفيزيائية الغامضة ويسوق لأن أينشتاين كان ملحداً مثله:

When atheists like Stephen Hawking and Albert Einstein use the word “God,” they use it of course as a metaphorical shorthand for that deep, mysterious part of physics which we don’t yet understand.

هنا نقول له ما قاله هو مع تعديل بسيط:

The onus is on you to say (where did Einstein meant that and how)?

وأخيراً يطلب من جمهو الملحدين أن يكفوا عن كونهم مؤدبين مع المؤمنين بعبارة لا تنم إلا عن امتعاضه الشديد من موضوع الأديان ومحاولته بالظهور بمظهر العالم الذي فند هذه القضية للأبد!

I’m asking you to stop being polite, come out, and say so.

Let’s all stop being so damned respectful.

حسنٌ، توقف عن كونك مؤدباً ولكن حاول أن تكون منصفاً ومنطقياً في التعامل مع الأديان، قبل أن ترمي الحجج “اللاعملية” هنا وهناك!.

أفكار متفرقة (2) — هل الحياة إعادة ترتيب فقط؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العيظم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

انتهت التدوينة السابقة (أفكار متفرقة (1): إعادة ترتيب فقط؟) بسؤالين:

  • ما هي أكثر أشكال التعقيد التي يمكن أن نجدها في الطبيعة بصورة تلقائية (مستثنين الحياة)؟
  • هل الحياة التي نعرفها ولو بأبسط أشكالها ليست إلا إعادة ترتيب لعناصر طبيعية؟

لو أردنا أن نتخيل كوكب الأرض بدون الحياة (بكل أشكالها عليه) لما اختلف شكله كثيراً عن حال المريخ اليوم. ولو تأملت المريخ لتبحث عن مستويات تعقيد في تكويناته فلن تجد شيئاً يرقى للمسمار الذي تحدثنا عنه في التدوينة السابقة!. أي أن الطبيعة بحد ذاتها عاجزة عن إنجاز أي مستوى من مستويات التعقيد (ذو الغاية) مهما كان بسيطاً. وعندما نقول الطبيعة هنا فإننا لا نقصد وعياً خارجياً إنما نقصد هذا التجمع لتلك المجموعة من العناصر المختلفة والمكونة لهذا الكوكب – والي تتفاعل مع بعضها وفق قوانين ثابتة.

إذاً العناصر المكونة للطبيعة تخضع دوماً لجملة من القوانين الثابتة التي تحكم هذا الكون. إذاً عنصر القوانين موجود ولكن الذي ينقص هو (إعادة الترتيب – الفاعل – الهدف). بمعنىً آخر لو تركنا العناصر تتفاعل مع بعضها البعض فلن نحصل على أي مستوىً من مستويات التعقيد. حديثنا هذا يتصل بلا شك بمسألة أصل الحياة ولكننا نتعامل مع الموضوع من ناحية أخرى.

طبعاً لا شك أن أحدهم سيقول لي مثلاً بأنه وعلى كوكب الأرض كانت قد تجمعت مجموعة مثيرة من الظروف التي هيأت لنشأة الحياة عبر تجمع عناصر محددة كانت متوفرة على سطح الأرض في تلك الحقبة وقد تم ذلك في قاع المحيطات بوجود مصادر طاقة مستمرة وتجمع مناسب للعناصر. سنناقش هذا الأمر في هذه التدوينة، وتذكر دائماً أن المشاكل تظهر فقط عندما تتحدث في التفاصيل – وهنا لن نتحدث عن التفاصيل إنما سنحاول تحليل الشروط العامة لهذه التفاصيل في ضوء كلامنا السابق عن إعادة الترتيب والخضوع لقوانين الكون الثابتة.

النقطة التي أدور حولها ليست علاقة نشأة الحياة بنظرية التطور، وإنما أبحث في إمكانية نشوء الحياة بدون عنصر (الفاعل) الموجود في صيغتا السابقة.

السيناريوهات المطروحة لنشوء الحياة كلها تدور عن توافر شروط مناسبة لنشأة بنى معقدة في أعماق المحيط. والكتاب الوحيد الذي وصلت له والذي يبحث في أصل الحياة بشكل مفصل شيئاً ما هو كتاب:

Life Ascending – Nick Lane وفي هذه المقالة لن أتحدث عن تفاصيل الكتاب بقدر ما سأتحدث عن بعض التفاصيل التي تتعلق بالعملية التي تمت، وسأترك تفاصيل الفصل الذي يتحدث فيه الكاتب عن سيناريو تشكل الحياة لحديث آخر.

السيناريو ببساطة هو تجمع مواد معينة في قاع المحيطات مع توافر مصدر للطاقة ما أدى مع مرور الزمن إلى تشكل جزيئات معقدة تمثل بذرة الحياة. التجمع هنا لا يهمنا ولا يعتبر معجزة بحد ذاته أو شيئاً يصعب تحقيقه لاحقاً في المخابر. الذي يهمنا هنا هو أن المنتج النهائي مهما كان معقداً فهو حصيلة تفاعل بين العناصر نتجية خضوعها لقوانين فيزيائية وكيميائية معينة وثابتة – أي أن المنتج النهائي (مهما كان معقداً في هذا السيناريو) فإن خروجه أمر حتمي نتيجة مطلق خضوع تلك العناصر لقوانين الكون الثابتة.

بمعنىً آخر فإن التفاعل يبدأ ويدخل في متسلسلة الحصول على الجزيء الذي نعتبره أصل الحياة بمجرد تجمع المواد معاً وبدءها بالتفاعل. وأن ما كانت تنتظره الحياة لتبدأ (وفق ذلك التصور) ليس إلا أن تتجمع تلك العناصر مع بعضها البعض في حيز واحد يتوافر فيه مصدر للطاقة – وما تبقى هو نتجية حتمية لخضوع تلك العناصر لقوانين الكون الثابتة.

أي أن نموذج الترتيب النهائي هو حتمي وسيخرج بمجرد تجمع تلك العناصر مع بعضها لأنها بالنهاية تتصرف وفقاً لقوانين ثابتة. أي لا جاجة هنا لعنصر (الفاعل) في معالجتنا السابقة. هذا النموذج من الحصول بُنى معقدة يمكن أن نشاهده ولكن على مستويات بسيطة جداً جداً من التعقيد. جرب مثلاً أن تضع مغناطيسين في علبة وتخضها جيداً لتجد أنها تطابقا بشكل معين. هذا التطابق يُعتبر حتمياً ويُعد مستوى بسيطاً جداً من التعقيد.

الكلام السابق سيقودك بشكل طبيعي لتصور أن إعادة تلك العملية في مخابر العلماء أمر روتيني وأنهم يستطيعون إعادتها بمجرد جمعهم للعناصر اللازمة وتوفير مصدر للطاقة. ولكن هل هذا الذي يحصل؟! قطعاً لا – لا يوجد مختبر على وجه الأرض يستطيع الإدعاء بأنه أعاد السيناريو الذي حصل عند بزوغ الحياة.

وما سبق طبعاً بسبب أننا مضطرون لإهمال عنصر (الفاعل = المصمم) من السيناريو الذي يقود لنشوء الحياة وترك الأمر للطبيعة!.

وبالعودة لأبسط أشكال الحياة فإننا نلاحظ مستويات هائلة من التعقيد!. ولتسهيل عملية التحليل سنحاول أن نحلل الحياة – أو نحلل أهم الصفات التي تمتاز بها الحياة والكائنات الحية – حتى بأبسط أشكالها ولنأخذ أبسط شكل ممكن كإحدى الجراثيم مثلاً.

نستطيع القول بأن ما يميز هذه الكائنات هو التالي:

  1. أنها تهدف للمحافظة على بقائها (الآنية) عبر التغذية، عبر محاولتها الدؤوبة للحصول على المواد الغذائية وما يتبعها من عمليات حيوية (كالتنفس والإطراح وسواها).
  2. كما أنها تهدف للمحافظة على وجودها (على المدى البعيد) عبر سعيها للتكاثر وما ينتج عنه أيضاً من عمليات حيوية.

بالعودة للسيناريو السابق لنشوء الحياة فإن العنصر الذي يُفترض بأنه بذرة الحياة كما سبق وأشرنا فلا بد أنه نشأ كنتيجة حتمية لتفاعل العناصر التي تجمعت مع بعضها البعض لأنها خاضعة بالضرورة لقوانين الكون. ولكن المشكلة هي الربط بين مستوى التعقيد الذي يمكن الحصول عليه بمثل هذا السيناريو وبالتعقيد الذي نجده في أبسط أشكال الحياة التي حاولنا تحليل صفاتها الرئيسة.

إذاً لدينا ثغرة بين ما يمكن الحصول عليه كنتيجة طبيعية لتفاعل العناصر مع بعضها وبين أبسط أشكال الحياة وما يمتاز به من تعقيد هائل على مستوى الهدف والغاية.

لنتخيل أن لدينا مستقيم يشبه مستقيم الأعداد يمثل هذا المستقيم مستوى التعقيد ويبدأ من الصفر إلى أعلى مستويات التعقيد الممكنة ولنقل أنها لانهاية.

photo_2017-02-24_23-22-06

في بداية مستقيم التعقيد نجد العناصر الطبيعية الموجودة في الطبيعة مثل الهيدروجين والأكسجين الحديد والنحاس والزئبق… كلها عناصر موجودة في الطبيعة بحالة طبيعية. سنفترض أن هذا المستوى هو أدنى مستوى ممكن للتعقيد. وما يهمنا هنا هو أن هذا المستوى من التعقيد موجود في الطبيعة بصورة طبيعية وما نقصده بذلك هو أنه موجود بدون فاعل (هذا الافتراض هو الذي سننطلق منه ولن يهمنا حالياً معالجة التعقيد في بنية هذه العناصر نفسها).

إذاً أول مستوى من مستويات التعقيد يوجد في الطبيعة بصورة تلقائية.

الآن لو وضعنا الهيدرودجين مع الأكسجين فإنهما سيتفاعلان وسنحصل على جزيء الماء. جزيء الماء أكثر تعقيداً بطبيعة الحال من العناصر المكونة له، وما حصل بين العنصرين من تفاعل وتكوينهما لجزيء الماء هو أمر حتمي لأنهما يخضعان لقوانين الكون التي تحتم عليهما الاتحاد والتفاعل (لا يهمنا هنا السبب الكامن وراء ذلك لأننا نعتبر العناصر أبسط مستوى للتعقيد فلا يهمن البحث في سبب تفاعلهما بع بعضهما لأن ذلك يحتم علينا البحث في بنية هذه العناصر وهذا يخالف افتراضنا بأنهما أبسط ما يمكن – الافتراض هذا لتبسيط الموضوع فقط).

وبالمثل نستطيع إيراد آلاف الأمثلة على مستويات من التعقيد يمكن أن نراها في الطبيعة بصورة تلقائية وبدون (فاعل) لأنها نتيجة طبيعية لقوانين هذا الكون واتباع عناصر الطبيعة لتلك القوانين. مستويات التعقيد لا يمكن أن تكون كبيرة جداً ولكننا بطبيعة الحال يمكن أن نجد بعض المركبات المعقدة.

المهم في ما سبق هو أن مستويات التعقيد السابقة هي دائماً وأبداً نتيجة طبيعية وحتمية لتلك القوانين وكل ما تحتاج إليه تلك العناصر للانتقال إلى المستوى الثاني من التعقيد هو أن تتواجد في مكان واحد بحيث يُتاح لها التفاعل والانتقال لمستوى أعلى من التعقيد. والأكثر أهمية فيما سبق هو أن كل العمليات السابقة يمكن تكرار افتعالها في  مخابرنا، وكذلك أنها لا تُعتبر مادة حية بالخواص التي سبق وذكرناها وهي التكاثر والمحافظة على البقاء. يمكن أن نوجز خواص هذه المركبات المعقدة بدرجة بسيطة بما يلي:

  1. تتبع قوانين الكون في تشكلها بمجرد اجتماع مكوناتها مع بعضها البعض.
  2. لا تتكاثر، ولا تحافظ على وجودها بأي شكل من الأشكال.
  3. يمكن تكرار اصطناعها ببساطة في المخابر.

لننتقل إلى الطرف الآخر من مستقيم التعقيد حيث توجد الحياة، ولا شك أن أبسط أشكال الحياة يقع بعيداً جداً عم الموقع السابق الذي كنا نتحدث عنه. والحياة هنا كما نعرفها تحاول دائماً بكل أشكالها المحافظة على وجودها كما سبق وأشرنا كما أنها تتكاثر بشكل مستمر. أي يمكن أن نوجز خواصها مرة ثانية بما يلي:

  1. لا نعرف كيف نشأت (حتى اللحظة في مقالنا هذا).
  2. تتكاثر وتحاول المحافظة على وجودها.
  3. لم يمكن حتى اللحظة إعادة تشكليها في المخابر بمجرد اجتماع عناصرها الأولية.

إذاً لم يتم حتى اللحظة إعادة تشكيل مادة حية من اجتماع عناصرها مع توافر الطاقة بأي مخبر في أي مكان في العالم، أي لم يتم إنتاج مادة حية تتكاثر وتحافظ على بقائها بمجرد اجتماع عناصرها واتباع تلك العناصر لقوانين الكون.

إذاَ ما الذي حصل بين هاتين المرحلتين أو المستويين المختلفين تماماً من التعقيد؟

الافتراض بأن الحياة نشأت هكذا وبدون (فاعل) يضعنا أمام نتيجة حتمية وهي أننا يجب أن نحصل على المادة الحية بمجرد اجتماع العناصر المكونة لها كون تلك العناصر تتبع قوانين الكون ولا بد لها من أن تنتج الحياة بمجرد أن تتواجد معاً مع توافر الطاقة.

المشاكل تظهر كما سبق ورأيت دائماً عند التفكير في التقاصيل. من السهولة أن تقول لي بأن الحياة نشأت في أعماق المحيطات بتوافر الطاقة من البراكين وباجتماع العناصر المناسبة مع بعضها البعض، ولكنك ستعجز عن تفسير عدم قدرتنا على تكرار تلك التجربة مرة ثانية في مخابرنا رغم كل التسهيلات التي نقدمها لتلك العناصر!.

الفجوة السابقة لا يمكن تجاهلها بحال من الأحوال – فالانتقال من مركبات معقدة بشكل بسيط نشأت تلقائياً من اجتماع عناصرها وخضوع تلك العناصر لقوانين الكون الثابتة إلى المادة الحية التي تتفوق على تلك المركبات بمستويات هائلة من التعقيد وبوجود خصائص لا نزال حتى اليوم نجهل كيف تشكلت، والقول بأن ذلك حصل مع مرور الزمن فقط هو درجة عالية من الاستخفاف بالعقل والمنطق!.

بقي أن نشير لنقطة مهمة جداً وهي أن العناصر التي تقوم عليها نظرية التطور، والتي يعمل بفضلها التطور أساساً، لا تتواجد إلا في المادة الحية، فهي لا تتواجد في المركبات التي تتشكل في الطبيعة بشكل تلقائي. وهذه العناصر هي السعي للمحافظة على الحياة والتكاثر (والتي بفضلها يمكننا أن نتحدث عن الانتقاء الطبيعي). أي أننا لا يمكن أن نستخدم مفاهيم التطور على المركبات التي تنشأ في الطبيعة بصورة تلقائية. بمعنىً آخر فإنه لا يمكننا الحديث عن تطور قبل ظهور المادة الحية بالخصائص التي أشرنا لها سابقاً.

أي أن أي مركب غير حي (لا يتمتع بتلك الخصائص) فهو مركب لا يعمل عليه التطور، وبالتالي فإن التطور يظهر ويعمل فقط بمستويات التعقيد الموافقة للحياة. أما ما سبقها فهو لا يتواجد ببساطة. إذاً كيف انتقلت المركبات من التعقيد البسيط الخاضع لقوانين الكون إلى الحياة؟ لا يوجد أمامنا (كون التطور لا يعمل هنا) سوى القول بأنها ضعت لقوانين الكون فقط، ولكن هذا يضعنا أما نتيجة حتمية أخرى هي أننا يجب بذلك أن نكون قادرين على تكرار تلك التجربة، ويجب أن نراها تكرر نفسها في المحيطات بصورة طبيعية كما سبق وحصل. ولكن هذا لا يحصل، ما يجعلنا عاجزين عن تفسير تلك الفجوة في مستويات التعقيد.

النتيجة هي أن القول بأن خصائص الحياة ظهرت هكذا فجأة في المركبات التي تنشأ نتيجة خضوع عناصرها لقوانين الكون الثابتة هو قول لا يستند على أي منطق! ولا يمكن لعقل أن يعتقد به دون تجاهل تلك الفجوة!. والتي لا يمكن تفسيرها بدون وجود (فاعل) وراء هذه النقلة النوعية في التعقيد.

دعنا نضرب مثالاً أخيراً، هل تمشي في الطبيعة وتجد فيها مثلاً ترانستور؟ قلم رصاص؟ مسطرة؟ طبعاً لا رغم أنها مستويات تعقيد متدنية جداً بطبيعة الحياة مقارنة بالحياة. السبب وراء ذلك هو أن وجود تلك المواد يتطلب فاعلاً ينقل المركبات من مستوى تعقيد (وصلته بصورة تلقائية) إلى مستوى تعقيد آخر أعلى (لا يمكنها أن تصله تلقائياً لان قوانين الكون لا تفرض عليها ذلك).

44# 5.2.17 — بين العادة والعبادة

Shadi MEMO

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

عندما نتحدث عن العادة فإن أو ما يتبادر للذهن هو مفهوم السهولة، سهولة الأمر الذي اعتدنا عليه. وعندما تخصص الأمر الذي اعتدت عليه فإن ذلك هو ما يحدد قيمة تلك العادة في حياتك، فحديثك عن اعتيادك على الاستيقاظ باكراً هو أمر إيجابي ويؤخذ في هذا السياق. أما عند الحديث عن عادة شرب الدخان مثلاً، أو اعتياد الاستيقاظ المتأخر فهذا السياق سلبي غالباً. إذاً وجود العادة بخد ذاته لا يحدد قيمة الأمر في حياتك، ولكن الأمر المشترك في كلا السياقين هو السهولة. فأنت تقوم بما اعتدت عليه بسهولة ودون أي مشقة – لأنك اعتدت عليه ببساطة!.

في سياق الدين والعبادات، يجري الحديث عن العادة عموماً في السياق السلبي. إذ لا ينفك الدعاة في تحذيرهم من تحول العبادات إلى عادات!. وكل ما تقرؤه عن العادة في سياق العبادات يؤخذ في السياق السلبي!. ولكني أرى الأمر من زاوية…

View original post 389 more words