أفكار متفرقة (2) — هل الحياة إعادة ترتيب فقط؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العيظم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

انتهت التدوينة السابقة (أفكار متفرقة (1): إعادة ترتيب فقط؟) بسؤالين:

  • ما هي أكثر أشكال التعقيد التي يمكن أن نجدها في الطبيعة بصورة تلقائية (مستثنين الحياة)؟
  • هل الحياة التي نعرفها ولو بأبسط أشكالها ليست إلا إعادة ترتيب لعناصر طبيعية؟

لو أردنا أن نتخيل كوكب الأرض بدون الحياة (بكل أشكالها عليه) لما اختلف شكله كثيراً عن حال المريخ اليوم. ولو تأملت المريخ لتبحث عن مستويات تعقيد في تكويناته فلن تجد شيئاً يرقى للمسمار الذي تحدثنا عنه في التدوينة السابقة!. أي أن الطبيعة بحد ذاتها عاجزة عن إنجاز أي مستوى من مستويات التعقيد (ذو الغاية) مهما كان بسيطاً. وعندما نقول الطبيعة هنا فإننا لا نقصد وعياً خارجياً إنما نقصد هذا التجمع لتلك المجموعة من العناصر المختلفة والمكونة لهذا الكوكب – والي تتفاعل مع بعضها وفق قوانين ثابتة.

إذاً العناصر المكونة للطبيعة تخضع دوماً لجملة من القوانين الثابتة التي تحكم هذا الكون. إذاً عنصر القوانين موجود ولكن الذي ينقص هو (إعادة الترتيب – الفاعل – الهدف). بمعنىً آخر لو تركنا العناصر تتفاعل مع بعضها البعض فلن نحصل على أي مستوىً من مستويات التعقيد. حديثنا هذا يتصل بلا شك بمسألة أصل الحياة ولكننا نتعامل مع الموضوع من ناحية أخرى.

طبعاً لا شك أن أحدهم سيقول لي مثلاً بأنه وعلى كوكب الأرض كانت قد تجمعت مجموعة مثيرة من الظروف التي هيأت لنشأة الحياة عبر تجمع عناصر محددة كانت متوفرة على سطح الأرض في تلك الحقبة وقد تم ذلك في قاع المحيطات بوجود مصادر طاقة مستمرة وتجمع مناسب للعناصر. سنناقش هذا الأمر في هذه التدوينة، وتذكر دائماً أن المشاكل تظهر فقط عندما تتحدث في التفاصيل – وهنا لن نتحدث عن التفاصيل إنما سنحاول تحليل الشروط العامة لهذه التفاصيل في ضوء كلامنا السابق عن إعادة الترتيب والخضوع لقوانين الكون الثابتة.

النقطة التي أدور حولها ليست علاقة نشأة الحياة بنظرية التطور، وإنما أبحث في إمكانية نشوء الحياة بدون عنصر (الفاعل) الموجود في صيغتا السابقة.

السيناريوهات المطروحة لنشوء الحياة كلها تدور عن توافر شروط مناسبة لنشأة بنى معقدة في أعماق المحيط. والكتاب الوحيد الذي وصلت له والذي يبحث في أصل الحياة بشكل مفصل شيئاً ما هو كتاب:

Life Ascending – Nick Lane وفي هذه المقالة لن أتحدث عن تفاصيل الكتاب بقدر ما سأتحدث عن بعض التفاصيل التي تتعلق بالعملية التي تمت، وسأترك تفاصيل الفصل الذي يتحدث فيه الكاتب عن سيناريو تشكل الحياة لحديث آخر.

السيناريو ببساطة هو تجمع مواد معينة في قاع المحيطات مع توافر مصدر للطاقة ما أدى مع مرور الزمن إلى تشكل جزيئات معقدة تمثل بذرة الحياة. التجمع هنا لا يهمنا ولا يعتبر معجزة بحد ذاته أو شيئاً يصعب تحقيقه لاحقاً في المخابر. الذي يهمنا هنا هو أن المنتج النهائي مهما كان معقداً فهو حصيلة تفاعل بين العناصر نتجية خضوعها لقوانين فيزيائية وكيميائية معينة وثابتة – أي أن المنتج النهائي (مهما كان معقداً في هذا السيناريو) فإن خروجه أمر حتمي نتيجة مطلق خضوع تلك العناصر لقوانين الكون الثابتة.

بمعنىً آخر فإن التفاعل يبدأ ويدخل في متسلسلة الحصول على الجزيء الذي نعتبره أصل الحياة بمجرد تجمع المواد معاً وبدءها بالتفاعل. وأن ما كانت تنتظره الحياة لتبدأ (وفق ذلك التصور) ليس إلا أن تتجمع تلك العناصر مع بعضها البعض في حيز واحد يتوافر فيه مصدر للطاقة – وما تبقى هو نتجية حتمية لخضوع تلك العناصر لقوانين الكون الثابتة.

أي أن نموذج الترتيب النهائي هو حتمي وسيخرج بمجرد تجمع تلك العناصر مع بعضها لأنها بالنهاية تتصرف وفقاً لقوانين ثابتة. أي لا جاجة هنا لعنصر (الفاعل) في معالجتنا السابقة. هذا النموذج من الحصول بُنى معقدة يمكن أن نشاهده ولكن على مستويات بسيطة جداً جداً من التعقيد. جرب مثلاً أن تضع مغناطيسين في علبة وتخضها جيداً لتجد أنها تطابقا بشكل معين. هذا التطابق يُعتبر حتمياً ويُعد مستوى بسيطاً جداً من التعقيد.

الكلام السابق سيقودك بشكل طبيعي لتصور أن إعادة تلك العملية في مخابر العلماء أمر روتيني وأنهم يستطيعون إعادتها بمجرد جمعهم للعناصر اللازمة وتوفير مصدر للطاقة. ولكن هل هذا الذي يحصل؟! قطعاً لا – لا يوجد مختبر على وجه الأرض يستطيع الإدعاء بأنه أعاد السيناريو الذي حصل عند بزوغ الحياة.

وما سبق طبعاً بسبب أننا مضطرون لإهمال عنصر (الفاعل = المصمم) من السيناريو الذي يقود لنشوء الحياة وترك الأمر للطبيعة!.

وبالعودة لأبسط أشكال الحياة فإننا نلاحظ مستويات هائلة من التعقيد!. ولتسهيل عملية التحليل سنحاول أن نحلل الحياة – أو نحلل أهم الصفات التي تمتاز بها الحياة والكائنات الحية – حتى بأبسط أشكالها ولنأخذ أبسط شكل ممكن كإحدى الجراثيم مثلاً.

نستطيع القول بأن ما يميز هذه الكائنات هو التالي:

  1. أنها تهدف للمحافظة على بقائها (الآنية) عبر التغذية، عبر محاولتها الدؤوبة للحصول على المواد الغذائية وما يتبعها من عمليات حيوية (كالتنفس والإطراح وسواها).
  2. كما أنها تهدف للمحافظة على وجودها (على المدى البعيد) عبر سعيها للتكاثر وما ينتج عنه أيضاً من عمليات حيوية.

بالعودة للسيناريو السابق لنشوء الحياة فإن العنصر الذي يُفترض بأنه بذرة الحياة كما سبق وأشرنا فلا بد أنه نشأ كنتيجة حتمية لتفاعل العناصر التي تجمعت مع بعضها البعض لأنها خاضعة بالضرورة لقوانين الكون. ولكن المشكلة هي الربط بين مستوى التعقيد الذي يمكن الحصول عليه بمثل هذا السيناريو وبالتعقيد الذي نجده في أبسط أشكال الحياة التي حاولنا تحليل صفاتها الرئيسة.

إذاً لدينا ثغرة بين ما يمكن الحصول عليه كنتيجة طبيعية لتفاعل العناصر مع بعضها وبين أبسط أشكال الحياة وما يمتاز به من تعقيد هائل على مستوى الهدف والغاية.

لنتخيل أن لدينا مستقيم يشبه مستقيم الأعداد يمثل هذا المستقيم مستوى التعقيد ويبدأ من الصفر إلى أعلى مستويات التعقيد الممكنة ولنقل أنها لانهاية.

photo_2017-02-24_23-22-06

في بداية مستقيم التعقيد نجد العناصر الطبيعية الموجودة في الطبيعة مثل الهيدروجين والأكسجين الحديد والنحاس والزئبق… كلها عناصر موجودة في الطبيعة بحالة طبيعية. سنفترض أن هذا المستوى هو أدنى مستوى ممكن للتعقيد. وما يهمنا هنا هو أن هذا المستوى من التعقيد موجود في الطبيعة بصورة طبيعية وما نقصده بذلك هو أنه موجود بدون فاعل (هذا الافتراض هو الذي سننطلق منه ولن يهمنا حالياً معالجة التعقيد في بنية هذه العناصر نفسها).

إذاً أول مستوى من مستويات التعقيد يوجد في الطبيعة بصورة تلقائية.

الآن لو وضعنا الهيدرودجين مع الأكسجين فإنهما سيتفاعلان وسنحصل على جزيء الماء. جزيء الماء أكثر تعقيداً بطبيعة الحال من العناصر المكونة له، وما حصل بين العنصرين من تفاعل وتكوينهما لجزيء الماء هو أمر حتمي لأنهما يخضعان لقوانين الكون التي تحتم عليهما الاتحاد والتفاعل (لا يهمنا هنا السبب الكامن وراء ذلك لأننا نعتبر العناصر أبسط مستوى للتعقيد فلا يهمن البحث في سبب تفاعلهما بع بعضهما لأن ذلك يحتم علينا البحث في بنية هذه العناصر وهذا يخالف افتراضنا بأنهما أبسط ما يمكن – الافتراض هذا لتبسيط الموضوع فقط).

وبالمثل نستطيع إيراد آلاف الأمثلة على مستويات من التعقيد يمكن أن نراها في الطبيعة بصورة تلقائية وبدون (فاعل) لأنها نتيجة طبيعية لقوانين هذا الكون واتباع عناصر الطبيعة لتلك القوانين. مستويات التعقيد لا يمكن أن تكون كبيرة جداً ولكننا بطبيعة الحال يمكن أن نجد بعض المركبات المعقدة.

المهم في ما سبق هو أن مستويات التعقيد السابقة هي دائماً وأبداً نتيجة طبيعية وحتمية لتلك القوانين وكل ما تحتاج إليه تلك العناصر للانتقال إلى المستوى الثاني من التعقيد هو أن تتواجد في مكان واحد بحيث يُتاح لها التفاعل والانتقال لمستوى أعلى من التعقيد. والأكثر أهمية فيما سبق هو أن كل العمليات السابقة يمكن تكرار افتعالها في  مخابرنا، وكذلك أنها لا تُعتبر مادة حية بالخواص التي سبق وذكرناها وهي التكاثر والمحافظة على البقاء. يمكن أن نوجز خواص هذه المركبات المعقدة بدرجة بسيطة بما يلي:

  1. تتبع قوانين الكون في تشكلها بمجرد اجتماع مكوناتها مع بعضها البعض.
  2. لا تتكاثر، ولا تحافظ على وجودها بأي شكل من الأشكال.
  3. يمكن تكرار اصطناعها ببساطة في المخابر.

لننتقل إلى الطرف الآخر من مستقيم التعقيد حيث توجد الحياة، ولا شك أن أبسط أشكال الحياة يقع بعيداً جداً عم الموقع السابق الذي كنا نتحدث عنه. والحياة هنا كما نعرفها تحاول دائماً بكل أشكالها المحافظة على وجودها كما سبق وأشرنا كما أنها تتكاثر بشكل مستمر. أي يمكن أن نوجز خواصها مرة ثانية بما يلي:

  1. لا نعرف كيف نشأت (حتى اللحظة في مقالنا هذا).
  2. تتكاثر وتحاول المحافظة على وجودها.
  3. لم يمكن حتى اللحظة إعادة تشكليها في المخابر بمجرد اجتماع عناصرها الأولية.

إذاً لم يتم حتى اللحظة إعادة تشكيل مادة حية من اجتماع عناصرها مع توافر الطاقة بأي مخبر في أي مكان في العالم، أي لم يتم إنتاج مادة حية تتكاثر وتحافظ على بقائها بمجرد اجتماع عناصرها واتباع تلك العناصر لقوانين الكون.

إذاَ ما الذي حصل بين هاتين المرحلتين أو المستويين المختلفين تماماً من التعقيد؟

الافتراض بأن الحياة نشأت هكذا وبدون (فاعل) يضعنا أمام نتيجة حتمية وهي أننا يجب أن نحصل على المادة الحية بمجرد اجتماع العناصر المكونة لها كون تلك العناصر تتبع قوانين الكون ولا بد لها من أن تنتج الحياة بمجرد أن تتواجد معاً مع توافر الطاقة.

المشاكل تظهر كما سبق ورأيت دائماً عند التفكير في التقاصيل. من السهولة أن تقول لي بأن الحياة نشأت في أعماق المحيطات بتوافر الطاقة من البراكين وباجتماع العناصر المناسبة مع بعضها البعض، ولكنك ستعجز عن تفسير عدم قدرتنا على تكرار تلك التجربة مرة ثانية في مخابرنا رغم كل التسهيلات التي نقدمها لتلك العناصر!.

الفجوة السابقة لا يمكن تجاهلها بحال من الأحوال – فالانتقال من مركبات معقدة بشكل بسيط نشأت تلقائياً من اجتماع عناصرها وخضوع تلك العناصر لقوانين الكون الثابتة إلى المادة الحية التي تتفوق على تلك المركبات بمستويات هائلة من التعقيد وبوجود خصائص لا نزال حتى اليوم نجهل كيف تشكلت، والقول بأن ذلك حصل مع مرور الزمن فقط هو درجة عالية من الاستخفاف بالعقل والمنطق!.

بقي أن نشير لنقطة مهمة جداً وهي أن العناصر التي تقوم عليها نظرية التطور، والتي يعمل بفضلها التطور أساساً، لا تتواجد إلا في المادة الحية، فهي لا تتواجد في المركبات التي تتشكل في الطبيعة بشكل تلقائي. وهذه العناصر هي السعي للمحافظة على الحياة والتكاثر (والتي بفضلها يمكننا أن نتحدث عن الانتقاء الطبيعي). أي أننا لا يمكن أن نستخدم مفاهيم التطور على المركبات التي تنشأ في الطبيعة بصورة تلقائية. بمعنىً آخر فإنه لا يمكننا الحديث عن تطور قبل ظهور المادة الحية بالخصائص التي أشرنا لها سابقاً.

أي أن أي مركب غير حي (لا يتمتع بتلك الخصائص) فهو مركب لا يعمل عليه التطور، وبالتالي فإن التطور يظهر ويعمل فقط بمستويات التعقيد الموافقة للحياة. أما ما سبقها فهو لا يتواجد ببساطة. إذاً كيف انتقلت المركبات من التعقيد البسيط الخاضع لقوانين الكون إلى الحياة؟ لا يوجد أمامنا (كون التطور لا يعمل هنا) سوى القول بأنها ضعت لقوانين الكون فقط، ولكن هذا يضعنا أما نتيجة حتمية أخرى هي أننا يجب بذلك أن نكون قادرين على تكرار تلك التجربة، ويجب أن نراها تكرر نفسها في المحيطات بصورة طبيعية كما سبق وحصل. ولكن هذا لا يحصل، ما يجعلنا عاجزين عن تفسير تلك الفجوة في مستويات التعقيد.

النتيجة هي أن القول بأن خصائص الحياة ظهرت هكذا فجأة في المركبات التي تنشأ نتيجة خضوع عناصرها لقوانين الكون الثابتة هو قول لا يستند على أي منطق! ولا يمكن لعقل أن يعتقد به دون تجاهل تلك الفجوة!. والتي لا يمكن تفسيرها بدون وجود (فاعل) وراء هذه النقلة النوعية في التعقيد.

دعنا نضرب مثالاً أخيراً، هل تمشي في الطبيعة وتجد فيها مثلاً ترانستور؟ قلم رصاص؟ مسطرة؟ طبعاً لا رغم أنها مستويات تعقيد متدنية جداً بطبيعة الحياة مقارنة بالحياة. السبب وراء ذلك هو أن وجود تلك المواد يتطلب فاعلاً ينقل المركبات من مستوى تعقيد (وصلته بصورة تلقائية) إلى مستوى تعقيد آخر أعلى (لا يمكنها أن تصله تلقائياً لان قوانين الكون لا تفرض عليها ذلك).

2 comments on “أفكار متفرقة (2) — هل الحياة إعادة ترتيب فقط؟

  1. تعقيب: TED: Militant atheism | منارة

  2. تعقيب: أفكار متفرقة (3) — أفكارٌ تعوم | منارة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s