تساؤلات — عن الفضاء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم.

لنبدأ من الأرض أولاً.photo_2017-06-21_12-29-44

من الغرفة التي تجلس فيها الآن. في الغرفة التي تجلس فيها الآن منبع ضوئي، يصدر عنه الضوء ليصل لكل ما هو في الغرفة على مسار الأشعة الضوئية الصادرة عن المنبع، تنعكس هذه الأشعة ليصل منها إلى عينك فترى الجسم. طبعاً كيفما تحركت أنت في الغرفة فستظل ترى الجسم، مادام لا يوجد حاجز بينك وبينه. هذا يعني أن أشعة تنعكس عن الجسم وتصل إلى كل نقطة في الغرفة (مبدئياً).

لذلك فأنت ترى الجسم مهما تحركت في الغرفة. لكن هل الأمر كذلك؟

لو افترضنا أن عين الإنسان نقطة وليست كرة. وأنها نقطة بلا أبعاد (افتراضاً). ولو بدأنا بتحريك هذه العين في كل النقط التي تقع على سطح كرة يحيط بهذا الجسم، فهل سنظل نرى الجسم؟

بمعنى هل الأشعة الساقطة على الجسم والمنعكسة عنه تالياً تملأ الفراغ بشكل تام من حوله؟ أم أن هناك نقاطاً عمياء لو كانت العين فيها لما رأت الجسم لعدم وجود شعاع منعكس عن الجسم مار بتلك النقطة؟ (كما في النقاط a, b, a في شكلنا).

الإجابة عن هذا السؤال تتعلق حتماً بكيفية صدور الضوء (الفوتوتات) عن المنبع الضوئي أولاً ومن ثم كيفية انعكاسها عن الجسم ثانياً. فهل تصدر الفوتونات عن المنبع الضوئي بشكل سطح كرة تام ومن ثم تبدأ نقاط هذا السطح بالتباعد وخلق فراغات (مظلمة) عندما تبتعد عن المنبع؟ أم أنها تبقى على شكل سطح كرة تام النقاط بدون أية فراغات مظلمة بين نقاطها؟

الجواب الثاني يضعنا أمام مشكلة وهي أن عدد الفوتونات يجب أن يكون لا متناهياً في هذه الحالة، لذلك فأنا أعتقد بالحل الأول وهو وجود نقاط مظلمة (عملياً ستكون أكبر بكثير من النقاط التي تحتوي على فوتونات) تزداد مع تباعد المسافة بين سطح الكرة (التي مثلنا عليها الفوتونات التي انطلقت من المنبع الضوئي في لحظة ما).

وهذا يقودنا عملياً إلى أننا نعيش في بيئة مظلمة إلا أننا نبصر لأن دقة أعيننا منخفضة للغاية 🙂 مقارنة بعدد الفوتونات التي يطلقها أي منبع ضوئي. أما لو كانت أعيننا نقطية مثلاً فيمكن القول بأننا سنعيش في بيئة مظلمة تارة ومنيرة تارة أخرى بحسب المكان الذي ستكون فيه عينك :).

بمعنى (لو عدنا للشكل السابق) عندما تتحرك عينك إلى أية نقطة سوى النقاط التي تقع على الخطوط المستقية المرسومة (التي تمثل سير الفوتونات الضوئية) فستكون في ظلام، وستكون في نور (أي سترى) عندما تعود عينك لتقع على إحدى النقاط الواقعة على تلك الخطوط المستقيمة (فلم رعب 🙂 ).

الآن لننطلق إلى الفضاء. نحن نرى النجوم (الشمس مثالاً) عبر رصدنا للضوء الصارد عنها. لنفترض أن نجماً ما يبعد عنا مسافة تسع سنين ضوئية، ولنفترض لتسهيل الفكرة أن مولد النجم كان آنياً أي بلحظة واحدة اشتعل النجم، وبدأ الضوء مسيرته من النجم باتجاه الأرض. بعد أربع سنين انطفاً النجم بشكل آني أيضاً.

في هذه الحالة هناك شعاع ضوئي طول أربع سنين ضوئية يسبح الآن في الفضاء متجهاً نحو الأرض، علماً أن النجم لم يعد موجود. وهذا ما نعلمه تماماً، فنحن ندرك أن النجوم التي نراها في سماءنا قد تكون اختفت الآن ولكن ضوءها لا يزال يصل إلينا بسبب البعد الهائل الذي يفصل بيننا والذي لا يزال الضوء يقطعه.

photo_2017-06-21_16-23-33

إذاً لن نكون قادرين على رصد النجم حتى يصل ضوءه إلينا — هذه النقطة الأولى.

وبعد وصول ضوءه إلينا سنظل نرصد لمدة تعادل طول عمر النجم فيما لو رصدنا ضوءه منذ بدايته — وهذه هي النقطة الثانية.

الآن لنفترض أن الكون موجود بدون وجودنا على سطح الأرض، الكرة الأرضية كلها غير موجودة. والضوء يسبح فيه بحرية بدون أي رصد من كل النجوم والكواكب. والآن لنضع الأرض في الكون، ولنبدأ الرصد.

سنبدأ بتلقي الأشعة الضوئية الصادرة عن النجوم. أول ما سنتلقاه غالباً لن يكو بداية شعاع ضوئي، إنما نقطة من مسيره (بين بدايته ونهايته). ومع استمرارنا بالرصد يمكن أن يصلنا ضوء من نجم منذ بدايته، كما يمكن أن تختفي بعض الأضواء التي بدءنا برصدها وذلك لأننا لم ندركها منذ بدايتها. الآن بعد مرور سنة نستطيع القول بأننا نعلم ماذا يوجد في الكرة التي نصف قطرها سنة ضوئية من الأرض، وذلك لأننا رصدنا الضوء الوارد إلينا من كل جهات الكون على مدار سنة.

إذاً ما سنرصده من الكون مقيد بالمدة التي نرصده فيها، فبعد سنتين سنرصد من كوننا كرة محيطها سنتين ضوئيتين.

هذا يضعنا أمام السؤال الذي لا أفهمه: كيف يرصد العلماء الكون كله اليوم، أو لنقل كماً هائلاً منه، أو كرة نصف قطرها ملايين السنين الضوئية؟ هذا ما لا أفهمه تماماً.

ويرتبط بهذا سؤال آخر يخص الرصد للكون.

دعنا للتبسيط نختزل الكون ثلاثي الأبعاد إلى بعدين (للتوضيح بالرسم فقط). الكرة في مركز الشكل التالي هي الأرض، والدائرة الزرقاء هي المجال القابل للرصد من الأرض من الكون. وتلاحظ أننا نستطيع رصد كل الكون لعدم وجود أي عائق بيننا وبين ما نرصده. أي أن القطاع الذي نرصده (في المستوى ثنائي البعد) هو 360 درجة.

photo_2017-06-21_16-15-45

الآن لنفترض أن كوكباً ما أو نيزكاً أو أي جسم يقع بالقرب من الأرض، هذا الجسم سيحجب بالطبع قطاعاً من الكون المرصود بالنسبة لنا كما في القسم الثاني من الشكل السابق. ما يعني أننا لن نكون قادرين على رصد أي شيء خلف ذلك الجسم. ما يعني أن القطاع المرئي من الكون لن يكون 360 درجة كما كان سابقاً بل سيقل عن ذلك تبعاً لبعد الجسم عن الأرض وحجمه.

الآن لنتذكر أن الفضاء مليئ بتلك الأجسام التي تقع في كل جهات الأرض وتعيق رصد ما خلفها. وطبعاً المخروط الذي يحجبه الجسم عنا يكبر مع زيادة المسافة. فحتى لو كان الجسم بعيداً جداً عنا، فإنه سيحجب من الكون قسماً كبيراً جداً أيضاً.

photo_2017-06-21_16-15-36

إذاً فنحن لا يمكن أن نرصد الكون بقطاع كامل (بكرة كاملة) أو بزاوية 360 في افتراضنا السابق، وهذا مستحيل لأن الكون مليء بما يحجب عنا ما خلفه. ستقول لي الفضاء كبير والمسافات هائلة بين الكواكب ولكن بالمقابل مهما كان الجسم بعيداً عنا فإننا نتفق أن المخروط الذي يحجبه عنا يكبر شيئاً فشيئاً مهما كان صغيراً في البداية. وتذكر أن الكون مليء بالسحب الغازية والنيازك والكواكب والنجوم الضخمة… إذاً ما نرصده من الكون لا يمكن أن يكون كاملاً.

السؤال هنا هو أني لم أسمع يوماً أي كلام عن هذه المشكلة وكأنها ليست موجودة، ما يعني جهلي بالحل الخاص بها.

كما أن ما يثير فضولي أيضاً هو مشكلة دوران الأرض، فكيف يتم الرصد والأرض تدور بسرعة كبيرة؟ والمجموعة الشمسية تتحرك، ومجرتنا كذلك؟ تخيل نفسك في باص يتحرك بسرعة ثابتة لنقل، وأنت تنظر إلى نقطة بعيدة عنك. سيكون رصدك لها سهلاً مع الحركة المستقية المنتظمة للباص. تخيل الآن أن مقعدك يتحرك بشكل دائري، والباص كله يدور أيضاً وأنت تدور على مقعدك، ومقعدك يدور حول نقطة في الباص، مع كل ذلك كيف سيكون رصدك لتلك النقطة؟ لست أدري 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s