عن إدمان مواقع التواصل ووهم القدرة على التخلص منه

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

نظن أحياناً أن كل مشكلة في حياتنا يمكن أن تُحل بقرار بسيط. فمثلاً عندما نكون معتادين على السهر ليلاً والاستيقاظ في وقت متأخر صباحاً، نظن أننا نستطيع في أي لحظة أن نتوقف عن هذه العادة السيئة، ونصلح من نظام نومنا. نظن أن الأمر يتوقف على مجرد قرار، ولذلك نستمر في التأجيل لظننا أن الأمر يمكن إصلاحه في أي وقت نشاء. بمعنىً آخر، نعتقد في قرارة أنفسنا أننا مسيطرون تماماً على حياتنا وأن كل مشاكلنا يمكننا حلها في أي وقت بمجرد أن نقرر ذلك.

كثير ممن يدخن مثلاً يعتقد أن باستطاعته أن يترك التدخين متى شاء دون أي صعوبة، وأن الأمر يمكن إنجازه ساعة يقرر ذلك.

هذا الوهم الذي نحيط به معظم مشاكلنا برأيي أكثر خطراً من المشكلة بذاتها. لأنه سبب في إطالة أمد المشكلة وتأجيل حلها للظن بأن حلها سهل وفي متناول اليد. ولكن الأمر ليس كذلك تماماً.

ما سأتحدث عنه هنا مشكلة من نوع آخر، وهي مشكلة الإدمان الرقمي. هذه المشكلة يعاني منها وبلا أدنى شك ملايين البشر، وأستطيع أن أقول مئات الملايين من البشر بدون أي تحفظ على الرقم. فالعالم الرقمي غزا كل نواحي حياتنا وسيطر على عقولنا بشكل شبه تام! يمكن لك أن ترى ذلك في وسائط النقل، عندما ترى أن كل من يجلس في وسائط النقل يقلب في يديه هاتفه متصفحاً الـ feedback الخاص به على صفحته على موقع Facebook أو على غيره من منصات التواصل الرقمي. تدرك حينها أن الأمر ليس مجرد تصفح، بل هو تصفح قسري مرضي تماماً.

لست هنا بصدد الحديث عن الإدمان بذاته، ولكني أريد الحديث عن وهم علاج هذا المرض الذي نتوهمه، والذي نعتقد أن بإمكاننا التخلص منه متى شئنا. هذا الوهم مرده إلى أننا لا ندرك بأن تأثير هذا الإدمان ليس مجرد اعتياد، بل يمتد تأثيره ليطال الناحية الفيزيولوجية للدماغ البشري شأنه في ذلك شأن المخدرات والمسكرات وحتى الأفلام الإباحية كما ثبت مؤخراً، كل تلك المواد تسبب تغييرات في بنية الدماغ، تغييرات حقيقية فيزيولوجية!  والمشكلة تُعد إدماناً حقيقاً كما إدمان المخدرات تماماً! لها عوارض انسحاب وعوارض حاجة.

من هنا يجب أن ندرك أن التخلص من هذه المشكلة ليس مجرد اتخاذ قرار بحلها، بل هو مرض شأنه كشأن أي مرض وإدمان، يحتاج علاجه إلى فترة زمنية يسبقها تخطيط جيد وإرادة قوية على متابعة العلاج حتى نهايته.

عندما تدمن على مواقع التواصل الاجتماعي وتُصاب بعادة التصفح القسري للفيدباك Feedback من هذا البرنامج أو ذاك، فإن دماغك يفقد تدريجياً قدرته على التركيز المستمر لفترة طويلة. فيصبح الدماغ بحاجة لمنبه جديد (عنوان جديد، قصة جديدة، خبر جديد…) في فترة زمنية قصيرة. ففي البداية يكون التصفح لخمس دقائق كافياً لإشباع حاجة الدماغ، ولكن مع تواصل العادة وتضخم الإدمان لا تعود الخمس دقائق كافية أبداً، ويصبح الدماغ بحاجة لفيد باك أكثر خلال فواصل زمنية أقصر. كل ذلك يؤثر تأثيراً ضخماً على قدرته على التركيز، حتى تصبح مهمة قراءة رواية قصيرة مهمة شاقة جداً، بينما تصفح الـ Facebook لساعات مهمة يسيرة!

علاج هذا الإدمان ليس سهلاً كما نظن، ولا يمكن للقرار بذاته أن يحل المشكلة. العلاج يحتاج خطوات ووقت حتى تستطيع العودة لما كنت عليه قبل أن تدمن هذه العادة السيئة.

تستطيع أن تكشف بأنك مدمن على هذه المواقع ببساطة، فمثلاً ستكتشف بأنك لم تنه قراءة كتاب منذ فترة طويلة، وبأنك لم تحضر فلماً وثائقياً منذ فترة طويلة أيضاً. ستكتشف بأنك لم تكتب شيئاً منذ فترة طويلة (إذا كنت ممن يكتب) وستكتشف بأن أي عمل يحتاج للتركيز لفترة طويلة يصبح عملاً شاقاً، بينما يكون التصفح المستمر لساعات وقراءة آلاف العناوين أمراً سهلاً بل وقسرياً أيضاً. ولاحظ أن المدمن هنا يقرأ العناوين فقط، ولا يقرأ المقالات التي يقرأ عناوينها، ذلك أن قراءة المقالة تصبح عملاً شاقاً على دماغه، شأنها بذلك أن عدة صفحات من كتاب ما. فهنا ترى المدمن يقرأ العناوين فقط، وكلما كانت العناوين أكثر قصراً، ومعها صورة أو فيديو تجذب النظر كلما كانت أقرب إلى عقله!

هذه ببساطة شديدة أعراض الإدمان على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي. وتذكر بأن علاج هذا الإدمان ليس سهلاً ولا يتوقف على لحظة قرار فقط كما نعتقد ونوهم أنفسنا! بل هو علاج طويل يحتاج لخطوات متلاحقة متدرجة ويحتاج لإرادة قوية ويحتاج لصبر وتذكر أن النكس في أي نوع من أنواع الإدمان وارد جداً وهو خطر جداً بنفس الوقت! لذلك فإن البقاء بعيداً عم العودة للإدمان يحد ذاته بعد التخلص منه يُعتبر عملاً شاقاً ويحتاج للكثير من التركيز والإرادة بدوره.

 

بين الأصل والفروع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

في هذه التدوينة سأطرح أيضاً فكرة متعلقة بالمشاكل والمغالطات التي تتواجد في كثير من النقاشات، والتي تسبب ضياع النقاش وانحرافه عن العقلانية دون أن يدري المتحاورون بذلك. وتكمن المشكلة في الانجرار وراء الجدل بدون أن يدري من يتحاور بأنه خارج النطاق الصحيح للحوار أصلاً!

سأبدأ بتسمية المشكلة ولنسمها “بين الفروع والأصل”. فهي تتحدث عن التركيز على الفروع ونسيان الأصل، والمشكلة والمغالطة تكمن في أن نقاشنا للفروع يكون بدون جدوى مالم نتفق على الأصل، فربما تناقشني أنت في قضية ما (في فرع) وأنا أناقشك في نفس القضية (فرع) دون أن ندري أن فرعي وفرعك ليس لها الأصل نفسه! وهنا الطامة!

A

بمعنى آخر، أناقشك أنا قضية معينة ولكن من منطلق معين وتناقشني أنت من منطلق آخر دون أن ندري، ويكون الظاهر أن الاختلاف موجود ويستحق النقاش بينما الاختلاف قائم بسبب أن الأصل مختلف فقط، والموضوع الذي يجب نقاشه أولاً هو الأصل وليس الفروع! ليس ذلك فقط، بل إن الاختلاف على الفرع يُحل تلقائياً عندما يتم مناقشة الأصل. والمسألة تتضح أكثر بالأمثلة.

سنبدأ بمثال بسيط، لنقل أنك تناقش شخصاً في الحجاب، ونظرتك للحجاب وأهميته ووجوبه للمرأة… والآخر يناقشك بأنه تضييق على المرأة ونهب لحريتها وتقوقع…

لو نظرنا في الحوار لوجدنا أنه يمكن أن لا ينتهي إلى نتيجة، والأولى هو أولاً أن ننظر ونتأكد هل طرفا الحوار على نفس الأصل أم أن كل منهما على أصل مختلف ويتناقشان في نفس القضية؟ بمعنىً آخر يجب أن ننظر إلى الخلفية التي تقود وتوجه ويصدر عنها رأي كل من الطرفين في قضية حجاب المرأة.

فالمشكلة أن أحدهما ربما يكون منطلقاً من مرجعية دينية، فهو مؤمن ويعتبر الدين مقوماً وركنا رئيساً في حياته، وبأنه ملزم بتعاليمه وأن هناك يوماً آخر وحساباً وجنة وناراً… لكن ربما يكون الشخص الآخر لا ينظر إلى الدين بهذه النظرة، وربما كان يعتبره شيئاً ثانوياً في حياته ولا يأخذ بتعاليمه على محمل الجد ولا يلتزم بها أساساً. في مثل هذه الحالة الطرفان ينطلقان من منطلقين مختلفين تماماً رغم أنهما يعالجان نفس القضية. وبسبب اختلاف نظرة كل منهما للموضوع، فإنهما لن يصلا إلى نتيجة لأن كل منهما على غصن مختلف. في مثل هذه الحالة يجب أن يتحاورا في الأصل واختلافهما فيه، فإذا حُلت قضية الأصل واتفقا على أصل معين فإن قضية الفرع تُحل من تلقاء نفسها إما بالاتفاق عليها أو الوصول إلى نتيجة أن لكل منهما وجهة نظر (كل منهما على فرع مختلف) مبنية على اختلاف في الأصل لذلك من المستحيل الوصول إلى حل واحد يرضي الطرفين في هذه الحالة.

أما إن أصرا على النقاش فإن حال كل منهما يكون وكأنه يحاول شد الآخر لطرفه وأصله بمناقشة الفرع! بينما يكون الأمر أسهل وأكثر منطقيةً فيما لو تم توجيه النقاش أساساً للأصل.

المثال الثاني من الأمثلة التي واجهتها فيما قرأته من نقاشات على شبكات التواصل بين أشخاص مختلفين. ولكن ما كان يلفت نظري دائماً هو أن كل الاختلاف القائم والذي ظاهره الاختلاف على الفرع هو في الحقيقة اختلاف على الأصل ليس أكثر، وبذلك يكون الاختلاف على الفرع قائماً ولا بد منه ولا جدوى من مناقشته!

المثال يرتبط بشهر الصوم والمتاعب التي يتلقاها المسلم فيه خصوصاً في هذه الأيام حيث يأتي شهر الصوم في الصيف وتكون ساعات الصيام طويلة نسبياً وتصل في بعض الدول إلى عشرين ساعة. وكان النقاش يسير بين من يرى رمضان شهر الخير والبركة في العمل وبين شخص آخر يراه شهراً للكسل وقلة العمل. وكان ما جذب نظري ودفعني للمشاركة في الحديث هو المغالطة الواقعة بين الشخصين، والتي كانت سبباً في احتدام النقاش واستمراره يدور في حلقة مفرغة دون الوصول إلى أي نتيجة.

الأول كان يقول بأن رمضان شهر الخير والبركة والعمل الدؤوب، ويستشهد بالآيات والأحاديث. يرد عليه الآخر رمضان شهر النفاق لأن الناس تأكل أكثر من أي شهر آخر ولا تستطيع العمل وإنجاز ما تريد خصوصاً في الدول التي تكون فيها ساعات الصيام طويلة. وكانت الجملة الجوهرية هنا هو قوله للأول بأنه يرى الصوم نافلة بينما الأول يراها فرضاً وقال له بأن هذا هو الاختلاف بينهما، واستمر النقاش بعدها.

الجملة السابقة هي طبعاً ما استوقفني في هذا النقاش الذي كان يحتوي على أكثر من هذه المغالطة ولكن أهم مغالطة كانت الموضوع الذي أكتب عنه هنا فآثرت ذكر هذا المثال. (كان من المغالطات مثلاً وجود خلط بين صعوبة التطبيق والحكم على الشيء. فالثاني كان يحكم على الشهر من صعوبة التطبيق! وهذه مغالطة لأن صعوبة التطبيق ليست أمراً عاماً فهي مقتصرة على بعض الدول، فماذا كان سيقول يا ترى لو كان يعيش في بلد يكون الصيام فيه ثمان ساعات فقط؟ كان حكمه سيتغير لا شك وهنا المشكلة وهي الربط بين الحكم على الشيء من تطبيقه).

نعود لمشكلتنا الأساسية، وهي اختلاف الأصل. لا شك أنك تلاحظ مما ذكرت لك بأن الإثنان يناقشان الفرع (فائدة رمضان وما فيه من الخير) بينما كل منهما يقع على أصل (غصن) مختلف. فالأول يرى فرضية الصوم بينما الثاني يراه نافلة! وبعد عدة محاورات تبين أن هذا الشخص الذي يرى بنافلة الصوم لا يعترف بالسنة أساساً ويرى الصوم نافلة من مقارنته بآية هي (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) وأن هذه الآية لا تفرض القتال على الجميع، لذلك فـ (كتب عليكم الصيام) كذلك لا تفرضه على الجميع. (ولا شك أن قياسه هذا مغلوط تماماً ولا معنى له، ولكن ليست هذه مشكلتنا هنا!)

في مثل هذه الحالة يكون الاختلاف على شقين. الأول هو موضوع السنة وحجيتها. فهل السنة مصدر تشريعي أم لا. والمسألة الثانية هي موضوع الحكم على الشهر الفضيل هل هو فرض أم سنة.

والنقاش يجب أن يبدأ بالمسألة الأولى لأن حل المسألة الثانية متوقف على حكم الأولى. فلو كان الجواب الذي نصل له من المسألة الذي نصل له يقول بحجية السنة فالمسألة الثانية تُحل تلقائياً ولا داعي لماقشتها أصلاً لوجود حديث في السنة يقول بفرضية الصيام. بينما لو كان الحال هو الوصول لرفض السنة فحينها وفقط حينها يمكن أن ننتقل لمناقشة موضوع فرضية الصوم استناداً لآيات القرآن.

B

إذاً تلاحظ أين تقع المشكلة. فهما كل منهما ينظر للموضوع من منطلق مختلف وأصل مختلف ومع ذلك لا يناقشان المسألة الأساسية وهي حجية السنة في حالتنا هذه ويصران على متابعة النقاش في الفرع!. ولا شك بأن مثل هذا النقاش لن يوصل إلى أي ثمرة. وهذه المغالطة المنقطية في النقاش تراها في كثير كثير من النقاشات دو أن يلتفت أصحاب النقاش إلى موضوع الاختلاف الأساسي الأجدر بالمناقشة في كل الحالات، والذي ينقاشه إما أن تُحل القضية تلقائياً أو يتبين عدم جدوى مناقشتها بسبب اختلاف الأصل الذي ننظر له ومنه لهذه المسألة قيد النقاش.

كنت قد كتبت عن هذه المغالطة وسميتها فيما سبق مخاريط السياق في تدوينة “عن دور المرأة في حياة الرجل والمجتمع“، أي اختلاف مخروط السياق الذي ينظر منه (طرفا الحوار) إلى الموضوع قيد المناقشة. وبديهي بأن اختلاف المخروط الذي تنظر منه إلى شيء ما سيؤدي إلى بناء وجهات نظر مختلفة لن يكون هناك أي جدوى من معالجتها. وكلامي هنا يندرج تحت نفس السياق ولكن باسم مختلف هو “الأصل والفرع”. لا مشكلة في الإسم ولكن ما يهمنا هنا هو المعنى. 🙂

شخصياً أحب استهدام مصطلح مخاريط السياق عندما يكون الاختلاف في النظرة للموضوع أكثر عمقاً وأكثر شمولية، وأستخدم مصطلح الاصل والفرع عندما يكون الاختلاف في النظر للموضوع لا يمتد كثيراً للخف. يمكن تشبيه ذلك بأن الشجرة لها ساق واحدة، يتفرع عنها عدة أغصان رئيسية، ويتفرع عن الأغصان الرئيسة أغصان أصغر ومن ثم فروع نهائية. إذا كان الاختلاف ليس شديد العمق، كأن يكون الاختلاف على مستوى الأغصان الرئيسة فقط فاسميه بالأصل والفرع، ولكن عندما يكون الاختلاف شديداً على مستوى الشجرة كلها أو أغاصنها الرئيسة كلها فاسميه مخاريط السياق.

C

الأمثلة على هذه المغالطة كثيرة جداً وأعتقد أن المثال الأخير وضحها تماماً. من الشكل السابق يتضح لنا تماماً أن المسيحي أو اللاديني سيكون من غير المنطقي تماماً مثلاً أن يناقش مسلماً في فائدة الصوم!. ولكن المشكلة تكون أكثر خفاءً حين يكون اختلاف الفروع ضمن الشجرة الواحدة (بين المسلمين أنفسهم مثلاً).