أفكار متفرقة (3) — أفكارٌ تعوم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

الصفر ليس عدداً

لنبدأ رحلة الأفكار هذه بالأرقام. تعلم أن مجموعة الأرقام مجموعة ضخمة تضم الأعداد الصحيحة والكسرية والحقيقية والتخيلية حتى! ولكن على أرض الواقع، على الواقع الذي نحاول توصيفه بتلك الأرقام لا يوجد لدينا حقيقة إلا الأعداد الطبيعية. أي الأعداد الموجبة الصحيحة فقط. قد تقول لي بأن الأعداد العشرية موجودة، فأنا قد متلك ليرة ونصف، ولكنك في الحقيقة تمتلك ثلاثة أنصاف. وإن امتلكت تفاحة ونصف فأنت لديك ثلاثة أنصاف أيضاً. إن كان لديك عشر الليرة فأنت لديك عشر واحد، وإن كان لديك ليرة وعشر فأنت لديك 11 عشراً. إذاً كل ما يوجد أمامك لا يمكن أن يكون إلا عدداً طبيعياً. إن كان لديم نصف قالب حلوى فعملياً أنت لديك عدد طبيعي من الذرات التي تشكل هذا القالب، وقولنا نصف قالب أو عشر ليرة ليس إلا مسألة تقريبية لكنها لا تمس الحقيقة ولا تشطرها!.

هل يمكن تقسم قالب الحلوى على ثلاثة قطع متساوية؟ في الرياضيات تقسم 1/3 يعطينا عدداً عشرياً يظل يمتد عشرياً بدون نهاية، فهو 0.333333333 دون أن تنتهي سلسلة العدد 3 إلى يميم الفاصلة، ولكن هل هذا يمتد أو يمثل العالم الحقيقي الذي نحاول أن نعبر بتلك عنه بتلك الأعداد؟ لا طبعاً. فقالب الحلوى يتألف أيضاً من عدد طبيعي من الذرات، هذا العدد قد يقبل القسمة على 3 وبالتالي يمكن تقسيم قالب الحلوى على ثلاثة أو لا يقبل، وبالتالي لا يمكن تقسيم قالب الحلوى على ثلاثة. هذا الكلام يفترض أن الذرة لا تتجزأ، وإن كانت تتجزأ فالأمر يتعلق بعدد الأعداد التي يمكن أن تنقسم لها الذرة. ولأن عالمنا (على ما يبدو) عالم متقطع ليس مؤلفاً من سلسلة لا نهاية من التقسيمات والأجزاء، فهناك شيء (على ما يبدو) لا يتقسم وهو نهاية التقسيم، فعدد هذه المكوِن الذي يحتويه قالب الحلوى هو ما يحدد فيما إذا كنا نستطيع تقسيم قالب الحلوى على ثلاثة أم لا نستيطع. إن لم يكن عدد ذلك المكون (الغير قابل للتقسيم لأجزاء أقل) إن لم يكن قابلاً للقسمة على 3 فقالب الحلوى لا يمكن تقسيمه على ثلاثة بشكل من الأشكال.

الأمرالذي دفعني لكتابة هذه المقالة هو أن أعبر عن الفكرة التي تدور في رأسي والتي تقول بأن الأرقام كلها وهيمة ما عدا الأرقام الطبيعية، أي الصحيحة الموجبة. فالأعداد السالية ليست سوى أعداد طبيعية موجبة ولكننا جعلناها سالبة رمزاً لشيء معين نريد التعبير عنه، فمثلاً على مستقيم الأعداد الأعداد السالبة هي نفس الأعداد الموجبة لكن على الجهة الأخرى، أي هي أعداد موجبة لكنها بالاتجاه الآخر ليس إلا. إذاً السالب في الموضوع ليس حقيقة واقعية ولكنه ترميز لشي لا نريد شرحه كل مرة.

لنعد إلى مستقيم الأعداد، تعلم أنك لتحسب المساحة لمنحن فأنت بحاجة للتكامل، وهم يشرحون ذلك بأننا نقسم المساحة إلى مستطيلات هذه المستطيلات تظل تصغر حتى تغطي مساحة المنحني، لكن على أرض الواقع ألا يوجد حد تتوقف عنده تلك المستطيلات؟ حتى لو كان طول بلانك، فهي لا تصغر إلى الأبد، بالتالي مساحة الشكل المنحي على أرض الواقع هي مساحة مستطيلات حقيقية، أي عملياً لا يوجد شكل منحني بشكل مطلق لا نهائي على أرض الواقع، ففي النهاية يمكن أن يكون عرض هذا المستطيل ذرة واحدة، المهم أنه يتوقف عن التقسيم. وكذلك الأمر بالنسبة لميل المستقيم، فهم يشرحونه بتقريب نقطة من النقطة التي نبحث عن ميل المستقيم على المنحني، ولكن في النهاية هذا التقريب سيصل حداً يتوقف عنده.

كنت أشاهد منذ فترة شرحاً عن السبب وراء عدم إمكانية القسمة على صفر. فخطر لي سبب آخر تماماً عن هذه الاستحالة، السبب برأيي هو أن الصفر ليس عدداً. نعم كما سمعت، الصفر كما اللانهاية ليس عدداً ولا يحق له أن يكون عدداً. لذلك لا تستطيع التقسيم على صفر ببساطة، لأنه ليس عدداً فقط. وأنت لا تستطيع تقسيم عدد على لا عدد. الصفر في المنتصف واللانهاية على الأطراف، ليست أعداداً. لماذا؟ لأنه لا يمثل شيئاً على أرض الواقع. والأعداد هي ما يمثل موجودات على أرض الواقع، موجودات يمكن تمثيلها بأعداد تبدأ من الواحد ولها نهاية. العد بحد ذاته لا نهاية له لأنه عمل فكري، أما على أرض الواقع فلكل شيء نهاية. يجب أن يكون هناك فصل بين العمليات الفكرية والواقع الذي نعيشه، خصوصاً أن تلك العمليات تهدف في نهاية ما تهدف إليه إلى توصيف هذا الواقع الذي نعيشه بالدقة الممكنة، ولكن لكل منهما خواص معينة تختلف عن خواص الآخر.

يمكن تشبيه ذلك مثلاً بنوعي الغرافيكس التي تتعامل معها برامج التصميم، فمثلاً لدينا bitmap graphics وهي صور مؤلفة من بكسلات تمثل أصغر جزء من تلك الصورة. بالتالي مثلا لو أردنا تقسيم الصورة لثلاث أقسام يجب أن يكون بعدها مؤلفاً من عدد من البكسلات يقبل القسمة على ثلاثة وإلا فإنها غير قابلة للقسمة. من ناحية أخرى لدينا vector graphics وهي صور لكنها تتمتع بخواص رياضية تمكن الحاسوب من رسمها من جديد عند كل مرة نعدل عليها تكبيراً أ تصغيراً. هذه الصور من حيث المبدأ تتكون من عدد لانهاي من المكونات، لأن الحاسوب يرسمها لنا وفق معادلات يمكن أن نغير متغيراتها كما نشاء تكبيراً أو تصغيراً. لكن المفارقة هنا أننا في كل مرة نعدل عليها فإنها تصبح في النهاية bitmap graphics مكونة من بكسلات التي هي البكسلات التي تتكون منها الشاشة. أي أنها وإن كانت تأخذ خواصها من المعادلات التي لا يمكن وضع حد لمتغيراتها إلا أنها في النهاية خاضعة لبنية مكونات الكون (الشاشة في حالتنا) ولا تستطيع الخروج عنها. فهي وإن كانت توصف بمعادلات إلا أنها تُبنى بمكونات الكون نفسه. إذاً لا مفر من بينة الكون!

إذاً تذكر أنك عندما تحسب سرعة السيارة فتجد أنها تحتوي على أعشار مثلاً تذكر أن هذه الأعشار ما كانت لتظهر لو استخدمنا أصغر واحدة طول ممكنة وأقصر واحدة زمن ممكنة، كطول بلانك مثلاً. فعند استخدام الواحدات المناسبة، لا يمكن أن يظهر معنا إلا أعداد صحيحة موجبة فقط، وليس سواها.

إذاً الصفر ليس عدداً وما هو غير موجود لا يمكن عده. والمشكلة كما قلنا هي في أن هناك اختلافاً بين عالم الرياضيات الذي نرسمه وبين الواقع الذي نحاول توصيفه بالرياضيات. ففي الرياضيات لا نهاية للأعداد ولكن هذا لا ينطبق على الكون، وفي الرياضيات هناك كسور وأعداد سالبة ولا وجود لمثل ذلك في العالم من حولنا، ومن هنا تبدأ المشاكل :).

كل تلك البعثرة والكسور والأعشار ليست سوى لاستخدامنا واحدات غير مناسبة ليس أكثر، ولتسهيل الأمر فقط. وهنا كما في حالة السفر عبر الزمن كما سترى لاحقاً فنحن نصنع نموذجاً لتوصيف عالمنا ولكننا نحاول أن نسقط كل صفات هذا النموذج على عالمنا رغم أن هذا ليس بالضرورة حاصل! فعالم الرياضيات عالم فكري محض لا ينطبق كل مافيه على العالم من حولنا لذلك ولأننا نستخدم هذا العالم الفكري في توصيف العالم الحقيقي فيجب أن نكون حذرين ونراعي ما يمكن أن ننقله من صفات ومالا يمكن.

لماذا سرعة الضوء ثابتة

لماذا لا تتغير سرعة الضوء لأي مراقب، بينما تتغير سرعة القذيفة مثلاً؟ خطر ببالي منذ وقت طويل أمر يمكن أن يقرب الصورة للذهن، ويشرح لماذا لا تتغير سرعة الضوء لمراقب يتحرك أو لمراقب ثابت. بالنسبة للقذيفة تُضاف سرعة حركة المراقب الذي يطلق القذيفة لسرعة القذيفة وهذا أمر يسهل فهمه، لكن لماذا لا يحدث الأمر نفسه بالنسبة للضوء؟ أعتقد أن مفتاح الأمر هو بأن الضوء مرتبط بنسيج الكون وليس مرتبطاً بالمراقب الذي يطلق الفوتون. تخيل معي أن هذا الكون عبارة عن شبكة من النقاط الموزعة في الفراغ بشكل منتظم كما في توزع ذرات المعدن مثلاً. بحيث تكون الأبعاد بين تلك النقاط أصغر ما يمكن، وكل شيء يسبح ضمن الفضاء بين تلك النقاط. الآن لو تخيلنا أن كل نقطة من تلك النقاط عبارة عن مفتاح يمكن تشغيله، وأننا عندما نشغله ينطلق منه فوتون. لنتحرك الآن، نحن نتحرك ولكن الجملة السابقة ثابتة، عندما نطلق فوتوناً من مصباح نحمله، ما يحدث عملياً هو أننا نشغل المفتاح الذي يتوافق مع النقطة التي كنا فيها لحظة إطلاقنا للفوتون، والتي هي مستقلة عن حركتنا وثابتة طبعاً بالنسبة لنا. في هذه الحالة ستكون سرعة الفوتون مستقلة عن سرعتنا مهما كانت ومتعلقة بالنسيج الذي يتكون منه هذا الكون. هذا الأمر يمكن أن يفسر لماذا تكون سرعة الفوتون مستقلة عن حرتنا مهما كانت سواء أكنا ثابتين بالنسبة للجملة السابقة أو حتى نتحرك بسرعة الضوء بالنسبة لها.

هل يمكن السفر عبر الزمن؟

لنبدأ بالعودة للماضي، كوننا جميعاً نتمنى أن نعود بالزمن للماضي لنتخذ قرارات تختلف عما اتخذناه! لست أدري لماذا ينتابني هذا الشعور دائماً :). لنفكر في الأمر، الزمن يتقدم بنا لأن كل الكون من حولنا يتحرك باتجاه معين، الذرات في كل الكون تتحرك، الخلية في جسدك تحدث فيها تحولات بسبب تحركات مكوناتها، تهرم الخلية بسبب الحركة وبالتالي نكبر بالسن. لنفترض أننا تمكنا بطريقة ما من إعادة أو عكس هذه الحركة لكل ذرات الكون، ما سيحدث عملياً هو أننا سنعود للماضي. الآن المشكلة هي في نقل المعلومات للماضي. لنتفرض أن وعي الإنسان منوط بالبنية التي يتكون بها الدماغ، أي لننس موضوع الروح أو لا نأخذه بعين الاعتبار. عملياً وعينا إذاً هو أيضاً نتيجة الحركة المستمرة التي تقوم بها مكونات دماغنا نيتجة تفاعلها مع ما حولها. بالتالي عكس الحركة سيعود بنا للماضي وسنعود لنفس النقطة من الوعي التي كنا عليها أيضاً. ولاحظ أننا بذلك لا يمكن أن نلتقي بأنفسنا التي بالماضي لأننا نعود بأنفسنا للماضي، أي ذلك السيناريو الغريب في الأفلام مرفوض، فنحن نعود بأنفسنا للماضي حرفياً. إذاً سنعود للماضي لكننا سنعود إلى نفس الوعي الذي كنا عليه، لذلك ربما سنتخذ نفس القرارت، لماذا العودة إذاً؟ طالما لن نستطيع تغيير قراراتنا لأننا عدنا لنفس الوعي ولأننا لن نذكر أننا عدنا من المستقبل أصلاً! 🙂

الأمر يختلف لو اعتبرنا وجود الروح المستقلة عن المادة، ربما لو عدنا بالمادة للماضي وبقيت المعلومات في أرواحنا، ربما بذلك الافتراض يختلف الأمر قليلاً! لست أدري :).

ماذا عن السفر للمستقبل؟ لو تمكنا من تسريع حركة كل ذرات الكون عندما نعم سننتقل بأنفسنا (حرفياً مرة أخرى) للمستقبل ولكننا سننتقل بنفس وعينا الحالي، بالتالي لن نجد تطوراً تقنياً أبداً كما نرى في الأفلام :).

إذاً لنعود بالزمن فهذا أمر ممكن إذا ما تمكنا بطريقة ما من التحكم بكل ذرات الكون، أو المشهد الذي نرغب فيه بالعودة بالزمن، وعكسنا حركتها كلها على أدق المقاييس، هذا سيعود بالجملة التي نقوم بهذه العملية عليها إلى الحالة التي كانت عليها سابقاً، لأننا نقوم بعكس حركة كل مكوناتها. إذاً لو عكسنا حركة ذرات الكون لعدنا به إلى الحالة التي كان عليها في الماضي، وهذا طبعاً مستقل عن الزمن، إلا أننا حققنا نفس الغاية وهي العودة به إلى الحالة التي كان عليها سابقاً والأمران سيان. وكما قلنا هذه العملية ستعود بك كما كنت بدون نقل أية معلومات إلى الحالة الجديدة لك التي هي نفس حالتك الماضية. الآن ماذا لو قمنا بهذه العملية على كل الكون ما عداك؟! بمعنى أننا عكسنا حركة كل مكونات الكون باستثناءك؟ في هذه الحالة نستطيع القول بأنك سافرت بالزمن للخلف (عملياً الكون عاد لحالته السابقة وأنت بقيت على نفس حالتك الجديدة وهذا يكافىء من حيث المبدأ أنك عدت بالزمن للخلف). وهذا لا يعني أنك ستلتقي بنفسك التي في الماضي، لا العملية لا تتضمن شيئاً من هذا أبداً لأننا كما قلنا ليس الأمر عودة بالزمن بشكل حقيقي إنما هي عودة لحالة سابقة كان عليها الكون سابقاً لا أكثر.

وهنا كما في حالة توصيف العالم الحقيقي بالرياضيات وما ينتج عن ذلك من بعض الألغاز والمشاكل الناتجة عن عدم مراعاة الإنفصال بين ما هو فكري محض وبين بنية هذا الكون على أرض الواقع، فإننا هنا في حالة السفر عبر الزمن نتوهم مثلاً أننا يمكن أن نقفز عبر الزمن، ندخل من باب في هذه اللحظة ونخرج من باب في الماضي، ونخرج بقضية محيرة من باب ماذا سيحدث لو قابلت نفسي في الماضي؟! القضية بالمثل هي أننا نفترض شيئاً لن يكون ولا يمكن أن يكون ثم نأتي ونحاول لنحل الألغاز التي تنتج عن ذلك الإفتراض البعيد عن أرض الواقع إن لم نقل المستحيل.

إعادة نمو الأعضاء

بعض الكائنات الحية تتمتع بخاصية فريدة جداً وهي إعادة نمو أعضاء كاملة إذا ما تم بترها منها. لكن لا تتواجد هذه الخاصية في الإنسان مثلاً. ففي الإنسان لو تم قطع عصب ما فإنه لن يعود للنمو مجدداً ويخسر الإنسان حركة العضو التي يرتبط بها هذا العصب! فكيف بإعادة نمو عضو كامل! طبعاً هناك أنسجة تعاود نموها بعد فقدها (إلى حد معين) ولكننا نتحدث عن عضو كامل كاليد مثلاً. لو قارنا بين تلك الكائنات والإنسان أو الثدييات العلينا من حيث المبدأ فإننا لا نجد أي اختلاف جوهري يمكن أن يمنع من حيث المبدأ هذه الخاصية. فمكونات الخلية تتشابه والعلميات الحيوية تتشابه، وهذا الإنسان في مراحل نموه الأولى يمتلك تعقيداً في تحديد وبناء الأعضاء يتفوق على هذه الخاصية التي نتحدث عنها، وذلك عند بدء تشكله بعد الإلقاح. فتطور الجنين عملية مذهلة تنطوي على تعقيد شديد يفوق التعقيد المصاحب لإعادة نمو العضو عند تلك الكائنات. إذاً لماذا يفقد الإنسان كل ذلك؟

حقيقة الأمر ليس أن الإنسان يفقده، ولكنه ربما يفقد أو لا يمتلك التعليمات اللازمة لتلك الخواص لا أكثر. يمكن أن نشبه ذلك ببرنامجين، البرنامجان مكتوبان بنفس لغة البرمجة، لكن أحدهما يتمتع بخاصية لاتوجد لدى الآخر. هنا هل نقول إن ما ينقص الأول يتعلق بلغة البرمجة؟ لا طبعاً كل مافي الأمر عو غياب بعض سطور الأوامر من البرنامج الأول ووجودها في الثاني. إذاً ما ينقص الإنسان هو الكود لا أكثر لأن مكونات الخلية وبنيتها لا تقل عن بنية تلك التي لدى تلك الكائنات. وعندما نتحدث عن الكود لدى الإنسان فإننا نتحدث عن التعلميات الموجودة على حمض الدنا DNA.

إذاً كما سيخطر ببالك فالباب مفتوح لإعادة برمجة الدنا DNA في الإنسان لتقوم الخلايا بوظائف جديدة لم تكن تقوم بها في السابق، نعم لأن كل ما يلزمها هو التعليمات الصحيحة فقط، بينما الأدوات كلها متاحة لها لأنها تمتلك ما تتفوق به على بنية خلايا تلك الكائنات البسيطة نسبياً مقارنة بتعقيد الإنسان وبنيته. ولا شك بأن الخلايا الجذعية هي خير مثال على ذلك، فالخلايا الجذعية عملياً هي نفس الخلايا اللاحقة التي تتطور لها ولكنها تتميز عنها بوفرة في التعليمات الموجودة على الدنا DNA الخاص بها، والتي يتعطل قسم كبير منها (من التعليمات عبر تغطيته أو لنقل تخبئته) بعد أن تصل وتتطور للخلية المطلوب منها أن تتطور لها. إذاً العملية تحتاج فقط للتعليمات الصحيحة، أي الكود الصحيح!

وأعتقد أن الأمر يمكن أن يمتد أثره لمعالجة  الأمراض المعندة على العلاج. فالجسم يمتلك كل ما يمكنه نظرياً من القضاء على أي مرض، وكل ما يجب أن نقوم به هو تزويد جهاز المناعة بالتعلميات المناسبة وتوجيهه للقيام بالعمليات المناسبة ضد العامل الممرض الذي نريد القضاء عليه، وتنتهي كل المشاكل! حتى فيما يتعلق بالأورام يمكن بالتعليمات المناسبة القضاء عليها كلية!

هل يمتد أثر الجاذبية إلى اللانهاية؟!

تعلم أن أي جسمين لها كتلة يؤثران على بعضهما بقوة جذب تتناسب طرداً مع كتلتها وعكساً مع مربع البعد بينهما، فأنت تجذب عملياً كل من حولك :). أي أنك أنت تجذب الأرض لك كما تجذبك هي لها، ولكن قوة جذبك لها لا تكاد تُذكر مقارنة بقوة جذبها لك لذلك ما يظهر هو جذبها لك فقط، ولكن ثق بأنك تجذبها أيضاَ :). لكن ما يهم بالأمر هو أنك تؤثر عليها كما تؤثر هي عليك. إذاً أنت تؤثر على القمر أيضاً ولكن أيضاً بقوة صغيرة بشكل لا يصدق، ولكنها موجودة ويمكن حسابها. وأنت تؤثر على الشمس بالتالي ونظرياً أنت تجذب كل شيء موجود في الكون وله كتلة وتؤثر عليه! لكن ألا ترى في ذلك مشكلة؟ّ!

كيف يمكن لكتلة صغيرة أن تؤثر على كتلة صغيرة أخرى في أقاصي أقاصي هذا الكون الواسع؟! ألا يوجد حد تختفي عنده هذه القوة؟ من الناحية النظرية يبدو لي أنه لا يوجد حد، فما دام يمكننا قياس هذه القوة وحسابها مهما كانت ضئيلة في الحجم فهذا يعني أنها موجودة، ولكني لا أعتقد أن ذلك صحيح. يكون ذلك صحيحاً إذا كان هذا الكون من حولنا مستمراً في بنيته غير متقطع، ولكني بت أعتقد بأن هذا الكون من حولنا متقطع، فكما يوجد طول بلانك وزمن بلانك يجب أن توجد قوة بلانك بحيث لا قوة أصغر منها، ويكون تأثير الجسم على جسم آخر مساوياً الصفر عندما تقل القوة عن هذا الحد المعين. وبذلك يكون تأثير حضرتك 🙂 مقصوراً على مسافة معينة من حولك وكل ما ورائها مستقل عنك تماماً ولا يمكن ل أن تؤثر عليه بكتلتك المهيبة :).

إذاً لتجذب شيئاً ما (أو شخصاً ما لنقل) عليك أن تقترب منه كفاية حتى يصبح لقوة الجذب بينكما تأثير واضح يؤخذ بعين الاعتبار 😉.

الأمر إذاً برأيي مرتبط بذلك التقطع الذي بت أراه في كل شيء في هذا الكون، هذا التقطع ينقذنا من مشكلة اللانهاية في بعض المسائل! فبدونه فكل شيء في الكون مثلاً يؤثر على كل شيء!

أفكار متفرقة (1) — إعادة ترتيب فقط؟

أفكار متفرقة (2) — هل الحياة إعادة ترتيب فقط؟

عن وهم الحب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

عن وهم الحب

سأتحدث هنا عن الحب، كما نراه بشكل عام، عن مفهومنا له كما يمكن أن نتصوره، والحب الذي أتحدث عنه هنا هو الحب الذي نقرأ عنه في الشعر والأدب والنثر، وسيكون حديثي عنا عن الحب بين الرجل وزوجته وليس شيئاً آخر لكي لا يتشتت الموضوع. فما أحب الحديث عنه هنا هو الحب بذاته وليس تطبيقه.

دعنا نتحدث عن الحب كما يحلو للشعراء والأدباء وكما يحلو لنا أن نصفه، عن حب الرجل للمرأة الوحيدة في حياته، عن زوجته وشريكته في عمره الآن وفي الآخرة، وبالمثل حب المرآة لزوجها وشريك حياتها. فنحن نتحدث عن هذا الحب الذي يربط بينهما. وكلنا يحمل تصوراً عن هذه العلاقة ولكن يمكن أن نقول بأن هناك نقاطاً عريضةً جداً نشترك جميعاً فيها منها مثلاً:

◄ بداية يمكن أن نقول بأن هذا الحب لا يمكن تعويضه بأي شيء آخر، وبأنه أغلى ما يملك الإنسان، وبأنه منتهى سعادته وهناءه في هذه الحياة.
لا تستوي الحياة بدونه، والحياة من غيره تكون ناقصة.
الحب لشخص واحد، فلا يمكن أن يتقاسم حبنا أكثر من شخص.
◄ هذا الشخص لا يمكن أن يحل محله شخص آخر.

هذه جملة من المواصفات التي يحلو لنا أن نصف بها تلك العاطفة التي نسميها بالحب. ولكن هذا الوصف ينطوي على مشاكل كثيرة قد لا تكون ظاهرة من النظرة الأولى. ولبيان تلك المشاكل الموجودة في هذا الوصف سنتخيل سيناريوهات أبعدها الله عن الجميع، ولكنها تحدث في كل مكان وهي جزء من تركيبة هذه الدنيا. معالجة تلك الأحداث يمكن أن تغير شيئاً ما من توصيفاتنا لهذه العلاقة بين الرجل والمرأة. وأذكرك بأننا عندما نتعامل مع أي شيء من الناحية النظرية يكون لنا تصور عنه، ولكن هذا التصور غالباً ما يتغير عندما نعالج تداعيات هذه القضية أو تلك، وأحب أن أسمي هذه العملية بالتوصيف الراجع، ما يعني أن تصف الشيء كما تراه ثم تعالج شيئاً من تداعياته ونتائجه مثلاً ثم تعود لتوصفه بعد ذلك، وغالباً ما ستجد التوصيفين يختلفان تماماً. لأن التوصيف الأول توصيف من القمة للقاع، ينظر للقضية من عل، أما الثاني فهو حقيقي ينظر للقضية من حقيقة نتائجها أو تداعياتها.

العنصر الأول الذي أريد الحديث عنه هو فكرة العشوائية في حياتنا. فأنت تحب أمك وهي لا تعوض ولكنك ستحب أي امرأة تلدك، وتحب أباك ولكنك لا تتدخل في اختيار هذا الحب. تحب زوجتك ولكنك لو ولدت في بلد آخر لكنت تعرفت على زوجة أخرى. فالأمر منوط ببعض العشوائية. فكيف يمكن لنا أن نقول بأن لنا حباً واحداً في هذه الحياة! ونحن نلتقي به صدفة ونحبه بعد ذلك؟! وتذكر أننا نعالج الحب كمفهوم وليس كحالة كحبك لأمك (أدام الله أمهاتنا فوق رؤوسنا).

كما أننا في بحثنا عن هذا الحب، نبحث عن مواصفات معينة نراها تكمل حياتنا وتتناسب مع شخصيتنا، وهذه المواصفات لا يمكن أن تنحصر في شخص واحد في كل هذه الدنيا. لا بد أن هناك آلافاً ممن يحملون هذه الصفات، ولو التقينا بأي من تلك الآلاف لكان بيننا الحب الذي نبحث عنه بوجود تلك المواصفات.

من ناحية أخرى قد تحب شخصاً ولكن هذا الحب لا يستمر، وتنتهي العلاقة لسبب ما. قد يتوفى أحد الشخصين (أطال الله أعماركم جميعاً) والحياة لن تقف كما يُقال في هذا السياق، فسيبحث من بقي من الزوجين عن حياته ويكملها مع شخص آخر يحبه كما أحب الأول ويعيش معه سعادته وهناءه. فالإنسان كائن متغير، حادث غير ثابت، وحبه بالتالي لمثيله حب خاصع لهذا التغير، أما الحب الذي نصفه بأنه لا يتغير فيجب أن يكون طرفه الآخر غير متغير.

كل تلك العناصر تحكم بكثير من الإشكالية على المواصفات السابقة التي ذكرناها عن هذه العاطفة. ولو بحثنا حقيقة عن حب يمتلك تلك العناصر التي ذكرناها لما وجدنا غير حب العبد لخالقه عز وجل. فهو حب لا يعوض ولا يحل محله أي شيء آخر ولا يمكن للحياة أن تستقيم بدونه وهو الحب المطلق بكل حال من الأحوال. وهو الحب الثابت الذي لا يتغير إلا بتغيرك أنت وليس بتغير من تحب، فمن تحب هنا وهو الله عز وجل ثابت لا يتغير وليس بحادث أو طارىء كحالنا نحن في هذه الحياة.

أما عن العاطفة التي تربط الرجل بالمرأة، فإما أن نغير اسمها لشيء آخر أو أن نصفها بمواصفات غير مطلقة، فالمصطلح بحد ذاته لا وشاح فيه، ولكن الإشكالية هي في توصيفه. قد يبدو ذلك غريباً علينا ولكنه الواقع. قد لا يحلو لك أن تفكر بهذه الطريقة كما لا يحلو لي، ولكن تحليل الوقائع يعطينا تلك الحقائق ويحكم على توصيفنا للعلاقة بين الرجل والمرأة بتلك المواصفات التي تبتعد عما يحلو لنا!.

أنت ستحب في حياتك شخصاً، ويحلو لك كما للجميع أن يكون حباً وحيداً يكمل حياتك وتسعد ويسعد بك. ولكن لا يجب أن نقول عنه بأنه لا يعوض، أو أنه أبدي أو سرمدي إلى ما سوى ذلك من المواصفات التي نقرأ عنها أو نطلقها نحن بأنفسنا. تلك العاطفة التي بين الرجل والمرأة هي شيء آخر، حب ولكنه ليس كالحب المطلق الذي لا أعتقد بوجود سوى بين العبد وخالقه.

عن حكمهم على عملة البتكوين — Bitcoin

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

كل ما يلي هو تعلقيق على فيديو شاهدته عن حكم تداول عملة البتكوين Bitcoin لأحد العلماء جزاهم الله الخير، بالإضافة إلى جملة أفكار عن العملة وتداولها تدور في رأسي منذ كتبت عن حقوق النشر، التي لم أعد أؤمن بها.

سأبدأ بالفيديو نفسه لكي تشاهده ثم تقرأ تعلقيقي عليه خاصة وعلى الموضوع عامة:

سأبدأ تقريباً من حيث انتهى، من نقطة قد لا تمت للموضوع المطروق بصلة مباشرة ولكنها نقطة جوهرية في مثل هذه القضايا عندما يتعرض العلماء لحكم نازلة من النوازل ومستجد من المستجدات. فالشيخ يقول أننا للحصول على الحكم نلجأ لأهل الذكر، وهو هنا يقول بأننا نلجأ لهم للحصول على الحكم منهم، لأنهم أهل الذكر، ولو كانت القضية مستجدة فيجب على أهل الاختصاص توضيح الموضوع لأهل الذكر وتوضيح النقاط التي يمكن أن يرتكز عليها الحكم، ومن ثم يعطينا أهل الذكر الحكم بصفتهم أهل الذكر!.

وأنا على قناعة بأن الأمر يجب أن يكون معكوساً تماماً. فقوله تعالى [فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون] لا يشترط أن يكون مصدر الحكم في النهاية هم المشايخ الذين يسمون أنفسهم بأهل الذكر، بل ربما الأصح أن يكون العكس هو الصحيح تماماً، وأن يكون سؤال المختصين لأهل الذكر هو سؤال عن القواعد الشرعية التي يمكن أن يدور حولها الموضوع، ومن ثم يقوم المختصون باستخدام هذه القواعد الشرعية واستنباط الحكم بأنفسهم لا العكس. وهذا أقرب للصحة، لأنه من الصعوبة بمكان أن تنقل تصورك (كمختص في الاقتصاد مثلاً) لشيخ بصورة متكاملة، إذ يتطلب ذلك أن يدرس الشيخ كل ما ردسته، ويستحيل أن تصله الصورة كاملة كما هي في ذهن المختص. بينما من السهولة على (المختص في الشرع) أن ينقل القواعد القرآنية والفقهية والأحاديث النبوية التي تتعلق بالموضوع (للمتختص في الموضوع قيد الدراسة). وهذا أقرب لأن يكون الحكم صحيحاً لان نقل القواعد الشرعية وفهمها أسهل بكثير من محاولة نقل الصورة الذهنية لموضوع ضخم في الاقتصاد (كالحكم على عملة نقدية) إلى غير مختص فيه.

إذاً [فأسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون] يجب أن تكون معكوسة تماماً في مثل هذه القضايا التخصصية، إذ يكون سؤالنا لهم هو عن القواعد التي تفيد في استبناط الحكم ويكون استباط الحكم للمختصين بعد ذلك. وسأضرب لكم مثالاً عن الأخطاء التي يمكن أن تقع لو حدث العكس في الأمور التخصصية التي لا تتعلق بالأحكام الشرعية بذاتها (من صلاة وصوم وغيرها). وهو أن شيخاً كان يستلم منصب الإفتاء في مدينتنا الصغيرة، تم سؤاله عن حكم إعطاء المرأة الفاقدة لعقلها أدوية لمنع الدور الشهرية عنها، فكان جوابه السماح بذلك لأن في ذلك تسهيلاً على أهل المرأة من ناحية العناية بها. الحكم ظاهرياً صحيح ولا مشكلة فيه، ولكنه خاطىء تماماً لأنه ينطوي على ضرر للمرأة من تناول هذه الأدوية، هذا الضرر لا يتجلى لغير المختص أبداً ولا يمكن ربما أن يخطر بباله! ولكن أن تتصور أن الفتوى طبعت في كتاب وتم توزيعه على الناس في المسجد إلى أن قام أحد الأطباء جزاه الله خيراً بتنويهه لهذه القضية الخطيرة التي لا يمكن لغير المختص أن ينتبه لها. وهذه المثال مثال بسيط عن قصور واستحالة نقل تصور المختص (بالأمور غير الشرعية كالطب أو الاقتصاء) بالكامل لغير المختص (عالم الشرع) وبالتالي سيكون الحكم ناقصاً لا محالة.

نعود للحديث عن العملة التقليدية والعملة الورقية ثم العملة الرقمية.

◄ يبدأ الشيخ كلامه بلمحة عن تاريخ العملة، وهي المقايضة التي كانت تتم بالسلع نفسها، ثم انتقال الناس للمقايضة بالذهب والفضة ثم استبدال الذهب والفضة بالعملة الورقية. ويذكر شروطاً ثلاثة يجب أن تتوافر في العملة وهي: أن تكون وسيطاً مقبولاً عن الناس، وأن تكون مقياساً يمكن تحديد قيمة السلعة من خلاله، وأن يكون مستودعاً للثروة.

◄ ثم يضيف بأن العملة الرقمية ليست عينية،
◄ وليس لها اعتماد حكومي كالأوراق النقدية، فلا يصدرها بنك مركزي ولا تتحكم البنوك فيها،
◄ وليس لها رصيد من ذهب أو فضة.

كما يضيف بأن الهدف منها كان أساساً كسر مركزية البنوك وإلغاء دورها في التحكم بالعملات، وأن يتم إدراتها من قبل المستخدمين أنفسهم، والخصوصية بالإضافة إلى سهولة الإستخدام.

لو عدنا لتاريخ العملة لوجدنا أن الأصل في أي عملة كانت هو اعتمادية الناس لها. فلو ارتضا الناس التعامل بالحجارة مالاً لصلحت الحجارة مالاً. ولكننا هنا نصطدم بمشاكل آخرى وهي الوفرة وطريق الحصول على المال والتي يمكن أن تمنع تداول الحجارة علىسبيل المزال مالاً. فاعتمد الناس في البداية الذهب والفضة وذلك لندرتهما. فأصبح للذهب والفضة قيمة، وقيمتهما هنا تأتي من اعتماد الناس لهما وإعطاء الناس القيمة لهما لا أكثر. وهذه القيمة غير ذاتية فيهما، إذ لا شيء له قيمة ذاتية إلا ما يعطى له مهما كان.

ولو فكرنا قليلاً بالشروط التي يجب أن تكون متوفرة في العملة، لكان الشرط الأول هو كما ذُكر اعتماد الناس لها عملة. كما أنها يجب أن تكون أداة صالحة للقياس، وهذا الشرطان ينطبقان على الذهب والفضة، كما يمكن أن ينطبقا على الحديد والقصدير والنحاس. وعملياً كثير من تلك المعادن كان يعتمد عملة نقدية. ولو فكرنا بالطريق الصحيح الذي يجب أن يحصل الناس بموجبه على المال لما وجدنا سوى الجهد الذي يبذلونه والعمل وسيلة صالحة لكسب ذلك المال مهما كان. فكسب المرء للماس بغير جهد هو إخلال بالنظام الاقتصادي لأي مجتمع.

الدول حالياً تعتمد الذهب كقيمة مالية، وتعبر عن الذهب بالأوراق النقدية لسهول التداول والتعامل (ولننس الآن موضوع أن جل العملة الورقية في السوق لا رصيد له فهذا موضوع آخر). إذاً العملة الورقية الحالية هي كناية عن الذهب والفضة، إذاَ يمكن أن ننسا موضوع العملة الورقية وحديثنا عن العملة الورقية هو نفس حديثنا عن الذهب والفضة.

ولو عدنا لكلا الشيخ لوجدنا جملتين هما خطأ محض، الجملتان هما (العملة الرقمية هي مجرد برمجة، وليس لها رصيد من ذهب أو فضة، وليس لها قيمة ذاتية كالذهب).

لو بدأنا من آخر جملة، وهي أن هذه العملة ليس لها رصيد من ذهب أو فضة، لوجدنا أن الأمر يتعارض مع ما اتفقنا عليه، فمالذي أعطاى الذهب والفضة أساساً القيمة؟ وإن كان على العملة لكي تكون مقبولة أن يكون لها رصيد من ذهب وفضة، فما هو رصيد الذهب والفضة من الذهب والفضة؟! الأمر سخيف تماماً، والمفتاح في الحل هو أن أي شيء ليكون عملة (سواء الذهب أو الفضة أو العملة الرقمية) هو اعتادي الناس لها، فالناس هم من أعطى الذهب والفضة القيمة وبذلك صارت العملات تقاس عليها. وكان يمكن أن يحدث العكس، فيكتشف الناس مثلاً العملة الرقمية (فرضاً) ويعطوها قيمة ويتعاملوا بها، ثم يطبعون أوراقاً كناية عن التعامل بها لتجنب بعض الصعوبة في تداول العملة الرقمية مباشرة، ثم يكتشف أحدهم الذهب والفضة ويقترح التعامل بها عملة عوضاً عن العملة الرقمية، فهل نقول أن الذهب والفضة لا يصلحان لأنه ليس لهما قيمة عينية ولا رصيد لهما من العملة الرقمية! مغالطة دائرية تماماً!.

إذاً العبرة ليس الرصيد، فنحن نقيس العملة الورقية بالذهب والفضة لأننا أساساً قبلنا التعامل بالذهب والفضة وأعطيناها قيمة وارتضيناها عملة، ثم صرنا نقيس عليها ونتعامل بالورق كناية عنها فقط ولسهولة التعامل ليس إلا. وهذه النقطة مهمة جداً لأنها تشكل خطأً في فهم القضية، وتنقل الحكم من موضوع ارتضاء الناس لموضوع أن يكون للعملة رصيد من ذهب وفضة، وقضية رصيد الذهب والفضة تمنع الذهب والفضة من أن تكون عملة لو اشترطنا هذا الشرط، فما رصيد الذهب والفضة نفسهما؟!

إذاً أي شيء يرتضيه الناس يمكن أن يكون عملة ويمكن أن يكون رصيداً لعملة ورقية تحل محلها. فلو ارتضا الناس التعامل بالحجارة، ثم صكوا أوراقاً نقدية تحل محلها لجاز الأمر. فهل نقول بأن العملة الرقمية لا رصيد لها من الحجارة!

وبالحديث عن الحجارة يمكن أن ننتقل لشرط آخر يجب توافره، ويمنعنا من استخدام الحجارة. وهو أن يكون الحصول على هذه العملة بالجهد والعمل فقط. فالحجارة يمكن أن تحصل عليها من أي مكان، كما الذهب والفضة عملياً وإن اختلفت النسبة، لذلك فكلاهما من الناحية النظرية لا يصلح لأن يكون عملة، لأنه يؤدي لاختلال التوازن الاقتصادي بأن يحصل البعض على المال بغير جهد أو بجهد لا يتناسب مع المال الذي يحصلون عليه. وهذا حاصل في حالة الذهب والفضة فالناس سابقاً كانوا ينقبون بأنفسهم عن الذهب والفضة ويحصلون على ثروة ربما لا تتاسب مع الجهد الذي بذلوه للحصول على هذا المال. إذاً من الناحية النظرية العملة المثالية يجب أن يكون طريق الحصول عيها هو الجهد والعمل فقط، وبذلك يحصل تدوال سليم للعملة دون أي تضخمات أو فقاعات!

وكلامه عن أنها مجرد برمجة أيضاً كلام خاطىء. فمالذهب والفضة إذاً؟ سأقول لك ليسوا إلا ذرات مصطفة بطريقة معينة، وهل هذا يعطيهم قيمة بعيداً عن رضا الناس لهما؟ لا . المهم هو عنصر التفرد، أي أن لا يشبه الذهب أي شيء آخر، وهذا عملياً موجود في كل شيء، ويبقى أن يكون الشيء نادراً كفاية لكي لا يحدث خلل سريع في الاقتصاد كما في الحجارة. وشرط التفرد هذا موجود في العملة الرقمية، فهي وإن كانت أرقاماً ولكنها تحقق هذا الشرط، فليست كأي أرقام وهي تتميز بخصوصة تميزها عن غيرها وتعطيها عنصر الندرة. واختلافها عن الذهب والفضة بذلك لا يمنعها من أن تكون عملة أبداً.

واللطيف أن طريق الحصول عليها يسمى بالتنقيب Mining كما التنقيب على الذهب والفضة بالضبط! لذلك كونها أرقاماً فهذا لا يعني أنها لا تصلح كعملة، لأن الأصل هنا هو التفرد والخصوصية، وهي تحقق هذا الشرط بجدارة. إذاً قوله بأنها لا تمتلك قيمة ذاتية كالذهب والفضة كلام خاطىء ومتناقض أساساً. فالناس عندما يرتضون التعامل بهذه العملة، ويعطوها القيمة، وتحقق هذه العملة بعض الشروط كالتفرد والخصوصية والندرة الكافية فهي تصلح لأن تكون عملة شأنها شأن الدولار الذي هو كناية عن الذهب والفضة الذين لهما قيمة من ارتضاء الناس لهما أساساً.

كما أنه يشير إلى أن نفاد تصنيع هذه العملة عند حد معين مشكلة، وكأن الذهب والفضة لا ينفد! ويشير إلى مشكلة كسر الشيفرة في الحوسبة الكمومية وكأن الكيمياء لا تستطيع تحويل معادن أخرى إلى ذهب! كله وارد وكلن التكلفة هي ما يمنع كما الأمر في كسر التشفير الرقمي للعملة الرقمية حالياً.

خلاصة القول أنه في محاولته طرق باب هذه المسألة وقع في عدة نقاط أعتقد أنه كان فيها على خطأ وأن مقاربته للموضوع ليست صحيحة تماماً. والأهم هو أن فاسألوا أهل الذكر يجب أن تكون معكوسة في مثل هذه القضايا ويكون الحكم ومناط استنباكه منوطاً بالمختصين لا علماء الدين.

عن تزكية النفس وتدسيتها

والأمر لا يتوقف بطبيعة الحال عند الأمثلة المذكورة، أو عند المسلم، بل هو عام عند كل إنسان كائناً من كان، وتشمل كل قيمه وما يحدد من هو كإنسان.

بداية بدأت بهذه المقالة كنص، وخطر ببالي أن تصويرها كفيديو يختصر الكثير من الوقت والرسومات التي أرغب بوضعها ضمن المقالة، ولكني لست أدري أيهما أفضل لمثل هذه المقالات، النص مع الصور أم الفيديو، فما رأيك?