أفكار متفرقة (4) — عشوائيتنا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

عن الذكاء الاصطناعي أولاً

كثرت في الآونة الأخيرة ادعاءات كثير من الشركات الكبيرة مثل Google وغيرها بأن الذكاء الإصطناعي الذي تعمل عليه توصل لكذا وكذا وقام بكذا وكذا حتى أن غوغل ادعت أن الذكاء الاصطناعي الذي تعمل عليه قام بتوليد تقنية تشفير لا أحد يعلم كيف تعمل!

عملياً كل الحواسيب تعمل بناء على خوارزمية معينة يتم تزويدها بها ولا يمكنها الخروج عنها. ما يحدث هو أن بعض الخوارزميات تقوم بتطوير أداء الحاسب بشكل أسرع من غيرها. لنأخذ مثال الترجمة مثلاً. حتى تقوم بكتابة خوارزمية تقوم بترجمة النصوص كما يفعل مترجم غوغل فأنت أما مهمة صعبة جداً. إذ أن الخوارزمية التي يجب أن تكتبها يجب أن تأخذ بعين الاعتبار كل الاحتمالات الممكنة للنصوص التي يمكن أن نقوم بإدخالها إليها لتترجمها. ولأن الحاسوب يعمل كما تخبره فقط، أي وفق الأوامر المحددة الموجودة في الخوارزمية التي يعمل وفقاً لها – وهذه الخوارزمية بالضرورة محدودة الأسطر، فإن الخوارزمية معرضة للفشل في حال صادفت مثالاً لم يتم تزويدها بالإستجابة المناسبة له، أو أن أدائها سيكون دون المتوقع منها (ترجمة سيئة) في حال كانت مكتوبة بشكل تستجيب فيه لكل ما يتم إدخاله إليها بطريقة معينة وثابتة. وهذا الفشل مرده التنوع الهائل الممكن في التراكيب اللغوية التي يمكن تشكيلها في أي لغة، والتي يصعب جداً حصرها بشكل تام.

إذاً فكتابة الخوارزمية المثالية للترجمة أمر شاق وشاق جداً. ولنتذكر أن كتابة الخوارزمية تتطلب مصدراً للمعلومات، هو عقل المبرمج في حالتنا هذا. فهو الذي يقوم بالتبؤ بالحالات الممكنة التي يمكن أن يتم إدخالها للخوارزمية وبناء عليه يمكتب الاستجابة المثالية لها بناء على معرفته باللغة.

photo_2017-12-09_21-35-44

إذً لدينا الخوارزمية والتي فيها التعليمات المناسبة للاستجابة لكل حالة من الحالات التي يمكن أن تواجهها الخوارزمية أثناء قيامها بعملها. مصدر هذه المعلومات في حالتنا هذه هي عقل المبرمج وخبرته في الترجمة. وهنا نلاحظ أن المبرمج مهما كان خبيراً وضليعاً في الترجمة فإنه لا يمكن له أن يكتب الاستجابة المناسبة لكل حالة يمكن أن تتعرض لها الخوارزمية لعدة أسباب منها ما يتعلق بالوقت، فهو لا يملك الوقت الكافي لكتابة كل الحالات الممكنة للغة معينة، ومنها ما يتعلق بمحدودية قدراته وسوى ذلك من عوامل تحد من أداء الخوارزمية.

قبل أن نتابع، لنضع في بالنا نقطة مهمة ومهمة جداً، وهي أن خوازميتنا السابقة البسيطة ي خوارزمية يمكن لنا أن نتنبأ بمخرجاتها. إذ أن أي شخص يمكن له الوصول لقراءة نص الخورزمية فيمكنه بالتأكيد التنبؤ بالنتائج التي ستخرجها الخوارزمية فيما إذا ما تم أدخال بيانات معينة لها تمت برمجتها على الإستجابة لها من قبل (في مثالنا تمت برمجة الخوارزمية على الاستجابة لجملة “صباح الخير” فقط).

ما قامت به غوغل لاحقاً لتطوير خوارزميات الترجمة لديها كان حلاً ذكياً، ولكن الذكاء فيه ليس التطوير في جوهر الخوارزمية، إنما التطوير كان في طريقة إدخال المعلومات والبيانات للخوارزمية. أي التطوير حصل في طريقة تزويد الخوارزمية بالمعلومات التي يجب أن تستخدمها للترجمة. فلدينا على شبكة الإنترنت آلاف النصوص المترجمة يدوياً من قبل البشر، وغوغل لديها الوصول لتلك البيانات. ما قامت به لاحقاً هو كتابة خوارزمية بسيطة تقوم مثلاً بأخذ ملفين من لغتين تمت ترجمة أحدهما للآخر، وما ستقوم به الخوارزمية هو تقطيع النص الأول لجمل مثلاً وإيجاد الجمل المقابلة في الملف الثاني الذي تمت ترجمته يدوياً، وتقوم بعدها بتخزين تلك البيانات كثنائيات تستخدمها عندما تصادف جملاً مشابهة لتلك التي وجدتها في الملف الذي قامت بتقطيعه. الآن لنكرر هذه العملية على ملايين النصوص المترجمة بشرياً، ما سنحصل عليه في النهاية هو بنك كبير لثنائيات يمكن أن تستخدمها الخوارزمية في الترجمة بين أي لغتين طالما توافرت نصوص مترجمة بشرياً بين تلك اللغتين.

نلاحظ مما سبق أن التطوير حصل على طريقة إدخال البيانات للخوارزمية، وليس لطريقة عملها!. فهي بالنهاية تعتمد على بنك المعلومات ذاك لإيجاد الترجمة المناسبة لنص معين. طبعاً أنا لا أدعي المعرفة التامة بطريقة عمل ترجمة غوغل ولا أنفي وجود أفكار لتطوير عملية الترجمة، ولكن الجوهر الذي تحدثت عنه هو ما يحدث عملياً. أي أن التطوير الحاصل فقط في طريقة إدخال البيانات.

الآن لنفترض أن ترجمة غوغل وصلت بهذه الطريقة لشكل جيد جداً، فهل نقول عن تلك الخوارزمية بأنها ذكية؟ أو تمتلك شيئاً من الذكاء؟ يمكن أن نقول ذلك لو لم نكن نعلم الطريقة التي تعمل بها للحصول على بنك المعلومات الذي تستخدمه في مخرجاتها. وفي النهاية الذكاء الذي نلاحظه ناتج عن الملفات الجيدة التي تم تزويدها بها لتستخلص منها بنك معلوماتها، أي مصدر ذكائها هم البشر أنفسهم بنصوصهم المترجمة بحرفية عالية. وما قامت به الآلة هو فقط نسخ لجهودهم. ولو أن الخوارزمية صادفت واستخدمت نصوصاً مترجمة بشكل سيء، فسينتقل هذا السوء بالضرورة إلى عملها، أي أنها ستعطي نتائج سيئة لأنها اعتمدت على مصارد سيئة في بناء بك معلوماتها. إذاً في المرة القادمة التي تترجم فيها شيئاً على مترجم غوغل وتكون الترجمة سيئة، فلا تلم غوغل وإنما لم أولئك المترجمين البشر الذي ترجموا نصوصاً بشكل سيئ ونشروا تلك الترجمة على الشبكة ثم جاءت غوغل وأخذت تلك النصوص وزودت بها مترجمها! 🙂

لنعد لنقطتنا السابقة، هل الخوارزمية بشكلها الجديد يمكن التنبؤ بمخرجاتها؟ بالطبع يمكن. فما حدث كما قلنا ليس تطويراً للخوارزمية بذاتها إنما تطوير وطريقة جديدة لإعطائتها القدرة على بناء بنك معلومات هائل بفترة قياسية معتمدة على الجهود البشرية المنتشرة على الشبكة. إذاً لا يوجد أي ذكاء أصيل في الموضوع.

لنعمم تلك الطريقة على نواح أخرى. مثلاً في الخوارزميات التي تتكلم مع البشر، لنأخذ ملايين النصوص الحوارية والتي يتم فيها الحوار بين شخصين، ولنكتب خوارزمية تحلل كل مافي تلك النصوص وتصنف تلك النصوص إلى جمل واستجابة حوارية لتلك الجمل بناء على بيانات تمتلك الشركة الوصول لها، والتي هي بيانات بشرية بطبيعة الحال. ومن ثم لنبن آلة تتكلم معنا بناء على تلك المعطيات. هل نستطيع القول بأن تلك الآلة تمتلك ذكاء بشرياً؟ بالطبع لا، الأمر كما في ترجمة غوغل تماماً.

إذاً ما يحدث هو أن الشركات تستفيد من سرعة الضوء، كيف ذلك؟ الإشارات في الحواسيب تنتقل بسرعة الضوء، بالتالي تستطيع كتابة بيانات والوصل لها بسرعة الضوء وهذا يعطي الآلات تقدماً على البشر في المهمات التي تتطلب تكراراً، وكل ما سبق لا يعتمد إلى على التكرار. فما حصل هو أن غوغل استفادت من سرعة الحواسيب في معالجة البيانات، وقامت باستبدال المترجم الواحد الذي يكتب خوارزمية للترجمة واستبدلته بآلاف البشر الذين قاموا بنفس المهمة. كل ما قرأته عن الذكاء الاصطناعي حتى اللحظة يعتمد على نفس المبدأ، وهو أخذ كمية هائلة من البيانات ومن ثم معالجتها للوصول إلى خوارزمية تقوم بالاستجابة لنوع من المعطيات بناء على ما حصلت عليه من معلومات من تلك البيانات التي تم تزويدها بها بالأصل. من هنا تدرك أهمية البيانات البشرية في الذكاء الإصطناعي. فشكرة مثل فيس بو مثلاً لديها كم هائل من الصور الشخصية التي تعرف أصحابها، والتي بواسطتها يمكنها بناء خوارزمية تقوم بالتعرف على الصور كما فعلت غوغل أو لنقل بشكل مشابه لنكون أكثر دقة فيما لا نعلمه تماماً.

بالنتيجة كل ما سبق هو خوارزميات قابلة للتنبؤ، ولا تمتلك أي ذكاء. أعطني البيانات التي قامت غوغل بتزويد مترجمها بها، وأعطني الخوارزمية التي تمت كتابتها للمترجم، وسأتنبؤ لك بأي نص يقوم المترجم بترجمته بنسبة 100%. لماذا؟ لأن الخوازرمية تعمل بشكل أعمى ولا تمتلك الخروج عن النص 🙂 وحتى لو خرجت عن النص فسيكون ذلك بأمر من سطر ما من الخوارزمية، أي من النص :).

إذاً في المرة القادمة التي تقرأ فيها بأن الذكاء الاصطناعي لشركة ما قام بعمل ما فلا تخف كثيراً، ولا تتفائل كثيراً فكل ما في الأمر هو إعطاء الحاسوب بيانات هائلة وتعليمه كيف يستفيد منها لا أكثر ولا أقل. وعندما تقول لك شركة ما بأن ذكائها الإصطناعي توصل لطريقة تشفير لا أحد يعلم كلها فلا تصدق هذا الهراء! وتذكر أن العشوائية الظاهرة في أداء ذكاء اصطناعي معين مصدرها البيانات التي تم تزويده بها أساساً لا أكثر ولا أقل. فهو إذاً دائماً وأبداً يعطي مخرجات يمكن التنبؤ بها بدقة تامة بمعرفة البيانات التي تم تزويده بها أساساً. ويجب أن تفهم الآن سبب نهم تلك الشركات وراء البيانات لأنها بواسطتها تستيطع تحقيق الكثير!

بالمقابل لنتأمل قليلاً ولنسأل أنفسنا السؤال التالي: هل يمكن أن يكون ذكاء البشر تشكل بالطريقة ذاتها؟ أي أن كل ما نملكه من ذكاء هو ناتج عن البيانات التي نأخذها من محيطنا؟ أي بمعنى آخر هل يمكن أن يكون ذكاؤنا تطور بالطريقة ذاتها للدرجة التي توصلنا فيها إلى بناء حواسيب، ثم علمنا تلك الحواسيب أن تطور من نفسها بنفس الطريقة 🙂 وبذلك يكون تطور الذكاء قد أتم دورة كاملة :).

بفرض هذا الاحتمال فإنه لا بد لتلك الحلقة من خوارزمية أولية تبدأ منها الدورة، أي لا بد من وجود خوارزمية تتعاطى المعلومات ومن ثم تطور نفسها بناء على تنوع المعلومات التي تتعرض لها. هذا يقودنا بالضرورة للتطور، فهل يمكن لتلك الخوارزمية الأولية من أن توجد بالصدفة؟ أي هل يمكن لتعقيدها الضروري أو أقل تعقيد ممكن لها، هل يمكن له أن يوجد بالصدفة؟ إذا أجبنا بنعم فيجب أن نعترف بالمقابل بأن خوارزميات قد تنشأ بالخطأ (الصدفة) في حواسيب عملاقة ويمكن لها أن تتطور وتستفيد من المعلومات من حولها في تطوير نفسها وتطوير استجابتها للمتغيرات من حولها بناء على تلك المعطيات التيتعرضت لها واستفادت منها في تطوير بنك معلوماتها الخاص بالاستجابة للمعطيات الخارجية؟

لننتقل مؤقتاً للمحاكاة الرقمية

لنفترض أنك قمت بعمل محاكاة لكون افتراضي صغير. أي أن قمت بصناعة كون صغير في محاكاة حاسوبية. لا بد لك من أن تقوم بوضع قوانين لهذا الكون، ولنفترض أنك وضع قانوناً بأن الجسم ليطير يجب أن يكون ثقله أخف من 1 كيلو غرام. بعدها فإن المخلوقات التي كتبت لها خوارزميات لتكون بشراً في ذلك الكون ستكتشف يوماً ما هذا القانون، ولكنها ستطلق عليه قانوناً كونياً. وما دام هذا القانون يسري على كل المحاكاة، أي على كل ذلك الكو الافتراضي الذي قمت ببنائه، فأن تلك المخلومات سيترسخ لها بأن هذا القانون قانون راسخ في كونها وكوني، أي صحيح في كل مكان من هذا الكون. وهذا طبيعي بالنسبة لك 🙂

بالتالي يمكن لك في محاكاة ثانية في حاسوب ثاني أن تصنع قوانين جديدة، فمثلاً تغير الوزن الذي يجب أن يكون عليه الجسم ليطير وبالمثل سيكتشف الناس في كونك ذاك هذا القانون ويسمونه قانوناً كونياً بالمثل. في مثل هذا السيناريوا وبالنسبة لكائنات الكون الأول فإن قانونهم كوني والقانون الثاني هو قانون خاص بكون آخر، ليس كونهم، فيما لو أوجدت لهم طريقة للتواصل.

بالمثل، هل قوانين كوننا هي من هذا الشكل؟ هل هي مجرد أوامر تمت برمجة هذا الكون عليها لا أكثر ولا أقل؟ وبالمثل هل قوانين كوننا تم وضعها مسبقاً لتتصرف بهذا الشكل في محاكاة حاسوبية ومن ثم تطورت هذه الخوارزميات (التي هي نحن) لتصنع حواسيب ومحاكاة حاسوبية وتضع فيها قوانين ثابتة لتلك المحاكاة أيضاً (كما في الألعاب مثلاً) وبذلك ومرة أخرى تكتمل الحلقة؟ 🙂

البعض يعتقد بأنه يستحيل أن نكون في محاكاة رقمية لأن كمية البيانات التي يحتوي عليها الكون تتطلب قدرات حاسوبية لا يمكن لها أن توجد في أي مكان! ولكن القوانين التي استندوا عليها في بناء تلك النتيجة هي قوانين من كوننا هذا الذي يمكن أن يكون محاكاة حاسوبية، بالتالي لا يحق لهم هذا الادعاء، وبرأيي لا يمكن الحكم أبداً باستحالة كوننا في محاكاة رقمية. أي انهم يدعون أن هذا الاحتمال ضئيل جداً لأن “القوانين الفيزيائية” لا تسمح بذلك! وكأن هذه القوانين لن تكون جزءاً من تلك المحاكاة فيما لو كنا في محاكاة، وكأنها لن تكون قابلة للتبديل والتغيير!.

لنغير السؤال قليلاً، هل يمكنك أن تنفي أنك العاقل الوحيد في هذا الكون وكل من حولك هم عبارة عن حواسيب أو مخلوقات تتصرف بشكل معين أمامك فقط؟ لا تستيطع.

هل تستيطع أن تثبت لنفسك بأن وعيك لنفسك يشبه وعي الآخرين لأنفسهم؟ لا يمكن لك ولا لغيرك القيام بذلك. لأنالطريقة الوحيدة لاختبار ذلك هي أن تشهد وعيهم بذاتك. لنضرب مثالاً أولاً. تخيل أن لديك سيارة من نوع معين، هذه السيارة لها خصائص معينة تختبرها عندما تقود السيارة وعندما تتعامل معها. الآن لنفترض أن شخصاً جاء إليك وادعى بأن سيارته هي نفس سيارتك تماماً، وأعطاك كل الوثائق والصور التي تؤكد ذلك. في مثل هذه الحالة يبقى دائماً هناك مجال لأن يكون كاذباً وأن تكون سيارته مختلفة عن سيارتك ويبقى السبيل الوحيد هو أن تجرب السيارة بنفسك وتعاينها بنفسك. في مثل هذا المثال لن نخوض في كلمة “تعاينها” ولكن لأن المعاينة لسيارتك ولسيارته ستكون بنفس المستوى سنقبل أن النتيجة التي ستخرج بها في حال معاينتك لسيارته ستكون مقبولة. إذاً أنت بحاجة لأن تختبر القضية بنفسك. لكن في حالة الواعي كيف تختبر وعي شخص آخر بنفسك؟ في مثل هذه الحالة يجب أن تصبح أنت هو لكي تختبر وعيه، ولكن في مثل هذه الحالة ستختفي أنت ولن يعود لك وجود لأنك تماهيت  معه تماماً، بالتالي يستحيل عليك أن تنقل المعلومة لنفسك. إذاً في حالة الوعي الأمر مستحيل لأن الوعي هو الأداة وهو المادة المفحوصة في نفس الوقت وهذا أمر مستحيل.

عشوائيتنا

لنعد مرة أخرى لموضوع العشوائية وسؤالنا عن تطور ذكائنا. هل من الممكن أن يكون ذكائنا قد تطور بنفس الطريقة التي نطور بها نحن الذكاء الإصطناعي اليوم؟ بتعريضه لبيانات مختلفة؟ هذا طبعاً يتطلب أن تتواجد الخوارزمية اللازمة بالصدفة وبدون موجد كما تقول نظرية التطور، وهنا لن نخوض في هذه النقطة ولكن سنحاول البحث في قضية العشوائية.

نعلم أن الحواسيب تقوم بتوليد الأرقام العشوائية باستخدام خوارزميات معينة وبالإستناد على قيمة معينة متغيرة باستمرار (كالوقت مثلاً) يتم التعديل على هذه القيمة بشكل معقد للخروج برقم عشوائي. لكن طبعاً هذا الرقم ليس عشوائياً بالمعنى الحرفي، لأننا لو علمنا القيمة التي استندت عليها الخوارزمية المولدة للرقم وعرفنا التعديلات الموضوعة فيها لعرفنا قيمة الرقم بالضرورة.

لننتقل الآن للإنسان ولوعي الإنسان، لو طلبنا منك رقماً عشوائياً فستعطينا رقماً ما. السؤال هنا هل الأمر مشابه للخوارزمية بالنسبة لدماغك؟ هل اعتمد دماغك على قيم معينى لإعطاء هذا الرقم العشوائي؟ أم أنه رقم عشوائي حقيقي؟ ليس من السهولة الإجابة عن هذا السؤال، ولكني أعتقد أن لهذا السؤال تداعيات تمس مواضيع أخرى كالذاكرة والذكاء والروح آخراً.

ما هو مصدر ذكائنا؟ هل هو بنية الدماغ بحد ذاته؟ أي هل هي الطريقة تم توصيل العصبونات فيها؟ الدماغ عملياً ليس إلا عصبونات موصولة مع بعضها البعض بطريقة معقدة، وهذه العصبونات تمرر إشارات كهربائية فيما بينها باستمرار. الأمر مشابه تماماً للحاسوب، ويمكن عملياً محاكاة تركيب الدماغ في الحاسوب. وعملياً ستكون المحاكاة أكثر تفوقاً على الدماغ فيما لو كان الأمر يتقصر على البنية وطريقة التوصيل، لأن الحاسوب ينقل الإشارات بسرعة الضوء، بينما تنتقل الإشارات بين العصوبات في الدماغ بسرعة 119 متر في الثانية على أكثر تقدير. تخل الفارق بينها وبين سرعة نقل البيانات في محاكاة حاسوبية للدماغ والتي هي سرعة نقل الإشارات الكهربائية في الأسلاك! (لحد الآن لم أجد الرقم الدقيق :)).

طبعاً أي محاكاة للدماغ ستواجه عدة عوائق منها فكرة مهمة جداً وهي تمثل حداً معيقاً لسرعة نقل البيانات والتعامل معها في الحواسيب. ما هو أبطأ شيء عملياً في حاسوبك الذي بين يديك بالنسبة لنقل البيانات؟ بعيداً عن سرعة اتصالك بالإنترنت 🙂 فإن أبطأ مكون من مكونات الحاسوب لديك فيما يخص سرعة التعامل مع البيانات هو القرص الصلب الذي يقوم الحاسوب بتخزين المعلومات عليه. وعليه فإن سرعة التعامل مع البيانات ستكون محدودة بأبطأ مكون، القرص الصلب في حالتنا، وستكون محدودو بالتحديد مع سرعة القراءة والكتابة إلى هذا القرص. طبعاً هناك تطور كبير في هذا المجال فلدينا اليوم الـ SSD ولكن مهما يكن فإن سرعة التعامل مع البيانات والمعلومات ستبقى حتى أجل آخر محدودة بسرعة التعامل مع وسائط تخزين البيانات اللازمة لعمل أي خوارزمية، وخصوصاً عندما تعتمد الخوارزمية على بنك معلومات كبير كما في حالة الترجمة مثلاً.

بالعودة للإنسان ودماغه فإن أكثر شيء مريب في موضوع البحث عن الذكاء هو أن البحث عن مكان تخزين الذكريات في الدماغ يكاد لا يذكر أو لن تجد فيه تقدماً ملحوظاً أو لنقل لا زلنا لا نفهم أين يتم تحزين الذكريات لدي الإنسان. صحيح أن الإنسان يخسر أنواع معينة من الذاكرة عند تضرر جزء من دماغه ولكن هذا لا يشير بأي شكل من الأشكال إلى الطريقة التي يخزن بها الدماغ المعلومات التي يحصل عليها والمكان كذلك الأمر. فنحن لا نعلم على وجه التحديد لا الطريقة ولا المكان. النظريات الحديثة تتحدث عن طرق ربط العصبونات مع بعضها البعض ولكن صدقني لو قرأت أي منها لوجدتها تلف وتدور في المكان بدون أن تخرج منها بشيء يرضي فضولك!

إذاً عنصر هام من عناصر المحاكاة للدماغ لايزال غير مفهوماً. فإن اعتبرنا أن الطريقة التي يقوم بها الدماغ بتخزين الذكريات (المعلومات) طريقة فريدة وتعطيه تقدماً على الطريقة التي يقوم بها الحاسوب بذلك، فذلك يضع موضوع المحاكاة أما إشارة التسفهام كبيرة، لكن إذا اعتبرنا أنالقضية لن تؤثر فيظل الحاسوب متقدماً أو سيتقدم عند نجاح عملية المحاكاة، وذلك لتفوقه في سرعة نقل البيانات بين المكونات. هذه السرعة بالنسبة للإنسان تتدخل كثيراً في الوعي. فوعينا مرتبط ارتباطاً وثيقاً بسرعة مكونات الجسم البشري في نقل البيانات. لتوضيح ذلك لا بد لنا من التعرف على مفهوم سرعة نقل البيانات نسبة للزمن أو ما يعرف بالـ Clocking rate.

وعينا والـ Clocking Rate

لنفترض أنك أحببت أن تتواصل مع صديقك عبر إشارات معينة، لنقل أنها ضوئية. فأنت تحمل بيدك مصباحاً وهو يراقب الضوء الصادر عن المصباح. تم الاتفاق بينكما على تسلسل معين لنقل أنه تسلسل مورس لتكويد الأحرف. في هذه الحالة يبقى أمامكما لتواصل ناجح تحديد عدد الإشارات بالنسبة للزمن ليتمكن هو من إرسال العدد المناسب بالزمن المناسب وتتمكن أنت من التقاط المعلومات كما أرسلها هو. لنتفرض أنكما اتفقتما على إرسال إشارة واحد كل ثلاث ثواني. بالتالي يمكننا القول بأن معد سرعة نقل البيانات بينكما (المعلومات، الأحرف) هو 1/3 معلومة في كل ثانية، أو معلومة في كل ثلاث ثواني. إذاً عندما تتلقى أنت إشارة فأنت لا تتوقع إشارة أخرى إلا بعد مرور ثلاث ثواني. وهذا يعني مثلاً أن نقل كلمة مؤلفة من خمسة أحرف يستغرق 15 ثانية، وهكذا. هذه العملية تحدد سرعة نقل البيانات بينكما. وكما تلاحظ يمكن رفعها لسرعة أكبر فيما لو تمكن هو من إرسال إشارة واحدة في كل ثانية مثلاً. ولكن بالنهاية هناك حد لا يمكنه هو أن يتخطاه في سرعة إرسال الإشارات وحد لك لا يمكنك أن تتخطاه في سرعة فهم الإشارات الواردة منه. وهذا الحد مرتبط بالضرورة ببنية الأجهزة المستخدمة في إرسال واستقبال المعلومات ويتحدد بحدودها ومقدرتها العظمى.

بالمثل بالنسبة لوعينا، فنن نتلقى المعلومات والإشارات من الوسط المحيط ثم نعيها، ولكن هذا التلقي محدود بقدرات الأجهزة المستقبلة للمعلومات (الحواس الخمس) من جهة وبقدرة الدماغ نفسه على معالجة هذه المعلومات من جهة أخرى (سرعة نقل وتبادل المعلومات بين العصبونات).

لنأخذ العين على سبيل المثال. تصل الصور للعين بسرعة الضوء، ولنفترض أنك تشاهد التلفاز. تتغير الصور على التلفاز بحد معين يعرف بعدد الإطر بالثانية الواحدة. لنفترض أنك تشاهد فيديو على تلفاز قادر على عرض 60 إطار في الثانية، أي أن الصورة على التلفاز تتغيربمعد 60 مرة في الثانية. هذا هو معدل نقل البيانات بالنسبة للتلفاز والفيديو، سنتفرض أنهما متوافقان على 60 إطار في الثانية. الأمر مختلف تمامأً بالنسبة للعين البشرية بسبب طبيعة تركيبتها. فهي غير قادرة على ملاحظة هذا التواتو من تغير المعطيات في الثانية الواحدة، لذلك فإن الوعي مرتبط بالضرورة بقدرة العين على التمييز بين تغير المعلومات في الأطر التي تتلقاها من الوسط الخارجي. ومن ثم يرتبط الموضوع بسرعة نقل العصب البصري لهذه المعلومات للدماغ، ومن ثم يرتبط الموضوع بسرعة نقل وتبادل العصبونات في الدماغ للمعلومات. بالنهاية يرتبط الموضوع بأبطأ مكون في السلسلة السابقة. ما يعني أن الوعي يختلف تبعاً لسرعة معالجتك للمعلومات. تخيل معي أنك تمتلك عيناً تختلف في بنيتها عن العين البشرية. هذه العين قادرة على تمييز 60 تغير للصورة في الثانية، ولنفترض أنك قادر في كل عناصر السلسلة السابقة على محاكاة هذه السرعة في نقل البيانات، بالتالي ما ستشاهد يختلف عما أشاهده أنا وأعيه. أنت ستشاهد تتالي بطيء جداً للصور ولن تحصل على عرض سلسل للصور (الفيديو) كما أحصل عليه أنا. فبالنهاية تمت صناعة الفيديو بسرعة عرض معينة تتناسب مع العين البشرية للحصول على عرض سلسل. لكن لو كان للحاسوب وعي فهو لن يتلقى المعلومات كما تتلقاها أنت لأنه يمتلك مكونات تتفوق في سرعة تعاملها مع البيانات مع سرعة تعامل حواسك الخمس (التي هو وسائل إدخال المعلومات بالنسبة لك) مع المعلومات المحيطة بك.

بالعودة لمفهوم العشوائية وتساؤلنا عن علاقتها بالذكاء لدى البشر. هل يتعلق الذكاء ومنبعه عن البشر بالطريقة التي يولد فيها الدماغ أرقاماً عشوائية؟ وهل لذلك علاقة بذكائنا وطريقة توليده؟ طبعاً السؤال بغض النظر عن تأثير البيئة المحيطة على الذكاء.

بالعودة مجدداً ك) لموضوع المحاكاة الحاسوبية فيبدو أن الطريقة الوحيدة لمعرفة هل نحن في محاكاة حاسوبية أم لا تتمثل في محاولة العودة إلى أصل الظواهر المحيطة بنا. أي محاولة معرفة أصل تلك القوانين الكونية التي نراها. فمثلاً نحن نعلم أن المصباح ينير عندما تسري فيه الكهرباء بسبب سخونة السلك وإصدارها الطاقة على شكل فوتونات، والكهرباء تنشأ بالسبب الفلاني والسبب الفلاني تفسيره السبب الفلاني، هذه السلسلة من الأسئلة لا نمتلك نهاية لها، ولكن فيما لو توصلنا لنهايتها فسنعرف تماماً هل نحن في محاكاة حاسوبية أم لا. شخصياً وبعيداً عن قصة المحاكاة أعتقد أن للموضوع علاقة بفكرة الدعاء والقضاء والقدر، وسأكتب عن ذلك في مقالة أخرى.

كيف يمكننا التأكد من أننا قادرون على توليد أرقام عشوائية صرفة؟ بالنسبة للحاسوب الأمر محسوم بأنه قابل للتبنؤ باحتمال مئة بالمئة. ماذا عن البشر؟ هل عشوائيتهم مطلقة؟ عملياً يمكن بالمصادفة أن تحزر الرقم الذي أخمنه، ولكن هل هذا يعني أنك اكتشفت هذا الرقم العشوائي الذي أعطيته لك لأنك تعرف كيف أولده؟ بالتأكيد لا. باستبعاد موضوع المصادفة هنا فإننا لا نستطيع الإجابة عن سؤالنا عن مطلق عشوائيتنا إلى بفهم عمل الدماغ البشري بشكل تام.

ختاماً أحب أن أشير إلى نقطة شخصية في نظري لكل ما سبق، وهذه النقاط غير محصورة بالنظرة العلمية للموضوع إنما تتناول نظرتنا الدينية لهذا الكون. بالنسبة للعشوائية فلا يمكن نظرياً الوصول لعشوائية صرفة إلا إذا كانت العشوائية قادمة من خارج المنظومة. فلو كنا في محاكاة رقمية فإن اي جهاز يعمل بالقوانين التي بُنيت عليها تلك المحاكاة ستكون مخرجاته قابلة للتنبؤ بمعرفة المدخلات والخوارزمية التي يعمل بها. أما لو حصلنا بطريقة ما على رقم من خارج المنظومة فإن هذا الرقم سيكون عشوائياً صرفاً ولن يكون بإمكاننا التنبؤ به بحال من الأحوال. وبالنسبة لي تشكل الروح التي نؤمن بها جزءاً من خارج المنظومة التي يعمل بها الكون، لذلك فإن عشوائيتنا برأيي هي صرفة غير خاضعة للقوانين التي يعمل بها الكون.

بالمثل فإن بحثنا عن سلسلة أي حدث لا يمكن أن توصلنا إلى النهاية، لأن نهايتها يجب أن تكون خارج منظومة كوننا وبالتالي فلن نصل يوماً إلى فهم كل أسرار كوننا لأن جزءاً منها يقع خارج منظومة الكون نفسه وخارج قوانينه.

بالنسبة للذاكرة لدى البشر فأنا أعتقد أن للروح دوراً في الموضوع وهي السر الكامن وراء عبقرية أداء الدماغ البشري. والمهم هنا أنها خارج المنظومة لذلك بحثنا عنها لا يمكن أن يوصلنا لأي شيء، وهذا ما وجهنا إليه ربنا بأنها من علم الغيب والغيب لا يمكننا الوصول له من داخل المنظومة أو اعتماداً على مكوناتها وقوانينها.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s