عن سيولة المعتقد — لدينا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

كتب أحد أصدقائي على صفحته هذه الأبيات للجواهري:

والدين كل الناس تعرف حمله   —   والفرق كل الفرق عند أدائه

تدور في رأسك أحياناً فكرة معينة، أو أفكار مترابطة تشغلك وتظل تبحث لها عن إجابة يوماً بعد يوم، ولكن كل ما تجده هو مزيد من تظاهرات هذه الفكرة دون أجوبتها!. تتحول الفكرة بعد حينٍ إلى نموذج ولكنه ليس نموذجاً تفسيرياً إنما نموذج لمظاهر تبحث لها عن تفسير!. تعتقد وأنت تبحث عن تفسيرها أنك كمن يبحث عن النظرية الموحدة في الفيزياء لكثرة المظاهر التي تعتقد أنها تعود لنفس الجذر ونفس السبب ووالمسبب!.

كلامي هنا هو من هذا القبيل، بوح بحديث النفس وتداعياته عليها. وكلامي هنا موجه لنفسي وليس لأحد آخر، فلست أتهم ولست أوجه الكلام لفئة من الناس حتى لو كانت تلك الفئة ممن حالهم كحالي وظروفهم كظروفي، ففي النهاية كلٌ يسأل لوحده وليس جمعاً. وربما هذه هي المرة الأولى الي أكتب فيها عما يحدث في سوريا ولو بشيء قليل.

كلامي هنا عن المُعتقد، المعتقد الديني بالتحديد. فنحن كملسمين نحمل معتقداً ويُفترض أننا ندافع عنه أو نحميه أو نبذل في سبيله ما قُدر لنا أن نبذل. ولكن المشكلة التي أرى أنها تسيطر على واقعنا اليوم هي أننا تخلينا عن فكرة البذل هذه لدرجات متقدمة جداً، حتى أصبح ذلك المعتقد كفكرة عامة نتبناها دون أن تفرض علينا تلك الفكرة أو نفرض على أنفسنا بتبنينا لتلك الفكرة أية تضحيات تُذكر مهما كان حجمها.

ما ستقرؤه هنا هو أسئلة وأسئلة والمزيد من الأسئلة التي تبحث لها عن جواب. ربما ستلاحظ أنها تدور في فلك واحد، حول مركز واحد، حول نقطة واحدة. تلك النقطة تشبه القانون الذي كان يبحث عنه أينشتاين والذي يستطيع أن يفسر أي ظاهرة كونية!. حالنا هنا واحد فذلك الجواب يمكن له أن يفسر لنا كماً هائلاً من المشاهدات التي ندرك يقيناً أنها نابعة عن نفس المركز وتدور في فلك واحد.

ما هي العقيدة وما هو المعتقد؟

ربما نستطيع أن نقول أن المعتقد بأنه تلك الفكرة التي لا تخضع للنقاش ويبذل في سبيلها الإنسان كل ما يستطيع. وربما يجب أن نميز بين ما لا يخضع للنقاش ونضحي في سبيله، وبين ما لا يخضع للنقاش ولا نضحي في سبيله، وأعتقد أن الفرق شاسع، وأننا لو أسقطنا هذا المفهوم التفصيلي عل معتقداتنا لوجدنا أننا ربما لا نملك معتقداً نضحي في سبيله بمفهوم التضحية الكبير الذي يعني التخلي عن الكثير في سبيل هذا المعتقد.

حدود تأثير المعتقد

لعل من المفيد لتوضيح الصورة أن أبدأ من تلك الفترة التي كان فيها المعتقد يمتلك أقوى الأثر على حامليه. ولنأخذ مثلاً ليس بالبعد التاريخي عن الحالة التي أود سوقها هنا كمقدمة لتلك الحالة، وهي (سواء أصحت أم لا) قصة المتنبي والفارس الذي كان يطارده وقوله له: ألست القائل (الخيل والليل والبيداء تعرفني — والسيف والرمح والقرطاس والقلم) وعدول المتنبي عن الفرار ومواجهو الفارس وبالنهاية موته على يديه. لا يهمنا صحة هذه القصة ولكن ما يهمنا هو أنها مثال لما يمكن للمعتقد أن يفرض علينا من تداعيات وصدق تلبيتنا لتلك التداعيات.

المثال الذي أرغبب بالحديث عنه هو حالة الصحابة رضوان الله عليهم في زمن بداية الدعوة الإسلامية. والحال الذي أريد التركيز عليه هو المقدار الهائل من التضحيات التي قدموها في سبيل المعتقد الجديد الذي تبنوه طوعاً وليس كرهاً.

من المذهل حقاً وأنت تستعرض تلك التضحيات أن تجدهم يُقتلون ويعذبون بأشد أنواع التعذيب (في بداية الدعوة) دون أن يتراجعوا عن هذا المعتقد الجديد الذي آمنوا به!. مالذي يدفعهم لذلك؟ مالذي يقف وراء هذا الكم الهائل من الصبر والثبات وارء هذا المعتقد الجديد؟! مالذي يدفع ببلال للصبر على حر الشمس وثقل الحجر على بطنه دون أن يعدل عن هذا المعتقد الذي تبناه بنفسه ودون أي إكراه ودون أي جائزة تلوح في الأفق القريب؟؟!! مالذي يدفع الصحابة لترك كل ما جنوه في حياتهم (من مال وأولاد وأهل وعشيرة) واللحاق بالرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة؟! أسئلة سترى بعد قليل أنها لا تزيدك إلى حيرة في مواجهة نظرتنا وردة فعلنا تجاه نفس المعتقد!.

من ناحية أخرى عندما تمعن في النظر إلى تلك الفترة الغريبة، فإنك تجد كماً هائلاً من الإنجاز تم تحقيقه في فترة زمنية قياسية جداً وبإمكانات مادية بسيطة جداً!. فهل كان موقفهم من المعتقد الجديد والطريقة التي تبنوه بها وطريقة تعاملهم معه ومع ما يفرضه عليهم – هل كان كل ذلك هو السبب وراء هذه الانتصارات التي حققوها في تلك الفترة القياسية؟

هل هذا الكم الهائل من الإنجازات قابل للتحقيق في زمننا هذا إذا ما تبنينا نفس الموقف الذي تبنوه تجاه المعتقد؟ أم أن السياق التاريخي كان يصب في صالحهم لا أكثر؟!.

لماذا لا نجد نفس الموقف لدينا (التضحية) تجاه المعتقد في يومنا هذا رغم أننا ندعي أننا نؤمن بنفس المعتقد! هل كانت الأجيال السابقة أكثر صدقاً مع نفسها ومع ما تؤمن به أكثر من أجيال اليوم؟ ولم؟ هل المعيشة بعيداً عن أجواء المدنية تساهم في زيادة صدق الإنسان مع نفسه؟ وهل العيش في ظلال المدينة يساهم في تعتيم هذه المفاهيم لدى الإنسان؟ هل هو الإستهلاك الذي سيطر علينا اليوم هو ما أبعدنا عن قوة الأفكار وتأثيرها علينا؟ هل هي رجوح كفة المادة على الفكرة؟ هل هذا يعني أننا في المدينة وتحت سيطرة نزعة الإستهلاك نزداد تثاقلاً إلى الأرض والمادة بعيداً عن الفكرة (إثاقلتم إلى الأرض)؟ هل كل ذلك يعكس تفوق المكون المادي الترابي على الروحي الفكري؟ ما السبب الحقيقي وراء كل ذلك؟ هل هي ثنائية المادة – الروح، الحديث – القديم، المدينة – الريف، إدمان الإستهلاك – التحرر من الإستهلاك… هي التي تؤثر علينا وتقودنا إلى ما نحن عليه؟

أم هل نعيش في زمن انتهى فيه زمن التضحية (بالنفس وبالمال) في سبيل المعتقد؟ أم أنه لم يعد هناك مُعتقد يصلح لأن نضحي في سبيله بتضحيات تشابه تلك التي ضحى بها الصحابة في زمن بداية الدعوة الإسلامية؟ ولكن هذا قد يقودنا إلى التساؤل عن السبب مرة أخرى! فالمعتقد نفسه ما يعني أنه نحن من تغير وليس المعتقد! وبذلك يظهر سؤال جديد على السطح: مالذي غيرنا إلى هذه الدرجة؟!

هل العامل الحقيقي وراء الإنجازات الحضارية العظيمة التي حققه الصحابة في فترة قياسية والتضحيات التي قدموها في سبيل المعتقد هو أنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه؟ وهل يعني ذلك أننا كاذبون ولا عهد لنا؟ وأن معتقدنا زائف ضعيف؟ أم أن أنفسنا هي الضعيفة؟ مالذي جعل منها ضعيفة إلى هذا الحد؟ أم هل هو تعاطينا السطحي مع المعتقد هو السبب؟! أم مرة أخرى هل البيئة المدنية الجديدة هي السبب؟!.

هل كانت طريقة تلقي الصحابة للمعتقد هي السبب؟ فهم لم يتلقوه بالوراثة أولاً كما حدث معنا. هم تفاعلوا معه لحظة ولادته وكانوا جزءاً حقيقاً منه وليس كما نحن!. كيف نستطيع أن نحظى بتلك الفرصة التي حظوا بها وهي أن يشهدوا ولادة المعتقد ولحظات تشكله وتبلوره؟ هل هذا البناء التدريجي لديهم كان هو السبب؟ كل ذلك يقودنا مرة أخرى إلى الطريقة التي يتشكل بها المعتقد لدينا.

طريقة تشكل المعتقد

كلنا تلقى هذا الدين بالوراثة في بادىء الأمر، على خلاف الصحابة الذين عاشوا ولادة هذا الدين وتبلوره. ولكن هذا يجب ألا يؤثر على مشكلتنا، فهم بأبسط مكونات هذا الدين وأول مفاهيمه قدموا وضحوا بأرواحهم! فكيف بنا نحن وقد ورثنا الدين كاملاً!. هل المشكلة في وراثته بدل تلقيه؟ ولكن هذا حتمي في وقتنا!. هل يجب علينا مراجعة تبنينا لهذه المعتقدات؟ هل يمكن أن ينتج عن هذه المراجعة تضحيات لا نستيطع تقديمها الآن؟ ما هي الطريقة المثلى لهذه المراجعة لمعتقداتنا؟ ما هو الوقت المناسب؟ هل هناك طريقة أخرى لبنا المعتقد بطريقة سليمة لدى الأطفال بحيث ينتج لديهم تبنٍ أقوى لهذا المعتقد؟ ما هي أدوات المراجعة؟

في نهاية الأمر هل يعقل أن يكون لطريقة تلقينا للمعتقد كل ذلك التأثير على تبنينا له وما نقدمه في سبيله؟ أم أن الأمر هو نتاج أسباب أخرى؟

من نلوم في ذلك؟ هل نلوم الأسرة أم المجتمع أم حملة لواء هذا الدين من علماء ومصلحين؟

مشكلة المادة والإدمان

أعتقد بشكل من الأشكال أن أحد الأجوبة المرشحة لحل هذه المعضلة يكمن في الإدمان. يمكننا تعريف الإدمان ببساطة بأنه الرجوع لتصرفات تقود لنتائج (جوائز) قصيرة الأمد بدل التركيز على الجوائز (النتائج) بعيدة الأمد. وإحدى أكبر مشاكلنا في هذا الزمن هي إدماننا على الإستهلاك، إستهلاك أي شيء بدءاً من إدمان التسوق إلى إدمان التدخين إلى إدمان الإنترنت ووسائل التواصل… كل حياتنا التي نعيشها تتلبس بمظاهر مختلفة من الإدمان، إدمان يقود إلى إدمان وإدمان مرتبط بإدمان!.

الصحابة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كما سائر الناس في تلك البيئات (وحتى سكان الأرياف في زمننا) كانوا متحررين بشكل كبير من سلطة الإستهلاك على حياتهم. ولم يكن الناس في تلك الفترة يعانون من سيطرة المادة (وإدمانها) في حياتهم. كما أنهم كما نقول اليوم كانوا ممن يركز على النتائج بعيدة الأمد. ولو نظرت إلى ديننا لوجدته كله قائماً على التركيز والتخطيط للنتائج بعيدة الأمد (الجنة)!. بينما نحن واقعون في فخ التركيز قصير الأمد ونسمي من يركزعلى هدف يبعد عنه شهراً بأنه من أولئك الناجحين الذين يفكرون على الأمد الطويل!.

تأثير المستعمر

كانت الحدود بين الدول بلا أدنى شك أقوى الأسلحة التي واجهنا بها المستعمر ولايزال حتى اليوم. فبواسطة خطوط وهيمة لا وجود لها على الأرض يتم عزل ملايين الناس عن بعضهم البعض بحجة اختلاف الدول والسياسات والأهم الضرورات الأمنية! وكأن الناس هم من اختاروا أن توضع تلك الحدود. ولكن المستعمر هنا يلعب على وتر طالما أجاد اللعب عليه وهو لعبة: إترك الوضع الشاذ يستمر لفترة كافية وسيصبح طبيعياً بعد جيل واحد!. ليس ذلك فقط بل سيدافع الجيل الجديد عن هذا الوضع الشاذ بحجة أنه الوضع الطبيعي!. ولطالما لعب المستعر الغربي ولا يزال يلعب على هذا الوتر مستفيداً من غفلتنا حتى اليوم في ما يجري في سوريا يتم اللعب على هذا الوتر في كل مكان!. والخوف كل الخوف من أن ينجح في إبقاء هذا الوضع لينشأ جيل جديد لا يعرف كيف بدأت الحكاية ولا يعرف إلا ما استفاق عليه وعيه!.

ويبرزفي هذا السياق دور مشايخ السلطان وتأثيرهم على الناس فيما يبثونه من فتاوى وفيما يلعبونه من أدوار لشرعنة تصرفات أولئك السلاطين وتخدير الناس وإبعادهم عن القضايا الكبر التي ترتبط بمعتقداتهم!. فالجهاد وتحرير الأرض والذي هو أسمى تبِعات المعتقد الإسلامي تم إقصائه ووضعه في خزانة والإقفال عليه بأقفال من النسيان والإبعاد والإقصاء المتعمد لتلك المفاهيم!.

وهذه الطبقة من المشايخ لا يخفى على عاقل الإزدواجية التي تتمتع بها!. فلا تخلو قناة سعودية مثلاً من المشايخ الذي ينتقدون الدور الإستعماري الذي تلعبه الولايات المتحدة في المنطقة وينسون أن حكمائهم يوقعون على أكبر الاتفاقيات معها سواء العسكرية أو السياسية!. ليس ذلك فحسب بل ولا يجرؤ أولئك المشايخ على احديث بأي انتقاد موجه للطبقة الحاكمة التي لا يخفى على أحد أيضاً أنهم حثالة من حثالات تلك المجتمعات ولكنهم تبوؤوا الحكم بدعم المستعمر لا أكثر. والقمم العربية التي انعقدت تكشف لك الانحطاط والمستوى الذي يتمتع به أولئك الحكام – فهذا لا يعرف كيف يقرأ وذلك نائم والآخر ناهز التسعين عاماً ولا يزال على كرسي الحكم! بل وله ولي عهد وولي عهده له ولي عهد وكأن هذه الأمة عجزت عن أن تلد أكفأ من تلك الحثالات لتقودها!. أين هم مشايخ وعلماء الأمة من تلك المسألة المصيرية؟ نيام!.

إهمال القضايا الكبرى والتركيز على توافه الأمور هو سمة علماء اليوم بامتياز مطلق!.

ولا شك أن مناهج التعليم لها الدور الأساسي في تنويم عقول الطلاب منذ بداية رحلتهم الدراسية. فتلك المناهج تحاول رسم خريطة معينة لمعارف الطالب لا يتعرض فيها للقضايا الكبر ولا تثير له حولها أية تساؤلات بل تحاول زجه في نماذج معرفية مسبقة الصنع تتوافق مع مصالح المستعر الغربي في المنطقة!. والمشكلة أن الأمر يتم على عدة طبقات من الخداع فمن استيقظ قليلاً يقول بأنه مصالح الطبقات الحاكمة وربما ينسى أن هذه الطبقات الحاكمة ليست إلا دمى متحركة بيد الدول المستعمرة!.

وهنا ربما نسأل هل المدرسة حقاً تُعد أفضل وسيلة لإنشاء طالب العلم؟ في وقتنا الراهن لا أعتقد ذلك ولكن المصيبة أنك بدون الشهادة ربما لن تكون قادراً على متابعة حياتك بيسر!. والدليل عل ذلك سيرة كثير من المفكرين العرب اليوم وفي الماضي ممن تعلموا على يد آبائهم أو ذويهم فكانوا أفذاذاً لم تخرج المدارس من يقاربهم!.

 المشكلة

لعلك استدركت وعرفت بأن المشكلة التي أريد الحديث عنها هنا مرتبطة بشكل وثيق بما يحدث في سوريا!. وأعيد أن كلامي هنا ليس إلا حديث نفس وتساؤلها عن أجوبة لأسئلة تدور وتدور في فلك لا تعرف مركزه! وليس اتهاماً إلا لنفسي.

المشكلة باختصار شديد وبدون كثير من الكلام هي أننا في ظل الأحداث الرهيبة التي وقعت في سوريا كنا كمن يحاول أن يتجاهل ما يحدث من حوله ويحاول متابعة حياته وكأن شيئاً لم يكن ولم يحدث ولا يحدث!. كان الأمر سابقاً يحدث في دولة أخرى، في فلسطين وكنا نتذرع بالحجة الشهيرة التي زُرعت في رؤوسنا من قبل مشايخ السلطة!. الحجة تقول بأن الجهاد يكون فرض عين على سكان الدولة ذاتها، وإن لم يكفي ذلك كان فرض عين على الدولة المجاورة وهكذا!. وما تبقى فهو فرض كفاية!.

هذه الحجة كانت سارية المفعول تماماً إذ لم يكن أدنا يفكر بأن الجهاد فرض عين عليه تجاه تحرير المسجد الأقصى، فهي دولة أخرى وكأن الحدود التي نراها اليوم هي حدود نزلت مع الشريعة!.

ظهرت هذه المشكلة بشكل مرير في سوريا مع بدء ما يحدث فيها اليوم!. لدرجة أن ما يحدث في مدينة أخرى لا يهم سكان هذه المدينة، وما يحدث في شمال هذه المدينة لا يهم ما يحدث في جنوبها!. وكلنا نذكر الاحتفالات التي كانت تُقام في حلب التابعة للنظام يوم رأس السنة وفي نفس الليلة كانت المجازر تُرتكب في حلب المحررة!. نعم لقد وصلت الأمور إلى هذه الدرجة!.

مالذي حدث للناس، أو مالذي تربى عليه الناس (إذ أن السبب موجود بالأساس وليس مكتسباً) وأوصلهم إلى هذه الدرجة من التجاهل والتغاضي عما يحدث من حولهم رغم أن ما يحدث قتل وتدمير!. قبل عدة ايام من كتابة هذا الكلمات وقعت مجزرة رهيبة في خان شيخون في ريف إدلب راح ضحيتها عشرات الأطفال والمدنيين خنقاً بغاز السارين، وفي نفس هذه الفتر بعد هذه المجزرة كنت أقرأ على إحدى المجموعات التي تضم طلاب كلية الطب البشري في جامعة حلب عن دعوات إلى تنظيم رحلات إلى الساحل السوري بمناسبة العطلة!. وكأن ما حدث في خان شيخون حدث في قارة أخرى أو في عالم آخر!.

نعم لقد وصل بنا الأمر إلى حد أن ما يحدث بعيداً عني (وبعيد هنا تعني فقط بعيداً عن الطريق الذي أسير عليه والبناء الذي أعيش فيه والجامعة التي أدرس فيها – حتى لو كان البعد بالأمتار) – ما يحدث بعيداً عني ضمن هذا التعريف لا يهمني بحال من الأحوال!. فحتى لو كانت المجازر تُرتكب في المدينة المجاورة فسنحاول أن نعيش حياتنا وكأن شيئاً لم يكن!. شيء غريب حقاً ويثير في النفس آلاف الأسئلة التي لا تجد لها أجوبة!.

كيف يفكر الناس؟ ومالذي يمكن له لو حدث أن يغير من طريقة التفكير هذه؟ أم أن طريقة التفكير واللامبالاة هذه عصية على التغير مهما كان الأمر الذي سيحدث عظيماً، ما يحدث في سوريا ليس بعده شيء أعظم!. لدرجة أني مقتنع تماماً أن هذه اللامبالاة لا يعود مردها إلى عظمة الحدث من عدمها، إنما الأمر متأصل في طبيعة هذه الأنفس، ويصبح السؤال إذ ذاك مالذي أدى إلى هذا التأصل لتلك اللامبالاة ورفض التضحية بأبسط مقومات الحياة المادية الي اعتدنا عليها منذ ولادتنا؟

لماذا يرفض الناس التخلي عن تلك الحياة المادية التي أدمنوا عليها؟ ولماذا بالمقابل كان الصحابة يضحون بكل ما يملكون في سبيل معتقد اعتنقوه للتو!.

نعم المشكلة معقدة، ولكن أصلها واضح ولكنه بدون تفسير!. الناس ترفض أن تتخلى عن مقومات الحياة التي اعتادتها ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.

ولا يزال المجتمع السوري حائراً منقسماً على نفسه في مواجهة هذه الحرب التي تم إشعالها! وربما لن يستيقظ في القريب العاجل!.

أفكار متفرقة (3) — P vs NP

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

في مقالتي (1 – إعادة ترتيب فقط) و(2 – هل الحياة إعادة ترتيب) كتبت أن جواب أي سؤال مهما كان معقداً سيكون في النهاية بضع كلمات وهذه البضع كلمات هي مجرد تجميع لبعض الحروف، فلماذا لم نتوصل لهذا الترتيب من الحروف من البداية ببساطة؟

عندما كنا ندرس الفيزياء ويعلمونا كيف نستخرج القوانين لا بد وأنك تتذكر أننا كنا نستخدم التجارب للوصول إلى العوامل التي تتعلق فيها مخرجات ظاهرة معينة، وندرس التناسب بينها وبين تلك المخرجات ثم نحاول الوصول للقانون. هذه الطريقة في الوصول للقانون الذي يصف الظاهرة المدروسة يمكن أن نسميها بأنها اتجاه من السطح للعمق، أي من مخرجات الظاهرة ومظاهرها إلى العوامل الحقيقية التي تتسبب في تلك المخرجات.

اللطيف في الموضوع أننا وبعد أن نصل للقانون نجد أنه كان بإمكاننا الوصول إليه واستنتاجه باستخدام خصائص مكونات الظاهرة دون الحاجة للتجارب، ولكن ذلك لا يخطر لنا إلا بعد أن نصل للقانون ويصبح أمام أعيينا – عندها فقط نقول: آه – لقد كان بإمكاننا الوصول إليه بهذه الخطوات البسيطة مستفيدين من خصائص مكونات هذه الظاهرة!. طبعاً السبب في اضطرارنا لهذا الاتجاه هو جهلنا بكل مكونات الظاهرة وخصائص هذه المكونات.

يشبه الأمر سهولة حل مسألة الرياضيات بعد أن تشاهد الحل أمام عينيك!.

الجميل في الموضوع أن الأمر ينطبق على كل شيء في هذا الكون. فمسألة هل كل مسائل الكون المعقدة تنتمي إلى P أم إلى NP يمكن أن نربطها بهذه الظاهرة. ورأيي في هذه المسألة أن كل مسائل الكون تنتمي إلى P أي أنها قابلة للحل ببساطة ولكن المشكلة تكمن في أننا لا نحيط بخصائص مكونات الكون إحاطة تامة!. لذلك فكل شيء قابل للحل وينتمي إل P ولكننا لن نستطيع البرهنة على ذلك لأننا ببساطة لا نملك الإحاطة التامة بخصائص مكونات الكون وطريقة تفاعلها مع بعضها البعض.

ربما يعود ذلك بنا إلى موضوع الحياة وهل هي إعادة ترتيب فقط؟ بالمثل يصبح الحل مفهوما فقط عندما يقف أمام أعيننا ولكن فيما يخص الحياة فالحل أمام أعيينا ولكننا مع ذلك لا نستطيع فهمه بشكل تام حتى اللحظة وهذا يضيف لقضية الحياة مزيداً من التعقيد وضرورة مطلقة لمصمم لتلك الحلول التي نراها أمام أعيننا.

وكلامنا هنا مرتبط أيضاً بقضية الاحتمالات والعشوائية الصرفة ونشأة الحياة ولكني سأترك ذلك لمقالة تالية إن شاء الله.

يذكرني ذلك بمبدأ كنت اخترعته عندما كنت طالباً في المرحلة الإعدادية وهو مبدأ: الحتمية المبسطة، وما أقصده بهذا الإسم هو حتمية بساطة الأمور :).

“One day I will find the right words, and they will be simple.”

Jack Kerouac